وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


مقالات ذات صلة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)
كتب من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن.

شرف الدين ماجدولين
كتب اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس

«الشرق الأوسط» (دمشق)

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.