لا بجعة على مرمى النظر

في زيارة قبر وليم بتلر ييتس

ييتس
ييتس
TT

لا بجعة على مرمى النظر

ييتس
ييتس

تحدثت صاحبة الشعر الأحمر همساً في المقصورة مع القس الشاب، الذي طالع كتاب الأدعية لثوانٍ، وتمتم شيئاً، ثم تطلع ثانية، وتمتم مجدداً، ثم أغلق الكتاب، وكرس نفسه تماماً للمحادثة.

«سان فرنسيسكو؟»، سأل القس.

«نعم»، ردت ذات الشعر الأحمر: «أرسلنا زوجي مرة إلى هناك، وأسافر الآن لرؤية أصهاري، سأراهم للمرة الأولى. وعليَّ المغادرة من بوليموت».

«لديك ما يكفي من الوقت»، قال القس بصوت خافت: «بل الكثير من الوقت». «حقاً؟»، سألت المرأة الشابة بهمس. كانت بالغة الطول، بدينة، شاحبة، وجلست هناك بوجهها الطفولي مثل دمية، بينما التقطت ابنتها، التي تبلغ الثالثة من العمر، كتاب أدعية القسيس وصارت تتمتم تقليداً له. رفعت المرأة يدها كي تعاقب الطفلة، لكن القس كشح يدها.

«اتركيها رجاءً»، قال بخفوت.

المطر ينهمر، والماء يسيل على زجاج الشبابيك، والفلاحون يخوضون في الخارج على مروجهم الفائضة كي يجمعوا قشهم؛ ملابس منشورة على الأسيجة الشجرية تحت رحمة المطر، كلاب مبللة تنبح على القطار، أكباش هاربة، والفتاة تقرأ دعاءها وتتمتم أحياناً بأسماء سمعتها في صلاة المساء: يسوع، القديسة ماريا، ارحما بالأرواح الضائعة أيضاً.

توقف القطار، ووضع فرَّاش منقوع بالماء سلة مليئة بالفطر في عربة الحقائب، ونقل علب السجائر، ورزمة صحف المساء، ثم ساعد امرأة منفعلة في فتح مظلتها...

تطلع ناظر المحطة بحزن إلى القطار المغادر ببطء: قد يسأل نفسه أحياناً ما إذا لم يكن في حقيقة الأمر حارس مقبرة، أربعة قطارات في اليوم، قطاران يصلان، وقطاران يغادران، وربما قطار حمل إضافي، يتهادى بحزن، كأنه ذاهب إلى مأتم دفن قطار حمل آخر. في آيرلندا لا تحمي حواجز السكك السيارات من القطارات، وإنما القطارات من السيارات: فهي لا تنفتح وتنغلق على الشارع، وإنما على السكك؛ وهكذا تبدو المحطات المطلية بالألوان الجميلة مثل دور نقاهة مصغرة أو مصحات، وهذا يظهر ناظر المحطة بمظهر الممرض مقارنة بنظيره في البلدان الأخرى الذي يظهر بمظهر عسكري، الذي يقف بين دخان المكائن، وهزيم القطارات، محيِّياً بيده قطارات الحمل العابرة. الأزهار تنمو حول محطات القطارات الآيرلندية الصغيرة، شمندر معتنىً بها، وأشجار مشذبة بعناية، والناظر يبتسم للقطار المسافر، وكأنه يريد القول: «لا، لا، أنت لا تحلم، هذا يحدث فعلاً، والساعة فعلاً هي 16:49، كما تقول ساعتي المعلقة هناك. هذا، لأن القطار لا بدَّ أن يتأخر بحساب المسافر؛ والقطار تحرك في موعده بدقة، لكن الدقة هنا لها مفعول خدَّاع؛ فـ16:49 هو زمن دقيق لا يتناسب مع الزمن في هذه المحطات. وليست الساعة هي الخطأ هنا، وإنما الزمن نفسه، الزمن الذي يعتمد على عقرب الدقائق.

الخراف تهرب، والبقرات ذاهلة، وكلاب مبللة تنبح والفلاحون يدورون في حقولهم حاملين أوعية ينتشلون العشب فيها بواسطة شبكات.

غناء عذب انطلق متناغماً من بين شفتي الطفلة الصغيرة، تتمحور حول يسوع والعذراء مريم، وتدعو للأرواح المعذبة بين فواصل منتظمة. وذات الشعر الأحمر تزداد قلقاً: «ولكن، لا»، قال القس بصوت منخفض، «هناك محطتان أخريان حتى بوليموت».

هاينريش بول

«في كاليفورنيا»، قالت المرأة الشابة: «الجو حار، وهناك الكثير من الشمس. تبدو آيرلندا غريبة في عيني. مرت خمس عشرة سنة على رحيلي؛ وما زلت أحسب بالدولار، لم أعتد بعد على الحساب بالجنيه، والشلن والبنس، وتدري يا أبتاه، آيرلندا أصبحت أكثر حزناً».

«هذا تأثير المطر»، قالها القس متنهداً.

«لم أقطع هذا المسافة من قبل»، قالت المرأة، «ولكنني قطعت غيرها في السابق، قبل أن أرحل؛ من أثلون إلى غالوي، وسافرت عدة مرات، ولكنني أعتقد، أن أناساً أقل مما في السابق صاروا يعيشون هناك. والسكون هناك جعل قلبي يتوقف. أنا خائفة».

صمت القس وتنهد.

«أنا خائفة»، قالت المرأة هامسة، «إذ ينبغي لي أن أركب الحافلة من بوليموت لمسافة عشرين ميلاً، ثم أواصل على القدمين، عبر المستنقعات - أنا أخاف من الماء. مطر وبحيرات، وأنهار، وجداول، وبحيرات من جديد - تبدو آيرلندا بالنسبة لي، يا أبت، كأنها منخورة بالثقوب. لا تجفُّ قطع الملابس على الحبال أبداً، والقش يعوم على المطر، ألا تشعر بالخوف أبتِ؟».

«هذا تأثير المطر لا أكثر»، قال القس، «اهدئي. أعرف ذلك أيضاً، وأحياناً ينتابني الخوف أنا أيضاً. كانت لي أبرشية صغيرة لمدة سنتين، في الأسفل بين كروسمولينا ونيوبورت، وكانت تمطر هناك لأسابيع دون توقف، والرياح تعصف - لا شيء غير الجبال العالية الخضراء والخضراء الداكنة - هل تعرفين نيفن بيغ؟».

«لا».

«تقع بالقرب من هناك. مطر، ماء، ومستنقعات - وعندما سافرت مرة إلى نيوبورت أو فوكسفورد لم أجد غير الماء - عبر بحيرات، أو ماراً على بحيرات».

سدت الفتاة الصغيرة كتاب الأدعية، وقفزت على الأريكة، وطوقت جيد والدتها، وسألت هامسة «هل سنغرق فعلاً؟».

«كلا، كلا»، ردت الأم، ولكن لم يظهر عليها أنها مقتنعة تماماً؛ في الخارج صفع المطر زجاج النوافذ، وتهادى القطار شاقاً طريقه في الظلام، متسللاً بين المزن. تناولت البنت سندويتشة بصمت، ودخنت الأم سيجارة، فيما التقط القس كتابه من جديد؛ وقلد الفتاة الصغيرة - دون أن يشعر- وهو يتمتم تمتمته التي لا يسمع منها غير كلمات يسوع المسيح، والروح القدس، ومريم، ثم أغلق الكتاب مجدداً. «هل كاليفورنيا فعلاً بهذا الجمال؟»، سأل.

«إنها رائعة»، قالت المرأة وهي تقوس كتفيها بقشعريرة.

«آيرلندا جميلة أيضاً».

«بديعة»، قالت المرأة، «أعرف ذلك، ألا ينبغي أن أنزل هنا؟».

«نعم، في المحطة القادمة».

وكان المطر ينهمر حينما بلغ القطار سليغو؛ جرى تبادل القبل تحت المظلات، وذرفت الدموع تحت المظلات؛ كان سائق تاكسي ينام على يديه المتقاطعتين على المقود، أيقظته، وهو من النوع اللطيف الذي يستيقظ باسماً.

«إلى أين؟»، سأل.

«إلى درومكليف تشيرتشيارد».

«ولكن، لا أحد يسكن هناك».

«ربما»، قلت، «لكنني أريد الذهاب إلى هناك».

«وتعود».

«نعم».

«طيِّب».

سرنا بين البرك، وخلال شوارع خالية: وفي الشفق أبصرت بيانو من خلال شباك مفتوح. بدا كأن الغبار يعلو المفاتيح بسمك أصبع. حلاق كان يقف ضجراً في باب محله، يجزجز بمقصه وكأنه ينوي حلاقة مساقط المطر؛ فتاة تجدد حمرة شفتيها قرب مدخل للسينما، أطفال يركضون تحت المطر حاملين كتب الصلاة تحت آباطهم؛ ونادت امرأة على رجل عجوز عبر الشارع: «مساعدة جدو؟»، ورد الرجل هاتفاً: «أنا بخير، بعون الرب وأمه المباركة».

«هل أنت متأكد تماماً؟»، سألني السائق بهدوء، إنك تريد الذهاب إلى درومكليف تشيرتشيارد؟». «أنا متأكد تماماً»، رددت.

قمم التلال مطوقة بحلقات سرخسية ذابلة مثل شعر امرأة عجوز حمراء الشعر، وصخرتين كالحتين تراقبان مدخل هذا الخليج الصغير: «بينبولبن ونوكناريا»، قال السائق، وكأنه يقدم لي قريبين بعيدين ما عاد يكترث لهما.

«هناك، قال السائق وأشار إلى الأمام، حيث يبرز برج كنيسة في الضباب؛ غربان تحلق حول البرج، غيمة من الغربان، بدت في البعد مثل ندف ثلج سوداء.

«أعتقد» قال السائق: «إنك تبحث عن ميدان المعركة القديم؟».

«كلا»، قلت:« لم أسمع بأي معركة».

«في عام561»، شرع بالحديث بنبرة مرشد سياحي مخففة، «جرت هنا المعركة الوحيدة في العالم التي حصلت بسبب حقوق النشر». شاهدته يهز رأسه.

«حقيقة»، قال السائق: «نَسَخ أتباع القديس كولومبا ترانيم كتاب ألَّفه القديس فينيان، وتسبب هذا بمعركة بين أتباع القديس كولومبا وأتباع القديس فينيان. ثلاثة آلاف قتيل، ولكن الملك حسم المعركة؛ قال: «كما يعود كل عجل لبقرته، تعود كل نسخة إلى الكتاب». «لا تريد إذن أن تشهد ميدان المعركة؟».

«كلا»، قلت، «أنا أبحث عن قبر».

«آخ»، رد السائق، «ييتس، نعم، وتريد الذهاب بالتأكيد حينها إلى اينيسفري».

«لا أعرف بعد»، قلت، «توقف هنا لحظة من فضلك».

الغربان تطير من على شواهد القبور، وتنعب محلقة حول برج الكنيسة. وكان قبر ييتس مبللاً، والحجر بارداً، والكلام الذي أراد ييتس أن يُكتب شاهداً على قبره كان ببرودة إبر الثلج التي أُطلقت عليّ من قبر سويفت، ويقول «أيها الراكب أرسل نظرة باردة إلى الحياة، وعلى الموت، وواصل ركوبك». نظرت إلى الأعلى: «هل كانت الغربان بجعات مسحورة؟ تنعب نحوي بازدراء، وتخفق حول برج الكنيسة؟».

تطوق السرخسيات الذابلة، التي فلطحها المطر، قمم التلال، بلون نحاسي متأكسد. شعرت بالبرد.

«نواصل»، قلت للسائق.

«إذن، إلى اينيسفري بالفعل؟».

«كلا» قلت، «نعود إلى المحطة».

صخور في الضباب، والغربان السود تحلق حول الكنيسة الوحيدة، وأربعة آلاف كيلومتر من الماء تحيط بقبر ييتس. ولا بجعة على مرمى النظر.

* ولد هاينريش بول في مدينة كولونيا في21 ديسمبر (كانون الأول) 1917 وفارق الحياة يوم 16 يوليو (تموز) 1985. كان أبوه فيكتور بول يعمل نجاراً، وكانت أمه ماريا هي الزوجة الثانية لأبيه. وهو الابن السادس لأبيه. ونشأ وسط عائلة برجوازية كاثوليكية.

ترأس في سنة 1970 نادي القلم PEN Club الألماني الأدبي حتى سنة 1972، وترأس في الفترة نفسها، بين 1971 - 1974، نادي القلم الدولي.

في سنة 1972 حصل هاينريش بول على جائزة نوبل للآداب. وتعد رواية الشرف الضائع لكاترينا بلوم من أشهر رواياته على الإطلاق، وقد ترجمت إلى أكثر من 30 لغة، وحولت إلى فيلم سينمائي، وبيع منها في ألمانيا وحدها نحو 6 ملايين نسخة.

وورد النص المعنون «لا بجعة على مرمى النظر» في كتابه الشهير «يوميات آيرلندية»، الذي ينتظر أن توزع ترجمته العربية في مهرجان القاهرة الدولي للكتاب سنة 2026. وعنوان النص إشارة إلى أحد أشهر دواوين الشاعر وليم بتلر ييتس «البجع البري في كول» وقصيدته التي تحمل الاسم نفسه في المجموعة. والمقصود هنا حديقة كول coole Park المعروفة في آيرلندا.


مقالات ذات صلة

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي
ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي