لماذا لم يصل صنع الله إبراهيم إليّ مبكراً في العراق؟

أصول جديدة للرواية العربية بعد نجيب محفوظ

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم
TT

لماذا لم يصل صنع الله إبراهيم إليّ مبكراً في العراق؟

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم

لا أتذكر أني سمعتُ باسم صنع الله إبراهيم في ثمانينات العراق الكئيبة؛ كانت الأخبار، آنذاك، قليلة، ومثلها الكتب. الحياة ذاتها كانت معلَّقة، برمتها، بالفراغ الدامي، في انتظار الذي يأتي ولا يأتي، كانت الحرب قصة البلاد الوحيدة ببطلها الأوحد الوحيد؛ فهو الحكاية كلها بفصولها المختلفة والمتعدِّدة، هو صانع الحكايات وراويها، وكان على البلاد أن تنتظر حتى تضع الحرب أوزارها. لكني للإنصاف، أيضاً، كنت مغرماً بالشعر والشعراء، وهذا، ربما، سبب إضافي لجهلي باسم الكاتب المصري الشهير، وكأن هناك قدراً حال دون تلك المعرفة، سوى أن مصائر الكتب ومؤلفيها لم تكن، يوماً، رهناً بالمزاج الشخصي؛ فأنا أتذكر أن صديقاً اشترى من «بسطية» كتب رواية عاش كاتبها ردحاً من الزمن في عراقنا العجيب، وكان عنوان الرواية «قصة حب مجوسية»؛ فلماذا لم أتعثَّر، أنا شخصياً، بإحدى روايات صنع الله كما تعثَّر صاحبنا؟!

أفكر الآن أن لا معنى لربط مصائر روايات كاتب ستيني أساسي، مثل صنع الله، بقراءاتي ومسارات حياتي المضطربة؛ فقصته التي صنعت شهرته: «تلك الرائحة»، كانت قد صدرت عام 1966 في القاهرة، وصودرت في الحال، ثم ظهرت منها نسخة غير مكتملة نشرتها مجلة «شعر» اللبنانية الشهيرة عام 1969. ولم أكن، وقتها، قد التقطت نفسي الأول. لكن القصة كلها هنا، في هذه النقطة المحدَّدة من الحياة؛ فأنا أفترض أن جانباً أساسياً من مساهمة صنع الله تكمن في هذه النقطة، فقصصه ورواياته كانت صانعة لمخيلتي الفقيرة آنذاك. هل كانت مخيلتي وحدها الفقيرة؛ أم أن البلاد، بلادي كلها، كانت تفتقر لمخيلة خصبة بعد حرب مدمِّرة وقصص مكرَّرة، ملايين المرات، لحاكم البلاد، وهو يضحك، ثم وهو يحتفل بميلاده «السعيد»، ثم وهو يذهب لتعاسته الخالدة؟

ثمة سيرة مقترحة... ثمة مخيلة أخرى

كانت قراءتي لقصة «تلك الرائحة» موعداً متأخراً مع مخيلة جديدة، كلياً، لم أعهدها من قبل. أفكر الآن أن تلك المخيلة كانت متصلة بسيرة ضمنية لكاتب تلك القصة المختلفة. تحكي القصة المطوَّلة، نسبياً، عن «سجين» سياسي يخرج، للتو، من المعتقل، ويعود إلى عالمه الأول، ولم يكن سوى غرفة قذرة هي المعادل للبلاد كلها. تبدو قصة السجين السياسي العائد قصة مكررة، ربما، في الرواية والقصة العربية؛ ففي الرواية العراقية، مثلاً، سيظهر عندنا ما سُمي، لاحقاً، بـ«ثلاثية شباط: (الوشم) - 1972 و(القلعة الخامسة) - 1972 و(الرجع البعيد) - 1980»، والروايات الثلاث، لا سيَّما «الوشم»، تتخذ من سردية السجين الخارج من المعتقل موضوعاً كلياً لها. ففي «الوشم» نغادر المعتقل مع «كريم الناصري»، ونعود معه إلى مدينته وعالمه العتيق. ثمة عالم كامل ينهار أمامنا، لا عِوَض أو بديل عنه سوى الوهم والخيبة. هذا بالضبط ما تقترحه «تلك الرائحة» من عوالم مختلفة وصادمة على القصة العربية، سوى أن بطل «تلك الرائحة» لا يملك بيتاً أو أهلاً يعود إليهم. فهي القصة، ولنقل «النوفيلا» المؤسسة لسردية السجين الخارج من المعتقل؛ حيث الأبواب الضخمة المغلقة بإحكام، الأبواب التي تكتم الأصوات وتقمع الأحلام. وهي، وحدها، مما يخرج منها الناس، في عالمنا العربي، إلى ما تبقَّى منهم، إلى سجون الذات المحصَّنة، فلا أبواب كبرى سواها تطاول السماوات؛ كما لو أن يجتاز عتبتها الأخيرة يُلقى به من أعلاها إلى أسفل سافلين، فلا يبقى منه غير الحطام!

وهذه سردية كررت عوالمها الرواية العربية مراراً بطبعاتها وأسمائها المختلفة. قصة المعتقل وسجينه والرائحة العجيبة، رائحة الذات المحطمة هي إحدى صنائع مخيلة صنع الله العجيب والمتفرد. هل كان إبراهيم يكتب عن تجربة بصفته معتقلاً سياسياً في سجون عبد الناصر؟ هذا من نافلة القول، وفي استلهام تجربة الذات فرادة وتفوُّق يُحسب لصنع الله؛ فلا نكون إزاء وهم الذات المتفجعة بمحنتها، ولا يستغرقنا فخ السرد المتوهَّم بمنجزه القصصي. كان صنع الله يستلهم تجربته، وهذه حقيقة كبرى قامت عليها مجمل رواياته؛ فهو يستعمل تجاربه الشخصية في الكتابة السردية، لكنه يعدها محض وسيلة من وسائل أخرى متعدِّدة، وربما مختلفة، في تشييد العالم السردي لقصته أو روايته.

1970: نسيان أقل وذاكرة منضبطة

لكن صنع الله المختلف لا يزيف تجربته ولا يخدع قارئه؛ فلا يكتب بقصد استعادة عالمه المنتهك أو المنهوب انتقاماً من سردية المعتقل، أو لترميم صورة الذات قبله، كما يرغب ويفعل كتَّاب عرب كثيرون؛ وللأسف؛ بروايات تتعكز على سردية «الحكاية المصنَّعة» فيسرفون في استعمال «النسيان» حتى كأنه قد صار ذاكرة كبرى في رواياتهم. أفكر هنا بروايته المتفردة أيضاً «(1970» («الثقافة الجديدة» - 2019)؛ فهي نموذج سردي خاص لما يمكن تسميته بجدل الذاكرة والنسيان. وعندي أن الرواية تنطوي وتقوم على مغالبة «النسيان» والاقتصاد الحذر في استعماله؛ فالأصل هنا هو الظفر بالقصة الأصلية بلا زيادات ولا نسيان متعمَّد.

تؤلف «1970» جزءاً ثالثاً من ثلاثية تُعرف بالاسم ذاته «ثلاثية صنع الله إبراهيم»، كما سمَّاها الناقد المغربي صدوق نور الدين في كتابه: «اكتمال الدائرة» («الثقافة الجديدة» - 2021)، وسبقها جزآن شهيران: «67» و«برلين 69». هي ثلاثية روائية بمواضيع تاريخية وأساليب سردية ذات صلة مؤكدة. ولست أعرف إن كان مصطلح «الثلاثية» قد أطلقه الكاتب نفسه، أم أنه من بنات أفكار نقاد رواياته ودارسيه، كما حدث من قبل عندما جمع الناقد المصري محمود أمين العالم 3 روايات للكاتب، في دراسة عُرفت بعنوان شهير: «ثلاثية الرفض والهزيمة» (1985)، وكان موضوعها الروايات: «تلك الرائحة»، و«نجمة أغسطس»، و«اللجنة». رواية «1970»، وقد انفردت عن الجزأين السابقين، بالصيغة التاريخية الكاملة «1970»؛ فرقاً عن «67» و«برلين 69»، وكأنها تعلن، ابتداءً، أنها بصدد كتابة سيرة جديدة، مختلفة ومتأخِّرة أيضاً، موضوعها ومادتها «الزعيم عبد الناصر».

حياة الزعيم في سنتها الأخيرة هي منطق الرواية وسبيلها لقراءة العالم السردي المنتهي بالوفاة المفاجئة لعبد الناصر. ولا تبخل علينا الرواية بمواد التوثيق السيري والتاريخي، بدءاً من التاريخ، وليس ختاماً بصورة «عبد الناصر» الواضحة على الغلاف الأمامي للرواية. والرواية تُفيد، من ثمّ، بوصفها نصاً مؤسساً في الرواية السيرية التاريخية، من موارد السرد التاريخي المختلفة والسرد الذاتي «منطق الراوي المتكلِّم» المتماهي مع سلطة مفترضة للراوي العليم المتخفي بألف قناع وقناع. ومثلما كانت قصته الأولى «تلك الرائحة» فاتحة روايات المعتقل في الأدب العربي بصيغتها الأخيرة المتمثِّلة بعودة السجين إلى عالمه الأول وحياته التالفة؛ فإن رواية «1970» هي صياغة كلية متأخِّرة (2019)، ولا شكَّ، لمنطق الذاكرة السيرية في سياق سردية «الزعيم». وقد سُبقت بثلاثية جميل عطية إبراهيم «1952»، و«أوراق 1954»، و«1981»، وقد صدر جزؤها الأول عام 1990. ولم تكن مختصَّة بسردية «الزعيم»، إنما بحدث مركزي هو «1952».

أفكر في سياق قراءتي لرواية «1970» بإشكالية الذاكرة الظافرة؛ إن صح الكلام والتسمية. وهي، هنا، الذاكرة المنضبطة، أو هذا ما تجاهر به الرواية، وهي تحايث سرديتين تتغالبان وتتضادان: سردية الراوي المتكلِّم: «لماذا لا أقول: المتذكِّر؟!»، وسردية الزعيم الرهيب. ويدخل ضمن هذا الانضباط التمكن الواضح، بل و«التغلُّب» على شهوة «النسيان». وهذه «شهوة» قاهرة أظهرت قدرة فائقة على اقتراح تواريخ وسير مختلفة عن أصلها الأول، مما نجده في أغلب روايات ما بعد الحداثة، لا سيَّما بنسخها العربية «المقلِّدة». رواية «1970» هي رواية الذاكرة الظافرة بنسيان أقل أثراً وفاعلية، وهي كذلك رواية الذاكرة المنصفة.

اخترت «نوفيلا: تلك الرائحة» ورواية أساسية، هي «1970»، في سياق مدونة كبرى تألفت من روايات كثيرة ومختلفة، كان لها أن تسهم في صناعة اسم متفرد هو «صنع الله إبراهيم». والنموذجان، أو النصان الأساسيان، ينجحان بتقديم العالم الخاص لكاتب من شاكلة «صنع الله»؛ فهما يقدمان طرائق متفردة من الريادة المُلهمة في كتابة الرواية والقصة المنتصرة لعوالم الذات المهمَّشة، والمغلوبة على أمرها، المرتبطة بالتواريخ المقصيَّة والملغاة من السجلات الرسمية، من دون أن يسمح لها بالسقوط في فخ الذات المنكسرة. ثمّ إن النصين ينجحان بتقديم صنع الله بوصفه سردية مقاومة لعسف السلطة، ولرغبة الذات الجامحة بكتابة مرثية تتوَّهم كتابة تاريخ ينتصر لها ولخيباتها السابقة. هذه السردية الأساسية تنجح كثيراً بتقديم نفسها بوصفها الرواية الثانية بعد رواية المؤسِّس نجيب محفوظ. هل ثمة مبالغة فيما نقول؟ أبداً؛ وقد أزعم أن الدراسات المقبلة في حقل الرواية العربية ستقف موسعاً عند نصوص صنع الله إبراهيم وتتأملها جيداً، ليس من نواحي أهميتها المؤكدة في تاريخ الرواية العربية فحسب، بنسختها المصرية المميزة، إنما سنجد باحثين ونقاداً يعيدون ربط رواية صنع الله إبراهيم بأصول جديدة للرواية العربية بعد نجيب محفوظ، وكأننا نتحدث عن ريادة أخرى، وتأسيس جديد للرواية العربية تحققها رواية الكاتب المتفرد حقاً صنع الله إبراهيم.


مقالات ذات صلة

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

ثقافة وفنون أولغا توكارتشوك

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)
كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك
TT

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان، الشهر الماضي، اعترفت خلاله أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي، لإتمام بعض المهمات في كتابة روايتها الأخيرة. وصل السخط في البعض إلى حدّ المطالبة بسحب الجائزة العالمية من الأديبة. قالت توكارتشوك إنها اشتركت في نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي، وانبهرت من النتائج التي حصلت عليها، ووصفته بأنه «يوسّع الآفاق ويعمق التفكير الإبداعي».

ومن بين ما قالته إنها بينما كانت تكتب روايتها التي تصدر الخريف المقبل، وتدور أحداثها في القرن التاسع عشر، لجأت إلى برنامجها الأثير وسألته عن الأغاني التي رقصت عليها شخصياتها في تلك الفترة من الزمن لإتمام مشهد تكتبه عن حفل راقص. وحسب الأديبة، فإن أسماء إحدى الأغنيات لم تكن صحيحة، لذلك تحذر من الهلوسة.

اعترافات مثيرة

زادت تورتشوك الطين بلة حين شرحت أنها أحياناً تعود إلى برنامج الدردشة، وتسأله: «كيف يمكنني يا عزيزي أن أطور هذه الفكرة بشكل جميل؟»، وهو ما يعني أنها تطلب المساعدة حتى في بناء الرواية. واعتبرت الأديبة أن هذه التقنية حسب ما اكتشفت «لها نتائج وأبعاد لا تصدق».

انتشر الخبر، وتسبب بنقاشات واسعة، خصوصاً حول أحقية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الروايات، وفي العمليات الإبداعية بشكل عام. اضطرت الأديبة النوبيلية لإصدار بيان توضح فيه أنها لا تلجا للذكاء الاصطناعي في الكتابة، إنما في البحث عن المعلومات والأرشفة. وأوضحت أن كتابها الجديد، لم تكتبه باستخدام الذكاء الاصطناعي ولا بمساعدة أي شخص آخر. «لقد كتبتُ بمفردي لعقود عديدة»، وهي تتعامل مع هذه التقنية الحديثة كأداة تسمح لها بتوثيق الحقائق والتحقق منها بشكل أسرع، مستعيضة عما كانت تفعله حين تبحث في الكتب والمراجع.

الذكاء الاصطناعي قدر محتوم

بصرف النظر عن مدى استفادة النوبيلية الشهيرة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وهي أديبة لها رواياتها وتاريخها ونتاجها المتميز، وهو ما يحمي نسبياً سمعتها الإبداعية. إلا أن الخطورة الفعلية هي في صعوبة مقاومة الأدباء لمهارات التطبيقات التوليدية. والسؤال المطروح، هل بقي للكاتب من وظيفة؟ وهل الإبداع عملية بشرية متجددة، أم قضية تقنية يمكن استنساخها وتقليدها؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل الذكاء الآلي سيكون سبباً في موت الإبداع والتجدد الإنسانيين؟

للأسف أياً تكن الإجابة ثمة من يعتقد أن فرملة هذا التطور التقني هو أمر شبه مستحيل، بسبب التنافس التجاري المتوحش بين الشركات الكبرى التي بلغت اسثماراتها مئات مليارات الدولارات، وهي تتنافس كي تتمكن من تعويض ما استثمرته في أسرع ما يمكن، قبل أن تحل بها خسارة فادحة. بالتالي يصعب التمييز في كلام مسؤولي هذه الشركات الكبرى بين الوعود الترويجية المزيفة والواقع الفعلي. لكن علماء كثيرين، بعضهم حاصلون على «نوبل» وجوائز علمية، يعتبرون أن العقل البشري بتمايزه لا يزال إلى الآن العامل الأساسي في الابتكار والتحليل والتفسير العلمي.

جوائز للبشر أم للآلة

لكن في خضم هذه الفوضى، فازت الكاتبة اليابانية ري كودان بجائزة «أكوتاغاوا» المرموقة عام 2024 رغم اعترافها بأن نحو 5 في المائة من روايتها «برج التعاطف في طوكيو» أنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأثارت جدلاً واسعاً. وبين من يريد أن يبيع الكتب ويربح المال بأي ثمن، ومن يود أن يستفيد من الأدوات المتوفرة ليدفع بإبداعه إلى الأمام، تختلف نوايا الكتاب وأهدافهم من استخدام التقنيات المتاحة. فقد خاض الكاتب الكندي المعروف ستيفن مارش مغامرته عام 2023 تحت اسم مستعار هو «أيدان مارشين»، وقام بإصدار رواية سماها «موت المؤلف». وقال إن 95 في المائة من النص تم توليده عبر الذكاء الاصطناعي. الرواية لم تكن بديعة، لكنها محاولة ووصفتها «نيويورك تايمز» بأنها «أول رواية ذكاء اصطناعي قابلة للقراءة إلى حدّ ما».

هناك من يعترف من الأدباء ومن لا يعترف بأن البرامج التوليدية باتت لا غنى عنها أثناء الكتابة، سواء في البحث أو الأرشفة. ومنهم من يبلغ به الحال حدّ المساعدة في تطوير الشخصيات والحبكات، أو البحث عن الاحتمالات الممكنة للأحداث، والاستخدامات تتوسع.

الأديبة أولغا توكارتشوك التي أثارت نقاشاً حساساً حول حدود إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، هي واحدة من أبرز أدباء جيلها، إضافة إلى «نوبل» حاصلة على جائزة «بوكر مان». وهي ناشطة حقوقية وكتاباتها تعكس اهتمامها بالإنسان والهوية وسؤال الحرية والبيئة، وتحليل النفس البشرية. «عرفت بخصب خيالها السردي الذي يتميز بشغف موسوعي يجسّد عبور الحدود كوسيلة للحياة»، حسب لجنة «نوبل».

لذلك فإن رأيها في التحديات التي يتعرض لها الأدب، بسبب التطورات التقنية يجب أن يؤخذ على محمل الجد. وهو رأي انتشر كالنار في الهشيم لأنه تم تناقله بكثافة على وسائل التواصل عبر تسجيل مصور.

أصالة أم تزييف؟

تابعت توكارتشوك قائلةً: «على عكس ما يتردد، أعتقد أننا نحن الكُتّاب، بحكم خصوصية حرفتنا، سنكون الأكثر انسجاماً مع أدوات مثل الذكاء الاصطناعي». بالطبع لم يعتبر محبو توكارتشوك ما تقوله خبراً ساراً أو مطمئناً. وعلقت صحافية بولندية بالقول: «يجدر التذكير بأن هذه الجائزة تُؤكد على فردية الكتابة وأصالتها. ومن الصعب الحديث عن هذه الأصالة عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بإنشاء الحبكات والجمل نيابةً عنا. كما أن نماذج اللغة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتعلم من أعمال الكُتّاب، بمن فيهم كُتّاب من بولندا، غالباً دون موافقتهم أو حتى علمهم».

لا روايات بعد اليوم

الأهم من اعتراف الأديبة باللجوء إلى النماذج التوليدية هو قولها إن روايتها التي تستعد لإصدارها ستكون الأخيرة من هذا الصنف الطويل الذي يحتاج جهد سنوات. «لأن العالم، يبدو وكأنه دخل في حالة جمود مدمر، ولم يعد يستحق روايات طويلة وشيقة. كما يتناقص عدد الراغبين في قراءة هذا النوع من الكتب باستمرار»، وتضيف أنه في الماضي، كانت هذه الكتب تحظى بشعبية كبيرة. «أما الآن، فبالنسبة للكثيرين، تُعد قراءة رواية تحدياً شاقاً». وهي تأسف لأن غالبية القراء يسعون لمعرفة نهاية روايتها التي قضت سبع سنوات في تأليفها «كتب يعقوب» وتقع في ألف صفحة باللجوء إلى ملخصات صغيرة، وهو ما يحرم العمل حقه والكاتب أن يرى مردوداً لجهده وصبره.

الخطير في الأمر أن نرى أديبة عالمية الصيت، بلغت 64 من عمرها، قضت عمرها كله في كتابة الروايات، نالت أعظم الجوائز، وتوجت متفوقة على كل أقرانها، تقول إن هذا الصنف من الكتابة لم يعد له من قراء، وتعبر عن يأسها ومرارتها وكأنما كل ما كتبته يفقد قيمته بسرعة. «أتألم حين أفكر في أن أعمالاً أدبية كلاسيكية، كرّس لها أفرادٌ ذوو وعي كامل حياتهم، تتلاشى. أشعر بأسف بالغ على بلزاك، وسيوران، ونابوكوف الفريد، لأنه على الرغم من حماسي، لا أعتقد أن أي غرفة دردشة حديثة قادرة على نقل مثل هذا المعنى الرائع».

الذكاء الاصطناعي في نظر توكارتشوك قد يكون وسيلةً لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق

ووسط يأس بلغ غايته تخبرنا توكارتشوك، وهي الأديبة التي اشتهرت بموسوعيتها، بأنها لن تكتب رواية طويلة بعد اليوم، وذلك «لأسباب مالية»، وتفضل أن تتفرغ لكتابة القصص القصيرة. «لا يستطيع أي ناشر في السوق الحالية تحمل عبء عمل ضخم بسعر معقول، ودفع أجر عادل. من جهة أخرى، بعد كل هذه السنوات، أرهقتني عملية الكتابة والطباعة جسدياً ونفسياً. لذلك، سأركز على القصص القصيرة».

الأدب لا يستحق التضحية

تقول: «إذا قارنا عدد الساعات التي قضيتها في تأليف (كتب يعقوب) بأجر عامل، فلن يشتريها أي ناشر». الذكاء الاصطناعي، في نظرها، قد يكون وسيلة لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق، مما يجعل إنتاج الروايات الطويلة مجدياً اقتصادياً. لكن هل حقاً بات الهدف الوحيد للكتّاب هو الربح المالي، ومن دون ذلك يتوقفون عن الكتابة. وإن كان الأمر كذلك فالأديبة البولندية حصدت من الأدب ما لم يحلم به غيرها. فإضافة إلى ما نالته من الجوائز، ترجمت إلى أكثر من 25 لغة وباعت ملايين النسخ. فهل حقاً لا يزال بمقدورها اعتبار نفسها مظلومة كأديبة وعليها أن تتوقف؟ ثم أليس هناك من عودة وحنين إلى كبار الكتاب الكلاسيكيين؟ وهناك طلب مستجد حتى على الكتب الورقية القديمة؟ فلماذا تستعجل أديبة بمستوى توكارتشوك وبحكمتها لاستخلاص النتائج؟

كتبت صحافية بولندية مرموقة رداً على الأديبة النوبلية تقول لها إن أي مجتمع يسعى باستمرار إلى إيجاد قدوة. وبالنسبة لكثيرين، كانت الحائزة البولندية على جائزة «نوبل» إحدى هذه القدوات. فهل ستظل كذلك بعد تصريحاتها الجريئة والمثيرة التي تستدعي إعادة التفكير في أمور عديدة حساسة ومفصلية؟

كلام توكارتشوك يكشف عن أزمة وجودية عميقة تواجه الأديب مهما بلغت مكانته، ومستواه الإبداعي وهو يعيش مزاحمة الآلة له، وتهميش دوره، ولجوء القراء لقرصنته، وتلخيص أعماله، والاكتفاء منها بما يختصره الذكاء الاصطناعي في جمل قليلة وسريعة.


رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة
TT

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية، في سنوات الشدّة حيث كانت تنطلق منها الرحلات طلباً للعيش نحو أطراف الجزيرة وبلاد الشام والعراق. فبعد وباء الطاعون الذي اجتاح الجزيرة العربيّة، يرتحل تسعة رجال يحلمون بالثراء من بريدة (في منطقة القصيم/ وسط السعودية) برّاً إلى الكويت. من بين هؤلاء الرجال «سَيْل»، الذي ترك وراءه أهلاً وزوجة أحزنَهم رحيله.

بعد تنقّله في عدّة أشغال، ينتهي الأمر بسَيْل غوّاصاً يجمع اللآلئ. وخلال رحلة بحريّة، تتحطّم إحدى السفن التي لم يكن من ركّابها، لكنّ مريدي السوء في بريدة يفتعلون خبر وفاته، فينشرونه على لسان «المهابيل».

بعد الكويت، يحطّ سَيْل الرحال في الهند، فـ«الهند هندك إذا قلّ ما عندك» كما يقول المثل في ذلك الزمان. وفعلاً يرتقي هناك في التجارة ويصبح ثريّاً، لكنّ طيف زوجته العنود لا يبارح مخيّلته.

الآن وقد حقّق ما اغترب لتحقيقه، فقد آن أوان العودة.

ويعود سَيْل إلى بلاده ثريّاً، لكنّه يعود «ميتاً» في سجلّات النفوس. كيف سيثبت أنه ما يزال حياً؟ وكيف سيستعيد زوجته التي تزوّجتْ في غيابه مرغمة؟!

وسبق لعبد الله العرفج أن أصدر روايتين: «غرناطة لا تعرفني» و«ريش أحمر»، ومجموعة قصصيّة بعنوان «وجوه لا ترى الشمس».

مقتطف من الرواية

كان في أثناء الطريق يفكّر كيف يخرج من المأزق الذي وضع نفسه فيه عندما قَبِلَ الذهاب معه، وماذا يقول له؟ هل يخفي عنه ما حدث؟ وكيف يخبره بأنّه ميت وأنّ زوجته تزوّجتْ غيره دون أن يشعر بالمهانة؟ لكنّه بالتأكيد لن يقول إنّه لم يفعل شيئاً في تلك الليلة السوداء.

حين وصلا إلى حديقة منزل أبي باسم، وجد نفسه يعترف، ويلوم المرأة التي أحبّها معتقداً أنّها خانتْه. كان أبو باسم يستمع إليه باهتمام مدركاً حجم الوجع الذي يعانيه.

– لا عليك، لكن لا تظلم المرأة؛ فقد غبتَ عنها سنين طويلة، وجاءتْها الأخبار بأنّكَ ميت.

– أَوَتُصدّق؟

– ألَم تُصدّق بريدة كلُّها؟

– حتّى لو متُّ، أليس من الوفاء أن تحترم ذكراي؟

...

–رفقاً بنفسكَ، ودعني أقل لكَ شيئاً مختلفاً قد يُنسيكَ ما أنتَ فيه.

– ماذا؟

– لديك رأس مال كبير، وطاقة وقدرة هائلتان على العمل، ولا ينقصكَ الذكاء، لا ينفعكَ جلوسكَ من دون عمل.

– لا أخفيكَ أبا باسم، كنتُ أفكّر في تصدير بعض الموادّ إلى المملكة.

– هذا بالضبط ما أردتُ أن أعرضه عليكَ، ومكتبكَ جاهز، منه تنطلق في أعمالكَ، وإذا لم يُعجبْكَ، بإمكانكَ تركه متى شئتَ، وهو مساهمة بسيطة منّي في هذا العمل المبارك. أؤيّدكَ في التصدير إلى بلدكَ، فهو على وشك نهضة وتأسيس دولة حديثة، وفي ظلّ هذا النموّ، سيَزداد استهلاك الناس لذلك أنصحكَ البدء بتصدير نوعَيْن من الأصناف هما الأرز والشاي بالدرجة الأولى، ثمّ التوابل. وهي متوفّرة في هذه البلاد وتَكلفتها قليلة جدّاً، وإن شئتَ التوسّع فأَضِف الأقمشة وغيرها ممّا اشتُهِرَتْ به الهند... بالنسبة إلى الشاي والأرز، الأفضل أن تتواصل مع أصحاب المزارع مباشرةً لِتَحصل على أسعار أرخص. أمّا التوابل، فليس أفضل من التعامل مع تُجّار التوابل الكبار في سوق التوابل العظيم، وسوف أعرفّكَ إلى وكلاء ومُوَزّعين جيّدين في نجد والحجاز والمنطقة الشرقيّة من المملكة.

... ولكن إيّاكَ أن تبقى طويلاً في بلاد الغربة.

– لماذا؟

– إن أطلتَ فإنّكَ لن ترى نجد مرّة ثانية، ستموت هنا، ولذلك أنصحكَ ألّا تطمع، وألّا تتزوّج من نساء هذه البلاد، ولا يغرّكَ جمالهنّ.

– مستحيل، لا أريد أن أموت هنا، تراب نجد بل غبارها أغلى بكثير من ذهب ممباي.

– إذن تعالَ معي لأُريكَ ما تبقّى لنا من نجد.

– أين؟

– إلى عنيزة الصغيرة، تعالَ معي.

... تناول (أبو قاسم) صندوقاً حديديّاً متوسّط الحجم. سحبَ من جَيبه مجموعة مفاتيح، أخذ يقلّبها واحداً تلو الآخر، ثمّ وضع إحداها بين إصبعَيه الواهنَين وفتح الصندوق الحديدي. أخرج من داخله صندوقاً خشبيّاً صغيراً، بدا مطليّاً بالذهب، ثم التفتَ إلى سَيْل وقال:

– ماذا تتوقّع أن يكون في داخله؟

– ذهب؟

– أغلى من الذهب.

– كافور؟

– أكيد أغلى من الكافور، الكافور رخيص يا سَيْل.

قالها وهو يضحك بصوت عالٍ.

– إذن ما هو الشيء الأغلى من الذهب؟

– دعنا نرَ.

أحضر مفتاحاً أصغر، وفتح الصندوق بسلاسة، وقرّبه من سَيْل قائلاً:

– اُنظر أو شُمَّ إن كنتَ لا ترى.

– رأيتُ؛ هذا تراب، هل يعني لك شيئاً؟

– نعم إنّه أغلى من الذهب، وأغلى من الكافور. هذا ترابٌ نجديّ، كلّما حَننتُ إليها فتحتُه وشممتُه.

قال ذلك بتأثُّر، ثمّ قرّبه من وجهه. في لحظة صمت، كان ينظر إلى الرمل بحنوّ ورهبة وسلام، وكان مصغياً باهتمام، وكأنّ حبّات الرمل تهمس إليه.


السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي
TT

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة كوسيلة للقتل، مع دقة علمية عالية في وصفها وتأثيرها، كما تربط بين أحداث أعمالها والحقائق العلمية والتاريخية حول التركيبات الدوائية الخطيرة، التي لم تكن مجرد أداة في حبكة درامية، بل عنصراً أساسياً في بناء الألغاز وتشويق القارئ.

ويمزج الكتاب، الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، وترجمة داليا سابق، بين كواليس أدب الجريمة ودقة المختبرات العلمية، دون أن يتوقف عند حدود السرد القصصي، بل يغوص في جوانب جديدة من عبقرية ملكة الجريمة «أغاثا كريستي»، مستعرضاً كيف استغلت خبرتها العملية كممرضة وصيدلانية خلال الحرب لتوظيف السموم في رواياتها بدقة مذهلة.

يستعرض الكتاب 14 نوعاً مختلفاً من السموم، استُخدمت في أشهر جرائم المحقق هيركيول بوارو، والآنسة ماريل، موضحاً الخصائص الكيميائية لكل سم وتأثيراته الفتاكة على الجسم البشري، ولماذا اختارت كريستي هذا النوع أو ذاك تحديداً لإيقاع ضحاياها في شباك القاتل. وهذه السموم هي الزرنيخ، البيلادونا، السيانيد، الديجيتاليس، الأزيرن، الشوكران، الأكونيتين، النيكوتين، الأفيون، الفسفور، الريسن، الستركنين، الثاليوم، الفيرونال.

ويحتفي الكتاب في جانب من جوانبه بذكاء المرأة التي جعلت من الكيمياء سلاحاً أدبياً فتاكاً، ويقدم وجبة دسمة لكل محبي الغموض الذي سيرونه دليلاً مرجعياً ممتعاً سيغير من طريقتهم في قراءة القصص البوليسية، ويجعل من العلم شريكاً في فكّ طلاسم ما يسمى بالجريمة المثالية.

من فيلم جريمة في قطار الشرق السريع

تشير المؤلفة في البداية إلى أن المعرفة التي تحلت بها أغاثا كريستي فيما يتعلق بالسموم كانت بلا شك استثنائية، فقلة من الروائيين هم الذين يقرأ الأطباء أعمالهم، كونهم مصدراً مرجعياً لحلّ قضية تسمم حقيقية، لافتة إلى أن كريستي في أثناء الحرب العالمية الأولى تطوعت للعمل ممرضة لدى المستشفى المحلي في مدينة «توركواي»، جنوب غربي إنجلترا، حيث راقها العمل كثيراً، لكن عند افتتاح صيدلية جديدة بالمستشفى طرحت فكرة نقلها إليها، حيث تطلبت وظيفتها الجديدة مزيداً من التدريب، كما استوجبت اجتياز اختبارات معينة تؤهلها لوظيفة مساعد صيدلي، وهذا بالضبط ما نجحت فيه عام 1917.

في تلك الفترة، ولكثير من الأعوام اللاحقة، كانت تحضر الوصفات الطبية يدوياً في متجر كيميائي أو صيدلية المستشفى حيث توزن السموم والعقاقير الخطرة بحرص شديد، ثم يتفحصها الصيدلي قبل صرفها، وقد تضاف بعد ذلك المكونات غير الضارة مثل الصبغات أو الأطعمة حسب الذوق الشخصي للفرد.

أوضحت كريستي في سيرتها الذاتية أن هذا الأمر أدى إلى إعادة كثير من الأشخاص الأدوية التي ابتاعوها، لأنها بدت غريبة واختلف مذاقها عن المعتاد، لكن طالما يُحضّر الدواء المطلوب بالجرعات الصحيحة فإن الأمور تسير على ما يرام، لكن لا مفر من وقوع الأخطاء في بعض الأحيان.

تحضيراً لاختبار جمعية الصيادلة، درست كريستي الجوانب العملية والنظرية في علم الكيمياء والصيدلة بمساعدة زملائها بالصيدلية. وبالإضافة إلى عملها ودروسها بالمستشفى، تلقت تعليماً خاصاً من أحد الصيادلة التجاريين بمدينة توركواي، يدعى السيد «بي».

وفي أحد الأيام وضمن جزء من تدريبها، أراها السيد «بي» كيفية تحضير نوع معين من العقار الطبي بطريقة صحيحة، كانت مهمة دقيقة تتطلب كثيراً من المهارة، إذ كان يذيب زبدة الكاكاو ويضيف إليها الدواء المطلوب ثم ينتظر اللحظة المناسبة التي يخرج فيها العقار من القوالب المخصصة لها. بعد ذلك، يعمل على تعبئتها ويضع عليها الملصقات التي تشير إلى أن نسبة الدواء هي 1 في المائة من المحتوى الكلي للمنتج.

في إحدى المرات كانت كريستي مقتنعة أن الصيدلي ارتكب خطأ في نسبة الدواء، وأضاف جرعة تساوي واحداً إلى 10 من المنتج الكلي للدواء، أي أكثر من 10 مرات من الجرعة المطلوبة، ما قد يشكل خطراً على من يتلقاها. لذا راجعت حساباته في الخفاء، وتأكدت بنفسها من وقوع الخطأ بالفعل. لم تعرف كيف تواجه معلمها بالخطأ الواقع. وفي الوقت نفسه، تخوفت بشدة من فكرة صرف هذا الدواء القاتل. لذلك تظاهرت بالتعثر وأسقطت علب الدواء على الأرض، وسحقتها بقدمها عن عمد، لتتحقق من تلفها. وبعد إسهابها في الاعتذار وتنظيف الفوضى العارمة التي تسببت بها، قاما بتحضير مجموعة جديدة من الدواء، وهذه المرة بالجرعة الصحيحة.

اعتاد السيد بي إجراء حساباته باستخدام النظام المتري، في وقت ساد فيه استخدام النظام الإمبراطوري للقياس في أنحاء بريطانيا العظمى، لكن الكاتبة الملقبة بـ«ملكة أدب الجريمة»، لم تأمن للنظام المتري لأنه في حال وقوع خطأ تتضاعف العواقب 10 مرات، وهذا هو الخطر الأكبر، فبوضعه للنقطة العشرية في غير موضعها الصحيح ارتكب السيد «بي» خطأ فادحاً في تقدير نسب العقار، لذا فضّلت كريستي نظام الصيدلة التقليدي الذي استند إلى قياس الجرعات الدوائية بوحدات مختلفة.

وفي أحد الأيام، أخرج السيد «بي» من جيبه كتلة بنية اللون، وسألها عن ماهيتها، ترددت كريستي في إجابتها، فشرح لها أنها قطعة «كورار»، وهى مادة سامة استخدمها صيادو أميركا الجنوبية على أطراف سهامهم للصيد.

واللافت أن «الكورار» في الأساس هو مركب آمن صالح تماماً للأكل، لكنه مميت إذا حُقن مباشرة في الدم. أخبرها السيد «بي» أنه يحمله معه في كل مكان، لأنه يمنحه شعوراً بالقوة. وبعد ما يقارب 15 عاماً، أحيت أجاثا كريستي سرّ السيد «بي» المثير للريبة، عبر شخصية الصيدلي في روايتها «الحصان الأشهب».

واستطاعت مؤلفة الكتاب، كاثرين هاركاب، أن تمد جسراً فريداً بين العلوم المعقدة وعالم الأدب، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في الكيمياء، لكن شغفها لم يتوقف عند حدود المختبرات، بل انتقل إلى مجال التواصل العلمي، حيث تخصصت في تفكيك العلوم الكامنة وراء القصص الخيالية والشخصيات الشهيرة، كما يغلب على أسلوبها الطابع الاستقصائي الذي يجمع بين الدقة الأكاديمية وروح الفضول، ما جعلها من أبرز الكتّاب الذين يعيدون قراءة ونقد الكلاسيكيات الأدبية من منظور علمي معاصر.