نعوم تشومسكي... عدة شخصيات تحمل اسماً واحداً

يقول كأنما في دماغي جزآن أحدهما علم في خدمة المؤسسة والآخر ناقد لها

تشومسكي
تشومسكي
TT

نعوم تشومسكي... عدة شخصيات تحمل اسماً واحداً

تشومسكي
تشومسكي

قُوبلت الأنباء التي تم تداولها عن نقل البروفيسور إفرام نعوم تشومسكي إلى المستشفى في ساوباولو (البرازيل)، بينما كان يتعافى من إصابته بجلطة دماغيّة شديدة أُصيب بها العام الماضي، بسيل من المقالات الصحافية العاجلة التي تحاول تقديم سيرة ذاتية لهذا المفكّر واللغوي والناشط السياسي اليهودي الأميركيّ.

لكن الحقيقة أن كثيراً مما كُتب في الصحف والمواقع الإلكترونية قصر عن رسم صورة وافية لهذه الشخصيّة، ليس فقط بسبب تعدّد فضاءات انشغاله بين النشاط السياسيّ، والبحث الأكاديمي، والكتابة في السياسة والحروب والإعلام، ولكن أيضاً لصعوبة تفسير مواقفه أحياناً في واحد من هذه الفضاءات بالمقارنة مع التوقّعات منه في الفضاء الآخر، ولأن كثيرين - من منطلقات متباينة – منَحوه مكانةً خاصةً رفيعة أكبر من حياة البشر في مجالات علميّة، وفكرية، وسياسيّة عدّة، حتى ليظن المرء أنّه يقرأ عن عدّة شخصيات تحمل اسماً واحداً؛ حيث هو الأكاديمي النجم الذي قضى سحابة عمره في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أقرب الجامعات الأميركية إلى البنتاغون (وزارة الدّفاع الأميركية)، ولكنه في ذات الآن أبرز المثقفين الأميركيين الناقدين للإمبريالية، ولخطاب السلطة، وللحرب، والرأسمالية النيوليبرالية، وهو أمر أقرّ به تشومسكي نفسه فقال: «كأنّ في دماغي جزأين؛ أحدهما علم محض في خدمة المؤسسة، والآخر نشاط سياسي ناقد له»، معترفاً بأن لا تواصُل ممكناً بين تشومسكي العالِم وتشومسكي الناشط السياسي.

ولعل مَردّ هذا الانفصام بين عديد الشخصيات العميقة والثرية لتشومسكي متأتٍّ من تجارب حياة مديدة متعدّدة المراحل بدأت من بنسلفانيا، حيث وُلد في 1928 لعائلة مهاجرة من اليهود الأشكناز (والده أوكرانيّ، ووالدته بيلاروسيّة بمقاييس اليوم).

كان والده باحثاً وأكاديمياً في العلوم العبرانية، يعمل لساعات طويلة بأجر قليل، بينما تُدرّس والدته للصغار في كنيس يهودي، لكن تأثير عمّه الناشط اليساري عليه كان أعمق فيما يبدو؛ إذ كثيراً ما تردّد على مجلسه عندما يجتمع عنده ناشطو اليسار اليهود من الطبقة العاملة لمناقشة الأمور المُلحّة في ذلك الوقت، فكان يستمع ويتأثر، ويتشكّل وعيه السياسيّ الأوّلي، فكانت إحدى اللحظات المبكرة التي علِقت بذاكرته من تلك الفترة مشهد رجال الأمن وهم ينهالون ضرباً على النساء المُضرِبات عن العمل خارج مصنع للنسيج خلال فترة الكساد الكبير، فانتهى إلى تبنّي وجهات نظر اليسار الفوضوي.

كان تشومسكي الصغير محظوظاً لأنه أُرسل لتلقّي علومه الأساسيّة بمدرسة رائدة تأسّست على مبادئ المصلح التربوي والفيلسوف البراغماتي الأميركي جون ديوي، وسعت لجعل التعليم تجريبياً، والمعرفة اكتشافاً بدلاً من التلقين، فأبدع وتفتّحت مداركه، فقُبل وهو لمّا يزال في السادسة عشرة من عمره بجامعة بنسلفانيا المرموقة لدراسة الفلسفة والمنطق واللغات.

كان تشومسكي وقتها قريباً من الأفكار الصهيونية الطوباوية التي انتشرت بين اليساريين اليهود، وكاد يترك دراسته الجامعية للتطوع في كيبوتس يهوديّ في الأراضي الفلسطينية، لكنّه لم يحب أجواء الحماسة القوميّة هناك، ودفعه إعجابه حينئذ باللغوي وعالم الرياضيات زيليج هاريس إلى الانصراف بكليّته إلى اللسانيات، ليحصّل فيها درجات البكالوريوس والماجستير، ويحوز بعدها على الدكتوراه بأطروحة أصبحت أساس أول كتبه المنشورة «الهياكل النحويّة - 1957».

من هذا الكتاب تحديداً بدأت، وفق أنصار تشومسكي في فضاء اللغويات، ثورة معرفية؛ إذ قبله كانت اللغة والكلام مفهومَين على نطاق واسع على أنهما سلوك بشري مكتسَب، حيث كانت المدرسة السلوكيّة التي أطلقها الروسي الحائز على جائزة نوبل، إيفان بافلوف، سائدة خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وجعل منها البروفيسور بورهوس فريدريك سكينر، الكاهن الأكبر لمختبرات جامعة هارفارد، النموذجَ القياسي المهيمن في علم النفس بالولايات المتحدة.

وعَدّت السلوكية أن أدمغة البشر تبدأ صفحةً بيضاء ثم تتطوّر وفق المعطيات البيئية، ولذلك فإن تعليم اللغة للأطفال يتم بخطوات صغيرة متدرّجة، وبتطبيق مبدأ الثواب والعقاب، فإن هم أصابوا يجب الثناء عليهم، وإن وقعوا في الخطأ ينبغي تصحيحهم.

مضى تشومسكي في كتابه إلى تحدّي هذا التصور، مشيراً إلى السرعة المثيرة للدهشة التي يتعلّم بها الصغار الكلام بمجرد الاستماع إلى البالغين والأطفال الآخرين وتقليدهم، وعَدّ محاولة سكينر غزوَ مجال اللغة تطبيقاً اختزالياً سخيفاً للافتراضات السلوكية، وأن دراساته في هذا المجال ذات أهمية ضئيلة، أو حتى معدومة، عندما يتعلّق الأمر باللغة والقدرات العقلية العليا للبشر، وبشكل حاسم جادل تشومسكي، دون الاستناد إلى أبحاث مختبرية، إلى أننا كما لو كنا «مصمَّمين خصيصاً بطريقة أو بأخرى» لاكتساب اللغة.

كانت المدرسة السلوكيّة قد بدأت بالترنّح بعدما فشلت في تقديم حلول عمليّة لإسناد الملاءة النفسيّة لعمليات الجيش الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، لكن تشومسكي كان كمن دفع بها إلى حافة القبر.

في تلك المرحلة بدأ البنتاغون في تجميع جهود خبراء المعلوماتية والكمبيوتر وعلماء النفس وخبراء اللسانيات ومُصنّعي الأسلحة من أجل بناء منصة لـ«دمج المشغّلين البشريين في تصاميم أدوات القتال»، كان حلم وزارة الدفاع الأميركية وقتها صنع «آلة لغوية» تكون بمثابة واجهة تعامُل بين القادة العسكريين متخِذي القرار وأنظمة أسلحتهم، بحيث يُصدر هؤلاء القادة أوامرهم بإنجليزيتهم اليومية، فتنطلق الصواريخ والقذائف بناءً على ذلك.

لقد حان وقت تشومسكي الذي تم تقديم أفكاره على أنها موضوعية، وضمنياً مناسِبة للأغراض العسكريّة المأمولة، ولذلك استُقطب، رغم توجهاته الفوضوية الظاهرة، إلى منصب أكاديمي مرموق في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وحصل لأبحاثه على دعم سخي ومُعلَن من المجمع الصناعي العسكري رغم الأجواء المكارثيّة التي كانت سائدة حينها، التي كانت تُشيع مناخاً من الشكوك بكل اليساريين.

لم يَبنِ تشومسكي ما يمكن القول إنّه كان ذا فائدة في تصميم أجهزة القيادة والتحكم الصاروخيّة مثلاً، ولم يَبنِ جهاز كمبيوتر أو نظام ذكاء اصطناعيّ، وحتى نموذجه في التعامل مع الدّماغ البشري ككمبيوتر رقمي مبرمَج مسبقاً تجاوَزه سريعاً علم الأعصاب، لكنه قدّم تصوّراً مناسباً للغة في فترة تطور العسكريتاريا العلميّة في الولايات المتحدة خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حين كان من المناسب فصل اللسانيات عن السياسة والمجتمع، وتكريس مشهد فصل العلم عن النظرية السياسية.

هذا الفصل النظري العميق سمح للمؤسسة العسكرية الأميركية بتقبّل تشومسكي السياسي في قلب الأكاديميا المعسكرة، وفي ذات الآن سمح لتشومسكي الموظف في معهد تطوير الأسلحة بأن يتحوّل إلى الناقد، الأهم عالمياً ربما، للإمبريالية الأميركية.

لتشومسكي اليوم تراث في فضاءات كثيرة يمكن في كل منها انتقاده ونقضه وتجاوزه

كانت حرب فيتنام نقطة مفصلية في حياته كناشط سياسي، فأصدر كتابه الشهير عن مسؤولية المثقف، ووقف بصرامة ضد الحرب، وشارك في الاحتجاجات ضدّها، مع أنّه لم يترك العمل في ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأصبح لاحقاً أستاذ شرف مدى الحياة هناك، كما عُيّن أستاذاً في فلسفة العدالة الاجتماعية بجامعة أريزونا.

وقد كتب بعدها أكثر من مائة كتاب في مسائل السياسة، اشترك في العديد منها مع مثقفين يساريين من مختلف أرجاء العالم، أربعة منها عن مسألة فلسطين، وإن كان فيها لا يرى في الدولة العبرية قبل حرب 1967 أمراً ينبغي الشك بأحقيّة وجوده.

أما كتابه الأخير فقد وضعه بالمشاركة مع ناثان روبنسون بعنوان «أسطورة المثالية الأميركية... كيف تُعرّض السياسة الخارجية الأمريكية العالم للخطر».

لتشومسكي اليوم تراث في فضاءات كثيرة يمكن في كل منها انتقاده ونقضه وتجاوزه، لكن الرجل تحوّل بمجموع شخصياته إلى ظاهرة أكبر من الحياة بالفعل، فهو كما شامان لجيل من اللغويين الذين تربوا على نظرياته وكسبوا عيشهم من وراء تعليمها لغيرهم، ويراه اليساريون «أسداً لليسار» يزأر في قلب الإمبراطورية الأميركية، وانتخبه قُراء «بروسبيكت» (المجلّة اليمينية البريطانية) في 2005 المثقف الأوّل في العالم.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».