محمد سمير ندا: أفضّل أن أعيش كالخفاش بعيداً عن الأضواء

دور نشر كبرى رفضت روايته الفائزة بجائزة «البوكر»

محمد سمير ندا
محمد سمير ندا
TT

محمد سمير ندا: أفضّل أن أعيش كالخفاش بعيداً عن الأضواء

محمد سمير ندا
محمد سمير ندا

رافق فوز الكاتب المصري محمد سمير ندا بـ«الجائزة العالمية للرواية العربية»، المعروفة إعلامياً باسم «البوكر»، عن روايته «صلاة القلق» كثير من الجدل واللغط على نحو لم يتوقف حتى الآن، إثر الكشف عن أن دور نشر كبرى رفضت قبول العمل، الذي صدر لاحقاً عن دار «مسكلياني» التونسية.

امتد الجدل ليشمل مضمون الرواية باعتبارها تحمل «سردية هجائية» لعصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. واحتفى البعض بالعمل باعتباره أول نصّ مصري يفوز بالجائزة الشهيرة منذ عام 2009 حين فاز بها يوسف زيدان عن روايته «عزازيل»، ورأى البعض الآخر أن العمل الفائز يشوبه بعض نقاط الضعف أسلوبياً وجمالياً.

في هذا الحوار مع «الشرق الأوسط»، يؤكد ندا احترامه لكل الآراء وتقديره لمختلف الانطباعات، لكنه لا يخفي استغرابه وأسفه ممن هاجموا العمل بشراسة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءته مكتفين بالأقاويل المرسلة.

> ربط البعض بين تأثرك ودموعك لحظة الإعلان عن فوزك بالجائزة، وبين رفض العديد من دور النشر المصرية المرموقة نشر العمل، برأيك لماذا تم رفض الرواية مصرياً؟ ولماذا تحمس لها الناشر التونسي؟ وهل كان هذا سبب تأثرك؟

- كان تأثري اشتياقاً لأبي الراحل، فقد كان هو أكثر من تمنيت وجوده في هذه اللحظة، والعبارة التي غرقتْ آنذاك في دموعي ولم تُسمع جيّداً كانت «هذه الجائزة لسمير ندا».

أما ما يخص اللغط حول دور النشر فلا بد من توضيحه، رُفضت الرواية من دور مصرية وعربية، والرفض هنا بلغني بالاعتذار الصريح عن النشر، وهو أمر أحترمه وأقدره، إذ لست مختلّاً حتى ألوم دور النشر إذا ما قررت عدم نشر روايتي.

ما أزعجني وآلمني كان تجاهل بعض دور النشر وعدم اهتمامها بالرد علىّ ، وقد واجهت هذا الأمر من دور مصرية وعربية كذلك، ولكنه أبداً لم يكن سبباً في تأثري، فلا يمكن أن أبكي لو رفضت بعض دور النشر نصي، حيث سبق أن واجهت الحالة ذاتها في روايتي السابقة «بوح الجدران».

أما ما يخص إيمان «مسكلياني» بالنص فهذا أمر يُسأل عنه الناشر بالأساس، ولكن، منطقيّاً، كنت محظوظاً إذ آمن الناشر بالنص وبكاتبه، حتى بات بيننا اليوم عقد مفتوح الأمد لكل ما سأكتبه لاحقاً، لو كان في العمر بقيّة.

> «صلاة القلق» هي النص الثالث في مسيرتك الإبداعية... هل تتعمد أن تكون قليل الإنتاج، ألا يمكن الجمع بين الغزارة والجودة في الإبداع معاً؟

- الفكرة أنني أمارس الكتابة كلعبة أستمتع بها، والبعض يتعجّب عندما أقول إنني لست ممن يتعجّلون النشر، يبدو الأمر كادعاء للزهد والمثالية، وهو ما لا أستطيع أن أثبته إلا من خلال النصوص المنتهية لديّ، والتي لم تُنشر بعد.

بالفعل أنا قليل الإنتاج، نظراً لما شرحته الآن، وكذلك لأنني أؤمن أن المنجز الأدبي للكاتب لا يُقاس «بالمتر»، أي عدد النصوص، إنما بجودة هذه النصوص وعمرها. على سبيل المثال، أنا أرى أن أستاذنا محمد المنسي قنديل من أهم وأعظم الكتاب العرب المعاصرين، ولكن من حيث الإنتاج ربما يكون عدد أعماله أقل من بعض الكتاب الشباب. الجمع بين الجودة والغزارة يستلزم تفرّغاً للكتابة، وبالنسبة لي هذا أمر شبه مستحيل.

> يأخذ البعض على لغة الرواية أنها جاءت محملة بـ«بلاغة قديمة» أعاقت حيوية الحدث والشخصيات عبر تعبيرات من نوعية «أطلقت سراح الجواد الهرِم في صدري» و«محرر ألسنة الصامتين»... كيف تعلق على تلك الملاحظة؟

- أحترم كل الآراء، وأرى أن لغة الرواية بمثابة العمود الفقري لكل نص، ولكل كاتب هويّته اللغوية وأسلوبه وذائقته المختلفة عن الآخر. وفي النهاية، تتنوع ذائقة المتلقي كما تتنوع ذائقة الكاتب، ولكل متلقٍّ كل الاحترام. الأمثلة التي ذكرتها تحديداً لا أرى بها أي بلاغة قديمة، عبارات واضحة ومفهومة، هذا بالنسبة لي ووفق وجهة نظري، ولكن قد يرى بها آخرون لغة قديمة وميتة، في كل الحالات أحترم وجهات النظر، ومن حسن الحظ أن أغلبية القراء لم تستوقفهم اللغة، وأن لجنة التحكيم عدّت اللغة في «صلاة القلق» من عناصر قوة النص.

> تعدّ أجواء نكسة 1967 المحرك الأساسي للعمل، على غرار روايات سابقة اشتغلت على نفس الموضوع، مثل: «بيوت وراء الأشجار» لمحمد البساطي، و«الصيف السابع والستون» لإبراهيم عبد المجيد، و«67» لصنع الله إبراهيم، و«الأسرى يقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي، ما ملامح الاختلاف التي يحملها نصّك من وجهة نظرك؟

- أنتِ ذكرتِ أمثلة لأعمال كُتّابٍ عظماء، لا يمكن أن أضع نفسي في مقارنة معهم، ولكن أعتقد أن أي كاتب، أيّاً كان عمره أو مهما كان منجزه الأدبي، يكتب بخطٍّ مختلف عمّن سبقه وعمن سيأتي بعده. بالتالي، قد نقرأ 100 رواية عن ذات الحرب، ولكن سيظل لكل منها ما يميّزه، ثم يأتي الزمن ليحكم على هذه الروايات، فيمنح بعضها الخلود، ويضع بعضها فوق أرفف النسيان. عن نفسي أتمنى أن تعيش «صلاة القلق» طويلاً، كما عاشت أعمال الأساتذة الكبار الذي أشرتِ لهم.

> تلعب الرواية على فكرة عزل الشخصيات في المكان من خلال «نجع المناسي» المنفصل عن العالم، الذي يعيش فيه سكان يتعرضون لأشكال مختلفة من القهر في أجواء فانتازية... ألا تعتقد أن تلك «الثيمة» تكررت أصداؤها عربياً وعالمياً في روايات وأفلام سينمائية مختلفة؟

- صحيح، ولكن الأفكار لا تموت، ولا تُستهلك كما يُشاع أحياناً، طالما ظل التناول مختلفاً، والتقنيات في تباين وتطور مضطردين. على سبيل المثال، لن يتوقف الأدب العربي عن الكتابة عن الحب المستحيل أو عن القضايا النسوية أو عن سلطة الدين، رغم أن هناك مئات الروايات التي تناولت هذه الثيمات، فالمهم هنا هو أن يكون الطرح مختلفاً، والخط مغاير.

> كثيرون يرون أن الرواية تعدّ «هجائية سردية» تنال من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر... ألم تتخوف من إثارة حفيظة «الناصريين» في العالم العربي ضدك؟

- هل قرأ المعترضون، الذين أحترم المهذبين منهم، رواية «الكرنك» على سبيل المثال لصعوبة الحصر؟ هل شاهدوا الفيلم المأخوذ عن الرواية؟ هل شاهدوا فيلم «البريء» أو فيلم «إحنا بتوع الأتوبيس»؟ المؤسف هنا أن هناك من ينتقد قبل أن يقرأ، ويرتكز في هجومه على نظرية «قالوا له» التي أطلقها بسخرية الفنان عادل إمام.

الرواية تتناول الهمّ العربي، والقلق الذي فرض علينا منذ 1948، وتتخذ من الفترة بين عامي 67 و77 فضاءً زمنياً للحكاية، ومن قرأ الرواية سيعرف أن الديكتاتور الحقيقي الوحيد في الرواية كان شخصية «خليل الخوجة» الذي لا يمت للنظام الحاكم بأي صفة، وكل ما نسب إلى الرئيس جمال عبد الناصر في النصّ كان وهماً فرضه «الخوجة» على الناس بسطوة الإيهام.

ولكن مرة أخرى، مهاجمة ناقد لنصّ قبل أن يقرأه هي سقطة كبيرة في حق النقد الأدبي في مصر، إذ لا يستقيم أن يُصاب ناقد أو نفر من النقاد بهذه الحالة من التعجّل وسرعة إطلاق الاتهامات قبل قراءة أي نص.

> هل أنت مستريح لهذه الضجة التي أحدثتها الرواية ما بين «مع أو ضد»؟

- بسبب ما ذكرتُه للتو، لم أخشَ أي ردّة فعل من أي تيار ينتمي لآيدولوجيّة بعينها، لأنني لم أتوقع هذا القدر من سوء الظن والفهم. وبصراحة؛ لو توقعته لما غيّرت حرفاً في ما كتبت، لأن هذا ما أراه وما أردت قوله.

الجدل بين «مع أو ضد» لا يريحني، فأنا شخص يحبّ أن يعيش كخفاش عندما يتعلق الأمر بالكتابة، لا أحب الضوء وإن كان قد فُرض عليّ الآن لفترة، أؤكد أنها مؤقتة، يقول أصدقاء إن كل جدل هو في صالح الرواية وانتشارها في نهاية المطاف، وأنا أقول إنني لا أحب هذا الجدل ولا أستحسنه على الإطلاق، وأودّ لو تنتهي آثار الفوز بالجائزة في أقرب فرصة.

> لكن الجدل حول الرواية وضعك فجأة في بؤرة الحدث وجعلك، وفق التعبير الشهير، «رجل الساعة» في الأوساط الثقافية؟

- عندما أتابع هذا الجدل لا أشعر بالارتياح، أحرص أن تكون متابعتي من مسافة أمان، كأنه لا يخصني، الجدل يدور في الوسط الثقافي المصري وأنا خارج الوسط لأسباب شخصية تتعلق بمشاغل الحياة وظروف العمل، علاوة على سماتي الشخصية التي تنهض على القلق والخجل والرغبة في الانعزال والابتعاد عن بؤر الصراع. الآن أرى اسمي في بؤرة صراع مُختلق، فأتابع، أحزن أحياناً حين يسبّ أحدهم أبي مثلاً، بسبب تأويلات للنصّ سمع بها فلم يكلف نفسه عناء القراءة، وأضحك أحياناً حين تصادفني أمور تجافي أسس المنطق واللياقة في ذات الوقت.

> أنت إذن لم تتابع كل ما كُتب أو أثير؟

- اللطيف أنني لا أتابع الجدل بصفة يوميّة، ولا أسعى وراء الإساءات، لكنها تردني من أصدقاء يرسلونها لي كل يوم، فأحرص على الاحتفاظ بها، كي لا أنسى كيف يُقرأ ويُفسر أو «يؤدلج الأدب» في مصر من جانب البعض، كما أنني حريص على الاحتفاظ بحقّ الردّ وقتما أقرر ذلك.

وحتى لا أضخّم الأمر أو أمنحه أكثر مما يستحق، المسيؤون لا يتجاوزون نسبة 1 في المائة ممن قرأوا النص، بينما الغالبية سعيدة بالنصّ، وبفوز رواية لكاتب مصري بأكبر جائزة عربية.

> سبق أن وصفت روايتك «بوح الجدران» بأنها نوع من «قتل الأب» بالنسبة إليك، بمعنى التحرر من تأثير والدك عليك كمثقف معروف تريد الخروج من جلبابه. كيف ذلك؟ وهل تنوى قتل «آباء آخرين» من رواد الأدب العربي، من الأجيال السابقة؟

- ما أقصده أن تلك العبارة التي تذكرينها هنا قيلت في سياق مجازي محدد، وليس بالمعنى الواقعي طبعاً، كما أنها لا تمتد إلى تجاربي في الرواية كلها، وإنما تقتصر على عمل محدد بعينه. وللأسف، فإن البعض ظنّ أنها قيلت بمناسبة صدور رواية «صلاة القلق»، وهذا ليس صحيحاً، كما أن البعض الآخر عدّها مقياساً يحدد علاقتي بالأجيال السابقة، بما فيهم من أساتذة ورواد، وهذا أيضاً ليس صحيحاً.

لقد قصدت في حينها أنني تخلّصت من طيف أبي - رحمه الله - عندما كتبت حكايته، إثر ذلك شعرت بأنني أخفّ وزناً، وأكثر حريّة في التعبير عن نفسي. المقصد إذن هو التحرر من طيف والدي الذي يسكنني، وليس الخروج من عباءته، لأن انتمائي له سيظل وساماً ما حييت. المؤكد هنا هو أنني لا أسعى إلى قتل أيّ أدباء، ولا أفكر في قتل أيّ من رواد الفكر العربي.

> أخيراً، تنقلت منذ مولدك بين مدن مختلفة وأسفار عديدة... إلى أي حدّ انعكس ذلك على تجربتك إنسانياً وإبداعياً؟

- الكتابة ابنة التجربة، ومن الحتمي أن تكون تلك المحطّات قد تركت في نفسي أثراً ما، ربما لا يمكنني أن أحيط بهذا الأثر مستنداً إلى عقلي الواعي، فالأثر الحقيقي مطويّ في حقائب الذاكرة المصفوفة في العقل الباطن، لذلك فأنا أقدر على تلخيصه واستيعابه عندما أقرأ ما كتبت.

على سبيل المثال، القلق جزء من تكويني الخاص، وهو أحد مضارّ الغربة المستمرة، حالة عدم استقرار ولا يقين مستمرة، ويبدو أنني حتى بعد عودتنا واستقرارنا في مصر، لم أتخلّص تماماً من الغربة.

من ناحية أخرى، أدعي أن تنقلي بين أكثر من بلد عربي ساهم في اهتمامي بالأدب العربي في العموم، هكذا نشأت متحرّراً من حالة الانغلاق على الأدب المصري، تلك الحالة التي سيطرت على كثيرين، فأثّرت على منجزهم الأدبي بطريقة ما، وبدرجات متفاوتة. وعن نفسي؛ أعتقد أن هذا الانفتاح على الآخر قد ساهم في تكوين هويّتي كشخص يهوى الكتابة، كما أثرى المعجم اللغوي الخاص بي، نتيجة القراءات لمختلف الأدباء العرب المنتمين إلى مراحل زمنية مختلفة.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».