كيليطو بين بورخيس «العربي» و«المغربي»

نصان للباحث المغربي يهدفان إلى ترسيخ فكرة واحدة

بورخيس
بورخيس
TT

كيليطو بين بورخيس «العربي» و«المغربي»

بورخيس
بورخيس

يستوقف قارئ التجربة الأدبية لعبد الفتاح كيليطو، تكرار الحديث عن بورخيس. التكرار القصدي الموعى به. ويتحقق بالتنويع حسب «المجالس» (المقامات كما يقول)، خصوصاً حال الحديث عن كلاسيكيات الأدب العربي «ألف ليلة وليلة»، أو عن شخصية الفيلسوف ابن رشد. فالإشارة لبورخيس، إحالة على قراءة، أقول نوعية من القراءة. قراءة الآخر للأدب العربي والافتتان به، بالرغم من تحققها انطلاقاً من لغة ليست لغتنا. إن بورخيس غير العربي يخاطب ذواتنا وعما يمثل تراثنا.

تحضر صورة بورخيس من خلال نصين. النصان يتقاطعان ويتداخلان، بل يهدفان إلى ترسيخ فكرة واحدة مؤداها: كيف تلقى بورخيس التراث العربي القديم؟ وكيف أسهم في عملية فهمه وتأويله؟ وأما النصان فهما:

_ بورخيس «العربي» (كتاب «بحبر خفي»/ دار توبقال/2018)

_ بورخيس والمغرب (كتاب «التخلي عن الأدب»/ دار المتوسط/2022)

بورخيس العربي

يركز عبد الفتاح كيليطو في مقالته/ موضوعه «بورخيس العربي»، على فكرتين أساسيتين:

* تلقي بورخيس للأدب العربي القديم مترجماً.

* ورغبة بورخيس في القراءة المباشرة لهذا الأدب، أي في أصله.

تحقق تلقي بورخيس للأدب العربي انطلاقاً من لغات يتقنها: الإسبانية، الإنجليزية، الألمانية والفرنسية. الأخيرة فسحت أمامه إمكانات سعة الذيوع والتداول، ما يضاف لما أدعوه الكفاءة اللغوية، الاستفادة من منجز المستشرقين في دراساتهم للأدب العربي (نستحضر هنا توجه طه حسين على السواء). ويستدل كيليطو بإدوار لين، وريشار بورتون، وإرنست رينان، وآسين بلا تيوس. ومثلما يستدل، يستحضر عناوين لنصوص أدبية لبورخيس تحيل على اضطلاعه على الأدب العربي القديم في لغة غير لغته، ليظل الإشكال مرتبطاً بعدم معرفته للغة العربية:

«إلا أنه، وعلى الرغم من تبوئه قمة المجد الأدبي، بقي في نفسه شيء من... اللغة العربية». (ص/71)

يذكر كيليطو في حديثه عن الرغبة في القراءة المباشرة، أن بورخيس سعى إلى ذلك وقد أدرك عامه السابع والثمانين «وبالضبط في 1986»، حيث لفت نظر القراء والباحثين العرب إلى منجزه الأدبي. وهنا أرغب تأكيد إضافة لها أهميتها. ذلك أني كقارئ، تعرفت على بورخيس أواخر السبعينات من خلال مقالة كتبها الناقد السوري خلدون الشمعة، ونشرها في مجلة «المعرفة» السورية (فبراير/1978). حملت المقالة عنوان «بورغيس وفن الخبر». ومن ضمن ما جاء فيها: «.. ابتكر بورغيس جنساً أدبياً طليعياً أطلق عليه اسم (Fiction)، وهو يجمع بين القصة والمقالة، أو بالأحرى يقوم بعملية دمج بين القصة والخبر، أو بين الأدب والتاريخ». (ص/171)

ويضيف: «يطرح بورغيس نفسه كاتباً عالمياً، أو هو يعتبر أن الجمهور الذي يخاطبه عالمي غير محلي وغير زمني (أي غير محدد بفترة تاريخية معينة). ولهذا فمادة القصة لديه كثيراً ما تعتمد على مصادر عربية وإسلامية. وقد كانت (ألف ليلة وليلة) وكتب الأخبار العربية وكتب التاريخ الإسلامي من المصادر الأثيرة لديه». (ص/171

عبد الفتاح كيليطو

أعتقد أن جانباً مما جاء به عبد الفتاح كيليطو، أورده خلدون الشمعة بخصوص التجربة الأدبية لبورخيس، وهو التجسيد الدال عن المشترك الأدبي والنقدي في الرأي وعلى التصور.

أنتقل بعد الإضافة، إلى الإشارة - حسب كيليطو - لكون بورخيس وهو يتحول من وضعية المعلم إلى تلميذ، كان يقيم في جنيف. وأما معلمه المصري، وبالضبط الإسكندراني، فألم كما قيل، ووفق حكاية كيليطو، بآثار بورخيس كاملة. وهو ما جسر «القرابة» وثبت «الحميمية» بينهما. وهنا يطرح كيليطو سؤال الاختيار: لم كان الأستاذ مصرياً؟ ألذلك علاقة بكونهم «بناة الأهرام»، وإلى احتفائهم بـ«طقوس الموت» و«مراسم الدفن». ويتوسع التساؤل ليشمل الانتماء إلى الإسكندرية. أترى لكونها تحوي «أشهر مكتبة في التاريخ؟»:

«قيل إن عدد مجلداتها يفوق حساب الأفلاك/ أو حبات رمل الصحراء». (ص/72)

إن الرغبة في تعلم اللغة العربية بالنسبة لبورخيس - وكما سلف - هدفها التعرف المباشر على «الأصول».

وهنا يطرح كيليطو السؤال «أي أصول؟»، إذ اللافت أن تركيزه الأساس تحدد في نص واحد كما قيل «ألف ليلة وليلة». النص الذي يختزل «اللسان العربي» و«الأدب العربي». ففي هذا النص يكمن سر لم يتأت له التعرف عليه وهو يقرأ النص في غير لغته: «كان يتمنى وهو على حافة الموت أن يجد فيه كلمة السر التي تتيح له ولوج العالم الآخر واكتساب حياة جديدة».(ص/73) إلا أن الموت حال دون تحقيق البغية، بغية تعلم اللغة العربية لقراءة أقوى نص دمغ الوجود الإنساني ككل.

بورخيس والمغرب

يحق الحديث عن الصورة الثانية لبورخيس في هذا القسم الأول، وكما وردت في مقالة/حكاية عبد الفتاح كيليطو «بورخيس والمغرب»، من خلال ثلاثة مستويات:

* بورخيس والمغرب، وسيغدو عند «القلب» لدوافع «المغرب وبورخيس».

* بورخيس «العربي»، وتحيلنا تفاصيله على النص السابق.

* سيرة قراءة كيليطو لأدب بورخيس.

ما ينتظم المستويات، الكاتب أو المؤلف عبد الفتاح كيليطو، من منطلق كونه متلقي التجربة الأدبية لخورخي لويس بورخيس، والأخير، بحكم كونه الأديب العالمي المقروء في/وعبر أكثر من لغة، ثم تمثله الأدب العربي القديم ومخاطبتنا من خلاله ولو تأتي في لغة ليست الأصل.

يضعنا كيليطو في المستوى الأول، أمام حكاية دعوة تلقاها من سفارة الأرجنتين بالرباط لمناسبة لقاء تكريمي للكاتب بورخيس. يتحدد موضوع الدعوة، في علاقة بورخيس بالمغرب. وإذا كان عنوان الموضوع وفق رؤية كيليطو «جميلاً وطريفاً»، فالتساؤل يتعلق بما يمكن أن يتحدث عنه. أقول التفاصيل التي تستدعي التفكير والتأويل، وهي في العمق العناصر الغائبة عن التناول. فبورخيس زار المغرب مرتين (وبالضبط مدينة مراكش مرفوقاً بماريا غوداما)، لولا أنه، حسب كيليطو، لم يكتب في/ وعن الموضوع، إلى كونه أورد ضمن قصة «البحث عن ابن رشد» إشارة لرحلة ابن بطوطة بذكر اسم آخر، أبي القاسم.

فباستثناء السابق، تبرز صعوبة تناول موضوع كهذا، وعلاقة كهذه. من ثم يؤثر كيليطو الحديث بالقلب، قلب العلاقة، إذ بدل الحديث عن «بورخيس والمغرب»، سيتم التطرق إلى «المغرب وبورخيس». وهنا سيثار جانب من الاهتمام بأدبه، إلى التأثير الذي خلفه في قرائه وعلى الأدب المغربي الحديث.

وإذا كان موضوع القلب يوحي في الظاهر بكونه أكثر قابلية للتناول، إلا أنه في العمق يطرح صعوبات أيضاً، لأن «... المادة المتاحة أكثر ثراءً، فليس من بين المثقفين المغاربة من لم يقرأ بورخيس أو لم ينو على أقل تقدير قراءته، بحيث إن الإحالة إليه شائعة، فضلاً عن تدريسه في بعض الشعب، وترجمة قسط وافر من كتبه، هذا علاوة على البحوث التي اهتمت به عندنا بأكثر من لغة». (ص/10)

إذن المادة متوافرة (وليس متوفرة)، لكن من غير الجاهز الاضطلاع عليها، والإحاطة الشمولية الكلية بها. فعدم الإلمام بالعلاقة والأثر في الأدبين الإسباني والإنجليزي، لا يتيح إمكانات الكتابة والتأويل.

وهنا يتم الانتقال إلى المستوى الثاني الموسع الذي تم تناوله سابقاً، والمتجسد في «بورخيس العربي»، أو العلاقة التي ربطت بين بورخيس والأدب العربي القديم: «بدا لي في النهاية من المناسب أن أركز على علاقته بالأدب العربي». (ص/10)

وذلك لدواعٍ تتمثل في الانتماء والانشغال بالموضوع ذاته، إلى توقع كون غاية الجهة الداعية، المسعى نفسه. ففي غياب سعة المواكبة لعلاقة بورخيس بالأدب الإسباني والإنجليزي، فإن كيليطو يؤكد أيضاً أن اضطلاعه بأدبه في العربية يعد «جزئياً» و«مبتسراً»: «فبورخيس يخاطب عدة ثقافات، وهو مثير للاهتمام لأن ألسناً وآداباً تجد نفسها فيه، بحيث إن قراءه يتوزعون حسب اللغة التي ينتمون إليها أو التي تكون أليفة لديهم». (ص/10)

من ثم يطرح كيليطو السؤال على نفسه أولاً، ثم قارئ بورخيس العربي المفترض: «أأنا القارئ المفترض لبورخيس؟.. هل كان يفكر في قارئ عربي محتمل، مثلاً، عندما نشر كتاب الألف سنة 1952؟». (ص/ 10_11)

إن المؤكد، كون المخاطب يتحدد في اللغة التي ينجز في ضوئها المكتوب، ولئن كان يتضمن «إشارات إلى الأدب العربي». إنه القارئ الأرجنتيني، الإسباني، الإنجليزي والفرنسي، ما دامت أسماء كتاب ومؤلفين فرنسيين يستشهد بها، بل إن كيليطو يؤكد بأن ترجمة أعماله إلى اللغة الفرنسية حولته إلى «كاتب عالمي». ويقر بحزم صارم، بأن القارئ العربي «لم يكن يدور في خلده على الإطلاق».. والأصل أن هذا القارئ ذاته وإلى حدود الخمسينات والستينات لم يكن على معرفة به ومنجزه الأدبي. ويورد كيليطو إشارة عدها قوية ودالة وتقتضي بحثاً أدبياً مقارناً، وتتجسد في كون المفكر والمبدع الراحل عبد الكبير الخطيبي من «الأوائل الذين أشاروا إليه» في السبعينات، حيث تعد مسرحيته «النبي المقنع» مستوحاة من قصة بورخيس «الصباغ المقنع: حكيم مرو»، والمتضمنة في كتاب «التاريخ العالمي للعار». وبذلك، تنضاف إشارة بداية الاهتمام لما جئنا به عن الناقد السوري خلدون الشمعة. وأرى أن استجلاء بدايات التعرف والاضطلاع على التجربة الأدبية لبورخيس يقتضي خصه بدراسة مفردة مستقلة.

وأما بخصوص المستوى الثالث المرتبط بسيرة كيليطو كقارئ لبورخيس، فإنه سقط في المفاجأة لما وقف على سعة ثقافته، وهو ما دعا إلى اعتباره «من المؤلفين الكبار عبر التاريخ» الذين اهتموا بالتراث العربي القديم (ألف ليلة وليلة والمعلقات)، دون المعاصر. من ثم يمكن مقارنة مساره بما جاء به المستشرقون الذين ذكروا سابقاً. وتحولت المفاجأة إلى اندهاش وانكباب على قراءة المنجز الأدبي لبورخيس، إذ وكلما ذكر مؤلف عربي إلا وتأكد بأن الخطاب موجه للذات. ويسوق كيليطو شبه خلاصة عامة بليغة عن علاقة القارئ بمؤلف ما:

«من الواضح أن القارئ لا يقترب من مؤلف، من كتاب، وهو صفر اليدين، إنه من بلد، من لغة، من زمن محدد، وله انشغالات وانتظارات، توقعات وتصورات تكونت من خلال ما سبق أن قرأه، وعلى الأخص من خلال الأدب الذي نشأ في أحضانه». (ص/12)

وتأسيساً من المفاجأة والاندهاش، يتم الانخراط في الاشتغال على بورخيس بربط حوار يحيل في جانب على الفخر كما الاعتراف: «لقد تم الاعتراف بي على الرغم من أنه لم يكن يخاطبني، وأنا ممتن له على ذلك، فكأن ما يجمعنا داخل في باب القربى والنسب. إنه ليس غريباً، أو إن غرابته في ألفته». (ص/13)

أكان عبد الفتاح كيليطو في تكرار حديثه عن بورخيس يتحدث عن ذاته؟

إن ما يستوقف في النصين، أو الصورتين، وفي القسم الأول الذي جئنا على التطرق إليه، التداخل والتقاطع المرتبط بالحديث عن خورخي لويس بورخيس. فكيليطو هدف من ذلك إلى:

1- تجسيد الثقافة الموسوعية لبورخيس، والمتمثلة في كفاءته اللغوية التي لم يكن ليعوزها سوى إتقان اللغة العربية، وهو المسعى الذي رامه في أواخر حياته. يرد في «في جو من الندم الفكري»: «تعلم بورخيس العربية وتوفي، أو ربما على الأصح تعلم العربية فتوفي». (ص/30)

2- بيان مدى الاطلاع على التراث العربي القديم، وبالضبط «ألف ليلة وليلة» في ضوء كونه يمثل بالنسبة له النص الذي يختزل ويكثف واقع الأدب العربي القديم.

3 - كتابة سيرة بورخيس كمثقف، وبالتالي سيرة علاقته بالأدب العربي إلى صلتنا به، صلة «القربى» و«النسب».

وبعد:

أكان عبد الفتاح كيليطو في تكرار حديثه عن بورخيس، يتحدث عن ذاته، يكتب سيرة تماهيها وهذا الأديب العالمي الذي خاطب الثقافات في مجموعها، وباللغات المتداولة عالمياً. يرد في كتاب «من نبحث عنه بعيداً يقطن قربنا»، وبالضبط مطلع المقالة الموسومة بـ«بأي لغة سيكون علي أن أموت؟» في شبه «ندم فكري»: «هي لحظة لا مثيل لها حينما نقرأ بورخيس للمرة الأولى. صدمة اكتشاف، تأسف على عدم مصاحبته مبكراً» (ص/57).

* كاتب مغربي


مقالات ذات صلة

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

ثقافة وفنون أحمد زين

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

يضعنا التلقي النقدي لمسار الرواية العربية في تحولاتها أمام تجربة روائية متميزة أبانت عن كفاءة واقتدار على مستوى منجزها السردي الموازي بين الكتابة السردية

صدوق نور الدين
ثقافة وفنون «أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

تنتمي رواية «أشباح الأمومة»، للكاتبة الإسبانية كاشا أجيري، إلى نوعية النصوص غير التقليدية من حيث الموضوع، والجريئة من حيث الأفكار التي تطرحها،

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون «سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

في لغة سلسة تجمع بين البساطة والعذوبة، ترصد رواية «سطوح طهران»، للكاتب مهبد سراجي، حقبة قلقة ومليئة بالتوتر السياسي والاجتماعي من تاريخ إيران في حقبة السبعينات،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

«الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر والترجمة، 2012.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون «عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

«عرضحال بغدادي»... رثاء بغداد المعاصرة

لا تبدو مجموعة «عرضحال بغدادي» لخضير فليح الزيدي، مجموعة قصصية تقليدية تضم نصوصاً مستقلة، بقدر ما تبدو روايةً مفتتة الأجزاء تتعدد فيها الوجوه

بشرى الهلالي

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين
TT

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين

يضعنا التلقي النقدي لمسار الرواية العربية في تحولاتها أمام تجربة روائية متميزة أبانت عن كفاءة واقتدار على مستوى منجزها السردي الموازي بين الكتابة السردية الروائية والقصصية، وإن انتصرت في المراحل الأخيرة لجنس الرواية من منطلق انفتاحه على أكثر من جنس، إلى تعدد الشخوص واللغات والقضايا التي تنزع إنتاج معنى.

إن الروائي اليمني أحمد زين (1968)، منذ تجربته البكر «تصحيح وضع» (دار الانتشار العربي - 2004)، إلى «رماية ليلية» (دار المتوسط - 2024)، وغيرهما، رسخ تقاليد كتابة روائية تنبني على الجدة، وتنطبع بروح التجريب المناهض للمتداول والمألوف على مستوى الشكل الروائي، إذا ما ألمحت لكونه يتفرد - في تصوري - بخصوص الإنجاز الروائي بوضع مسافة زمنية تمتد من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات بين رواية وثانية، الشيء الذي يوضح أن ثمة تفكيراً روائياً قبلياً قبل الإقدام على التحقق والاكتمال. يلاحظ هذا أيضاً على سبيل التمثيل لدى الروائي اللبناني الراحل إلياس خوري، والتونسي الحبيب السالمي، واليمنيين علي المقري ووجدي الأهدل، وأيضاً لدى الروائيات هدى بركات، ونجوى بركات، وأنيسة عبود، ومنصورة عز الدين، ونادية الكوكباني.

بيد أن التفكير الروائي يؤجل التمرين على فعل القص دون أن يلغيه. فبعض الروائيين يؤسسون عالمهم الروائي انطلاقاً من وحدات حكائية صغرى هي في الجوهر قصص قصيرة تحتكم لرابط يجسد حبكة النص الروائي، نحو ما نقف عليه في «وردية الليل» لإبراهيم أصلان، كما في ثلاثية «زهرة الآس» لمحمد عز الدين التازي. على أن مما يستلزم التأكيد ما أحبذ دعوته بـ«الموازاة الأجناسية»، وفق ما عكسته تجربة الروائي الراحل محمد زفزاف، الذي حافظ على إيقاع إصدار مجموعة قصصية في سنة، ورواية في سنة ثانية، إلى حين رحيله. والحالة ذاتها جسدها محمد صوف، في حين نجد من الروائيين من لم يصدر مجموعة قصصية على امتداد تجربته السردية، نحو ما يطالعنا لدى الروائيين جبرا إبراهيم جبرا، ورشيد الضعيف، وعبد الله العروي، وشعيب حليفي.

خصائص إبداعية

يقود المعبر عنه إلى محاولة تشكيل تصور حول منجز أحمد زين الروائي. وهو في الجوهر ما يؤلف مشتركاً بين أكثر من روائي عربي، وإن كانت الخصوصية تفرض ذاتها، وهو المسعى الذي ندرسه هنا، ومنه الاستمرارية الإبداعية التي تتجسد على مستوى جنس الرواية، وتبرز في مواصلة الكتابة والإضافة، وهذا ما سبقت الإشارة إليه بالمسافة الزمنية التي يرسمها الروائي بين رواية وثانية في نوع من التفكير الذي يهجس بأفق التلقي، وما يترتب من تفسير وتأويل. أقول بمعنى آخر، إن الروائي أحمد زين وهو في وضعية الإنجاز يتمثل إبداعه وحالة قارئه. فمن خلال الآثار السابقة تتولد قناعة القيمة والرغبة في الإضافة - كما سلف - وهو ما يحقق التكامل بين أفقين: أفق الروائي المبدع، وأفق القارئ المتلقي. على أن ما تعكسه الاستمرارية الإبداعية يتمثل في المرجعية الروائية التي تتجلى في كون المكتوب صورة دقيقة عن وجود مقروء. فكفاءة الإنجاز الروائي لا يمكن أن تتخلق عبثاً، وإنما انطلاقاً من الانفتاح على تجارب روائية عربية وعالمية بالأخص، تفسح إمكان القول إن أي تميز روائي وليد قراءة. فأحمد زين في تفرده روائياً بمنزلة قارئ تأسيساً من أن لا كتابة دون قراءة، ثم القدرة على التصريف، وهي ترتبط بالسابق؛ إذ الروائي الكفء يجيد تصريف وتذويب مقروئه في تعبيره الروائي، بحيث يصعب الوصول إلى استجلاء الأثر والتأثير. يحدث هذا على مستوى النصوص المقروءة، إلى تداخل الأجناس وفق ما سنقف عليه في العملين الأخيرين: «فاكهة للغربان» و«رماية ليلية».

وبذلك، فإن الاستمرارية الإبداعية قناعة بما للكتابة الروائية من بلاغة التأثير، عكس التوقف الذي يطول بعض التجارب الروائية بمبررات لا يمكن التكهن بخلفياتها. يقول أحمد زين في حوار مع الشاعرة اللبنانية الراحلة عناية جابر: «الروائيون الذين أصدروا روايات في الستينيات والسبعينيات وربما الثمانينيات كفوا عن الكتابة، ولم يعد أحد من أولئك، أقصد الأحياء منهم، يكتب الرواية».

في دور الذاكرة

تظل الذاكرة حاضرة على امتداد الآثار الروائية لأحمد زين. ويمثل حضورها وظيفة غايتها الامتياح من الذاتي في معايشته وقائع سياسية واجتماعية وثقافية عرفها اليمن، وتبقى في أمسّ الحاجة للتوثيق والتأريخ من منظور الرؤية الروائية المغايرة، بما هي بمنزلة إبدال لما يثبته المؤرخ وعالم الاجتماع.

بيد أن ما لا يجب أن يُفهم، كون الروائي أحمد زين يسهم في تدوين سيرته الذاتية، علماً بأن لا كتابة في منجاة من البعد الذاتي، وخاصة أن ميثاق التعاقد الذي يربط الروائي بقارئه يتحدد منذ البداية في دقة التجنيس؛ أي رواية وليست سيرة ذاتية. على أن من النقاد الذين تناولوا التجربة تحديداً من يجنح إلى القول إن شذرات الذات تتوزع بين الروايات المنجزة. هذا التصور يبدو صحيحاً. وهو ما عبر عنه الروائي جبرا إبراهيم جبرا قبل كتابته «البئر الأولى» و«شارع الأميرات»، في حين اختار محمد زفزاف القول إنه يفضل إملاء سيرته الذاتية على طرفٍ ما دون كتابتها. يرد في الحوار نفسه: «أرى أن الذهاب إلى هموم خاصة أو ذاتية، في المعنى الضيق للذاتية، بعيداً عن القضايا المفصلية التي يعانيها المجتمع في لحظته الراهنة، وتمس عصب الحياة، وتربك أحوال الناس؛ سيبدو ليس صعباً فحسب، إنما أيضاً نوع من الترف، في حال حصل».

الفضاء اليمني

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد السداسية الروائية من 2004 إلى 2024؛ بمعنى أن زمن المنجز السردي يتأطر في عشرين سنة من دون أن يتوقف أو ينتهي. والأصل أن الامتداد دعوة ليقظة الذاكرة كي تحكي سيرة الفضاء بما يتفاعل فيه من أحداث ترتبط بأمكنة وأزمنة تمتلك هدف إنتاج المعنى السياسي والاجتماعي والثقافي. ومن ثم، فالذاكرة تعد ذاكرة فضاء في دينامياته التي عاشها، وما انطبع بها من إخفاقات وحروب لم تفتأ تنتهي إلا لتوقد من جديد. من هنا، فإن زين يحكي في منجزه واقع اليمن ومأساته سواء كما عيشت في حينها، أو كما تخلقت بعيداً عنه في رحلة الاغتراب وقلق الوجود. يقول زين: «في اليمن، يتقدم العام دوماً، يسحق ما هو خاص أو في هيئته، فلا مجال لمقاربة أحوال الفرد، والتفتيش عن فردية؛ لأن عوامل كثيرة تغيبها».

وتقود الاستمرارية الإبداعية المتحدث عنها إلى التأكيد على قناعة الإضافة الفاعلة والمنتجة... وهو وعي الروائي أحمد زين بقيمة وأهمية جنس الرواية في وعلى ملامسة القضايا، والتعبير عن تنوع الأحداث في رصد ومتابعة تعمل الذاكرة على استصفائها والامتياح منها.

* كاتب من المغرب

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد سداسية أحمد زين الروائية من 2004 إلى 2024


«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة
TT

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

تنتمي رواية «أشباح الأمومة»، للكاتبة الإسبانية كاشا أجيري، إلى نوعية النصوص غير التقليدية من حيث الموضوع، والجريئة من حيث الأفكار التي تطرحها، حيث تعيد تفكيك مفهوم الأمومة، بعيداً عن التصورات المثالية، وتكشف عن مساحة من القلق والتوتر، أحياناً الغضب والرفض، في علاقة الأم بالعالم وبطفلها الوليد.

تتداخل في العمل، الصادر أخيراً عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد عويضة، تجربة الأمومة وفعل الكتابة الإبداعية عندما تكتشف البطلة، وهي روائية في شهرها التاسع من الحمل وعلى وشك الولادة، جريمة مروعة تهز الرأي العام، حيث قامت امرأة تُدعى «أليس» بإغراق طفليها التوأم الرضيعين في حوض الاستحمام.

تزداد الصدمة حين تكتشف البطلة أنها كانت تعرف هذه الأم القاتلة شخصياً في الماضي، رغم انقطاع أخبارها لفترة طويلة، وبدلاً من أن تستغل إجازة الأمومة المرتقبة للعناية بطفلها الرضيع وتتفرغ لتربيته، تقرر استغلال هذه الفترة كغطاء وفرصة للبحث والتقصي والكتابة.

تبدأ البطلة رحلة تتبع وبحث جنائي وأدبي لمعرفة الحقيقة المظلمة والدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف وراء إقدام أم على إنهاء حياة طفليها، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع أسئلتها الداخلية حول معنى أن تكون أماً وأن تكون مبدعة في آن واحد.

الأمومة والإبداع

تمزج حبكة الرواية بين البناء الكلاسيكي لقصص التشويق والإثارة وأسلوب التحقيق الصحافي والجرائم الواقعية، مع طرح الأفكار الفلسفية والتأملات الفكرية، على خلفية كسر واحد من أكبر المحرمات أو «التابوهات» الاجتماعية والثقافية، وهو الاعتقاد السائد بأن الأمومة تحمل دائماً حباً مطلقاً وغريزة تضحية لا تشوبها شائبة.

وتوازن الكاتبة بين نوعين من «الخلق»: الولادة البيولوجية للطفل، والولادة الفنية للعمل الإبداعي، من خلال استلهام تجارب وسير ذاتية لكاتبات وشاعرات عانين من المعضلة ذاتها، واختبرن أشباح الأمومة واكتئابها وتأثيرها على مسيرتهن، مثل الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث، والروائية البريطانية دوريس ليسينغ.

عالمان متناقضان

جاءت الأجواء العامة للرواية مشحونة بالتوتر والترقب والنقد الذاتي الحاد، حيث تعيش البطلة في منطقة رمادية تفصل بين عالمين متناقضين: عالم الأمومة المليء بالمتطلبات الجسدية والنفسية وعزلة رعاية الرضيع، وعالم الكتابة الذي يتطلب الانفصال والتركيز والبحث.

تضع تلك الأجواء القارئ أمام تساؤلات تكاد تكون غير مسبوقة دون أن تقدم بالضرورة إجابات جاهزة: هل الأمومة يمكن أن تتحول أحياناً إلى سجن أو زنزانة؟ وكيف يتعامل القانون والمجتمع مع حماية الأطفال وفي الوقت نفسه مع الاضطرابات النفسية للأمهات؟ هل يمكن فصل غريزة الأمومة عن الأنوثة؟ أين يقع الحد بين الإبداع والتدمير؟ ولماذا ينظر دائماً إلى الأمومة على أنها قدر بيولوجي، لا خيار إرادي؟ وكاتشا أجيري كاتبة ومخرجة من إقليم الباسك، وواحدة من الأصوات الأدبية الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في المشهد الثقافي الإسباني المعاصر. تميزت مسيرتها الأكاديمية والعملية بتنوع إبداعي لافت، حيث جمعت بين البحث المتخصص في السرديات السينمائية والإبداع الأدبي الجريء. بدأت حياتها المهنية كاتبة سيناريو قبل أن تتجه للرواية، مما أضاف بعداً بصرياً متميزاً لأسلوبها السردي.

اشتُهرت أجيري بروايتها هذه التي نُشرت في الأصل تحت عنوان «الأمهات لا يفعلن»، وقد أحدثت ضجة كبيرة بسب جرأتها في نقد الأمومة وربطها بين الإبداع والعنف. تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات وحصلت على تكريمات مهمة منها «جائزة أكاديمية اللغة الباسكية»، كما تعد من أهم الأصوات النسوية في أوروبا اليوم، حيث تقدم رؤية فريدة تدمج بين الحساسية الأدبية والتفكيك النقدي للأنماط الاجتماعية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«الأدب هو الخيمياء، معرفة ما قبل معرفة علمية وبربرية وعقلانية وعاطفية وطوباوية وسياسية وباردة وحارقة ومجنونة وجميلة ورهيبة وإيقاعية ومرهقة وقبيحة ومنعشة.

الأدب لغز لا يحتاج إلى إجابات هنا والآن؛ لأنه لا يطرح عليَّ أسئلة. أكتب وكل شيء يعود إلى مكانه أخيراً، كل حرف، كل نفس، كل همسة.

تقول أمي كل صباح وإيريك مربوط إلى مقعده بالسيارة: «قل وداعاً لماما»، فيقول الصغير: «وداعاً، وداعاً» وهو يلوّح بكفه الصغيرة. بدا سعيداً مع تلك الجدة التي التقاها للتو وبدت والدتي سعيدة أيضاً. ومن المؤكد أن نيكولاس أيضاً سعيد بلوح التزلج الخاص به واستعجاله ركوب الأمواج، تعجل إلى درجة أنه لم يمنحني حتى قُبلة وداع. وفوق كل ذلك فأنا أيضاً سعيدة، سعيدة وأنا وحدي في منزل أمي.

أهرب أنا أيضاً خلف الأبواب المغلقة، كل شيء مثالي: درجة الحرارة والرائحة وصوت المحيط وهذا الإيقاع المحموم والجذاب لأزرار لوحة المفاتيح. سيعود الجميع إلى الداخل خلال ساعتين أو ثلاث. سيعود إيريك نائماً ومجهداً بعد اللعب بين الصخور البركانية وأمي مفتونة كمن ينظر لأول مرة داخل محارة طفل من ذوات الصدفتين، ثم يعود نيكولاس بأنفه متقشر الجلد ورائحته البرية بعدما صار أشقر أكثر من أي وقت مضى.

سينتهي هذا الكمال في غضون ستة أيام، سيعود العالم الحقيقي خلال ستة أيام ستقول لنا أمي: «وداعاً» وهي تشعر بارتياح حقيقي في حين تستعيد وحدتها. ستشعر بالفخر جراء الهدية التي أهدتها إلينا، وسوف تذّكر نفسها بألا تكرر التجربة لفترة طويلة.

سأعود لأراقب حسابي الجاري، وأستعد من جديد لمشقة العمل موظفة، وفوق كل هذا سيتعين عليّ قراءة كل تلك الصفحات التي تركتها خلفي. لقاء عنيف وغير سار هناك ينتظرني، الأموات والأحياء، «أليس» والتوأمان وشبح سيلفيا بلاث وشبح ابنها المنتحر».


«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات
TT

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

في لغة سلسة تجمع بين البساطة والعذوبة، ترصد رواية «سطوح طهران»، للكاتب مهبد سراجي، حقبة قلقة ومليئة بالتوتر السياسي والاجتماعي من تاريخ إيران في حقبة السبعينات، وتحديداً السنوات القليلة التي سبقت اندلاع الثورة على نظام الشاه، وإعلان ما سُمِّيت لاحقاً «الجمهورية الإسلامية».

ووصف النقاد الرواية الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بترجمة إيناس التركي، بأنها «من الروايات النادرة التي تبقى في ذاكراتك طويلاً بعد طي صفحتها الأخيرة؛ حيث تذكِّرنا بالخير والشر في الحياة، وبأن للفرح جانباً مؤلماً، وبأن الحب يأتي بأشكال متعددة».

كما اعتبرت مراجعات الصحف العالمية للعمل أننا إزاء نص مبهج، يثير التفكير عن الشجاعة والتضحية والصداقة والحب، كما يظهر دراما فقدان البراءة، ويكشف جانباً مجهولاً عن بلد بات غامضاً، ولا يفهمه إلا القليلون.

في هذه الرواية المؤثرة، يكشف المؤلف عن الجمال، والعنف أيضاً، مؤكداً في الوقت نفسه على المشاعر الإنسانية التي نتشاركها جميعاً.

تدور الأحداث في حي من أحياء الطبقة المتوسطة في طهران؛ حيث يقضي «باشا شاهد» البالغ من العمر سبعة عشر عاماً صيف 1973 على سطح منزله، مع صديقه المقرب «أحمد».

يتمازحان تارة، ويطرحان أسئلة ملحَّة عن الحياة تارة أخرى. يخفي «باشا» حباً سرياً لجارته الجميلة «زاري» المخطوبة منذ ولادتها لرجل آخر. وسرعان ما يتبدد نعيم الوقت المستباح الذي قضاه «باشا» و«زاري» معاً، عندما يساعد الأول من غير قصد شرطة الشاه السرية، فتصبح علاقته بحبيبته في مفترق طرق.

وُلد الكاتب الإيراني مَهبُد سِراجي عام 1956، وانتقل للعيش في الولايات المتحدة عام 1976 وهو في التاسعة عشرة من عمره. استكمل دراسته في جامعة أيوا؛ حيث نال درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية، ثم الماجستير في مجال الإذاعة والسينما، وصولاً إلى درجة الدكتوراه في تصميم وتكنولوجيا التعليم.

يتخذ سِراجي حالياً من منطقة خليج سان فرانسيسكو مقراً لإقامته؛ حيث يعمل مستشاراً في مجال الإدارة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سمعتُ صوت شخص ينشد، وتدفقت الأبيات المتكررة كالماء على حافة ما أمتلكه من وعي:

لو أن لدي كتاباً، لقرأته.

لو أن لدي نشيداً، لغنيته.

نظرتُ حولي حتى رأيت رجلاً عجوزاً يقف على بعد أمتار قليلة ينشد بنبرة ثابتة جوفاء. لم يبدُ المكان مألوفاً بالنسبة إليَّ، فالرداء الأزرق الذي يغطي جسدي، والكرسي المتحرك الذي أجلس عليه، وأشعة الشمس التي تتسلل بين الظلال وتدفئني، كل هذا بدا غريباً:

لو أنني أعرف رقصة، لرقصتها.

لو أنني أعرف قافية، لرددتها.

لو أن لي حياة، لخاطرتُ.

لو أن بوسعي الحرية، لغامرتُ.

في الفناء بالخارج، يجول رجال من جميع الأشكال والأعمار مرتدين أردية زرقاء. كان هناك شيء غريب في كل واحد منهم؛ حيث بدوا تائهين. فجأة امتلأ صدري بموجة من المشاعر، واندفعت إلى حلقي، هُرعت نحوي ممرضة صغيرة ذات وجه لطيف ممتلئ يشبه التفاحة، ووضعت يديها على كتفي وصرخت قائلة:

ساعدوني هنا، ساعدوني!

هرع رجل يرتدي زياً أبيض وحاول أن يثبِّتني. صاحت ذات الوجه الشبيه بالتفاحة:

ابقَ في مقعدك يا عزيزي، ابقَ في مقعدك!

وهو ما يعني على الأرجح أنني كنت أتحرك، ركزتُ على الجلوس بثبات، ونظرتُ نحو الرجل العجوز في الجانب البعيد من الغرفة. أخذ يحدق إليَّ وهو يكرر ترنيمته على نحو محموم:

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً...

اصطحبوني إلى غرفة بها فراش، وقالت لي صاحبة الوجه الشبيه بالتفاحة:

سأعطيك مهدئاً ليجعلك تشعر بالتحسن يا عزيزي.

شعرتُ بوخز في ذراعي، وفجأة أصبح رأسي وذراعي ثقيلين بشكل لا يطاق، وانغلقت عيناي».