قراءات المثقفين المصريين في عام 2024

تصدَّرها الشعر والرواية والبحث عن «التاريخ المنسي» (2 ــ 3)

قراءات المثقفين المصريين في عام 2024
TT

قراءات المثقفين المصريين في عام 2024

قراءات المثقفين المصريين في عام 2024

مرَّت الثقافة العربية بعام قاسٍ وكابوسي، تسارعت فيه وتيرة التحولات بشكل دراماتيكي مباغت، على شتى الصعد، وبلغت ذروتها في حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل على غزة وطالت لبنان، ولا تزال مشاهدها الدامية تراكم الخراب والدمار على أرض الواقع... في غبار هذا الكابوس تستطلع «الشرق الأوسط» أهم قراءات المثقفين والمبدعين العرب خلال 2024.

في مصر تراوحت قراءات المثقفين والأدباء ما بين الرواية والشعر؛ خصوصاً الشعر الأميركي بآفاقه الكثيرة التي لا تزال في حاجة إلى مزيد من الاكتشاف، كما شملت القراءات الجوانب المنسية والمهمشة من التاريخ، فضلاً عن كتب السيرة الذاتية وعلاقتها بالفلسفة، وكذلك الكتب التي تتناول الأدوار المتعددة للنخبة المثقفة وأقنعتها التي تراوح دائماً ما بين الخفاء والتجلي.

أحمد الخميسي: مكتبة متنقلة لبيع الأرض والسماء

في البداية، يشير الكاتب أحمد الخميسي إلى تنوع قراءاته ما بين اللغة والأدب والسياسة، ففي عالم الأدب استمتع برواية «المكتبة المتنقلة» للروائي الأميركي كريستوفر مورلي الذي توفي عام 1958، وفيها نقرأ بروح الفكاهة العذبة حكاية «ميفلين» العجوز الذي عشق الكتب وأُغرم بتقديمها للآخرين فراح يجوب القرى بعربة خشبية محملة بمكتبة كاملة يجذب الناس إلى متعة القراءة. يقول الكاتب على لسان ميفلين: «إننا عندما نبيع كتاباً لرجل فنحن نبيعه حياة جديدة بأكملها، الحب، والصداقة، والفكاهة... السماء والأرض بأكملهما موجودان في الكتاب».

ويشير الخميسي كذلك إلى كتاب «اختلاق إسرائيل» للكاتب البريطاني كيث وايتلام الذي يفنّد فيه الكثير من المعلومات التاريخية التي تربط الماضي بالحاضر فيما يتعلق بالأسس التي قامت عليها دولة إسرائيل، مؤكداً أنه «إذا نظرنا من منظور أطول زمناً، فإن تاريـخ إسرائيل الـقـديم يبدو مثل لحظة قصيرة في التاريخ الفلسطيني الطويل».

وتبقى في ذاكرة الخميسي كتاب يصفه بـ«ممتع» يحمل عنوان «أين ذهب المثقفون؟» للأكاديمي المجري فرانك فوريدي المختص في علم الاجتماع، وفيه يعالج برشاقة ويسر قضية عزوف الناس عن القراءة في عصرنا حتى في بلدان مثل أميركا وفرنسا وبريطانيا، مركّزاً من خلاله على موضوع اختفاء المثقفين. ويقول المؤلف إن من أسباب ذلك حصر دور التعليم والثقافة في حدود الأدوات التي تخدم أغراضاً عملية لا أكثر؛ مما أدى إلى التسطيح الثقافي، وإلى ما أطلق عليه الأكاديمي المجري «تهميش الشغف الفكري»، فلم يعد للمثقف دور في مجتمعاتنا المعاصرة. ويضرب مثالاً على ذلك من فرنسا قائلاً: «إن المثقفين الفرنسيين الآن، مقارنة بسارتر، يبدون مجرد تكنوقراطيين هزيلين». ويطرح كتابه بقوة سؤالاً أساسياً: أين اختفى المثقفون بالفعل؟ ولماذا؟

سارة حواس: «شاعرة في الأندلس» تبحث عن هوية فلسطينية

وتركزت قراءات المترجمة والأكاديمية الدكتور سارة حامد حواس على الشعر الأميركي الحديث، لا سيما أرشيبالد ماكليش، وتيد كوزر، وتشارلز رايت، ودابليو إس مروين، وكونراد أيكن، وچيمس رايت ويوسف كومنياكا، وغيرهم ممن كتبت عنهم في كتاب جديد سوف يصدر لي قريباً بعنوان «ولاؤهم للروح: عشرون شاعراً أميركيا حازوا حائزة بوليتزر» بالتزامن معرض القاهرة الدولي للكتاب.

وفي النصف الثاني من العام، شملت قراءات حواس الكثير من الروايات التي توقفت عندها بشغف، مثل رواية «صاحب الظل الطويل» لچون ويبستر وهي من ترجمة بثينة الإبراهيم والصادرة عن «منشورات تكوين» ورواية «النباتية» لهان كانغ التي حازت جائزة نوبل في الآداب لعام 2024، ورواية «رحلات في غرفة الكتابة» لبول أوستر الصادرة عن دار «التنوير». أما عن الكتب التي تتناول موضوع الكتابة بصفة عامة، فأحببت كتاب «كيف كانوا يكتبون» الصادر عن دار «المكتبة العلمية»، وهو كتاب ألَّفه مجموعة من الكتَّاب لم يذكرهم الكتاب، وقام بترجمته عادل العامل، ويتناول تجارب الكتَّاب في كتاباتهم من شكسبير إلى هوراكامي، وهو عمل ثري وملهم وأرشحه لأي كاتب مهتم بتجارب الآخرين.

أما عن الكتاب الذي توقفت عنده كثيراً لسارة حواس وخلق حالة لا تُنسى من الجمال والبهاء، فهو «شاعرة في الأندلس» للشاعرة الأميركية - الفلسطينية ناتالي حنظل، ترجمة الشاعر السوري الدكتور عابد إسماعيل وصادر عن دار «التكوين» وهو كتاب يمزج الشرق بالغرب، والحب بالفقد، والضياع باستكشاف الذات، والبحث عن الهوية التي ضاعت في سبر أحداث تحدّها جغرافيات مختلفة، حيث جاءت الشاعرة من فلسطين إلى نيويورك، ثم تذهب إلى الأندلس، التي أقامت فيها نحو عام.

وتضيف حواس: «هو من أكثر الدواوين التي أثَّرت فيَّ ومست قلبي؛ شعور بالاغتراب ممزوج بالألم والحب، شعور بالقوة والانتصار برغم الفقد والتيه، مشاعر إنسانية حقيقية كتبتها ناتالي حنظل كما لو كانت تكتب نوتة موسيقية».

خالد عزب: التاريخ المنسي لأهل الجنوب

ويتوقف المؤرخ والباحث في الدراسات الأثرية الدكتور خالد عزب عند كتاب مثير يكشف جوانب مهملة في البحث التاريخي في مصر ألَّفه الباحث النابغة أمير الصراف يحمل عنوان «منقريوس بن إبراهيم... وزير ومباشر همام الهواري أمير صعيد مصر»، وصدر عن دار «المرايا» بالقاهرة. ويتساءل الدكتور محمد أبو الفضل بدران في مقدمة الكتاب: «هل يطوي التاريخ صفحات عمداً ويُظهر أخرى؟ لماذا يغفل التأريخ صانعي الأحداث الفعليين وأدوارهم المؤثرة، ويمضي في تمجيد المنتصر وينسي المهزومين؟».

يتابع عزب: يسلط الكتاب الضوء على التاريخ المنسي لصعيد مصر وإقليم الجنوب من خلال أحد أهم أفراد رجال الإدارة القبطية في صعيد مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهو منقريوس بن إبراهيم المكنى في بعض وثائق وحجج المحاكم الشرعية، بـ«بولس منقريوس» وكان وزير الأمير همام بن يوسف بن محمد وذراعه اليمنى في الإدارة. ويذكر المؤلف أن التحاق منقريوس بإدارة همام، زعيم قبيلة هوارة، تزامن مع تولد فكرة الدولة المستقلة في صعيد مصر، والموازية للسلطة المركزية في القاهرة، ذات الجناحين المتمثلين في الوالي العثماني وشيخ البلد الذي كان منصبه في حوزة المماليك.

حسين محمود: مشاهد سيرة ذاتية من ذاكرة مثقوبة

ومن أبرز ما قرأه الدكتور حسين محمود، أستاذ الأدب الإيطالي، عبر 2024 كتاب لمارتا نوسباوم بعنوان «ليس للربح»، ترجمة فاطمة الشملان، لافتاً إلى أنه يناقش أهمية الدراسات الإنسانية للديمقراطيات. قرأت أيضاً كتاب «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟» لإيتالو كالفينو، ترجمة دلال نصر الله، وفيه يقدم الكاتب الإيطالي الأشهر رؤيته حول ضرورة إعادة قراءة أمهات الكتب في مرحلة النضج، وإعادة اكتشافها من جديد وهناك كذلك، كتاب «العلم الجديد» لجان باتيستا فيكو، ترجمة أحمد الصمعي، في فلسفة التاريخ، والذي يقسم فيه التاريخ إلى ثلاث مراحل، مرحلة الأرباب، ثم مرحلة الأبطال، وأخيراً مرحلة البشر.

ويتوقف الدكتور محمود عند كتابين لأحمد جمال الدين موسى، هما «شطحات منسية» وهي مجموعة قصصية، و«مشاهد تنبض من ذاكرة مثقوبة» وهي سيرته الذاتية، مشيراً إلى أن موسى أديب نبغ في سن متأخرة في فن الرواية، وهو غزير الإنتاج رغم هذا، فقد قضى معظم حياته في عمله الأكاديمي والوزاري، ولم يتفرغ للأدب إلا بعد تقاعده الذي وفَّر له الوقت والاسترخاء الكافي لكي يستعيد هوايته في الكتابة ويصدر العمل تلو الآخر.

ويشير الدكتور محمود إلى أن بعض إنتاج هذا المؤلف ليس وليد اللحظة، وإنما يعود إلى فترات مبكرة من حياته، خصوصاً المجموعة القصصية «شطحات منسية» التي جمع فيها نصوصاً كتبها في شبابه، رغم أنها تتميز بتحقيق الشروط الفنية لفن القصة القصيرة من حيث التقاط الحدث وتكثيفه والتعبير عنه بلغة سهلة التوصيل والتواصل. وتأتي السيرة الذاتية لأحمد جمال الدين موسى عبر مشاهد تتوالى من ذاكرة مثقوبة لكي يقدم لنا فيها نموذجاً حديثاً لأدب السيرة الذاتية في تنوع أحداثها وتقسيمها إلى موضوعات، تنقسم داخلياً بترتيبها الزمني، في تدفق جيد الإيقاع وسلس لغوياً، لكنه ليس تدفقاً حراً، بقدر ما هو تحت سيطرة المؤلف، المنضبط في بنيته السردية انضباطاً هندسياً.

مروة نبيل: الغموض الساحر في علم البيولوجي

وتوضح الشاعرة مروة نبيل أنه مثلما تحمل القراءات الجديدة فائدة، فإن إعادة القراءة تمنح المزيد من التأمل والتفكير واستشراف رؤى وآفاق متنوعة للكتابة. من هنا استرجعت هذا العام ديوان «المثنوي» لـجلال الدين الرومي، وأزعم أنه من الكُتب التي لا تمنح ما فيها في قراءة أولى أو ثانية، ولا تُؤخَذ إلا بقوة ما، فهو كتاب متعدد الطبقات، ومفتوح على نوافذ شتى للقراءة والتأويل، وهو ما يمنحه حيوية وامتداداً في الزمان والمكان. وشغفاً بالأدب اليوناني وبكازانتزاكيس، كان «تقرير إلى جريكو» تَتمة لقراءة مجمُوعتِه المُترجَمة.

وتعتبر مروة أن كتاب «الخاطرات - سيرة ذاتية فلسفية» للدكتور سعيد توفيق جاء مثل مكافأة بالنسبة إليها، فالكتاب في الواقع مصفوفة فائقة الأبعاد من حيث الأساليب والموضوعات. كما كانت قراءة كتاب «المفكرون الأساسيون - من النظرية النقدية إلى ما بعد الماركسية» لسايمون تُورمي إنجازاً مهماً بالنسبة لي، لا يكمُن في الموضوع فقط؛ بل في تصدير المُترجم أيضاً، والتعرُّف من جديد إلى الدكتور محمد عناني، والتساؤل بإعجاب شديد عن حقيقة العمر العقلي لهذا المُترجم الفَذ الذي أثرى المكتبة العربية بزاد أدبي متنوع له مذاقه الخاص.

توجَّه نظر مروة نبيل إلى أعمال «هان كانج» في الرُّبع الأخير من العام... قرأت «النباتية»، وهي رواية جيدة في سياق الأدب الكوري الراهن، لكن بالنسبة للكتابة عن الصدمات التاريخية، والكشف عن هشاشة الحياة البشرية؛ تحفظ الشاعرة مروة نبيل للروائيين الشرق أوسطيين قدرهم، وترى أنهم يمتلكون القدرة على كتابة أكثر تجريداً لما يدور حولهم، حيث نضجت التجربة الإنسانية في الشرق الأوسط إلى حد التعايش مع الصدمات والعنف.

وتضيف الشاعرة المصرية: «منحتني قراءة (الكتاب الأبيض) للمؤلفة نفسها تكهُّناً باختلاف بين فضاءي الشعر والرواية، وأنه سيظل اختلافاً جوهريّاً، مهما امتدت العلاقات بينهما، فالشاعر والروائيّ لا يتشابهان إلا في القدرة على كتابة العبارات المؤثرة، لكنهما يختلفان في كل شيء بعد ذلك».

وتتابع: «أما الفوز الأكبر في قراءات هذا العام فكان كتاب (البحث عن الوعي - مقاربة بيولوجية عصبية) لكريستوف كوتش، ترجمة د. عبد المقصود عبد الكريم، ذلك الكتاب الذي أظهر لي غموضاً ساحراً في علم البيولوجيا، وإمكانية لاستمرار بصيص من التأمل الروحي في هذا العالم».

هبة عبد العليم: كتابات تداوي جراح الحروب والديكتاتورية

من جهتها، تشير الكاتبة الروائية الشابة هبة عبد العليم إلى أنها أعادت قراءة الأعمال الكاملة لنجيب محفوظ ضمن مشروع إحدى دور النشر لإعادة نشر أعماله، حيث تعقد عبد العليم ندوة شهرية تستضيف فيها أحد الكتاب المتميزين لمناقشة أحد أعمال محفوظ في لقاء مفتوح للجمهور، تتخلله نقاشات غالباً ما تكون شيقة، شديدة الموضوعية.، حتى يخيل لي أحياناً أننا بصد اكتشاف نجيب محفوظ من جديد.

كما قرأت كذلك للمرة الأولى ثلاثة أعمال للكاتب البريطاني من أصل ليبي هشام مطر. بدأت برواية «اختفاء»، ثم «شهر في سيينا» والتي تعدّ جزءاً من سيرته الذاتية ويحكي فيها وقائع شهر سافر فيه لبلدة سيينا الإيطالية لمشاهدة لوحاتها الفنية التي تنتمي إلى مدرسة فنية قائمة بذاتها، وذلك بعد أن أنهى كتابه السيري «العودة» الذي قرأته هبة باللغة الإنجليزية وترجمت بعض فصوله لشدة حماسها له.

وترى هبة عبد العليم أن كتابة مطر تتميز عموماً بصدق وأمانة لافتين للنظر، لا سيما على مستوى رصد تداعيات مأساة فترة حكم معمر القذافي الديكتاتوري لليبيا التي استمرت على مدار نحو أربعين عاماً، ومحاولة اللجوء للفن لمداواة آثار الجروح النفسية والتعافي منها.

كما استوقفها أيضاً رواية «لا شيء أسود بالكامل» لعزة طويل، والتي ترصد فيها آثار الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي بلبنان، كذلك أثر الثورة السورية الذي امتد إلى العمق اللبناني.

وتوقفت كذلك أمام بعض التجارب السردية المختلفة ككتاب «تلات ستات» والذي يرصد فيه الصحفيان محمد العريان وعمر سعيد سيرة ثلاث سيدات من العاملات في الجنس التجاري، وأيضاً كتاب «كرنفال القاهرة» للشاعر علاء خالد الذي يرصد فيه الملامح الشخصية لخريطة الوسط الأدبي بقاهرة التسعينات.

محمد البرمي: أسرار «الثورة الثقافية» روائياً

وتركزت قراءات القاص المصري محمد البرمي على رواية «الزمن المفقود» للكاتب الصيني وانغ شياوبو، بترجمة عن الصينية مباشرة للمترجم والباحث أحمد السعيد، ويرى أنها رواية تنتمي إلى الأعمال الإبداعية القصيرة؛ إذ تقع في 150 صفحة من القطع المتوسط وتتسم بالإيقاع السريع والأسلوب الساخر لشخصيات عدة تنتمي إلى البسطاء والطبقة المتوسطة في المجتمع الصيني في حقبتَي الستينات والسبعينات إبان ما عُرف آنذاك باسم «الثورة الثقافية».

محمد البرمي

وشملت قائمة البرمي في قراءات العام كذلك روايات «لا شيء نحسد العالم عليه» وهي عن الحياة في كوريا الشمالية للكاتبة باربرا ديميك والتي جاءت بمثابة وثيقة إبداعية تنقل بدقة وذكاء واقع دولة لا زلنا لا نعرف عنها الكثير، وقام بترجمتها الدكتور محمد نجيب. وأيضاً رواية «الشعب الدموي» لبول أوستر، حيث يسرد فيها بذكاء إبداعي لافت كيف تغلغل السلاح في البيوت الأميركية.


مقالات ذات صلة

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

شمال افريقيا البنك المركزي المصري (رويترز)

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

تحدثت بيانات للبنك الدولي، الأحد، عن الالتزامات الخارجية على مصر والمتمثلة في سداد أقساط القروض وفوائدها وتبلغ نحو 38.65 مليار دولار خلال فترة تمتد لتسعة أشهر

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات في مصر، خصوصاً الفارهة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصطفى مدبولي خلال زيارة «ميناء العريش» الأحد (مجلس الوزراء المصري)

خطة استراتيجية مصرية لتنمية متكاملة بشمال سيناء

قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن رؤية الدولة في تنمية شمال سيناء تتركز على أن تكون هذه المنطقة مقصداً للاستثمار، ومركزاً عمرانياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)

خلاف بين أحزاب مصرية على أسبقية تعديلات «قوانين الأسرة»

منذ أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بإدخال تعديلات على القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية، نشطت أحزاب للتعبير عن رؤيتها بشأن هوية القوانين الجديدة

عصام فضل (القاهرة)

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي