مع الجواهري من النجف إلى الرياض

في بيت الجواهري بدمشق
في بيت الجواهري بدمشق
TT

مع الجواهري من النجف إلى الرياض

في بيت الجواهري بدمشق
في بيت الجواهري بدمشق

في صباي الغرّير كنت أذرّع أزقّة محلات النجف الترابية. وهي التي وصفها ابن بطوطة في رحلته إليها سنة 727هـ - 1326م بقوله: «ليس في هذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا آل، إنما يحكم عليهم نقيب أشراف، وأهلها تجّار يسافرون في الأقطار، وهم أهل شجاعةٍ وكرم، ولا يُضام جارهم، صَحِبْتهم في الأسفار فحمدتُ صحبتهم. يجيدون صناعات عديدة، وعلى الخصوص نسيج العباءة (النجفية) بخيوطها الخفيفة، والثقيل الغليظ النسج من الوبر». وقد وصف النجف بأنها من أحسن مدن العراق وأكثرها ناساً وأتقنها بناءً، ولها أسواق حسنة نظيفة.

كما يذكر مؤرخها جعفر باقر مَحبوبة في كتابه الشهير «ماضي النجف وحاضرها»، أنها كانت ميناءً بريّاً توسط العراق ونجد، منذ العصر العباسي، والمغولي، والصفوي الفارسي، والتركي العثماني حتى العصر الحاضر. فيما يؤكد لوي ماسينيون، المستشرق الفرنسي الذي أقام في العراق ردحاً من الزمن وكتب عنه بحوثاً قيمة، في كتابه «خطط الكوفة» أن النجف بلدة بدوية الطبع عربية الطابع، رغم أنها، وهي الملاصقة للكوفة، قامت على أساس الدراسة الدينية مع رحلة الشيخ الطوسي إليها منذ قرون.

يا ترى، هل نجد في وصف ابن بطوطة هذا، وما كُتب بعده مفتاحاً نحو الدخول إلى فهم شخصية المكان النجفي، بمحلاته الأربعة (المشراق، والبراق، والحويش، والعمارة) المكتظة بمبانيها الطينية القديمة، حيث ترعرع محمد مهدي الجواهري، ونشأ بينها، متميزة بدروسها الدينية واللغوية؟ إذ شدَّتني -إذَّاك- قبب زرقاء لمدافن علماء آل كاشف الغطاء وأصهارهم من آل الجواهري. فجدهم الشيخ محمد حسن، مؤلف سفر «جواهر الكلام» الفقهي، انتسبت الأسرة إلى كتابه! هذا الذي أصبح محل اهتمام القانوني المصري الشهير عبد الرزاق السنهوري، حين جاء بغداد الثلاثينات، في مهمة لتنظيم الأحوال الشخصية في العراق الملكي.

الابن المتمرد

في تلك الدروب الضيقة، كنتُ أتحسس خطوات الجواهري، إذ راقتني حيلته الطفولية، مختبئاً في زير ماء معلمه (جناب عالي) هارباً من عقابه القاسي... وقد أصبح الطفل حبيب والده المُعمَّم، الذي حاول أن يورِّثه دراسة العلوم الحوزوية، رغم معرفته بميول ابنه المبكرة إلى قراءة الشعر ونظمه، وقد فرض عليه حفظ آيات من القرآن الكريم وخطب «نهج البلاغة» و«أمالي» أبي علي القالي و«بيان» الجاحظ وتبيانه وأشعار المتنبي.

هذا الميل الباكر هو الذي جعل الابن الضال المتمرد يرتجف، وهو يحمل إبريق الشاي واستكاناته الصغيرة إلى ضيف والده... السيد محمد سعيد الحبوبي، بطل ثورة العشرين، وقبل ذلك الفقيه المعروف، والشاعر رقيق العبارة بموشحاته الراقصة في شعره الغزلي، التي امتاز بها في ديوانه المطبوع في صيدا سنة 1331هـ.

لقد سقط إبريق الشاي النجفي واستكانته من يدي الجواهري، تهيّباً وانبهاراً بشخصية الشاعر، لكي تتفتق موهبة الشعر لديه جزلةً، متناصَّةً مع روائع شعراء العصر العباسي... معجباً بفروسية أبي الطيب، وموسيقية البحتري، وصور أبي تمام، وتفلسف المعري.

بل إن تمكنه من اللغة العربية والشعر القديم، جعله قادراً على «ابتداع» اشتقاقات لغوية في سيميائيته الشعرية. دائماً ما يستوقف النقاد إعجاب الجواهري بواحدة من بداياته الشعرية في ثورة العشرين العراقية:

لعلَّ الذي ولَّى منَ الدهرِ راجعٌ

فلا عيشَ إن لم تَبقَ إلا المطامعُ

غرورٌ يُمنّينا الحياةَ وصفوُها

سرابٌ وجَنّاتُ الأماني بلاقعُ

كان الجواهري قد قرأ دواوين الفحول من شعراء العرب الأقدمين، واستوعب أسرارها الفنية، تسعفه ذاكرة حفظ قوية عجيبة، لم تفارقه وهو في أرذل العمر. ومع ذلك، لم يخضع لضغط قصائدها الفني، بل قام بتفكيكها وإعادة بنائها في شوارده، وفق إحساسه الذاتي ومواقفه السياسية... هذه التي جعلته يكاد يكون الشاعر العراقي، بل الشاعر العربي، الذي عبّر ببلاغته الشعرية البارعة عن مجمل التفاعلات الاجتماعية والأحداث السياسية، التي عصفت بوطنه، منذ نشأته بداية القرن العشرين إلى منتهاه. وقد عاصر ولادة الدولة الوطنية في العراق، حتى تمزُّقه في العقد الأخير من القرن العشرين.

كنتُ حين أطوف بتلك البيوت الطينية العبقة بزهد ساكنيها، بين محلة العمارة ومحلة المشراق -وقد تكرر وقوفي بها طويلاً سنوات غرارة الصبا ويفاعة الشباب- أتساءل: كيف تسنّى للجواهري كتابة مقدمة ديوانه في طبعاته الأولى المعنونة «على قارعة الطريق»، وقد تميزت بنزعة حداثية مبكرة، متسائلة، متفلسفة... مما جعل الشاعر الفلسطيني محمود درويش بعد عقود يعيد نشرها في مجلة «الكرمل» أوائل الثمانينات بوصفها قصيدة نثر؟!

يقول الجواهري وقد عرَّج عليه صاحبه... وهو في منتصف الطريق إلى حيث يريد: أأنت مسافر مثلي؟ قلت: لا! بل أنا شريد. قال: وأين وجهتك؟ قلت: وجهتي أن أضع مطلع الشمس على جبيني، وأغذّ في السير... قال: أوَلك أم؟ قلت: تركتها على قارعة الطريق، وبيدها كتاب، وإبريق، ومبخرة!

وقتذاك كان قد ترك مدينته النجفية وأهلها، لأنه رفض -كما يقول- أن يرقص فيها مثل مَن لم تهب الطبيعة لأحد مثل حيلتها وصبرها على المجاراة... ليكتشف وهو «على قارعة الطريق» كثيراً من الوقائع والحقائق، ذكر بعضها في مذكراته. هل كان لقراءاته في كتب المعاصرين المترجمة -خاصة- دور في صياغة هذا النص النثري المفصلي في حياة الجواهري وتثوير تجربته الشعرية؟ يقول في حوار مع ابنته خيال، إنه كان في التاسعة عشرة من عمره، حين التقط كتب عصر النهضة عبر كتب شبلي شميل وغيره، مما كان يَرِد على النجف من كتب ومجلات عربية بين العشرينات والثلاثينات الميلادية، وكذلك مترجمات لكتب وروايات نقلت أوروبا من قرونها الوسطى إلى العصر الحديث.

دفعته هذه القراءات إلى الخروج المتمرد من قوقعة النجف وسورها الصلد، بقراءاته الواسعة في الأدب الروسي والفرنسي -خاصة- وقد شد الرحال إليها معجباً بحضارتها ومسحوراً بلغتها، ومفتوناً بجمال مَن تعرَّف عليها. واقفاً عند كتابات الفرنسي الغاضب صاحب المقالة الشهيرة «إني أتهم»، إميل زولا، منبهراً بروايته «الأوباش»، التي تمثل فكرتها وعنوانها في واحدة من قصائده الثائرة:

جهِلنا ما يُراد بنا فقُلنا

نواميسٌ يدبِّرها الخفاءُ

فلما أيقَظَتْنا من سُباتٍ

مكائدُ دبَّرتها الأقوياء

وليس هناكَ شكٌ في حياةٍ

تدوسُ العاجزين ولا مِراء

فكانتْ قوَّةٌ أخرى وداءُ

رَجَونا أن يكونَ به الدواء

المعركة مع ساطع الحصري

من هنا تبدأ تجربة الجواهري الشعرية والسياسية، بانتقاله بعمّته وجبّته أواخر العشرينات إلى بغداد، للتدريس في إحدى مدارسها الثانوية. على أثر ذلك، احتدمت المعركة بينه وبين المفكر القومي السوري ساطع الحصري، الذي شكك في جنسية الجواهري ووطنيته. لخَّصها الشاعر بعد ذلك سنة 1968 في بيتيه الساخرين من قصيدته «إيه بيروت»:

أنا -بيروتُ- قطعةٌ من أديمٍ

عربيٌّ دماً ولحماً وجِلداً

أولدُ الضادَ ضيغماً

ودعيّ «ابن تسعين» يمسخ القاف قرداً

لم يستمر الجواهري في رغيد عمله في تشريفات الملك فيصل الأول، رغم احتضانه له بعد هذه المعركة السجال، بل وقف معه رغم ما استثارته قصائد الجواهري، من خروج على العرف الاجتماعي والنمط الثقافي، خصوصاً في قصيدته «جرّبيني» وكذلك «النزعة أو ليلة من ليالي الشباب»، بعدما أطرح عمّته دون مراعاة لأحد، منصاعاً في معظم شعره لتمرده النفسي وجيشانه الشعري وتقلباته الفكرية.

لقد اشتد في اشتطاطه هذا منذ خرج سنة 1930 إلى عالم الصحافة وصخبها السياسي، مصدّراً الجريدة تلو الجريدة، حتى عام الوثبة ومعاهدة بورتسموث سنة 1948. وقد استوى شعر الجواهري على سوقه الغاضب ومزاجه المتقلب، حيث قُتل أخوه الأصغر جعفر... وما أدراك ما أخوه جعفر، رواء الربيع. في لقائي التلفزيوني معه في دمشق في يوليو (تموز) سنة 1994، سألته: كثير من القصائد التي قالها الجواهري غالباً ما تتردد فيها مفردة (الدم)، فهل لمقتل أخيك جعفر دورٌ في ذلك؟ ولماذا لم تستبدل بمصطلح الدم مصطلحاً آخر يحاول أن يؤسس مفاهيم جديدة في العقل والوجدان العربي؟

أجاب: «والله مثلما تفضَّلت، كأنه الآن شخص يُنبّهني كأنني غير منتبه إلى مسألة جعفر. وأنت في الحقيقة الآن ذكَّرتني، فقبلها لم أفكّر بهذا الموضوع. الآن جعلتني أفكر أنَّ لها دخلاً؛ لأنه في هذه اللحظة شَخَصَتْ القصائد أمامي، قصائدي قبل مقتل جعفر وبعدها. فوجدتُ أنك تجد أنت بالذات بنظرة سريعة على المرحلتين قبل وبعد، الفرق كبيراً. الدم ابتدأ يتكرّر عندي كثيراً وأنا أعترف بذلك. في الواقع أنا لا أحب الدم، إلَّا دم الشهيد؛ لأن دم الشهادة ليس قليل الشأن ولا سهلاً، فأن يستشهد المرء أمر صعب، والدم غالٍ في الواقع».

خل الدم الغالي يسيل

إن المُسيل هو القتيل

هذا أنا أسميه الدم الغالي. وفي الحقيقة هناك دم رخيص مع الأسف. وفي العراق جرى كثير من هذا الدم المرتجل، غير المستهدف، أو المستهدف المنحرف، أي غير المصوَّب، وغير الرامي إلى هدف محدد. فهذا مع الأسف يسمونه الدم الهدر. هذا شيء، والدم الغالي شيء آخر؛ الدم الغالي المصمم الثائر، والمثمر أيضاً؛ لأن هناك دماء رخيصة سالت كثيراً دون أن تُثمر شيئاً.

وحين سألته: وهل أثمر الدم في العراق يا أستاذ؟ أجاب: «مع الأسف وبصراحة لم يُثمر كثيراً، الدم درس، الدم عبرة وعظة. وما نحن فيه اليوم بعد هذا كله وبعد الدماء التي سالت في الواقع، مع الأسف ليست تكافئ النتائج أو المواقف الراهنة، أو قبل الراهنة، أو في كل المراحل التي مرَّ بها التاريخ العراقي. كان الدم في العهد الملكي كثيراً ما يُهدر.

فمعاهدة بورتسموث أُلغيت ببيان رسمي، بموقف شريف لا أشرف منه، حتى من قبل الملكية. أُذيع البيان في الليلة الشهيرة وأُسقطت المعاهدة نزولاً عند آراء قادة الأحزاب وزعماء البلد، ورغبة الشعب اعتُبرت لاغية ببيان رسمي. ونُفاجأ في الصباح بمعركة الجسر وذهب فيها جعفر شهيداً رخيص الدم في الواقع. فهو دم غالٍ من جهة، ومهدور من جهة أخرى. فأنا لم أفهم -مثلاً- لماذا أُلغيت المعاهدة؟ فكان الدم يسيل لشيء آخر، ويُدخّر لمرحلة قادمة ولمطلب جديد، لا لمعاهدة أُسقطت بحد ذاتها وانتهى كل شيء.

فالدم عندي في الواقع مصدره ومنطلقه الحرص على الدم وليس الاستهانة به».

الصِّدام مع عبد الكريم قاسم

مع ترحيب الجواهري بانقلاب عبد الكريم قاسم على الملك فيصل الثاني سنة 1958، إلا أنه لم يستمر مع صديقه القديم الذي تعرَّف عليه في لندن، وذهب به إلى عيادة الأسنان متكفلاً بعلاج ما كان يشكو منه، وذلك حينما كان قاسم ملحقاً عسكرياً هناك. فقد ثار الجواهري على تقييد الزعيم حرية الصحافة، وهو من تمتع بها في إصداراته الصحفية -«الرأي العام» خاصة- التي استمرت في الصدور منذ 1941 حتى 1961، السنة التي غادر فيها العراق، بسبب احتكاكه المباشر مع قاسم، مغترباً في براغ سعيداً بلجوئه السياسي إليها.

في هذه المدينة الجميلة بطبيعتها والمتعددة في مقاهيها المأنوسة، رقَّ طبع الجواهري، بعد صحراوية النجف وطبيعتها الجافة، وأشرقت صوره بكل ما في تشيكوسلوفاكيا من خضرة أرض وجمال صبايا. يقول في قصيدته «بائعة السمك»:

ذاتَ غداةٍ وقد أوجفتْ

بنا شهوةُ الجائعِ الحائرِ

دَلَفنا لِـ«حانوتِ» سمَّاكةٍ

نُزَوَّدُ بالسمكِ «الكابري»

فلاحتْ لنا حلوةُ المُجتلى

تَلَفَّتُ كالرشأ النافر

تَشُدُّ الحِزامَ على بانةٍ

وتفْتَرُّ عن قمرٍ زاهر

ومع ذلك، فإن الحنين إلى العراق وهو في العراق، دائماً ما يشده إليه، بل يكدره اشتياقه إليه، وقد أصبح في منفاه الناعم في براغ، مستذكراً على الدوام ما قاله في «مقصورته» الطويلة عن حنينه الوطني الراسخ، وهي إحدى أبرز مفاخر الجواهري الشعرية. نظمها في أواسط عام 1947، ونشر قطعاً منها في جريدته «الرأي العام».

وقد ذكر شرَّاح الطبعة التي أصدرتها وزارة الثقافة العراقية، من مجموعته الشعرية ذات الأجزاء السبعة سنة 1974: «إن جزءاً كبيراً منها يزيد على مائة بيت قد أطارته الريح وألقته في دجلة في أثناء اشتغال الشاعر بتنقيحها خلال صيف عام 1974، حيث كان يسكن داراً مطلة على النهر».

سلامٌ على هَضَباتِ العراقِ

وشطَّيهِ والجُرْفِ والمُنحنى

على النَّخْلِ ذي السَّعَفاتِ الطوالِ

على سيّدِ الشَّجَرِ المُقتنى

ودجلةَ إذْ فارَ آذيُّها

كما حُمَّ ذو حَرَدٍ فاغتلى

ودجلةَ زهوِ الصَّبايا الملاحِ

تَخَوَّضُ منها بماءٍ صَرى

تُريكَ العراقيَّ في الحالتينِ

يُسرِفُ في شُحّهِ والنَّدى

في بيت الجواهري بدمشق

الجواهري وكاتب المقال

بعدما انتهت المقابلة التلفزيونية التي استمرت زهاء الساعتين مع الشاعر الكبير الجواهري، دارت حول سيرته الذاتية الصاخبة بأحداث العراق ومواقفه المتقلبة منها. نادى على ابنته «خيال» لكي تقوم بواجب الضيافة... «الرقي» البطيخ الأحمر الذي يذكِّره بطعم السنين الخوالي في العراق، و«الشمام» البطيخ الأصفر الذي يتذوق معه حلاوة الطبيعة الشامية.

قال لي: «كُلْ من هذا الشمام... إنه لذيذ جدّاً، حتى إن أهل دمشق يسمونه أناناس!» قلت: يا أبا فرات... أين الشاي؟ إنني بعد هذه الجولة المثيرة في سرد تاريخك الشخصي المتلاحم بتاريخ العراق الحديث، لا بد لي من رشفات شاي عراقي أصيل (سنجين) أحبّذ دوماً تناوله في «استكانة»!

توقف برهةً ليسألني: «هل لك صلة قربى بالعراق؟ إنني أعرف عائلة مرموقة المكانة تُدعى عائلة القطيفي، منها من دخل عالم الصحافة والسياسة والوزارة». أجبته: توجد صلة صداقة، أما العائلة التي تشير إليها في القطيف، فكأنك تشير إلى أحد أبنائها وهو الدكتور عبدالحسين القطيفي، من أوائل خريجي السوربون في العهد الملكي العراقي، الذي استثمر عبد الكريم قاسم تخصصه في القانون الدولي، فعيّنه وكيلاً فاعلاً لوزارة الخارجية، ليمثل العراق الجمهوري في مفاوضاته مع دولة الكويت بعد استقلالها.

أما الوجه القطيفي الآخر في العراق فهو سلمان الصفواني القطيفي، الذي التحق بحركة الإمام الخالصي لنيل استقلال العراق التام من الهيمنة البريطانية على قراره الوطني. وبعد ذلك عرفه العراقيون صحفيّاً بارزاً، شُهر بمقالاته ذات النغمة العروبية. هذا ما ذكره الأستاذ عبد الرزاق الهلالي، مؤلف كتاب «زكي مبارك في العراق»، مشيراً إلى تلاحي الصفواني الأدبي مع الأديب المصري د. زكي مبارك، في أثناء انتدابه للتدريس في دار المعلمين العالية ببغداد، بين سنوات الثلاثينات والأربعينات، حين كان يساجل الصفواني على صفحات مجلته (اليقظة) البغدادية. هذا وقد أصبح الصفواني فيما بعد وزيراً في حكومة العارفين، وزيراً لشؤون مجلس الوزراء مرتين، مكافأة لعداوته الضَّروس لنظام عبد الكريم قاسم، بعدما هرب منه بداية الستينات إلى خارج العراق، فاختار القاهرة مهاجراً ومستقرّاً.

قال الجواهري: «دعْكَ من هذا الآن... وعليك بأكل البطيخ الأحمر والأصفر، وشرب القهوة المرة. ولنجعل شرب الشاي العراقي تحيةً لهذه السهرة على أن تأتيني من غد... فإنَّ لي معك حديثاً قد يطول».

في ضحى اليوم التالي توجهت إلى دارته، وهي عامرة بالحراس والسيارة المرسيدس الفارهة، وحين أذن لي، استقبلني بحيوية فائقة. كان قد حلق ذقنه! أمسك بيدي ليقودني إلى مجلس صغير اختاره للاختصار بي.

من فوره انطلق يُبدي رغبةً شديدةً في زيارة المملكة، معبِّراً عن أنها تلحّ عليه منذ قابلَ نائب الملك فيصل في زيارته لبغداد في سنوات الثلاثينات الميلادية، ونظم فيه قصيدة نكايةً بالملك فيصل الأول في موجةٍ من تقلباته العارمة. وأردف: «لعلك قرأت قصيدتي في مدحه، حيث طلبت منه نشرها في جريدة (أم القرى). بل إنني أبديت رغبتي في أن يوصل إلى والده الملك العظيم عبد العزيز بن سعود أن أكون ضيفاً عليه في السعودية».

أجبته: يا أبا فرات تلك كانت مناورة سياسية منك. فبقصد تصعيد خلافك مع ملك العراق فيصل الأول، رحت توغر صدره بمديح فيصل السعودية ووالده الملك عبد العزيز.

انفرج وجهه عن ابتسامة ماكرة قائلاً: «هذا صحيح... ولكن مدحي لعبد العزيز كان محض إعجاب شخصي بفروسيته العربية... واليوم وأنتم أيها السعوديون تتمتعون بما قام به الملك عبد العزيز من دولة أصبح يُحسب لها ألف حساب، لماذا لا تساعدني على تلبية رغبة يمتد عمرها إلى أكثر من ستين عاماً بزيارة بلادكم؟ إنني أسمع عن مهرجان الجنادرية».

أجبته: بلادي مفتوحة لزيارة أي مفكر وأديب وشاعر عربي... فما بالك بشاعر شهير، يحمل على ظهره هذا السجل السياسي والثقافي الحافل للعراق في القرن العشرين، منذ ثورة العشرين! إن الجميع سيرحبون بك من القمة إلى القاعدة.

وهنا وجدته يخط بيده المرتجفة إهداءً معبراً على ديوانه كاتباً النص التالي: «إلى أخي وحبيبي الكريم... أهديه إليك، ومعه فرط حبي وحميم إعزازي. المحب المعهود محمد مهدي الجواهري 21 تموز 1994م».

بعد هذا التاريخ بأقل من عام، قام الجواهري بزيارته التاريخية للمملكة، ليشهد فعاليات مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة. وما انتهى أمر الزيارة إلا بغضب الإعلام العراقي عليه، وقد استفزته زيارة الجواهري للمملكة والاحتفاء الرسمي والأهلي به، مما أدى إلى نزع الجنسية العراقية من أكبر رمز يلتقي عنده وعليه العراقيون بمختلف أطيافهم ومشاربهم!

العجيب أنه قبل أن يطلق الإعلام العراقي النار الإعلامية على الجواهري، كنت دائماً ما أسمعه يردد بينه وبين نفسه، عند زيارته معالم الرياض أبياتاً من شعره -وقد كنت مرافقاً له- أما حينما وقف على صحراء نجد، فإنه تذكر على الفور امتدادها الصحراوي إلى الكوفة والنجف، فطفق يتشوق إلى الأماكن القديمة في زمن طفولته وصباه، مخاطباً وطنه:

حييتُ سفحك عن بُعدٍ فحيِّيني

يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتين


مقالات ذات صلة

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ثقافة وفنون الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة،

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات

أليكس ويليامز
ثقافة وفنون سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه
TT

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه في معرض الفنان الصيني شاو فان الذي لا يزال يعمل ويعيش في بكين.

الفنان الصيني ليس كغيره من فناني العالم؛ فإضافة إلى عزلة التاريخ والطبيعة التي خلقت فناً مكتفياً بجمالياته التي تنطوي على رؤية إشراقية هناك عزلة الشيوعية بواقعيتها الاشتراكية على المستوى الفني، والتي بددت الكثير من اللحظات الشعرية التي ميزت علاقة الرسام الصيني التأملية بالطبيعة غير أنها لم تقض عليها تماماً فكانت دائماً مصدر إلهام روحي متجدد.

في تجربة شاو فان (1964) الذي يقيم معرضاً لأعماله في غاليري وايت كيوب (مايسون يارد) بلندن ما يعيدنا بطريقة خلاقة إلى تلك الثنائية التي لطالمنا شغلت حيزاً في التفكير الثقافي العربي، وهي ثنائية التراث والمعاصرة من غير أن نصل إلى نتائج نهائية تكون بمثابة طريق غير منقطعة. فشاو فان إذ ينفتح على المتغير الفني الغربي، فإنه لا يتخلى عن عناصر ثقافته الصينية التقليدية التي تظلل بتأثيرها لوحاته وتماثيله وتجهيزاته الفنية التي تستلهم بشكل أساس علاقة الإنسان بالطبيعة.

من أعماله

كل شيء في أعمال شاو فان يشير إلى العادات والمعتقدات الصينية التاريخية، لكن بطريقة توحي معالجتها الشكلية بانتمائها إلى العصر. لم يأسر الفنان جماليات الماضي إلا من أجل أن يضعها في خدمة حقيقة انتمائه إلى العصر. في واحدة من أهم حلقات حياته أدرك الفنان الذي نشأ في عائلة فنية (كان والداه فنانين مرموقَين يُدرّسان الرسم الزيتي على الطريقة السوفياتية في الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في الصين)، وتعلم الرسم في سن مبكرة، أن عائلته قد وهبته كنزاً خيالياً حين أثثت منزلها بكراسي تعود إلى أسرة مينغ (1368 - 1644). عندما كبر بدأ في بإعادة تشكيل تلك الكراسي المهملة؛ فأصحبت أشهر أعماله النحتية. ذلك يعني أنه عثر في منزله العائلي على الخيط الذي ما إن أمسك به حتى اهتدى إلى المعادلة التي جعلته قادراً على التعريف بنفسه عالمياً بصفته فناناً صينياً معاصراً.

الكرسي من الوظيفة إلى الفكرة

ما فعله شاو فان في مرحلة الكراسي التي بدأت عام 1995 لم يكن مجرد تعليق هامشي على الرغبة في استلهام مواد وأفكار تراثية بقدر ما كان محاولة للانتقال بتلك المواد والأفكار إلى عصر ما بعد الحداثة من خلال تفكيك الأعمال التراثية المستلهَمة وإعادة بنائها في سياق بصري معاصر. ذلك ما مكَّن شاو فان من إنتاج أعمال فنية أنيقة بمزاج سريالي حرص من خلاله على أن يقيم علاقة بين الفنون التقليدية والتقنيات المعاصرة بحثاً عن هوية ثقافية ليست نمطية. بالعودة إلى تلك المرحلة المهمة في مسيرته يمكن العثور على حساسيته الحديثة من خلال اعتباره صانع أثاث، غير أن ذلك لا يعبر عن حقيقة مسعاه، فالكراسي التي صنعها لا تصلح للاستعمال اليومي بعد أن فقدت وظيفتها بتأثير مما أضفته عليها مخيلة الفنان من تغيرات شكلية مرحة وصارمة في الوقت نفسه. كانت أعمالاً نحتية مبتكرة.

وإذا ما كان شاو فان قد استغرق بلذة في إنتاج سلسلة الكراسي من خلال التنويع على الفكرة عبر تجلياتها الشكلية، فإن عالمه كان يتسع باستمرار من خلال رسم لوحات الحبر والمنحوتات وتصاميم الحدائق والمساهمات المعمارية. فعلى سبيل المثال، تتميز لوحاته التي غالباً ما تكون أحادية اللون مرسومة بالحبر على ورق الأرز بما برع فيه الصينيون من دقة متناهية وطابع تأملي. ليست رسومه مجرد تمثيلات للأشياء، بل هي خلاصة للجوهر مشبّعة بمبادئ الفلسفة الطاوية التي تُؤكد على الانسجام بين الإنسان والطبيعة. ذلك ما نراه في لوحاته التي صور من خلالها موضوعات مثل الأرانب، والقرود، والحيتان، والفواكه والخضراوات بصفتها أدوات لاستكشاف العادات والمعتقدات التاريخية من خلال ضربات متكررة تُراكم طبقات من المعنى والملمس. ومن اللافت أن شاو فان غالباً ما يعود إلى مفهوم الشيخوخة كصفة محترمة، وهو منظور متجذر بعمق في الثقافة الصينية، حيث يُقدّر النضج. مفتوناً يقبل الصيني على اكتشاف أسرار الجمال التي انطوت عليها رؤى أسلافه التي تخلط المخلوقات الأسطورية بالمناظر الطبيعية كما لو أنهما تنتميان إلى الزمن نفسه.

شاو فان

المحظوظ بعائلته الفنية

بالنسبة لشاو فان، لا تكمن أهمية أن يكون المرء فناناً صينياً في استجابته للقيم الجمالية التي تنطوي عليها التقاليد الفنية الموروثة، بل في تحديها من خلال استخراج كل ما يمكن أن يتجاوز زمنه منها ليكون مؤهلاً للانسجام مع ذائقة عصرنا. لذلك؛ ركز منذ بدايته على الجمع بين النحت والرسم والتصميم والخزف في معالجة الأشكال التقليدية؛ بغية الذهاب بها إلى المنطقة التي يكون في إمكانها أن تتحرر من محتواها التعبيري القديم. ذلك ما دعاه إلى النظر إلى طرق التفكير الفني السائدة بطريقة يغلب عليها الشك. بدأت رحلته في استلهام الأشكال التقليدية من موقع التشكيك بجمالياتها المكرسة.

كان فان محظوظاً بولادته في عائلة فنية أتاحت له إمكانية العيش محاطاً بمجموعةٍ منتقاة بعناية من اللوحات والخطوط والأثاث الصيني التقليدي. كنوزٌ لم يجرِ تدميرها أثناء الثورة الثقافية المضطربة بسبب موقع والده في الحزب الشيوعي. لقد عملت نشأته بين أعمال فنية، كان الواقع الشيوعي قد طمس أثرها في الحياة العامة على تطوير ذائقته الجمالية التي استندت إلى معرفة قلّ نظيرها؛ وهو ما يعني أن تمرده على الفن التقليدي الصيني لم يكن انتهاكياً بقدر ما كان تعبيراً عن رغبته في الانفتاح على تأثيرات الفن الغربي والمفاهيم الفلسفية الحديثة. حدث كل ذلك بعد دراسة معمقة لفكرة الهوية الثقافية التي اتخذت معه طابعاً مرناً تجمع حيويته بين منطلقاته الإلهامية والقدرة على الابتكار فيه ومن خلاله.

يصلح الفن لكي يكون جسراً بين الشرق والغرب. لكنها فكرة سياسية مضللة من وجهة نظري. أعتقد أن فناناً من نوع شاو فان كان يفكر في الحيز الذي يليق بفنه عالمياً.

الصينيون في كل مكان

لم يعد مصطلح «فن صيني» اليوم يعني الشيء نفسه في الماضي. كانت هناك وصفة جاهزة تعود إلى آلاف السنين. صحيح أن هناك عدداً كبيراً من الصينيين ما زالوا يرسمون وهم يتبعون مخيلة تلك الوصفة، غير أن الصحيح أيضاً أن عدداً لافتاً من أبرز أفراد الصف الأول في الفنون المعاصرة هم اليوم من الصينيين، يقف شاو فان في مقدمتهم. فالفنان الذي لا تزال أعماله تشي بهويته الصينية فُتحت أمامه أبواب المتاحف والأسواق الفنية واللقاءات الموسمية الفنية العالمية، ومنها آرت بازل، ومتحف شمال برابانت في هولندا، ومتحف لودفيغ في ألمانيا، وبينالي شنغهاي وبينالي الدرعية في الرياض، كما أقام عدداً من المعارض الشخصية، ومنها معرضه الحالي في لندن كما أن أعماله تُعرض ضمن المجموعات المرموقة في المتاحف العالمية، متحف متروموبلتيان بنيويورك على سبيل المثال. لقد أعاد الصينيون رسم الخرائط بحيث صار من الصعب اليوم الحديث عن مركزية فنية غربية.

ذلك الانتشار إنما يؤكد حقيقة واحدة مفادها إن الصينيين على الرغم من عدم حاجتهم للبحث عن هوية فنية فإنهم حملوا تراثهم الروحي معهم حين اندفعوا إلى الخارج بقوة وعي معاصر، كانوا مؤهلين للإسهام في صناعته. لم يقبل الغرب بأعمال شاو فان لأنها استوعبت شروط فن ما بعد الحداثة، بل لأنها أضفت ملمحاً صينياً على تلك الشروط. وما يجب الإشارة إليه هنا أن فناناً من نوع شاو فان كان قبل أن يتجه إلى العالمية قد تأمل بطريقة نقدية علاقته بجذوره بطريقة يسودها الاحترام.


«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية
TT

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والذاكرة، والتكنولوجيا، والعلاقات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة.

كتب الناشر: «منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نحو الكتابة التي تستثمر المفارقة والدهشة والقلق الوجودي، عبر نصوص مكثفة تقترب أحياناً من القصة القصيرة جداً، وأحياناً أخرى من التأمل السردي أو المشهد النفسي المشحون بالأسئلة. وتضم المجموعة عناوين لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماضٍ ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن.

في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الكاتبة نحو منطقة معاصرة شديدة التعقيد، عبر حكاية امرأة تدخل في علاقة وجدانية مع ذكاء اصطناعي يتحول تدريجياً من أداة للحوار إلى كيان يتداخل مع تفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، قبل أن تنفتح القصة على خاتمة صادمة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مع التكنولوجيا كمرآة للوحدة الحديثة والفراغ العاطفي الذي يتضخم داخل المدن المعاصرة، لا كموضوع خارجيّ. أما قصة (فعل ماضٍ ناقص) التي حملت المجموعة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبياً يمزج السخرية السوداء بالنقد الاجتماعي، من خلال شخصية امرأة معاصرة تستيقظ فجأة داخل زمن قديم وبيئة تقليدية قاسية، لتجد نفسها أسيرة واقع يناقض تماماً خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة.

وتكشف القصة عن قدرة الكاتبة على بناء مفارقات حادة بين الخطاب النظري والتجربة المعيشة، وبين الشعارات والوقائع اليومية.

وتحضر الأسئلة النفسية والاجتماعية بوضوح في نص (انتباه)، الذي يتناول اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه من زاوية إنسانية مؤثرة، عبر مونولوغ طويل لامرأة تكتشف بعد وفاة زوجها أن ما كانت تعدّه إهمالاً أو لا مبالاة لم يكن سوى اضطراب عصبي لم يُشخّص في حياته. القصة تفتح باباً واسعاً للتأمل في سوء الفهم داخل العلاقات الإنسانية، وفي الأحكام القاسية التي قد يطلقها الناس على من يعانون اضطرابات خفية».


موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح