تمثلات الشخصية في الرواية

لا يمكن أن تنهض من دون حدث أو فعل روائي أو درامي قوي

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان
TT

تمثلات الشخصية في الرواية

غائب طعمة فرمان
غائب طعمة فرمان

ثمة تلازم جدلي سري، لكنه قلق، بين الشخصية الروائية من جهة؛ و«الحدث (action)» وبقية مكونات البنية السردية كالزمان والمكان والمروي له والنسق والخلفية «السوسيو تاريخية (setting)»... وغيرها.

ترى كيف تتشكل الشخصية سردياً، وكيف تمتلك القدرة على الحياة والتنفس والحركة في مناخات صعبة وقاسية ويمكن أن توصف في الغالب بـ«الدستوبية»، وكيف يتأتى لها أن تشتبك بالحدث الروائي، وتشكل معه ثنائية تقوم على التنازع بقدر ما تقوم على التضافر والتفاعل.

ثمة سؤال إشكالي دائماً في الحوار النقدي: هل يمكن أن تقوم الرواية دون حضورٍ فاعلٍ للشخصية الروائية، يقابله على الطرف الأبعد سؤال إشكالي آخر: وهل يمكن أن تنهض الرواية دونما حدث أو فعل روائي أو درامي قوي.

قد تظهر هذه الأسئلة على شاشة وعي الروائي الميداني، وقد تغيب بصورة عفوية أو مقصودة، لكن التساؤلين يشقان طريقهما بقوة وإصرار إلى فضاء الرواية في تزاحم تارة، وفي تضافر تارةً أخرى. وعندما يعلو حضور الشخصية الروائية نشعر عند ذاك بأننا إزاء رواية شخصية واضحة، ولكن دونما قصدية واضحة في إزاحة الحدث أو الفعل الروائي من فضاء الرواية.

باختين

ولكن في جميع الأحوال لا يمكن التغاضي عن حقيقة أن الشخصية مكون بنيوي أساسي في آلية السرد، مثلما أن الحدث هو الآخر مكون بنيوي متحرك وفاعل ومؤثر.

وهناك من ينتصر لصعود الشخصية على الحدث الروائي كما يذهب إلى ذلك الشكلاني الروسي توماشفسكي الذي يرى أن الشخصية خيط هادٍ يمكن له فك المكررات، ويسمح بتصنيفها وترتيبها. ويقول رولان بارت إن المتواليات بوصفها كتلاً مستقلة تُسترد عند مستوى الفعل الأعلى ومستوى الشخصيات، وهناك من يرى أن الرواية هي في الجوهر فن الشخصية الروائية؛ لأنها تأخذ مكان الصدارة في الفضاء الروائي.

يظل هناك رابط عضوي بين الشخصية والراوي؛ أن الراوي يضمر شخصية معينة، لها وظائفها السردية. ويعود الاهتمام بدراسة الراوي إلى أفلاطون الذي ميز ثلاثة أنماط من الرواة في إلياذة هوميروس:

«فثمة راوٍ متوازٍ يقص ويُسمع صوته وهو هوميروس، وثمة راوٍ تتوارى فيه شخصية الراوي؛ هوميروس كذلك، وهناك راوٍ ثالث يجمهما معاً: فيرى أحياناً أو يترك للشخصيات الكلام أحياناً أخرى».

وللشخصية الروائية وظائف عديدة؛ خمس وظائف كما يراها الناقد جيرار جنيت هي:

1- الوظيفة السردية.

2- الوظيفة الآيديولوجية.

3- وظيفة الإدارة.

4- وظيفة الوضع السردي.

5- الوظيفة الانتباهية التواصلية.

كما يمكن تحديد وظائف ثلاث أساسية:

1- الوظيفة الوصفية التي يقوم فيها الراوي بتقديم وصف للأحداث والأماكن والصراعات.

2- الوظيفة التأصيلية: وفيها يقوم الراوي بتأصيل رواياته في الثقافة العربية مثلاً ويجعل منها أحداثاً للصراع القومي.

3- الوظيفة التوثيقية وفيها يقوم الراوي بتوثيق بعض رواياته، رابطاً إياها بمصادر تاريخية، زيادة في إيهام الراوي بأنه يروي تاريخاً موثقاً.

ويحاول «علم السرد الحديث (الناراتولوجي)» أن يفك الاشتباك بين بعض المصطلحات المتجاورة في هذا المجال، خصوصاً فيما يتعلق بمفاهيم الشخصية والراوي والمؤلف الواقعي والمؤلف الضمني: فالمؤلف الواقعي هو الكاتب الحقيقي للعمل الروائي، وهو كائن إنساني حي، والمؤلف الضمني هو المؤلف الذي ينتمي إليه النص دون أن يوجد فيه وجوداً مباشراً بالضرورة. فهو الوسيط بين المؤلف الواقعي والعمل الأدبي، أما الشخصية؛ فهي كائن يخلقه الروائي، وهي، كما يرى رولان بارت، شخصية ورقية، لكن بعض النقاد يرى غير ذلك.

وقد عرف جير ألديرنس «الشخصية» في «قاموس السرديات» بأنها كائن له سمات إنسانية ومنخرط في أفعال: إنسانية يمكن أن تكون رئيسية أو ثانوية؛ ديناميكية وثابتة، منسقة أو غير منسقة، مسطحة أو مستديرة.

ويرى «بروب» أن الوظيفة هي المنوطة بالشخصية داخل السرد المكاني، وهي التي تعطي دوائر فعل الشخصية في الحكاية التي تخلق تلك الشخصية، وهي عنده تختلف من حيث إنها عنصر متحول، بينما تشكل وظيفتها عنصراً ثابتاً.

ويرى لوغان أن الشخصية هي عنصر من عناصر النص، وإدراكها يرتبط بإدراك العناصر الأخرى التي يتكون منها النص الروائي كالمكان والزمان والسرد.

رومان رولان

ويقول باختين إن المهم في الشخصية ليست الشخصية ذاتها، بل المهم فيها هو ما يمثله العالم لها، وما تمثله هي لذاتها. ويرى سعيد يقطين أن الشخصية هي تجسيد لأنماط الوعي الاجتماعي والثقافي الذي تعبر عنه، وهي تعيش قلقها مع العالم ومع ذاتها؛ حيث تلعب علاقات الشخصيات داخل العمل الروائي بعضها مع بعض دوراً مهماً في إبراز البعد الاجتماعي الذي يرتهن إليه الكاتب في تقديم شخصياته.

أما فيليب هامون في كتابه «سيميولوجية الشخصية الروائية» فيعتقد أن مقولة «الشخصية» ظلت وبشكل مقارن إحدى المقولات الأشد غموضاً في الشعرية. وقد عمد هامون إلى دراسة الشخصية على مستوى الدال والمدلول عبر ثلاثة محاور؛ هي: مدلول الشخصية، ومستويات وصف الشخصية، ودال الشخصية، حيث ينظر إلى الشخصية الروائية بوصفها وحدة دلالية قابلة للتحليل والوصف، أي من حيث هي دال ومدلول، وليس بوصفها معطىً ثابتاً وقبلياً.

كما أشار الناقد المترجم سعيد بنكراد في مقدمة ترجمته لكتاب هامون إلى أن مقولة «الشخصية» مقولة «سيكولوجية» تحيل إلى كائن حي يمكن التأكد من وجوده في الواقع، وعرض أن تكون مؤنسنة (قصر الشخصيات على الكائنات الحية؛ الإنسان خصوصاً) وعرض أن تكون مقولة خاصة بالأدب وحده، فقد نظر إليها في هذا السياق، على العكس من ذلك، بوصفها علامة، يصدق عليها ما يصدق على كل العلامات، وبعبارة أخرى فإن وظيفتها وظيفة خلافية، فهي كيان فارغ، أي: «بياض دلالي»، لا قيمة له إلا من خلال انتظامه داخل نسقٍ هو مصدر الدلالات فيها، ويميز هامون في ضوء ذلك بين ثلاثة أنماط من الشخصية: شخصيات مرجعية، وشخصيات إشارية، وشخصيات استذكارية.

فالشخصيات المرجعية تحيل إلى عوالم مألوفة ضمن نصوص الثقافة والتاريخ، كما هي شخصيات التاريخ والأساطير والوقائع الاجتماعية. أما الشخصيات الإشارية؛ فهي شخصيات ناطقة باسم المؤلف، تماماً مثل جوقة التراجيديا اليونانية القديمة. أما الشخصية الاستذكارية فيكمن دورها في ربط أجزاء العمل السردي بعضه ببعض، فوظيفتها تنظيمية وترابطية، وهي تنشط ذاكرة القارئ، وهي الإدارة التي تمتلك الخطاب من خلال ذاكرة تتحول إلى مرجعية داخلية.

ويحتل رولان بارت مكانة خاصة في السرديات الحديثة، وبشكل خاص في تحليله مفهوم «الشخصية الروائية»، فهو أولاً صاحب المقولة الخلافية الكبيرة أن «الشخصية» هي مجرد كائن ورقي ليست إلا. ويعرف بارت «الشخصية» بأنها نتاج عمل تأليفي، وأن هويتها موزعة في النص عبر الوصف والخصائص التي تستند إلى ما يتكرر في الحكي، ويرى بارت أنه لا يمكن أن يوجد أي سرد (مرواة) دون شخصيات أو على الأقل دون فواعل.

وخلال كتاباتي السردية عن الرواية كنت أتقصى دائماً المظاهر والتجليات المختلفة للشخصية الروائية وعلاقتها بالحدث أو الواقع.

ففي دراستي عن «الشخصية الروائية» عند الروائي غائب طعمة فرمان في كتابي «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي» وجدت أن أغلب شخصيات غائب طعمة فرمان تكافئ عالم التجربة الواقعية التاريخية بمفهوم الناقد روبرت شولز الذي ذهب إلى أن علاقة «الشخصية» بالواقع تقع في ثلاثة أنماط: يمكن لعالم الرواية أن يكون أفضل من عالم التجربة، أو أسوأ منه، أو مساوياً له، ففي الملاحم وروايات الرومانس يكون عالم الرواية أفضل من عالم التجربة، وفي الروايات الساخرة (الساتاير) يكون عالم الرواية أسوأ من عالم التجربة. أما في الرواية الواقعية (عالم المحاكاة في التاريخ) فعالم الرواية يساوي عالم التجربة.

ولم يحاول غائب طعمة فرمان أن يخلق عالماً بطولياً، أو شخصية بطولية.

إن شخصيات غائب طعمة فرمان شخصيات متواضعة وواقعية، مثل شخصيات نجيب محفوظ؛ لأنها تحمل كثيراً من الخصائص المتناقضة، الإيجابية والسلبية على السواء؛ لأنها منتقاة من الواقع الاجتماعي، ولذا فهي تسقط كل الأوهام حول تفوق الشخصية الروائية وتساميها على عالم التجربة، كما نجد ذلك في أدب الملاحم أو نماذج معينة من «أدب الواقعية الاشتراكية».



الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه
TT

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه في معرض الفنان الصيني شاو فان الذي لا يزال يعمل ويعيش في بكين.

الفنان الصيني ليس كغيره من فناني العالم؛ فإضافة إلى عزلة التاريخ والطبيعة التي خلقت فناً مكتفياً بجمالياته التي تنطوي على رؤية إشراقية هناك عزلة الشيوعية بواقعيتها الاشتراكية على المستوى الفني، والتي بددت الكثير من اللحظات الشعرية التي ميزت علاقة الرسام الصيني التأملية بالطبيعة غير أنها لم تقض عليها تماماً فكانت دائماً مصدر إلهام روحي متجدد.

في تجربة شاو فان (1964) الذي يقيم معرضاً لأعماله في غاليري وايت كيوب (مايسون يارد) بلندن ما يعيدنا بطريقة خلاقة إلى تلك الثنائية التي لطالمنا شغلت حيزاً في التفكير الثقافي العربي، وهي ثنائية التراث والمعاصرة من غير أن نصل إلى نتائج نهائية تكون بمثابة طريق غير منقطعة. فشاو فان إذ ينفتح على المتغير الفني الغربي، فإنه لا يتخلى عن عناصر ثقافته الصينية التقليدية التي تظلل بتأثيرها لوحاته وتماثيله وتجهيزاته الفنية التي تستلهم بشكل أساس علاقة الإنسان بالطبيعة.

من أعماله

كل شيء في أعمال شاو فان يشير إلى العادات والمعتقدات الصينية التاريخية، لكن بطريقة توحي معالجتها الشكلية بانتمائها إلى العصر. لم يأسر الفنان جماليات الماضي إلا من أجل أن يضعها في خدمة حقيقة انتمائه إلى العصر. في واحدة من أهم حلقات حياته أدرك الفنان الذي نشأ في عائلة فنية (كان والداه فنانين مرموقَين يُدرّسان الرسم الزيتي على الطريقة السوفياتية في الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في الصين)، وتعلم الرسم في سن مبكرة، أن عائلته قد وهبته كنزاً خيالياً حين أثثت منزلها بكراسي تعود إلى أسرة مينغ (1368 - 1644). عندما كبر بدأ في بإعادة تشكيل تلك الكراسي المهملة؛ فأصحبت أشهر أعماله النحتية. ذلك يعني أنه عثر في منزله العائلي على الخيط الذي ما إن أمسك به حتى اهتدى إلى المعادلة التي جعلته قادراً على التعريف بنفسه عالمياً بصفته فناناً صينياً معاصراً.

الكرسي من الوظيفة إلى الفكرة

ما فعله شاو فان في مرحلة الكراسي التي بدأت عام 1995 لم يكن مجرد تعليق هامشي على الرغبة في استلهام مواد وأفكار تراثية بقدر ما كان محاولة للانتقال بتلك المواد والأفكار إلى عصر ما بعد الحداثة من خلال تفكيك الأعمال التراثية المستلهَمة وإعادة بنائها في سياق بصري معاصر. ذلك ما مكَّن شاو فان من إنتاج أعمال فنية أنيقة بمزاج سريالي حرص من خلاله على أن يقيم علاقة بين الفنون التقليدية والتقنيات المعاصرة بحثاً عن هوية ثقافية ليست نمطية. بالعودة إلى تلك المرحلة المهمة في مسيرته يمكن العثور على حساسيته الحديثة من خلال اعتباره صانع أثاث، غير أن ذلك لا يعبر عن حقيقة مسعاه، فالكراسي التي صنعها لا تصلح للاستعمال اليومي بعد أن فقدت وظيفتها بتأثير مما أضفته عليها مخيلة الفنان من تغيرات شكلية مرحة وصارمة في الوقت نفسه. كانت أعمالاً نحتية مبتكرة.

وإذا ما كان شاو فان قد استغرق بلذة في إنتاج سلسلة الكراسي من خلال التنويع على الفكرة عبر تجلياتها الشكلية، فإن عالمه كان يتسع باستمرار من خلال رسم لوحات الحبر والمنحوتات وتصاميم الحدائق والمساهمات المعمارية. فعلى سبيل المثال، تتميز لوحاته التي غالباً ما تكون أحادية اللون مرسومة بالحبر على ورق الأرز بما برع فيه الصينيون من دقة متناهية وطابع تأملي. ليست رسومه مجرد تمثيلات للأشياء، بل هي خلاصة للجوهر مشبّعة بمبادئ الفلسفة الطاوية التي تُؤكد على الانسجام بين الإنسان والطبيعة. ذلك ما نراه في لوحاته التي صور من خلالها موضوعات مثل الأرانب، والقرود، والحيتان، والفواكه والخضراوات بصفتها أدوات لاستكشاف العادات والمعتقدات التاريخية من خلال ضربات متكررة تُراكم طبقات من المعنى والملمس. ومن اللافت أن شاو فان غالباً ما يعود إلى مفهوم الشيخوخة كصفة محترمة، وهو منظور متجذر بعمق في الثقافة الصينية، حيث يُقدّر النضج. مفتوناً يقبل الصيني على اكتشاف أسرار الجمال التي انطوت عليها رؤى أسلافه التي تخلط المخلوقات الأسطورية بالمناظر الطبيعية كما لو أنهما تنتميان إلى الزمن نفسه.

شاو فان

المحظوظ بعائلته الفنية

بالنسبة لشاو فان، لا تكمن أهمية أن يكون المرء فناناً صينياً في استجابته للقيم الجمالية التي تنطوي عليها التقاليد الفنية الموروثة، بل في تحديها من خلال استخراج كل ما يمكن أن يتجاوز زمنه منها ليكون مؤهلاً للانسجام مع ذائقة عصرنا. لذلك؛ ركز منذ بدايته على الجمع بين النحت والرسم والتصميم والخزف في معالجة الأشكال التقليدية؛ بغية الذهاب بها إلى المنطقة التي يكون في إمكانها أن تتحرر من محتواها التعبيري القديم. ذلك ما دعاه إلى النظر إلى طرق التفكير الفني السائدة بطريقة يغلب عليها الشك. بدأت رحلته في استلهام الأشكال التقليدية من موقع التشكيك بجمالياتها المكرسة.

كان فان محظوظاً بولادته في عائلة فنية أتاحت له إمكانية العيش محاطاً بمجموعةٍ منتقاة بعناية من اللوحات والخطوط والأثاث الصيني التقليدي. كنوزٌ لم يجرِ تدميرها أثناء الثورة الثقافية المضطربة بسبب موقع والده في الحزب الشيوعي. لقد عملت نشأته بين أعمال فنية، كان الواقع الشيوعي قد طمس أثرها في الحياة العامة على تطوير ذائقته الجمالية التي استندت إلى معرفة قلّ نظيرها؛ وهو ما يعني أن تمرده على الفن التقليدي الصيني لم يكن انتهاكياً بقدر ما كان تعبيراً عن رغبته في الانفتاح على تأثيرات الفن الغربي والمفاهيم الفلسفية الحديثة. حدث كل ذلك بعد دراسة معمقة لفكرة الهوية الثقافية التي اتخذت معه طابعاً مرناً تجمع حيويته بين منطلقاته الإلهامية والقدرة على الابتكار فيه ومن خلاله.

يصلح الفن لكي يكون جسراً بين الشرق والغرب. لكنها فكرة سياسية مضللة من وجهة نظري. أعتقد أن فناناً من نوع شاو فان كان يفكر في الحيز الذي يليق بفنه عالمياً.

الصينيون في كل مكان

لم يعد مصطلح «فن صيني» اليوم يعني الشيء نفسه في الماضي. كانت هناك وصفة جاهزة تعود إلى آلاف السنين. صحيح أن هناك عدداً كبيراً من الصينيين ما زالوا يرسمون وهم يتبعون مخيلة تلك الوصفة، غير أن الصحيح أيضاً أن عدداً لافتاً من أبرز أفراد الصف الأول في الفنون المعاصرة هم اليوم من الصينيين، يقف شاو فان في مقدمتهم. فالفنان الذي لا تزال أعماله تشي بهويته الصينية فُتحت أمامه أبواب المتاحف والأسواق الفنية واللقاءات الموسمية الفنية العالمية، ومنها آرت بازل، ومتحف شمال برابانت في هولندا، ومتحف لودفيغ في ألمانيا، وبينالي شنغهاي وبينالي الدرعية في الرياض، كما أقام عدداً من المعارض الشخصية، ومنها معرضه الحالي في لندن كما أن أعماله تُعرض ضمن المجموعات المرموقة في المتاحف العالمية، متحف متروموبلتيان بنيويورك على سبيل المثال. لقد أعاد الصينيون رسم الخرائط بحيث صار من الصعب اليوم الحديث عن مركزية فنية غربية.

ذلك الانتشار إنما يؤكد حقيقة واحدة مفادها إن الصينيين على الرغم من عدم حاجتهم للبحث عن هوية فنية فإنهم حملوا تراثهم الروحي معهم حين اندفعوا إلى الخارج بقوة وعي معاصر، كانوا مؤهلين للإسهام في صناعته. لم يقبل الغرب بأعمال شاو فان لأنها استوعبت شروط فن ما بعد الحداثة، بل لأنها أضفت ملمحاً صينياً على تلك الشروط. وما يجب الإشارة إليه هنا أن فناناً من نوع شاو فان كان قبل أن يتجه إلى العالمية قد تأمل بطريقة نقدية علاقته بجذوره بطريقة يسودها الاحترام.


«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية
TT

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والذاكرة، والتكنولوجيا، والعلاقات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة.

كتب الناشر: «منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نحو الكتابة التي تستثمر المفارقة والدهشة والقلق الوجودي، عبر نصوص مكثفة تقترب أحياناً من القصة القصيرة جداً، وأحياناً أخرى من التأمل السردي أو المشهد النفسي المشحون بالأسئلة. وتضم المجموعة عناوين لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماضٍ ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن.

في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الكاتبة نحو منطقة معاصرة شديدة التعقيد، عبر حكاية امرأة تدخل في علاقة وجدانية مع ذكاء اصطناعي يتحول تدريجياً من أداة للحوار إلى كيان يتداخل مع تفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، قبل أن تنفتح القصة على خاتمة صادمة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مع التكنولوجيا كمرآة للوحدة الحديثة والفراغ العاطفي الذي يتضخم داخل المدن المعاصرة، لا كموضوع خارجيّ. أما قصة (فعل ماضٍ ناقص) التي حملت المجموعة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبياً يمزج السخرية السوداء بالنقد الاجتماعي، من خلال شخصية امرأة معاصرة تستيقظ فجأة داخل زمن قديم وبيئة تقليدية قاسية، لتجد نفسها أسيرة واقع يناقض تماماً خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة.

وتكشف القصة عن قدرة الكاتبة على بناء مفارقات حادة بين الخطاب النظري والتجربة المعيشة، وبين الشعارات والوقائع اليومية.

وتحضر الأسئلة النفسية والاجتماعية بوضوح في نص (انتباه)، الذي يتناول اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه من زاوية إنسانية مؤثرة، عبر مونولوغ طويل لامرأة تكتشف بعد وفاة زوجها أن ما كانت تعدّه إهمالاً أو لا مبالاة لم يكن سوى اضطراب عصبي لم يُشخّص في حياته. القصة تفتح باباً واسعاً للتأمل في سوء الفهم داخل العلاقات الإنسانية، وفي الأحكام القاسية التي قد يطلقها الناس على من يعانون اضطرابات خفية».


موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح