«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21

جهود سلمان خان وضعت أساساً جديداً للتعليم

«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21
TT

«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21

«عالم جديد شجاع» في القرن الـ21

عندما نشر الروائي ألدوس هكسلي روايته التاريخية «عالم جديد شجاع Brave New World» عام 1932، كان منقاداً برؤية مستقبلية لتطوّر العلم تنبئ بالحذر والتحسّب ممّا قد تؤول إليه مفاعيل التطوّر العلمي والتقني ومنعكساتهما على الاقتصاد والسياسة. يبدو أنّ مهندس البرمجيات ومبتكر النمط الثوري الجديد في التعليم الرقمي سلمان خان استأنس أفكار هكسلي ففكّر في كتابة كتاب جديد، أراد من عنوانه أن يتصادى في الإيقاع مع كتاب هكسلي. اختار خان لكتابه الجديد عنوان «كلمات جديدة شجاعة Brave New Words» مع عنوان ثانوي يكشف عن طبيعة موضوعه «كيف سيعمل الذكاء الاصطناعي على تثوير التعليم، ولماذا يعدُّ هذا أمراً طيّباً؟». يمكنُ في السياق العام ملاحظة اختلافيّن جوهريين بين الكتابيْن: كان هكسلي يتحرّك بدفعٍ من رؤية ديستوبية شديدة التحسّب؛ أمّا خان فنراه يحلّقُ بجناحين من أجنحة بروميثيوس المحمّلة بوهج الثمار المتخيّلة للثورة القادمة. أما التمايز الثاني فيكمنُ في أنّ هكسلي رسم ملامح صورة عامة متخيّلة (أقرب إلى روايات الخيال العلمي) عن مستقبل بشري؛ في حين أنّ خان يحكي عن ثورة علمية تقنية كان هو المبادر للبدء في إذكاء جذوتها المتقدة، وأعني بها ثورة التعليم الرقمي والمنصّات التعليمية المجانية.

كان المستقبل المهني لخان (المولود عام 1977) بولاية لويزيانا الأميركية لأبوين هنديين مهاجرين يبشر بجوائز ثمينة تنتظره؛ فقد التحق بعد إكمال دراسته الثانوية بتفوّق بمعهد ماساتشوستس التقني MIT لدراسة مشتركة بين الرياضيات والهندسة الكهربائية وعلم الحاسوب، وبعدما أكمل الدراستيْن بتفوّق ملحوظ أكمل دراسته العليا (الماجستير) في الهندسة الكهربائية، وبعدما أتمّ هذه الدراسة حصل على شهادة ماجستير أخرى في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد.

في عام 2006 أسّس أكاديمية خان Khan Academy لمشاركة محتوى الدروس الخصوصية الذي أنشأه لأفراد العائلة الأصغر سناً مع جمهور أوسع. منذ ذلك الحين ساعدت منصّته التعليمية عبر الشبكة العالمية (الإنترنت) في تعليم أكثر من 150 مليون شخص حول العالم.

فصلاً تلو الآخر، يُطلِعُ خان القرّاء على تنبؤاته - التي تحقق بعضها منذ تأليف الكتاب أواسط عام 2024 - حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي العديدة في التعليم. رؤية خان بشأن التعليم هي التالية: سيُحسّن الذكاء الاصطناعي بشكل جذري كلاً من نتائج الطلّاب وتجارب المعلمين، وسيُسهم في بناء مستقبل يُتاحُ فيه للجميع الوصول لتعليم عالي المستوى وعلى نطاق عالمي.

قد يميل كثيرون منّا لتفضيل مُقاربة تشكيكية في رؤية خان، بخاصّة إذا كان ممّن يتابعون حركة التقنية التعليمية من غير انقطاع. أظنّ أنّ السبب واضح: لعقود عديدة تصدّرت التقنيات والابتكارات المُثيرة عناوين الصحف، مصحوبة بوعود جريئة مماثلة لإحداث ثورة في التعلّم والتعليم كما نعرفهما؛ ولكن دون أن تُحدث تأثيراً يُذكر في الفصول الدراسية الحقيقية. لكنّ الأمر مع خان يختلف تماماً لو درسنا بدقّة أراءه وتطبيقاته التي تتأسّس على خبرة حقيقية ولا تكتفي بالوعود التبشيرية يوتوبية الطابع. أنشأ خان - بالاعتماد على خبرته التقنية الشخصية - تطبيقاً تعليمياً أسماه خانميغو Khanmigo، وهو مُعلّم مُدعم بالذكاء الاصطناعي. يُقدّم خان حجة مُقنعة، مفادُها أن التقنيات المُدعمة بالذكاء الاصطناعي ستكون مُختلفة؛ ذلك بعد أن صار بمستطاعنا أخيراً بلوغُ طريقة لتزويد كلّ طالب بالتعليم والدعم والتوجيه المُخصّص والمصمّم للإيفاء بمتطلباته الشخصية، وهو ما يوصفُ بالتعليم المشخصن Personalised Education، وهو النمط الذي كان سابقاً بعيداً عن متناول معظم الأطفال في معظم الفصول الدراسية. يصف خان هذا الأمر في كتابه بكلمات بسيطة شديدة الوضوح: «إن توفير مُعلّم بشري مُخصّص للإيفاء باحتياجات كل طالب عند الطلب أمرٌ مُكلف للغاية وعسير على التنفيذ؛ أما مُعلّمو الذكاء الاصطناعي فليسوا كذلك».

الأمثلة على التعليم المشخصن وقدراته الهائلة كثيرة للغاية. يقدّمُ خان أمثلة من بيئة التعليم الأميركي. تخيلْ مثلاً: أنت طالب في الصف السابع (وهو ما يعادل الأوّل ثانوي في مدارسنا العربية)، وتجد صعوبة في مواكبة الرياضيات. لكن الآن لديك مُعلّم ذكاء اصطناعي بجانبك مثل الذي يصفه خان. أثناء حلّك لمجموعة من مسائل الكسور الصعبة لن يُقدّم لك الحل فحسب؛ بل سيُقسّم كل مسألة إلى خطوات سهلة الفهم. عندما تواجه صعوبة في كلّ خطوة سيُقدّم لك تفسيرات سهلة الفهم، ودفعة لطيفة نحو الطريق الصحيح. عندما تحصل أخيراً على الإجابة الصحيحة سيُولّد برنامج التعليم المدعم بالذكاء الاصطناعي تقديم أسئلة تدريبية مُحدّدة تُساعدك على بناء فهمك وثقتك بنفسك.

ليس الأمر مقتصراً على الرياضيات وحدها. بمساعدة مُعلّم الذكاء الاصطناعي يمكنُ أن يُصبح الماضي حياً بطرق رائعة. أثناء تعلّمك عن قيادة أبراهام لينكولن خلال الحرب الأهلية، يُمكنك إجراء «حوار» مع الرئيس السادس عشر نفسه. يمكن أن يحصل الأمر، كما يوضّح خان في كتابه، مع أية شخصية أدبية تحبها وتفضّلها.

الأمر ليس قصراً على الرياضيات والأدب والتاريخ والبيولوجيا والفيزياء والكيمياء. حتى كتابة المقالة ستكون واحدة من الموضوعات التي يهتمّ بها التعليم المدعم بالذكاء الاصطناعي. عندما يحين وقت كتابة مقال فليس على الطالب أن يقلق بشأن الصفحة الفارغة المُزعجة التي لا يعرف كيف السبيل للبدء في نقل أفكاره إليها. بدلاً من القلق غير المنتج سيطلب مُعلّم الذكاء الاصطناعي من الطالب مُحفّزات ذهنية لمساعدته على العصف الذهني. سيحصل الطالب على ملاحظات حول مخطط مقترح للمقالة في ثوانٍ، مع نصائح لتحسين المنطق أو الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من البحث. أثناء صياغة مسودة ابتدائية للمقالة سيُقيّم معلّم الذكاء الاصطناعي كتابة الطالب بطريقة فورية - وهو أمرٌ يقع في مرتبة الاستحالة من دون هذه التقنية - ويُبيّن له أين يُمكنه توضيح أفكاره، أو تقديم المزيد من الأدلة، أو مُعالجة حجة مُضادة. قبل تقديم المقالة في صيغتها النهائية سيُقدّم المُعلّم الاصطناعي اقتراحات مُفصّلة لتحسين اللغة وتوضيح مسائل إشكالية محدّدة.

الموضوع الأساسي الذي يتوجّب التأكيد عليه هو أنّ الذكاء الاصطناعي ليس محض ثورة تقنية جديدة، بل هو عصر تنوير جديد؛ لذا لن يكون إتقان الذكاء الاصطناعي مجرد أمرٍ مُحببٍ خلال بضع سنوات، بل سيكون أمراً ضرورياً للعديد من المهن. الموظفون الذين يستطيعون استخدام الذكاء الاصطناعي بفعالية سيكونون أكثر قيمةً بكثير من غيرهم. نحن عندما نعمل على دمج هذه التقنية في التعليم، فإنّنا إنّما نُحسّن تجارب الطلاب ونتائجهم، ونُعدّهم لوظائف المستقبل التي ستصبح أكثر متعةً وإشباعاً مع وجود الذكاء الاصطناعي. هذا يشمل وظيفة التدريس أيضاً؛ فمع كل ابتكارٍ تقني يمثلُ انعطافه كبرى في حياتنا تُثار مخاوف من استيلاء الآلات على الوظائف؛ ولكن عندما يتعلق الأمر بالتعليم فليس على المرء سوى أن يتفق مع رؤية خان التي أوردها في كتابه: أدوات الذكاء الاصطناعي والمعلمون لا يُمكنهم أبداً، ولا ينبغي لهم أبداً، أن يحلوا محل المعلمين. ما يُمكن للذكاء الاصطناعي فعلُهُ هو دعمهم وتمكينهم.

آمن سلمان خان بأن الذكاء الاصطناعي سيحسن بشكل جذري كلاً من نتائج الطلّاب وتجارب المعلمين، وسيُسهم في بناء مستقبل يُتاحُ فيه للجميع الوصول لتعليم عالي المستوى

مع الذكاء الاصطناعي يُمكن للمعلّمين الحصولُ على مُساعد تدريس خارق للتعامل مع المهام الروتينية مثل تخطيط الدروس وتصحيحها، والتي تستغرق ما يقرب نصف يوم المعلم العادي. في ثوانٍ يُمكن لمساعد الذكاء الاصطناعي تصحيح اختبارات الإملاء أو إنشاء خطة درس تربط الثورة الصناعية بالأحداث الجارية، ويمكنه أيضاً مراقبةُ تقدم كل طالب وإعطاء المعلمين ملاحظات فورية، ممّا يسمح بعصر جديد من التعلم الشخصي المقترن بالشغف ولذّة الاكتشاف. فضلاً عن ذلك، ومع وجود مساعدي الذكاء الاصطناعي الذين يتولون المهام اليومية، يمكن للمعلمين التركيزُ على ما يجيدونه: إلهام الطلاب، وبناء العلاقات، والتأكّد من أنّ جميع الطلّاب يشعرون بالاهتمام والدعم، وبخاصةً الأطفال الذين يحتاجون إلى القليل من المساعدة الإضافية.

بالطبع لكلّ تقنية جديدة محاذير وتحدّيات يتوجّبُ الانتباه لها، وهذا ما لا يغفل عنه خان في حومة تبشيره بالثورة التعليمية القادمة، مشيراً إلى أنّ هناك تحديات تواجه إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدارس على نطاق واسع. نحن في مسيس الحاجة إلى أنظمة تحمي خصوصية الطلاب وتخفف من التحيزات، ثمّ لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله حتى يتمكّن كل طفل من الوصول إلى الأجهزة والاتصال اللازمين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المقام الأول. لا توجد تقنية تُعتبر حلاً سحرياً للتعليم؛ لكنّ الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُحدث تغييراً جذرياً ويُحقق مساواة كبيرة بين المتعلّمين.

كتاب خان متخم بالوعود البروميثيوسية الجامحة، وهي وعود ليست بعيدة أو عسيرة التحقق. نحن نشهد تحقق بعضها في أيامنا هذه، وسنشهد تسارعاً حثيثاً في تحقيقها في السنوات القليلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

حين كان ديكارت على حافة الجنون

ثقافة وفنون  ديكارت

حين كان ديكارت على حافة الجنون

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً.

هاشم صالح
ثقافة وفنون الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون توماس مان

التين والزيتون في رؤية توماس مان

نقع في المجلد الحادي عشر من الأعمال الكاملة للروائي الألماني الكبير توماس مان على نصٍّ بالغ الأهميَّة ظلّ خارج اهتمام الدارسين العرب والمسلمين،

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون هيغل

التناقض محرك العالم

حين كتب هيغل أن «التناقض هو المبدأ المحرّك للعالم نفسه»، لم يكن يقصد مجرد لفظ قانوني في لعبة ذهنية داخل كتب المنطق، بل كان يرى أن التاريخ، كما نعرفه،

خالد الغنامي

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء
TT

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

من تاريخ المدن إلى سير الأحياء

تعيش المدن بأسمائها، أي بتفاصيلها؛ بأحيائها وشوارعها ومقاهيها، وأصداء من سكنوها أو مروا بها؛ أسماء تحافظ على نظارتها ولا تذوي، مهما تغيرت ملامح المدن وتبدلت عتباتها. لذا تعيش بعض الأحياء بتحولاتها، وكأنما هي أنوية مدن تحيا في أعطاف مدينة «أم». وحين تتبدل تقاسيم المدن أو تشيخ، وعندما يطرأ عليها غرباء، أو يمر بها غزاة عابرون، تفقد الكثير من معالمها ومفرداتها وسمات أهلها، تطفو تدريجياً على السطح كتل وامتدادات شائهة، وأحياناً تتحول إلى هياكل، لكنها تتشبث بتسمياتها وبألقابها وما يتعارف الناس به عليها. وحتى حين تسلب عناوينها الأولى، ولو لحين من الدهر، فإنها لا تلبث أن تستعيدها، في مقاطع أغنيات وأبيات شعر وصور أفلام قديمة، وفي ملامح أبطال يقتنصون تفاصيلها في فصول روايات خالدة.

من داخل حي «مونمارتر» (Montmartre)، حيث تمترس ثوار كمونة باريس، وطالب إميل زولا في «الأسبوع الدامي» بهدمه على رؤوس «المتمردين السفلة»، نشأت إحدى أكثر المعالم العمرانية احتضاناً للأساطير الباريسية، ذلك ما دعا الكاتب الفرنسي أوليفيي رونو Olivier Renault المختص في إعداد تصانيف عن الأحياء التاريخية لعاصمة الأنوار إلى إصدار كتاب بعنوان «مونمارتر: أمكنة الأساطير» (Montmartre: Les lieux de légende) (منشورات باريغرام، باريس، 2026)، لتأريخ محال ودور وأزقة وساحات وبارات ومطاعم ومراسم، سكنت مجازات الشعر والرواية ومشاهد المسرح والسينما ولوحات كبار الانطباعيين ممن صنعوا عنفوان الفن الحديث والمعاصر.

يتقدم الكتاب لقارئه بتواضع مخاتل، دونما ادعاءات معرفية كبرى، قصاراه سرد حكاية فضاء أليف وخالب للأذهان، فبدا مزيجاً من «سيرة الفضاء» و«المونوغرافيا الفنية» و«الدليل التاريخي المصور»، إلا أنه يفلح في تقديم قصة نشأة حي كان عبارة عن قرية تقع خارج حدود باريس الإدارية، تميزت بتلتها المطلة على المدينة، ومزارع الكروم، والطواحين، وبيوت العمال والمزارعين البسطاء. قبل أن تعيد مخططات «البارون هوسمان»، قائد ثورة التحديث العمراني في باريس، على عهد نابليون الثالث، إلحاق هضبة «مونمارتر» الواقعة في الحزام الهامشي، الآهل بالشطار والخارجين عن القانون، بباريس، لتصبح الدائرة الثامنة عشرة. وموطن المواقع التي صنعت قسطاً غير يسير من أسطورة باريس: «فيلا الفنون، وشارع هيجيسيب مورو، وشارع ليبيك، أمام محترف فان غوخ، ومحل كورتلين في شارع أورشامب، ومحترف براك في شارع سيمون ديرور. إننا لا نعرف دائماً أننا نمر أمام عناوين رسم فيها، أو كتب، أو غنى، أو أحبّ فيها كل من: بيكاسو، وبونار، وباسكين، وكاركو، وموديغلياني، وبروان، وماكس غاكوب، ومارسيل إيميه، وريفيردي، وسيلين» (ص 12).

وعبر فصلين كبيرين يحمل أولهما عنوان «جادة كليشي وروافده»، والثاني وسم «هضبة مونمارتر»، يقوم الكتاب باستنطاق الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها، من كُتَّاب ورسامين، وأناس عاشوا في الظل أيضاً: من مثل تجار الأصباغ الذين يصبح أحدهم فجأةً صاحب رواق فني، أو أصحاب المطاعم والحانات ممن يمحو بعضهم بكرم ديون عباقرة تضوروا جوعاً زمناً ما. وسرعان ما تتجلى مباحث الفصلين وفقراتهما المؤثثة باللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية لأبنية وشخصيات وشوارع وحدائق من أزمنة شتى، حيزاً لاستحضار أسماء رمزية، قادت الكاتب تدريجياً إلى الحديث عن الحركات التي انتسبوا إليها، من الانطباعية، وجماعة الأنبياء، إلى التكعيبية والسوريالية والمستقبلية... علامات فارقة في تاريخ الفن وتاريخ باريس على حد سواء.

الشيء الأكيد أن سيرة «مونمارتر»، كما سعى لنسج معالمها أوليفيي رونو، تقصدت تجميع التراث المجازي والحسي للحيز المديني المؤلف بين السحر والقسوة، والوقوف عند عتبات تكون الأسطوريات الحية، من المفردات إلى الوصفات الحياتية، ومن الأطباق والروائح إلى الجدران المحيطة بمواطن السهر: «لم يكن الأمر مجرد أسطورة؛ فمن فان غوخ إلى أوتريلو، كان هذا الحي حقاً، وأكثر من أي حي آخر، معقل البوهيمية. وعلى هذه المرتفعات، التقى جيلان أو ثلاثة من الفنانين والكتاب الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً. وفي هذه الكوكبة اللامعة، يرى البعض اليوم أن أعمالهم كانت لتدر عليهم الملايين، غير أن بداياتهم - وأحياناً نهاياتهم - كانت صعبة في الغالب، تغرق في العوز أو الفقر المدقع. وإذا كان ديغا أو بونار لم يعرفا الجوع قط، فإن آخرين، مثل ماكس غاكوب أو ريفيردي أو فان دونغن، قد ذاقوا مرارته حقاً في هذا الحي» (ص 13).

يستنطق الكتاب الأمكنة عبر الحديث عن ساكنيها من كُتَّاب ورسامين وأناس عاشوا في الظل أيضاً

إنها المنطلقات التي مكّنت مونمارتر، كما تؤكد محاور الكتاب، من أن ينتزع لقباً لا يخلو من حس غرائبي، هو «عاصمة باريس». الذي يحيل على ما اكتنزه المحيط العمراني من ملاذ حسي وذهني، حيث كان صخب المقاهي والملاهي الليلية يتصادى مع الاختراق التشكيلّي والموسيقي والمسرحي والشعري. بالقدر ذاته التي كان الحي فيه أيضاً ذاكرة كبرى للألم، أرخت لعذابات المرض والجوع والإدمان لعشرات الأسماء الشهيرة التي صنعت مجده، كانت إيجارات البيوت فيه منخفضة، واستطاع الفنانون المفلسون تحمل تكلفة محترف مختصر، في «باتو لافوار» مثلاً، أو في شارع «كورتو»، وتمكن الكتاب، ممن لا يملكون قوت يومهم، من العثور على غرف علوية ضيقة، أو زوايا صغيرة في الأفنية الخلفية للمنازل. وكان الحي أيضاً موطن النبيذ الرخيص، والطعام الذي قد يدفع حسابه الآخرون، وكان أصحاب المطاعم، من مثل «الأرنب» أو «الشاليه» يمنحون الفنانين من ذوي العوز المزمن (وهم الغالبية) وجبات مؤجلة الدفع دوماً.

تدريجياً يتحول الكتاب إلى شبه سيرة لحي في مواجهة بقية باريس، وفي مقابل حي بذاته هو «مونبارناس» فقد كان مونمارتر موطن الخلق والشطح التخييلي، في مواجهة العقلانية والسطوع البراغماتي لأحياء النخبة الأخرى، وظل كذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وحين فرض «مونبارناس» نفسه مركزاً جديداً للإبداع التشكيلي والشعري والمسرحي والروائي... هجر الشعراء والفنانون تلّة مونمارتر تدريجياً، ولم يسلك الطريق المعاكس سوى قلة من السرياليين الذين كان معظمهم يمقتون الياقات البيضاء.

ليس من شك أن للمدن صلات رمزية بتحولات أسمائها، ليس فقط في ذاكرة الناس، وما تتوسله من تآويل حقيقية أو ملفقة، وإنما أساساً في لغة الأدب والفن، ومهما تعددت التحويرات والاختزالات لتلك الأسماء فإنها تبقى متصلة بالأصل الأوحد، الذي يعنيها في البدء والمنتهى. باريس هي جماع تفاصيل كبرى تمتد من «موبرناس» إلى «سان ميشيل» ومن «الحي اللاتيني» إلى «بير لاشيز»، ومن «الشانزيليزي» إلى «مونمارتر»...، وقد تتلاشى المدن وتبقى تسمياتها المعجونة بالنكهات والألوان والحرارة والماء والرقصات وطعم الكلام، في صدى الداخل العميق؛ إذ هي جزء من صناعة القدر الشقي أو السعيد الذي نسائله يومياً، لأجل ذلك فإن هذا النوع من السير بحق هو فن تحويل المجال إلى رواية، هو تشكيل نوعي لفتنة الذات الداخلية بمحيطها كما يدركها صاحبها، وكما يتمثلها زمنياً. ولن يستطيع السارد أن يترجم تفاصيل تكون الهوية الذاتية وتناميها المتشابك دونما إعادة تركيب وتوليف وتصرف في ملامح المدن التي استوعبت نزقها وتقلباتها، وبغير ما قيمة مضافة تجسر المسافة بين الذات ومنبتها. هكذا تروي سير الأحياء لعنات مسترسلة وبركات ضائعة، قد تقول ما كان، أو ما راود أحلام ساكنتها وصانعي فتنتها، وقد تُكتب مواساة للذات عن فقدان مراتع الطفولة واليفاعة، أو تطهراً من أحاسيس مرزئة تجاه أحداث التبست بأحياء عتيقة، وقد تستحضر كمجرد سعي لتمثّل الماضي، وإعادة رسم الأبواب والشرفات والمباني والوجوه بالأبيض والأسود.


اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً
TT

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

اللعب على وتر الحدود روائيّاً

في رواية «شيء إلهي» يبدو فعل الابتكار مهيمناً بظلاله على عالم الرواية، التي يمهّد فيها الكاتب والروائي المصري محمد عبد النبي قارئه منذ بدايات السرد للعبور بين مستويات نفسية وفانتازية وجسدية معقدة تخص بطله «سلامة»، الذي تبدو أزمته الشخصية بوابة لكثير من التساؤلات حول الوحدة، والغرابة، والتسليم، وحدود الجسد والهوية، بل حدود ما يمكن للعقل نفسه أن يصدقه أو يحتمله.

تُحيل الرواية الصادرة عن دار «المحروسة» بالقاهرة، لبنية العالمين الاجتماعي والداخلي لـ«سلامة»، بوصفهما وجهين للاغتراب نفسه، فالعزلة النفسية التي يعيشها البطل الأربعيني الأعزب، الموظف في بنك حكومي، تجد طريقها إلى أسلوب حياته الصارم، بما في ذلك كراهيته للإجازات، وتجنبه المواصلات العامة، ونفوره من المقاهي والاختلاط بصوره كافة، ضمن محاولاته الدائمة للسيطرة على عالمه المحيط الذي يشعر داخله بالتهديد والارتباك، لتصبح حياته «يوماً وحيداً مُتكرراً منذ سنوات».

في المقابل، يسلط السرد الضوء على مدى استغراق «سلامة» في أحلام يقظته، وتأثره الكامل بشاشة «التلفزيون»؛ يستقي منها المعرفة والبهجة، حتى تصوراته الانهزامية عن الحب: «لم يرَ «سلامة» رجلاً فقيراً أسود يحب ويتزوج على شاشة التلفزيون»، وهي مرجعية يكشف السرد عن أن «سلامة» يتبناها بصورة لا واعية ضمن تسليمه الكامل بمرجعية «الشاشة»، على نحوٍ تُلخصّه العبارة الدالة: «كان يولّي وجهه للتلفزيون، وظهره إلى العالم».

أرضية نفسية

من هذا العالم المُشبّع بالخيالات البديلة، يبدأ السرد في زحزحة الواقع نفسه، فلا يندفع عبد النبي نحو «الغرائبي» قبل أن يهيئ له أرضيته النفسية، عبر شخصية اعتادت العيش بين الواقع وظلاله المتخيلة، وهكذا يفتح الباب أمام ظهور كائن غامض يُطلق عليه السرد اسم «شيء»، يُراقب «سلامة» ويحدِّثه ويناديه باسمه من داخل جسده، رغم تركيبته النافرة أصلاً من الآخر الغريب.

وتنهض هذه المفارقة على خلق مستويات متداخلة من الدهشة، إذ يمهد السرد تدريجياً لصوت أو «شيء» يسمعه «سلامة» من داخله، قبل أن يفجّر مفاجأة استشعاره لحالات تشبه «غثيان» الحمل، ليضع القارئ بدوره داخل منطقة ملتبسة تتداخل فيها حدود النفسي والبيولوجي، والواقعي والمتخيَّل: «استعاد رعبه كاملاً إزاء هذا الصوت الداخلي الأخرس الذي يُخبره بأن روحاً حيّة تسكن بداخله الآن، روحاً أخرى غير تلك التي خرج بها من بطن أمه».

غير أن الرواية لا تتعامل مع هذا الـ«شيء» بوصفه مفارقة غرائبية أو حدثاً فانتازياً، بقدر ما تجعله أداة لتفكيك الحدود المستقرة بين النفسي والبيولوجي والهُوية الجسدية، وبين ما ينتمي إلى الداخل وما يُفترض أنه يأتي من الخارج، بحيث يتحوّل الالتباس نفسه إلى أحد المحركات الأساسية للرواية.

خيال تعويضي

يُعزز عبد النبي من تأثير التاريخ الشخصي والعائلي لبطله «سلامة»، عبر استدعاء ذكرياته الممتدة مع التنمر عليه بوصفه «محدود القدرات العقلية»، وصولاً إلى دلالة اسمه نفسه، المستمد من أحد أبطال السيرة الهلالية، ليكشف السرد عن تعلّق والده الراحل بمِخيال تلك السيرة القائم على البطولة والفروسية، إلى الحد الذي يدفعه إلى إطلاق أسماء أبطالها على أبنائه كنوع من التقمص الوجداني والدرامي لعالمها والتيمّن ببطولاتها.

يبدو ثمة خيط خفي يربط الأب بابنه؛ فكلاهما يلجأ، بطريقته، إلى مِخيال بديل يعوّض تهميشه في الواقع، ولا يتوقف هذا الميل إلى تجاوز الواقع عند السيرة الشعبية أو أحلام اليقظة، بل يمتد إلى علاقة «سلامة» بالصورة الفوتوغرافية نفسها، بوصفها مساحة قابلة لإعادة التخييل، مما يكشف عن مهارات «سلامة» الاستثنائية في تسييل الحدود بين الواقع والصورة والذكرى، ليُعيد معايشة لحظات لم يعد الواقع قادراً على استعادتها.

بعد ظهور «شيء»، بما يفرضه من فانتازيا ومفارقات هزلية، ومساءلة الجسد نفسه، ومع تصاعد حضوره كشخصية تُقاسم «سلامة» البطولة، لا يعود السؤال متعلقاً بوجوده من عدمه، بقدر ما يصبح متعلقاً بطبيعة هذا الوجود نفسه؛ هل هو امتداد لوعي «سلامة» أم كيان مستقل عنه؟ لا سيما أن السرد لا يتوقف عند تقديمه بوصفه مجرد عرَض غرائبي، بل يدفع السرد باستمرار لمنح «شيء» ملامح شخصية روائية مُحكمة.

علاقة جنينية

كما يستثمر عبد النبي الآصرة البيولوجية بين الأم وجنينها في بناء عدد من المشاهد الهزلية والغرائبية التي تمنح «شيء» حضوراً متزايداً داخل الرواية، فالكائن لا يكتفي بمشاركة «سلامة» جسده، بل يبدو متأثراً بما يتناوله من طعام أو ما يستنشقه من دخان، كأن السرد يعيد تخيّل «العلاقة الجنينية» بكل ما تنطوي عليه من اعتماد وتشارك حسّي، وهي مشاهد تسهم في ترسيخ «شيء» بوصفه وجوداً حياً يتفاعل مع العالم. فلا يتعامل الكاتب معه بوصفه ظلاً لشخصية البطل، بل يعمل تدريجياً على منحه وجوده الخاص؛ فهو يمتلك مساراً للنمو، ووعياً يتسع بمرور الوقت، وقدرة على الحوار والتعليق وإبداء الرأي، بل تكوين علاقة خاصة بالعالم، وكما تشير الرواية إلى تطوره الجسدي عبر إحالات مرتبطة بعمر الجنين، فإنها تمنحه في الوقت نفسه معرفة وخبرة لا تتناسبان مع حداثة وجوده البيولوجي، بما يجعله يتجاوز موقع «المخلوق» أو «التابع» ليقترب من موقع الشريك السردي الكامل.

ويتمثل أحد أبرز تحديات السرد في بناء سياق لغوي يتجاوز ثنائية «المونولوغ» و«الديالوغ» معاً، ليؤسس علاقة لغوية ثالثة بين «سلامة» و«شيء» الذي يسكنه، يُطلِق عليها السرد أحياناً «التخاطر»، فيما تبدو أقرب إلى منطقة ذهنية مشتركة تتسع بتطوّر العلاقة بين الطرفين، وتكتسب تدريجياً ذاكرتها وقاموسها الخاص، كأن الرواية تجعل اللغة نفسها جزءاً من فعل الخلق، بحيث يتشكّل الكائن ولغته وعلاقته بالعالم بالتوازي، إلى أن يصبح «شيء» قطباً موازياً لـ«سلامة» داخل البنية السردية، فيتبادلان الحديث البدائي بدايةً من «صباح الخير» وصولاً إلى أسئلة وجودية معقدة مثل: «هل أنت سعيد يا سلامة».

تعزيزاً لهذا الحضور المُتنامي، يبدو «شيء» مطَّلعاً على أدق تفاصيل «سلامة» الداخلية؛ أحلامه، وهواجسه، وتطلعاته المكبوتة تجاه الأنثى والجنس، كما يمتلك معرفة تتجاوز خبرته المباشرة بالعالم، بما يمنحه حضوراً يتجاوز مجرد الكائن البيولوجي أو الصوت النفسي، ليقترب أحياناً من كيان ماورائي قادر على قراءة الداخل الإنساني.

يضاعف السرد من اتساع «شيء» ككيان روائي عبر الجمع بين الطابع الماورائي لحضوره، والإيحاء بقدرات عقلية ومعرفية تتجاوز شروط وجوده البيولوجي، ففي أحد المشاهد يُحدّث «شيء» صاحبه «سلامة» عن أنواع نادرة من الفراشات، في مفارقة لافتة بين «العقل المحدود» الذي ظلّ «سلامة» يُوصم به طوال حياته، ووعي يبدو أكثر اتساعاً وتعقيداً للكائن الذي يتخلّق من داخله.


وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»
TT

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

وليد سيف يختتم رباعيته الأندلسية بـ«غرناطة... آخر الأيام»

في روايته الجديدة «غرناطة... آخر الأيام»، يواصل الكاتب ‏والشاعر والروائي الفلسطيني وليد سيف مشروعه الإبداعي في ‌‏استعادة التاريخ العربي الإسلامي في الأندلس، مختتماً بها ‏رباعيته الأندلسية بعد أعماله «صقر قريش» بجزأيه، و«مواعيد ‌‏قرطبة»، و«خريف إشبيلية»، التي أنجز ثلاثة منها للشاشة ‏الصغيرة، مع المخرج السوري الراحل حاتم علي.

وتتناول الرواية الفصل الأخير من الوجود العربي الإسلامي في ‏الأندلس، من خلال استعادة السنوات الأخيرة من حكم بني ‏نصر ‏في غرناطة، وصولاً إلى سقوطها وتسليم مفاتيحها للقشتاليين، ‏في لحظة تاريخية أنهت ثمانية قرون من الحضور ‏العربي في ‏شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويفتتح الكاتب روايته بمقطع يحمل مرارة المنفى وأفول السلطة، ‏يقول فيه على لسان بطله: «مواطئ أقدام العامة خيرٌ من ‏مجلس ‏السلطان»، في إشارة إلى التحول القاسي من سلطان كان يحكم ‏غرناطة إلى منفي يستأذن على أبواب السلاطين.

ويعيد وليد سيف في الرواية تقديم شخصية محمد بن علي بن سعد ‏النصري، المعروف بأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن ‏الصورة ‏التقليدية التي اختزلته في رمز للهزيمة وضياع الأندلس، فالرواية ‏لا تنظر إلى السقوط بوصفه ثمرة قرار فردي، بل ‏نتيجة ‏تراكمات طويلة من الصراعات والانقسامات والتراجع السياسي.

ومن خلال صوت أبي عبد الله نفسه، يناقش الكاتب مفهوم ‏المسؤولية التاريخية، ويعيد مساءلة الروايات الشائعة التي علقت ‌‏بذاكرة سقوط غرناطة، ومنها المقولة المنسوبة إلى والدته عائشة ‏الحرة: «ابكِ كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه كالرجال»، ‏إذ ‏ينفي بطل الرواية صحتها، مقدماً والدته بوصفها شخصية ‏سياسية ساندته في صراعاته ومحنته.

وتمنح الرواية شخصية أبي عبد الله بعداً إنسانياً مأساوياً، إذ ‏يظهر فيها وريثاً للهزائم لا للأمجاد، مطارداً بثقل الماضي ‌‏وبأصداء الثورات والانقسامات التي عصفت بالأندلس منذ ‏بدايات الفتح الإسلامي وحتى عصر ملوك الطوائف.

تزخر الرواية بالصراعات والمؤامرات داخل البيت الحاكم في ‏غرناطة، بين الآباء والأبناء والإخوة والأعمام، في مقابل ‌‏حضور قصص الحب والتضحية والنهايات التراجيدية التي تمنح ‏النص بعده الإنساني، يقدم من خلالها الكاتب مدينة غرناطة ‌‏عالماً كاملاً يتداعى سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

كما تحضر المرأة بوصفها عنصراً محورياً في البناء الدرامي، ‏وفي مقدمة الشخصيات النسائية عائشة الحرة، إلى جانب ثريا ‌‏القشتالية، ومريمة زوجة أبي عبد الله، والملكة إيزابيلا التي ‏يقدمها العمل بوصفها صاحبة مشروع، هدفه توحيد إسبانيا تحت ‌‏سلطتها وطرد العرب واليهود منها. وفي مقابل ضَعْف السلطة وصراعاتها، تمنح الرواية مساحة ‏للمقاومة الشعبية التي يمثلها موسى الغساني وعلي العطار ‌‏وحامد الثغري، بوصفهم شخصيات حاولت إبطاء السقوط ‏والدفاع عن غرناطة في مواجهة واقع سياسي متصدع. ويبرز في الرواية أيضاً سؤال الحضارة والتحولات التاريخية، ‏إذ يستعيد الكاتب صورة الأندلس بوصفها منارة للعلم والثقافة، ‌‏في وقت كانت فيه الوفود الأوروبية تفد إلى قرطبة للتعلم، قبل ‏أن تتبدل موازين القوة لمصلحة الغرب مع تراجع العرب ‌‏وانقسامهم.

رواية «غرناطة.. آخر الأيام» صدرت عن «الأهلية للنشر والتوزيع» في الأردن، وتقع في 565 ‌‏صفحة من القطع المتوسط.