مكسيم غوركي ينشر قصائد الريحاني بترجمة كراتشكوفسكي!

غوركي
غوركي
TT

مكسيم غوركي ينشر قصائد الريحاني بترجمة كراتشكوفسكي!

غوركي
غوركي

كان لقائي الأول بأمين الريحاني في إحدى الجرائد الصغرى ببيروت سنة 1910م وكان قد رجع من أميركا، وقد أحسست بتعمقه في التأمل، وأن لديه مقدرة كبيرة ترتفع فوق مقدرة صحافيين وخطباء مشهورين في سوريا... تبين هذا الإحساس عندما ظهرت - وقتذاك - مجموعة مقالاته وأشعاره المنشورة في جزأين، كما أنه ارتاد مبكراً كتابة قصيدة النثر في ديوانه «هتاف الأودية» سنة 1910م متأثراً بالشاعر الأميركي والت ويتمان في ديوانه «أوراق العشب»... فأراد كراتشكوفسكي تعريف القراء الروس بالريحاني في كتاب يحتوي ترجمته، لكن ذلك ظهر في فترة صعبة قبل أسبوعين من ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917م، فكان كالنغمة النشاز - كما يُعَبِّر- تدُقّ في غير أوانها، فلم ينل سوى الزجر والتأنيب على صفحات الجرائد... بل إنه تعرض في أعقاب الثورة سنة 1922م للاعتقال بتهمة وجود صلة بين زوجته وأسرة فنلندية، غير أن كراتشكوفسكي استثمر تدخل أكاديمية العلوم الروسية، التي لم تفلح في إطلاق سراحه، فراح يقرأ في كتب مختصة باللغة العربية والتاريخ الإسلامي! حتى أُخليت سبيله بعدما ثبتت براءته وزوجته من التهمة الكيدية... وحين رجوعه إلى عمله في معهد الاستشراق، تواصل هو والريحاني عبر مراسلات بينهما، فأرسل إليه كتابه بعدما رجع في تأليفه إلى أشعار الريحاني التي ترجمها ونشرها في مجلة «الشرق» التي أسسها مكسيم غوركي 1868 – 1936م.

كراتشكوفسكي

كانت نظرة مؤلف رواية «الأم» التي بشّرت بالرواية الواقعية إثر ثورة أكتوبر الاشتراكية، أكثر إنصافاً لكراتشكوفسكي والريحاني، من نظرة أولئك النقاد الذين دشنوا بين سنة 1917 و1918م بداية انطلاق مرحلة النقد «الآيديولوجي».

هذا ملخص ما ذكره إغناطيوس كراتشكوفسكي 1883 – 1951م في كتابه الممتع «مع المخطوطات العربية» سارداً بأسلوبه الأدبي الجذّاب، مغامراته المثيرة مع عالم المخطوطات المتجهم الجاف.

وقتذاك وصل إلى روسيا ميخائيل نعيمة، بعدما أنهى السيمنار الروسي بتفوق في دار المعلمين بالناصرة... وهي وغيرها من مدارس تابعة للطائفة الأرثوذكسية، كانت تدار من حكومة القياصرة مباشرة... وقد حصل نعيمة وفق ذلك على بعثة دراسية لاستكمال دراسته في بلادهم، فتفاعل مع حياة زملائه الروس وشاهد إرهاصات ثورتهم البلشفية، قارئاً - بتأثر - روائع الروايات الروسية المكتوبة بلغتها... كما فصّل ذلك في كتاب رحلته الثانية إلى موسكو منتصف الخمسينات «أبعد من موسكو ومن واشنطن».

وفي سياق التبشير بالحضور الروسي في الشرق العربي، سجّل قبل ذلك رحَّالة وكُتَّاب وشعراء روس انطباعاتهم عن الأرض المقدسة... ومن بينهم شاعر روسيا البارز ميخائيل ليرمنتوف 1814 – 1841م الذي كتب قصيدة بارعة بعنوان «غصن فلسطين» يقول فيها:

حدثني يا غصن عن فلسطين

أين كنت تنمو وأين كنت تزهر

أي وديان وهضاب كنت تزين...

هل كان أبناء القدس الفقراء

يصلون بصوت خافت

عندما يجدلون وريقاتك

أمين الريحاني

وكان كراتشكوفسكي ممن وفد إلى فلسطين ولبنان وسوريا سنة 1908م... ربما لغرض تبشيري... ومع ذلك فقد كان الكتاب العربي - المخطوط منه خاصة - همه الأكبر بحثاً وتنقيباً وتحقيقاً، متواصلاً مع المهتمين به والمقتنين لذخائره... الأب لويس شيخو في لبنان وأحمد تيمور في مصر، وغاشياً المكتبات العامة التي تضم مخطوطات عربية في القدس ودمشق وبيروت والقاهرة والإسكندرية... كاشفاً النقاب عن المجهول من نفائسها.

يذكر أنس خالدوف 1929 – 2001م المحقق الأكاديمي التتري مؤلف كتاب «معجم المخطوطات العربية في روسيا»، وهو يعتني بتحقيق ونشر كتاب «المنازل والديار» لأسامة بن منقذ لأول مرة برعاية المتحف الآسيوي ببطرسبرغ سنة 1961م، أن الفضل في ذلك يعود إلى من أصبح واحداً من أنشط عمداء المتحف... يعني كراتشكوفسكي الذي نَبَّه المحققين من المستشرقين والعرب إلى وجود أصل مخطوطة الكتاب بخزانة المتحف، في مقال له نشره في مجلة المجمع العلمي بدمشق سنة 1925م... كما أن كتاب «البديع» لابن المعتز، ما كان له أن ينتشر بين أوساط المهتمين بدروس البلاغة العربية، لولا كشف كراتشكوفسكي أصل مخطوطته ونشرها... وكذلك فعل مع الشاعر المتفلسف الذي فُتِنَ به أبو العلاء المعري في كتابه «رسالة الملائكة»... وغيرهما من كتب محققة ودراسات أدبية عن الشعر العربي القديم والأدب العربي الحديث في عدة كتب بحثية، يأتي على رأسها كتابه الضخم «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» (بجزأيه) المُعتَمَد مرجعاً للباحثين في البلدانيات والمواقع، التي ذكرها الجغرافيون ووقف عندها الرحَّالة في مختلف الحقب.

وفي سياق الحج الروسي إلى فلسطين يذكر بيوتر غريز نيفيتش الباحث الروسي في بحثه «القرآن في روسيا» المنشور في الكتاب الصادر سنة 1986م من أكاديمية العلوم السوفياتية بعنوان «أبحاث جديدة للمستعربين السوفيات»، أن الرحَّالة والدبلوماسيين والمستشرقين الروس كانوا يعودون إلى بلدهم، وهم مأخوذون بحياة الشعوب الإسلامية وفكرها الديني في العالم العربي، واصفين في كتاباتهم عمارة المساجد والطقوس والأعياد الدينية في مجتمعاتها، بما في ذلك وصف مكة المكرمة والمدينة المنورة... ولهذا تمت بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر أولى ترجمات القرآن الكريم إلى البيلاروسية، وتحمس باني روسيا وإمبراطورها المُجدِّد بطرس الأول 1672 – 1725م في سياق علاقة بلده التجارية بالشرق العربي، نحو طباعة القرآن الكريم بلغته العربية، بعدما أمر سنة 1712م بإنشاء مطبعة بحروف عربية خاصة بذلك، وترجمته - رغم موقفه المتحامل على الإسلام - إلى الروسية؛ إذ كانت ترجمة القرآن إلى الفرنسية هي الشائعة في أوساط النخبة من دبلوماسيين وكتاب وشعراء، وفي الطليعة ممن قرأ بها القرآن الكريم شاعر الأمة الروسية الأكبر ألكسندر بوشكين 1799 - 1837م المُتَحَدِّر «حبشياً» من والدته حفيدة أبرام بتروفيتش جانيبال، الذي ضمه بطرس الأكبر إلى جملة موظفيه وخدمه في قصره.

لقد فُتِن بوشكين عبر الترجمات، بقصص الحب والأساطير العربية والليالي المصرية، وبُهِر كثيراً بنظم القرآن وبلاغته وإيقاعه، فراح يستلهمه في قصائده... بل إنه قام بإعادة صياغة سورة «الحجرات» في واحدة من قصائده التي تعارف عليها دارسو شعره بقصائد «محاكاة القرآن»، وقد عدّه ملهمه الأول الذي أذهل مخيلته... يقول في بعض شعره القرآني:

في المغارة السرية

في يوم الهروب

قرأت آيات القرآن الشاعرية

فجأة هدأت روعي الملائكة

وحملت لي التعاويذ والأدعية

كذلك يبدو التأثر القرآني واضحاً هنا:

أقسم بالشفع وبالوتر

أقسم بالسيف ومعركة الحق

أقسم بنجمة الصبح

أقسم بصلاة العصر...

ألست أنا الذي سقيتك

من ماء الصحراء يوم العطش

ترك القرآن الكريم أبلغ الأثر لا في شعر بوشكين وحده وإنما في الأدب الروسي... وعمل كراتشكوفسكي على ترجمة معاني القرآن الكريم من العربية إلى الروسية

لقد ترك القرآن أبلغ الأثر لا في شعر بوشكين وحده وإنما في الأدب الروسي، وكان من بينهم كراتشكوفسكي الذي عمل هو الآخر على ترجمة معاني القرآن من العربية إلى الروسية، وقد أتقن اللغة العربية والكتابة بخطها النسخي، مؤكداً أصالة بلاغتها من أي تأثر يوناني - كما ذهب إلى ذلك قدامة بن جعفر 873 - 948م في كتابه «نقد الشعر» - محاولاً تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها ترجمات القرآن السابقة.

أما أمين الريحاني 1876 – 1940م الذي اهتم كراتشكوفسكي بأدبه وشعره، قبل ثورة أكتوبر الاشتراكية وبعدها، فقد هزه هذا الحدث العالمي المزلزل، فطفق يعالج أسبابها ونتائجها في كتابه «تحدر البلشفية» محاولاً تلمس جذور هذه الثورة الشيوعية في بعض الفرق الإسلامية (القرامطة والحشاشون وغيرهما من عقائد برزت قبل مجيء الإسلام)، متبنياً الموقف الغربي وإعلامه المناوئ لثورة أكتوبر، مؤلفاً كتابه هذا باللغة الإنجليزية، وهو في أميركا سنة 1920م حين بدأ اسمه يلمع في الصحافة الأميركية، وقبل ذلك برز سنة 1911م بروايته «كتاب خالد» التي كتبها كذلك باللغة الإنجليزية، معالجاً فيها هجرة اللبنانيين إلى المهجر الأميركي - من بعلبك إلى نيويورك - داعياً فيها إلى استلهام الديمقراطية الأميركية، بمواءمتها مع الثقافة العربية في مشروع العرب الإصلاحي النهضوي المنتظر... لذلك حذر الريحاني المجتمع الأميركي في كتابه «تحدر البلشفية» من عقابيل الثورة الشيوعية في روسيا، وقد توقع سقوطها وحكمها البلشفي سنة 1950م في مقال ضَمَّنه في الجزء الأول من كتابه «الريحانيات»؛ لأنها شرعت «حكم العمال على عرش الحكم الاستبدادي»، حسب تعبيره، عادّاً أن الحكم الاشتراكي سوف يتبعه نوع من الحكم يأخذ بالأصلح من الأشكال السابقة... مستوحياً في حكمه وتوقعه هذا، ما جرى من نكسات في أعقاب «الثورة الفرنسية» التي ألف كتابه نبذةً عنها.

حذر الريحاني المجتمع الأميركي من عقابيل الثورة الشيوعية في روسيا... وقد توقع سقوطها وحكمها البلشفي سنة 1950م

هل لهذا عدّه الشاعر العراقي الثائر محمد مهدي الجواهري جاسوساً للأميركان؟! والريحاني يحل في «قلب العراق» سنة 1922م ضيفاً على الملك فيصل الأول إثر تتويجه عرش العراق برعاية البريطانية المس غيروتد بيل وقتذاك... مع هيمنة الاستعمار البريطاني والفرنسي على الشرق العربي ومغربه، بدأت الأفكار الماركسية تتسلل إلى أوساط المثقفين والحركيين في تلك الدول العربية المستعمرة، وقد قام أول حزب شيوعي عربي في مصر سنة 1922م، غير أن كتاب الريحاني عن «تحدر البلشفية» رغم ذلك لم يترجمه إلى اللغة العربية - وقتها - بل انبرى لترجمته - أخيراً - ليس ابن أخيه أمين الريحاني العاكف على تحقيق ونشر تراث عمه... بل انبرى لذلك سنة 1988م مترجمان لبنانيان آخران، بحماس دار نشر عُرِفَت بميولها الآيديولوجية، لكن ذلك تم بعد رحيل الريحاني بقرابة نصف قرن. وكانت بيريسترويكا غورباتشوف - بعد انتهاء فترة حكم بريجنيف المتجمدة - تلوح في الأفق، متأخرة عن توقع أمين الريحاني بقرابة أربعة عقود.

هذا، ولم تنسَ روسيا الريحاني، رغم مرور السنين وتعاقب الأحداث، عندما أقامت مكتبة بوريس باسترناك سنة 2010م أمسية موسيقية وأدبية من أماسي موسكو النوستالجية، احتفالاً بأمين الريحاني شاعراً وناثراً، قرئت فيها نصوص «ريحانية» اختارتها المستشرقة ماريا نيكولاييفا باللغتين الروسية والعربية، مشيرةً إلى أن ما قرأته مأخوذ من ترجمة المستعرب الروسي كراتشكوفسكي، الذي افتتح دراسته أدب الريحاني سنة 1917م بترجمة قصائده النثرية إلى الروسية، فوق صفحات مجلة مكسيم غوركي الأدبية.


مقالات ذات صلة

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ثقافة وفنون الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة،

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

هيندرسون... حساسية جمالية ذات طابع أسود

رحل قبل أيام ديفيد هيندرسون، الشاعر الذي برز اسمه مع «حركة الفنون السوداء» الرائدة في ستينات القرن الماضي، والذي مضى ليؤلف سيرة ذاتية حققت أعلى مبيعات

أليكس ويليامز
ثقافة وفنون سيرة شعرية لذات ممزقة

سيرة شعرية لذات ممزقة

في ديوانه الأحدث «فضائل الضغينة»، يسعى الشاعر المصري مؤمن سمير لكتابة سيرة شعرية لذات ممزقة بين التاريخ، والأحلام، والعائلة،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

«جريمة في دار المسنين»... الرواية الأكثر مبيعاً في فنلندا

تقوم رواية «جريمة في دار المسنين»، الصادرة عن دار «العربي» في القاهرة للكاتبة الفنلندية ليندجرين، على حبكة درامية تجمع بين لغز وفاة غامضة والكوميديا السوداء

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه
TT

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه في معرض الفنان الصيني شاو فان الذي لا يزال يعمل ويعيش في بكين.

الفنان الصيني ليس كغيره من فناني العالم؛ فإضافة إلى عزلة التاريخ والطبيعة التي خلقت فناً مكتفياً بجمالياته التي تنطوي على رؤية إشراقية هناك عزلة الشيوعية بواقعيتها الاشتراكية على المستوى الفني، والتي بددت الكثير من اللحظات الشعرية التي ميزت علاقة الرسام الصيني التأملية بالطبيعة غير أنها لم تقض عليها تماماً فكانت دائماً مصدر إلهام روحي متجدد.

في تجربة شاو فان (1964) الذي يقيم معرضاً لأعماله في غاليري وايت كيوب (مايسون يارد) بلندن ما يعيدنا بطريقة خلاقة إلى تلك الثنائية التي لطالمنا شغلت حيزاً في التفكير الثقافي العربي، وهي ثنائية التراث والمعاصرة من غير أن نصل إلى نتائج نهائية تكون بمثابة طريق غير منقطعة. فشاو فان إذ ينفتح على المتغير الفني الغربي، فإنه لا يتخلى عن عناصر ثقافته الصينية التقليدية التي تظلل بتأثيرها لوحاته وتماثيله وتجهيزاته الفنية التي تستلهم بشكل أساس علاقة الإنسان بالطبيعة.

من أعماله

كل شيء في أعمال شاو فان يشير إلى العادات والمعتقدات الصينية التاريخية، لكن بطريقة توحي معالجتها الشكلية بانتمائها إلى العصر. لم يأسر الفنان جماليات الماضي إلا من أجل أن يضعها في خدمة حقيقة انتمائه إلى العصر. في واحدة من أهم حلقات حياته أدرك الفنان الذي نشأ في عائلة فنية (كان والداه فنانين مرموقَين يُدرّسان الرسم الزيتي على الطريقة السوفياتية في الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في الصين)، وتعلم الرسم في سن مبكرة، أن عائلته قد وهبته كنزاً خيالياً حين أثثت منزلها بكراسي تعود إلى أسرة مينغ (1368 - 1644). عندما كبر بدأ في بإعادة تشكيل تلك الكراسي المهملة؛ فأصحبت أشهر أعماله النحتية. ذلك يعني أنه عثر في منزله العائلي على الخيط الذي ما إن أمسك به حتى اهتدى إلى المعادلة التي جعلته قادراً على التعريف بنفسه عالمياً بصفته فناناً صينياً معاصراً.

الكرسي من الوظيفة إلى الفكرة

ما فعله شاو فان في مرحلة الكراسي التي بدأت عام 1995 لم يكن مجرد تعليق هامشي على الرغبة في استلهام مواد وأفكار تراثية بقدر ما كان محاولة للانتقال بتلك المواد والأفكار إلى عصر ما بعد الحداثة من خلال تفكيك الأعمال التراثية المستلهَمة وإعادة بنائها في سياق بصري معاصر. ذلك ما مكَّن شاو فان من إنتاج أعمال فنية أنيقة بمزاج سريالي حرص من خلاله على أن يقيم علاقة بين الفنون التقليدية والتقنيات المعاصرة بحثاً عن هوية ثقافية ليست نمطية. بالعودة إلى تلك المرحلة المهمة في مسيرته يمكن العثور على حساسيته الحديثة من خلال اعتباره صانع أثاث، غير أن ذلك لا يعبر عن حقيقة مسعاه، فالكراسي التي صنعها لا تصلح للاستعمال اليومي بعد أن فقدت وظيفتها بتأثير مما أضفته عليها مخيلة الفنان من تغيرات شكلية مرحة وصارمة في الوقت نفسه. كانت أعمالاً نحتية مبتكرة.

وإذا ما كان شاو فان قد استغرق بلذة في إنتاج سلسلة الكراسي من خلال التنويع على الفكرة عبر تجلياتها الشكلية، فإن عالمه كان يتسع باستمرار من خلال رسم لوحات الحبر والمنحوتات وتصاميم الحدائق والمساهمات المعمارية. فعلى سبيل المثال، تتميز لوحاته التي غالباً ما تكون أحادية اللون مرسومة بالحبر على ورق الأرز بما برع فيه الصينيون من دقة متناهية وطابع تأملي. ليست رسومه مجرد تمثيلات للأشياء، بل هي خلاصة للجوهر مشبّعة بمبادئ الفلسفة الطاوية التي تُؤكد على الانسجام بين الإنسان والطبيعة. ذلك ما نراه في لوحاته التي صور من خلالها موضوعات مثل الأرانب، والقرود، والحيتان، والفواكه والخضراوات بصفتها أدوات لاستكشاف العادات والمعتقدات التاريخية من خلال ضربات متكررة تُراكم طبقات من المعنى والملمس. ومن اللافت أن شاو فان غالباً ما يعود إلى مفهوم الشيخوخة كصفة محترمة، وهو منظور متجذر بعمق في الثقافة الصينية، حيث يُقدّر النضج. مفتوناً يقبل الصيني على اكتشاف أسرار الجمال التي انطوت عليها رؤى أسلافه التي تخلط المخلوقات الأسطورية بالمناظر الطبيعية كما لو أنهما تنتميان إلى الزمن نفسه.

شاو فان

المحظوظ بعائلته الفنية

بالنسبة لشاو فان، لا تكمن أهمية أن يكون المرء فناناً صينياً في استجابته للقيم الجمالية التي تنطوي عليها التقاليد الفنية الموروثة، بل في تحديها من خلال استخراج كل ما يمكن أن يتجاوز زمنه منها ليكون مؤهلاً للانسجام مع ذائقة عصرنا. لذلك؛ ركز منذ بدايته على الجمع بين النحت والرسم والتصميم والخزف في معالجة الأشكال التقليدية؛ بغية الذهاب بها إلى المنطقة التي يكون في إمكانها أن تتحرر من محتواها التعبيري القديم. ذلك ما دعاه إلى النظر إلى طرق التفكير الفني السائدة بطريقة يغلب عليها الشك. بدأت رحلته في استلهام الأشكال التقليدية من موقع التشكيك بجمالياتها المكرسة.

كان فان محظوظاً بولادته في عائلة فنية أتاحت له إمكانية العيش محاطاً بمجموعةٍ منتقاة بعناية من اللوحات والخطوط والأثاث الصيني التقليدي. كنوزٌ لم يجرِ تدميرها أثناء الثورة الثقافية المضطربة بسبب موقع والده في الحزب الشيوعي. لقد عملت نشأته بين أعمال فنية، كان الواقع الشيوعي قد طمس أثرها في الحياة العامة على تطوير ذائقته الجمالية التي استندت إلى معرفة قلّ نظيرها؛ وهو ما يعني أن تمرده على الفن التقليدي الصيني لم يكن انتهاكياً بقدر ما كان تعبيراً عن رغبته في الانفتاح على تأثيرات الفن الغربي والمفاهيم الفلسفية الحديثة. حدث كل ذلك بعد دراسة معمقة لفكرة الهوية الثقافية التي اتخذت معه طابعاً مرناً تجمع حيويته بين منطلقاته الإلهامية والقدرة على الابتكار فيه ومن خلاله.

يصلح الفن لكي يكون جسراً بين الشرق والغرب. لكنها فكرة سياسية مضللة من وجهة نظري. أعتقد أن فناناً من نوع شاو فان كان يفكر في الحيز الذي يليق بفنه عالمياً.

الصينيون في كل مكان

لم يعد مصطلح «فن صيني» اليوم يعني الشيء نفسه في الماضي. كانت هناك وصفة جاهزة تعود إلى آلاف السنين. صحيح أن هناك عدداً كبيراً من الصينيين ما زالوا يرسمون وهم يتبعون مخيلة تلك الوصفة، غير أن الصحيح أيضاً أن عدداً لافتاً من أبرز أفراد الصف الأول في الفنون المعاصرة هم اليوم من الصينيين، يقف شاو فان في مقدمتهم. فالفنان الذي لا تزال أعماله تشي بهويته الصينية فُتحت أمامه أبواب المتاحف والأسواق الفنية واللقاءات الموسمية الفنية العالمية، ومنها آرت بازل، ومتحف شمال برابانت في هولندا، ومتحف لودفيغ في ألمانيا، وبينالي شنغهاي وبينالي الدرعية في الرياض، كما أقام عدداً من المعارض الشخصية، ومنها معرضه الحالي في لندن كما أن أعماله تُعرض ضمن المجموعات المرموقة في المتاحف العالمية، متحف متروموبلتيان بنيويورك على سبيل المثال. لقد أعاد الصينيون رسم الخرائط بحيث صار من الصعب اليوم الحديث عن مركزية فنية غربية.

ذلك الانتشار إنما يؤكد حقيقة واحدة مفادها إن الصينيين على الرغم من عدم حاجتهم للبحث عن هوية فنية فإنهم حملوا تراثهم الروحي معهم حين اندفعوا إلى الخارج بقوة وعي معاصر، كانوا مؤهلين للإسهام في صناعته. لم يقبل الغرب بأعمال شاو فان لأنها استوعبت شروط فن ما بعد الحداثة، بل لأنها أضفت ملمحاً صينياً على تلك الشروط. وما يجب الإشارة إليه هنا أن فناناً من نوع شاو فان كان قبل أن يتجه إلى العالمية قد تأمل بطريقة نقدية علاقته بجذوره بطريقة يسودها الاحترام.


«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية
TT

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والذاكرة، والتكنولوجيا، والعلاقات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة.

كتب الناشر: «منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نحو الكتابة التي تستثمر المفارقة والدهشة والقلق الوجودي، عبر نصوص مكثفة تقترب أحياناً من القصة القصيرة جداً، وأحياناً أخرى من التأمل السردي أو المشهد النفسي المشحون بالأسئلة. وتضم المجموعة عناوين لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماضٍ ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن.

في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الكاتبة نحو منطقة معاصرة شديدة التعقيد، عبر حكاية امرأة تدخل في علاقة وجدانية مع ذكاء اصطناعي يتحول تدريجياً من أداة للحوار إلى كيان يتداخل مع تفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، قبل أن تنفتح القصة على خاتمة صادمة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مع التكنولوجيا كمرآة للوحدة الحديثة والفراغ العاطفي الذي يتضخم داخل المدن المعاصرة، لا كموضوع خارجيّ. أما قصة (فعل ماضٍ ناقص) التي حملت المجموعة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبياً يمزج السخرية السوداء بالنقد الاجتماعي، من خلال شخصية امرأة معاصرة تستيقظ فجأة داخل زمن قديم وبيئة تقليدية قاسية، لتجد نفسها أسيرة واقع يناقض تماماً خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة.

وتكشف القصة عن قدرة الكاتبة على بناء مفارقات حادة بين الخطاب النظري والتجربة المعيشة، وبين الشعارات والوقائع اليومية.

وتحضر الأسئلة النفسية والاجتماعية بوضوح في نص (انتباه)، الذي يتناول اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه من زاوية إنسانية مؤثرة، عبر مونولوغ طويل لامرأة تكتشف بعد وفاة زوجها أن ما كانت تعدّه إهمالاً أو لا مبالاة لم يكن سوى اضطراب عصبي لم يُشخّص في حياته. القصة تفتح باباً واسعاً للتأمل في سوء الفهم داخل العلاقات الإنسانية، وفي الأحكام القاسية التي قد يطلقها الناس على من يعانون اضطرابات خفية».


موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح