متى ستقرأ الكتاب الألف؟! متى ستكتبُ الكتاب المائة؟!

مع كثرة الخيارات لا مهرب لنا من أن نختار

متى ستقرأ الكتاب الألف؟!  متى ستكتبُ الكتاب المائة؟!
TT

متى ستقرأ الكتاب الألف؟! متى ستكتبُ الكتاب المائة؟!

متى ستقرأ الكتاب الألف؟!  متى ستكتبُ الكتاب المائة؟!

قضيتُ الشهر الماضي وبعضاً من أواخر سنة 2023 في رفقة حافلة بالبهجة والإثارة مع كتابيْن: رواية «بطرسبورغ» التي كتبها الروائي والكاتب والشاعر وعالم اللسانيات والفيلسوف والناقد الروسي آندريه بيلي. الرواية مترجمة حديثاً إلى العربية. الكتاب الثاني هو «التفكير القصصي: العلم الجديد للذكاء السردي (Storythinking: The New Science of Narrative Intelligence)» لمؤلفّه أنغوس فليتشر (Angus Fletcher). الكتاب صادر حديثاً عن جامعة كولومبيا الأميركية ولم يُتَرْجَمْ بعدُ إلى العربية.

ذكّرتني البهجة التي استشعرتُها عند قراءة هذين الكتابين بالبهجة السالفة التي كان كثيرون منّا يعيشونها في العقود الماضية وهُمْ يقرأون كتاباً أو رواية. تساءلت: ما الذي حصل لنا... لماذا تضاءلت مناسيبُ بهجة الناس في ما يقرأون ويكتبون (معظمهم وليس كلّهم بالتأكيد)؟ أهي الكثرة التي أفسدت البهجة؟ بلى. سنتذكّرُ (لأغراض المقارنة) حال ذاك المتبطّل الذي لم يعجبه العدس الذي اعتادت أمه إعداده له معظم أيام الأسبوع، ثمّ لمّا اضطرّته الحال للنزول إلى ساحة العمل والعودة إلى المنزل وقد هدّه التعب راح يستطعمُ العدس ويراه أكلاً فاخراً. كنّا من قبلُ نقاتلُ (أكرّر: نقاتل على صعيد الجهد والمال) حتى نحصل على بعض الكتب التي نتمنى قراءتها. واضحٌ أنّ سهولة المنال من كثرة متاحة تُذهِبُ متعة القراءة المتوقّعة بعد كفاح شاق ومال مبذول من أجل اقتناص كتاب نادر. كثرةُ الكتب المتاحة للقراءة - إلكترونياً أو ورقياً – ساهمت في إفساد بعض بهجة القراءة التي كانت متاحة لنا من قبلُ؛ لكنّ هذه الكثرة ليست كلّ الحكاية. الكثرة لن تقتل بهجة القارئ المتمرّس الذي لن يكون فريسة سهلة الاصطياد من جانب كثرة العناوين وإغراءات دور النشر وألاعيب السوق.

الكثرة رحمةٌ وليست نقمة لو شئنا. الكثرة لها امتيازاتها وأفضالها علينا؛ إذْ أتاحت لنا كثرة الخيارات. هنا بدأنا نقتربُ من جوهر المعضلة. مع كثرة الخيارات؛ لا مهرب لنا من أن نختار، والاختيارُ من كثرةٍ عمليةٌ أكثر إجهاداً للعقل والإرادة، من الاختيار من قلّة. أغلبنا يفضّلُ الاختيار من قلّة من الخيارات. هذه حقيقة لا يصحُّ أن نتغافل عنها، وهي ليست مقصورة على خيارات الكتب؛ بل تمتدُّ على نطاق واسع لتشمل مجالات كثيرة في الحياة: الدراسة والعمل والسكن والسفر.

لو تعاملنا مع الأمر بطريقة مُعقلنة؛ فلا بدّ من إعمال الإرادة. لن تمضي حياتنا دوماً والإرادة الذاتية معطّلة. لا بدّ من أن نقتنع بحقيقة أنّ المعروض من الكتب أكثر بكثير من قدرتنا على القراءة، وأنّ تعدّدية خيارات القراءة المتاحة لنا هي امتياز لنا غاب عن كثيرين سبقونا، ويتوجّبُ استثماره بطريقة ذكية. يجب أن نجعل الحقائق الحاكمة التالية حاضرة لا تغيب عن عقولنا:

الحقيقة الأولى: الانتقائية مطلوبة؛ لأنّ الكتب المتاحة للقراءة تزدادُ على نحو أكبر بكثير من قدراتنا على الإحاطة بها أو معرفة حتى عناوينها.

الحقيقة الثانية: ليس من أرقام سحرية لأعداد ما تتوجّبُ علينا قراءته. ليس مِنْ لائحة سلوك تنصّ على فقرة تقول: «عندما تقرأ ألف كتاب فأنت حينها تكون مستحقاً للمباركة والانضمام إلى نادي القرّاء الخالدين».

الحقيقة الثالثة: الكتاب سلعة، ولا يصحُّ اعتباره كينونة متفرّدة بسبب قيمته الفكرية؛ لو وُجِدَتْ له مثل هذه القيمة. عَزْلُ القيمة السلعية عن القيمة الفكرية عملية خرقاء فضلاً عن أنها غير واقعية. دور النشر العالمية تتفنّنُ في عرض الكتاب بوصفه سلعة، بإجراءات معروفة؛ منها: الإخراج الراقي، والعروض المسهبة في الصحف والدوريات ومراجعات الكتب. لا يصحُّ أن نكون أسرى هذه الدور الباحثة عن المال.

الحقيقة الرابعة: عندما لا تكون مضطرّاً إلى قراءة كتاب ما - لسبب دراسي أو مهني – فمعيار المتعة هو المعيار الحاكم والأوحد. القراءة المتكلّفة أو المدفوعة بموضات حداثية أو فكرية شائعة «أقرب للتريندات في مواقع التواصل الاجتماعي» هي إرهاق غير مجدٍ ولا منفعة تُبتغى منه.

الحقيقة الخامسة: للكتاب طغيانٌ وسحرٌ عند بعض الناس «في الأقل». من الأفضل عدم ترك هذا الطغيان الساحر يتغوّلُ إلى حدود منفلتة. تكديس الكتب التي لن نقرأ معظمها قد يستحيل فعلاً هَوَسياً يصعب كبحه إن هو طغى وتجبّر وصار عادة من العادات الاعتيادية المقبولة.

الحقيقة السادسة: كتابُ واحد قد يُغني عن قراءة عشرة كتب أو مائة أو حتى ألف!!. كثرة المعروض من الكتب قد تكون خادعة. زادت العناوين ربما في المبحث الواحد؛ لكنها قد تجعل القارئ يغوصُ في حومة رغوة لغوية متقنّعة بقناع الرصانة والانضباط والصرامة؛ وهنا ستكون الفاعلية الجوهرية لنا هي أن نعرف الكتاب الذي سيغنينا عن قراءة كتب كثيرة أخرى في الميدان ذاته. تنمو هذه الخاصية النوعية فينا مع الخبرة الشخصية والاستشارة الدقيقة من بعض المختصين المعروفين بالاجتهاد والمثابرة، وكذلك بالرجوع إلى القراءات الرصينة في بعض مواقع مراجعات الكتب المشهود لها بالنزاهة المتفرّدة.

ما الذي حصل لنا... لماذا تضاءلت مناسيبُ بهجة الناس في ما يقرأون ويكتبون؟

ترافقت كثرة أعداد الكتب المنشورة، وما يستتبع هذا من كثرة الخيارات المتاحة لنا، مع ظاهرة أخرى مؤذية: ظاهرة «العدّاد (Counter)». لستُ واثقة بأنّ مفردة «العدّاد» هي الترجمة المناسبة. هناك من يترجمها إلى «المعداد». لا بأس. لتكن «العدّاد» فحسب.

تسبّبت كثرة الكتب في نشوء ظاهرة «القارئ العدّاد»؛ القارئ الذي يقرأ كأنّه عدّاءٌ في مضمار سباق. لو كان المضمار لسباق ماراثون ربما كنّا ارتضينا الحال؛ لكنّ «القارئ العدّاد» لا يقبلُ سوى بمضمار السباقات القصيرة. يقرأ وفي باله عناوين أخرى تنتظر القراءة؛ فيخسرُ لذّة اللحظة الحاضرة ولذّة التوقّع المستقبلي المخبوء في كتاب مقبل. ثمّة مَثَلٌ اعتاد آينشتاين قوله لزوّاره: «تمتّعْ بلذّة اللحظة الحاضرة ولا تُفسِدْها بترقيع الثقوب العتيقة»!!

«القارئ العدّاد» تهمّه الأعداد... كم قرأ؟ يبدو كانّه يطاردُ غزالاً في برية. تفاقمت ظاهرة «القارئ العدّاد» مع تنامي وسائل التواصل الاجتماعي عندما راح يوظّفُ هذه المنصّات لعرض قائمة مطوّلة كلّ شهر أو كل سنة بالكتب التي قرأها، وبين هذه القراءات كتبٌ متطلّبة تستلزمُ وقتاً وجهداً كبيريْن يعرفُ القارئ المدقّق حجم كلّ منهما. ماذا يريدُ «القارئ العدّاد»؟ أيريدُ استعراض قائمة مقروءاته التي لا تلبث تتضخّمُ كلّ شهر أو كل سنة؟ لا أراه سوى خادع لنفسه قبل أن يكون خادعاً للآخرين. ما شأن الآخرين سواء أقرأ مائة أم مائتين أم ألفاً من الكتب كلّ سنة؟

مثلما يوجد «قارئ عدّاد» يوجد أيضاً نظيرٌ له في الكتابة. إنّه «الكاتب العدّاد»... يكتبُ كتابه العاشر وهو يسرعُ الخطى لاهثاً نحو كتابه المائة. هل يعيشُ لذّة الكتابة؟ لا أظنّه يفعل ذلك. هو يكتب وفي ذهنه أن يكون منافساً لواحد من المعروفين بكثرة منشوراتهم. ينشغلُ بإلهاءات جانبية أكثر بكثير ممّا يفعل مع ما يكتب. ربما يكتبُ وفي ذهنه جائزة دسمة.

نقرأ كثيراً عن كتبٍ تتناولُ مسرّات القراءة. أتمنّى أن نختبر هذه المسرّات بطريقة شخصية. المسرّة حالة نوعية يستعصي توصيفها في صياغات عددية. الأفضل أن نقرأ ونكتب ونتمتّع من غير هاجس «عدّاد القراءة والكتابة».

كتب الشاعر العراقي الراحل عبد الوهاب البياتي في واحد من دواوينه الشعرية:

وزنتُكَ يا وزّان الشِّعر

فكنتَ خفيفاً في الميزان

أظنُّ أنّ «القارئ العدّاد» و«الكاتب العدّاد» لا يختلفان كثيراً عن «وزّان الشعر». إنّهما يقايضان لذّة الممكن المتاحة في الحاضر، بلذّة مستقبلية مؤجّلة قد تأتي؛ لكنّ الأغلب أنها لن تأتي.


مقالات ذات صلة

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

ثقافة وفنون فيليب وود

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

قد يفاجأ من يلتقي بالباحث في الكتابات التاريخية، فيليب وود، بصغر سنه، خصوصاً إذا كان اطّلع على قائمة ما أنجزه من كتب، وأوراق بحثية، وقيادته لعدد من مشاريع البحث

لؤي عبد الإله
ثقافة وفنون جانب من لقاء ثقافي في الرياض

المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

يُعد الأدب أحد أهم العوامل الثقافية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات وتوثق تحولات الإنسان في المكان والزمان

د. فهد توفيق الهندال
كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود
TT

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود

قد يفاجأ من يلتقي بالباحث في الكتابات التاريخية، فيليب وود، بصغر سنه، خصوصاً إذا كان اطّلع على قائمة ما أنجزه من كتب، وأوراق بحثية، وقيادته لعدد من مشاريع البحث الأكاديمي، وما أثارت أفكاره من نقاشات في العديد من الجامعات البارزة في العالم الأنجلوساكسوني بالدرجة الأولى، وانعكست عبر الكثير من المجلات الأكاديمية المتخصصة في التاريخ الروماني-البيزنطي.

لقد صدر كتابه الأول القائم على أطروحة الدكتوراه عام 2010 عن دار نشر جامعة أكسفورد، أي إن البروفسور وود كان في سن السابعة والعشرين، ولا بد أن صدوره تطلب انتظاراً لعامين على الأقل، أي إنه كان قد حاز درجة الدكتوراه وهو ربما في سن الخامسة والعشرين.

استعار وود جزءاً من عنوان كتابه من شعار رفعه سكان مدينة الرُّها (أورفا التركية حالياً) خلال الحصار الذي فرضه الشاه الساساني قُباذ الأول حول أسوارها عام 503 ميلادية مطالباً بفتح أبوابها، وفيه عبروا عن معارضتهم للملوك الأغراب، سواء كانوا ببيزنطيين، أو ساسانيين: «لا ملك عندنا غير المسيح».

كتب المؤرخ الكندي جفري غريتريكس من جامعة أوتاوا الأميركية في دورية «بي إم سي آر» في عددها الصادر يوم 31 مايو (أيار) 2011 مراجعة للكتاب جاء فيها: «يُعدّ كتاب فيليب وود عملاً أولاً لافتاً للنظر، ويختلف كثيراً عن معظم الأعمال المقتبسة من رسائل الدكتوراه. فالكتاب واسع الأفق، ومقتصد في استخدام الهوامش، ومحفّز فكرياً في الصورة التي يرسمها للمشرق الروماني في القرنين الخامس والسادس الميلاديين».

ورأى آدم شور المؤرخ المتخصص بأواخر العصر القديم Antiquity والأستاذ في جامعة ساوث كارولاينا الأميركية في مراجعة أخرى أن أهمية الكتاب «تكمن في أنه لا يدرس اللاهوت وحده، بل يدرس تشكل هوية سياسية وثقافية سريانية مستقلة داخل عالم تهيمن عليه الإمبراطورية الرومانية المسيحية».

يركّز الكتاب على الكيفية التي بدأت بها الجماعات المسيحية السريانية في سوريا الكبرى وبلاد ما بين النهرين في تطوير هوية دينية-سياسية خاصة بها داخل الإمبراطورية البيزنطية، وهذا التطور الفكري والثقافي ساهم لاحقاً في تهيئة بعض الجماعات المسيحية الشرقية للتكيّف مع الحكم العربي الإسلامي بعد الفتح، لأن ولاءها الديني والثقافي لم يكن مرتبطاً بالكامل بالإمبراطورية البيزنطية.

فخلال المرحلة الأولى من نشوء الدولة الأموية استمر السِّريان في إدارة الدواوين، وخصوصاً في الشام، وكانت الإغريقية والسريانية مستخدمتين في بعض الدواوين قبل تعريبها في عهد عبد الملك بن مروان.

أما خلال عهد العباسيين، فقد بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية، خاصة في بغداد، حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى في بيت الحكمة، إذ ترجموا هناك الكثير من كتب الفلسفة اليونانية، والطب، والرياضيات، والمنطق، وعلوم الطبيعة. وغالباً ما كانت الترجمة تمر من اليونانية إلى اللغة الآرامية (السريانية)، ثم إلى العربية.

كان حُنين بن إسحاق من أعظم المترجمين في التاريخ الإسلامي، فهو من ترجم جالينوس، وأبقراط، وأرسطو. وهناك ثابت بن قرة الذي هو من أسرة سريانية-صابئية في حران، وأسهم في الرياضيات، والفلك، وفي بغداد كان يوحنا بن ماسويه من أشهر أطبائها.

سنوات التأهيل

كان السؤال الذي دار في بالي عند لقائي بأستاذ الديانات المقارنة والباحث في الكتابات التاريخية فيليب وود هو التالي: كيف جاء اهتمامك بتاريخ الآراميين السريان في العراق وسوريا؟

وكانت المفاجأة أن ذلك الولع جاء بفضل سفرة بحرية قام بها وهو في سن الحادية عشرة من خلال المدرسة الابتدائية التي كان يتلقى تعليمه فيها. «يعود اهتمامي هذا أولاً إلى وقوعي في حب سوريا. حين كنت طالباً في المدرسة ذهبت إلى شرق المتوسط لوحدي من دون والديّ. وتلك الرحلة كانت مهمة. تأثير السفر برؤية العالم لا من خلال عيون الوالدين. والداي التقيا أولاً في ماليزيا، وكنا هناك، أنا رافقتهما في السفر إلى إندونيسيا، والصين، وماليزيا، وتايلاند. كنت دائماً معهما. لكن تلك الرحلة في الباخرة كانت المرة الأولى لي في مكان آخر، لذلك فأنا ذهبت من دون أي مساعدة إلى فلسطين، ومصر، وكريت، وقبرص لوحدي، في رحلة بحرية. وأظن أنه كان مهمّاً أن أرى هذه الأماكن من البحر للمرة الأولى بدلاً من الوصول إليها إلى مطاراتها بالطائرة».

ثم خلال المرحلة الأولى الجامعية درس وود تاريخ الحروب الصليبية على يد أستاذ اسمه جوناثان رايلي سميث. «كان إنساناً إنجليزياً تقليدياً، وقد تنقل خلال رحلاته داخل سوريا في كل مناطقها، وأراني كل الصور التي التقطها هناك».

وفي عام 2002 حين لم يبلغ بعد سن العشرين لم يكتفِ وود بزيارة سوريا فقط. وقد حاول آنذاك إقناع بعض الأصدقاء لمرافقته، ولكن لا أحد رغب في ذلك.

«في عطلة عيد الميلاد، اشتريتُ تذكرة إلى دمشق، وفي بداية عام 2003 ذهبت إلى دمشق، وحلب، وتدمر، ومن هناك تنقلت بين المدن الأخرى عن طريق إيقاف السيارات العابرة. قضيت وقتاً رائعاً، وكان شعوري في دمشق أن المدينة حافظت على تركيبها كمدينة رومانية».

«كيف ذلك؟» أسأله محفزاً. «أظن أنه هناك كثيراً من كتابات المستشرقين التي أكدت أن دمشق كانت المدينة الرومانية المثالية، ولكنها تحت الحكم الإسلامي شُوِّهت، وفقدت طابعها، ولكنني لم أشعر بذلك أبداً، بل كنت أشعر دائماً أن المدينة الإسلامية هي تطوُّر للمدينة الرومانية. وهذا ما جعلني مقتنعاً بأن ذلك ينطبق على الكثير من المناطق المدينية في سوريا، وأناضوليا. بل وأرى أن بقاء النمط المعماري الروماني أكثر في تلك المناطق مما هو قائم في الغرب. وهذا ينطبق على لبنان أيضاً، إذ تجد أن هناك استمرارية في نمط العمارة الذي تشاهده في الإمبراطورية الرومانية، وهذا أكثر بكثير مما نجده في الغرب».

هذا الجانب كان أحد المواضيع التي شغلت د.فيليب، آنذاك وقد توصل إلى قناعة أن سيادة المجتمع الإسلامي في المناطق التي كانت تحت حكم الرومان لفترات طويلة لم تكن عنصر تحلل وتفكك في مجال العمارة، بل فترة تطور وتكيف لما كان موجوداً سابقاً، سواء كان ثقافياً، أو بما يخص الأنظمة المدنية.

«ثم درستُ التاريخ في جامعة كمبردج، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس فيه. وهذا تضمن دراسة مواضيع أخرى مثل تاريخ الفكر السياسي، والتاريخ الاستعماري. وأنا قمت بالعديد من البحوث المتعلقة بالأثنوغرافيا الاستعمارية. (الأثنوغرافيا هي دراسة الحياة اليومية للمجتمعات ضمن سياقاتهم الثقافية)».

إضافة إلى ذلك درس وود خلال المرحلة الجامعية الأولى عالم روما في مرحلته الأخيرة، وكتب أطروحته عن المانوية. وهذا ما جعل كل من كان يعرفه يعتبر اختياره جنونياً. يعلق وود ضاحكاً: «وربما كانوا على حق!».

بدء مرحلة التخصص

يشكل التاريخ الروماني البيزنطي حقلاً أساسياً في العديد من الجامعات العريقة مثل كمبردج، وهذا يعود إلى كون الإمبراطورية الرومانية الغربية انهارت في القرن الخامس الميلادي في حين أن قسمها الشرقي الذي عاصمته القسطنطينة (إسطنبول لاحقاً) ظل قائماً حتى سقوط هذه المدينة بيد العثمانيين عام 1453، رغم فقدانها آنذاك كل أراضي الشرق الأوسط قبل قرون عديدة.

«اخترتُ حقل الدراسات البيزنطية للماجستير، ومع هذا الاختيار بدأتُ في تعلم الإغريقية (اليونانية) والسريانية، ومن هنا بدأت رحلتي مع اللغات».

بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية خلال عهد العباسيين خاصة في بغداد حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى

ولا بد أن وود كان محظوظاً أن يدرس على يد أستاذ حريص على اتباع أسلوب قديم في التدريس يدعى جيمس هوارد جونسون، ومعه درس موضوع الإمبراطورية البيزنطية، وكان هذا الأستاذ مهتماً بالجيوش، وبنى الدولة، وهذا ما قاده إلى الأدب الآرامي (بلهجته السريانية). «وتحت تأثير تلك الفترة من دراستي للماجستير، اتخذتُ قراراً أن تكون الدكتوراه في خريف التاريخ الروماني مع البروفسورة أفيرِل كاميرون التي كانت من بين الأوائل التي طبقت كتابات ميشيل فوكو على أواخر العصر الكلاسيكي القديم».

وكانت د.كاميرون قد ألفت كتاباً ترك أثراً كبيراً على طالب الدكتوراه فيليب عنوانه: «المسيحية والخطاب الإمبراطوري». وكانت مهتمة باستكشاف كيف أن التوحيد (الإيمان بإله واحد) تفاعَلَ مع الثقافات الحضرية في الشرق الأوسط، وهذا ما حدد، كما رأت، ملامح أواخر العصر القديم، «وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نرى نوعاً من الاستمرارية ابتداء من الإمبراطور قسطنطين... وهذه هي المنطقة التي تجذبني... هذه الوحدة... لديك إمبراطورية عالمية، وثقافة حضرية وتوحيد... وضمن هذا السياق لم يكن قدوم الإسلام مخالفاً لما هو قائم... إنه كان حركة جديدة ضمن السيمفونية نفسها. فهو لم يكن اقتحاماً، بل قطعة موسيقية متواصلة».

كتب فيليب أطروحته مع أستاذته أفيرِل كاميرون، وأكملها في عام 2007 «أتذكر أن مخطط أطروحة الدكتوراه حضرني وأنا هناك، كنت جالساً في سوق النحاسين بمدينة أورفة (الرُّها سابقاً) وأنا أستمع إلى أصوات المطارق المعدنية المتواصلة حولي. وعلى ورقة كبيرة خططت الكتاب كاملاً».

وكان هذا الكتاب عن المسيحيين السريان في سوريا الكبرى قبيل الفتح العربي-الإسلامي.

يقول وود موضحاً: «كان مهيَّأ لي إلى حد ما كتابة تاريخ برؤية حديثة، لذلك حاولت تطبيق الأسئلة نفسها التي يستخدمها المؤرخون الذين يتناولون العصر الحديث حول الاعتزاز بالهوية الوطنية والدولة، لكن طرح هذه الأسئلة على الإمبراطورية الرومانية. لذلك فنحن لدينا عالم خالٍ من أية نزعة انفصال قومية، ولكن مع ذلك ما زال لدينا عالم يعبّر الناس فيه بوضوح عن كل أنواع الاستقلال الثقافي».


المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض
TT

المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض

يُعد الأدب أحد أهم العوامل الثقافية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات وتوثق تحولات الإنسان في المكان والزمان، ولذلك ارتبطت دراسة الآداب العالمية والعربية بمفهوم المرجعية الجغرافية والتاريخية بوصفهما عنصرين أساسيين في فهم النصوص الأدبية وتأويلها. فالنص الأدبي لا يُنتج في فراغ، بل يتشكل داخل بيئة جغرافية محددة وسياق تاريخي معين ينعكسان على لغته وصوره ورموزه وقضاياه. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية تدريس الأدب الخليجي في الجامعات الخليجية، باعتباره تعبيراً عن تجربة ثقافية وحضارية نشأت في فضاء جغرافي وتاريخي خاص، وأسهمت في إثراء المشهد الأدبي العربي المعاصر.

تمثل الجغرافيا الخليجية العربية أحد أهم مكونات الهوية الأدبية في المنطقة؛ فالبحر والصحراء والموانئ القديمة وطرق التجارة والغوص على اللؤلؤ ليست مجرد عناصر مكانية، بل تحولت إلى رموز ثقافية شكّلت الوعي الجمعي لسكان الخليج العربي، وانعكست بصورة واضحة في الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والمسرح. ومن خلال دراسة الأدب الخليجي العربي يتعرف الطالب إلى العلاقة بين المكان والإبداع، ويدرك كيف أسهمت البيئة المحلية في تشكيل الرؤية الأدبية والإنسانية للكاتب الخليجي.

أما المرجعية التاريخية فتتمثل في قدرة الأدب الخليجي على توثيق التحولات التي شهدتها المنطقة عبر مراحلها المختلفة؛ من الحياة التقليدية قبل النفط، إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت بناء الدولة الحديثة، وصولاً إلى التحديات الثقافية المرتبطة بالعولمة والتحول الرقمي. وبهذا المعنى يصبح الأدب مصدراً معرفياً يوازي الوثيقة التاريخية؛ لأنه يرصد تفاصيل الحياة اليومية ومشاعر الأفراد وتصوراتهم تجاه الأحداث والتحولات الكبرى.

وتشير مراجعة أولية لعدد من الخطط الدراسية المعلنة في الجامعات الخليجية، والمتاحة عبر الأدلة الأكاديمية الإلكترونية (Course Catalogs)، إلى أن الأدب الخليجي لا يزال يحظى بحضور محدود مقارنة بالأدب العربي العام. فبينما تستحوذ مقررات الأدب العربي القديم والحديث والنقد الأدبي على ما يقارب 80-90 في المائة من إجمالي المقررات الأدبية، لا تتجاوز نسبة المقررات المتخصصة مباشرة في الأدب الخليجي ما بين 3 في المائة و8 في المائة في معظم البرامج الأكاديمية. كما يدرس الطالب في المتوسط ما بين 20 و30 مقرراً أدبياً خلال مرحلته الجامعية، مقابل مقرر واحد أو مقررين فقط يتناولان الأدب الخليجي بصورة مباشرة. وتكشف هذه المؤشرات عن أن الأدب الخليجي غالباً ما يُقدَّم بوصفه جزءاً تكميلياً داخل السردية الأدبية العربية العامة، لا بوصفه مجالاً معرفياً يمتلك مرجعيته الجغرافية والتاريخية الخاصة.

- كاتب وناقد كويتي


قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»