معالم نهضة سينمائية سعودية تتسارع في «مهرجان البحر الأحمر»

«هجرة» و«مجهولة» جديد المخرجتين شهد أمين وهيفاء المنصور

فيلم شهد أمين «هجرة»
فيلم شهد أمين «هجرة»
TT

معالم نهضة سينمائية سعودية تتسارع في «مهرجان البحر الأحمر»

فيلم شهد أمين «هجرة»
فيلم شهد أمين «هجرة»

ما تقوم به المؤسسات السعودية، الحكومية منها والخاصة، في سبيل توفير نهضة ثقافية وفنية شاملة يحدو بالمتابع إلى الوقوف على ما هو أكثر من مجرد تقدير الإنجازات وحدها، فهي لم تكن لتتحقق لولا ذلك الإيمان الكبير بجدوى هذه النقلة التاريخية وأهميتها في كلا المجالين.

مهرجان البحر الأحمر السينمائي وما أنجزه هذا العام من نشاط وتنظيم (ولو أن هناك مجالات تحسين أخرى في هذا الإطار) يجعل الدورة أفضل دورات هذا الحدث الكبير. لكن هذا الإنجاز لا يقف وحيداً؛ فهناك كل تلك المناسبات والمؤسسات الداعمة للسينما السعودية وتلك الأجنبية التي تختار السعودية شريكاً لها.

على سبيل المثال، هناك «هيئة الفيلم السعودي» تحت إدارة عبد الله آل عياف، الذي يقوم بجهد كبير في شتى الاهتمامات الموكلة إليه من توجيه ومؤتمرات وإصدارات وفعاليات. وهناك «جمعية الفيلم» التي يقودها أحمد الملا، والتي توسع حالياً دائرة نشاطاتها لتشمل شتى نواحي العمل السينمائي بعدما كانت، في السنوات الماضية، معنية بإدارة مهرجان الفيلم السعودي وحده (حدث سنوي يقع في الشهر الرابع من كل سنة).

مستقبل أكثر من واعد

يمكن إضافة هذا إلى العدد المتزايد من الإنتاجات السعودية على شقّيها: تلك التي تسعى لإيصال الفيلم بنجاح إلى المهرجانات الدولية، والأخرى المعنية بالنجاح في السوق المحلية.

هنا يكاد كل شق يناقض الآخر ويكمّله معاً؛ الأول فني، والآخر تسويقي. واحد يرمي لإثبات جدارة صانعي الأفلام التي يُتاح لها التوجه إلى العروض العالمية في المهرجانات والمناسبات السنوية، والآخر يريد الوصول إلى أكبر حجم ممكن من المشاهدين، حيث الموضوع وطرحه للجمهور السائد يحتلان الحيز الأول من الاهتمام.

لكن إذ تتوالى العروض من يوم لآخر وتزدحم سوق الفيلم بمئات الوافدين إليه مسجلةً نموّاً كبيراً لم يسبقه إليه أي مهرجان عربي آخر، يتأكد أن مستقبل السينما السعودية كامن في هاتين الناحيتين، وأن الشركات العاملة مثل «العُلا» و«إثراء» و«إنجاز» و«شاف» تواكب النهضة المنشودة بعزم أكيد. بذلك، يوفّر المهرجان للسينما السعودية أساساً هذه الفرصة الكبيرة لطرح الجديد والتخطيط لسواه.

طبعاً هناك، وسيبقى، تفاوت في النتائج. بعض الأفلام يعبر المسافة بين الغاية منه والتطبيق بنجاح، وأفلام أخرى تبدأ واعدة، لكنها تحيد عن كيفية معالجة المشروع الذي تتبنّاه.

مقارنة

قدّمت المخرجة شهد أمين خلال العام الحالي فيلمها الروائي الثاني «هجرة»، بعد 6 سنوات من فيلمها الأول «سيدة البحر». ومن يشاهد العملين يلمس بوضوح القفزة الفنية الكبيرة التي حققتها المخرجة خلال هذه الفترة.

يحكي الفيلم رحلة بحث على الطريق عن فتاة مفقودة، هي حفيدة امرأة متجهة لأداء الحج في مكة، وشقيقة الفتاة المرافقة لجدتها في هذه المهمة. ويمنح الاهتمام بالشخصيات وتفاعلاتها دراما واضحة التعبير، تجمع بين السلاسة والعمق الاجتماعي والفردي.

في هذا العام أيضاً أنجزت هيفاء المنصور فيلماً سعودياً جديداً بعنوان «مجهولة»، يتناول حكاية جريمة ضحيتها امرأة مجهولة، تحاول امرأة أخرى تعمل في أرشيف مركز الشرطة في الرياض كشف اللثام عن مرتكبها.

بينما توجّه «هجرة» إلى مهرجان «ڤينيسيا» لعرضه العالمي الأول (ويمثّل حالياً السعودية في المرحلة الأولى من ترشيحات الأوسكار)، حيث وجد ترحيباً نقدياً واسعاً، توجّه «مجهولة» إلى «تورونتو»، وحظي بأقل مما حظي به فيلما المنصور السابقان «وجدة» و«المرشّحة المثالية».

نبرة تلفزيونية

من حق أي مخرج اختيار الموضوع الذي يود طرحه. «وجدة» و«المرشّحة المثالية» كانا أكثر التزاماً بالرغبة في تقديم رؤية سعودية لوضعين اجتماعيين محليين. في «مجهولة» تتجه المخرجة لفيلم بوليسي يسرد قصة يمكن لها - في الأساس - أن تقع في أي مكان آخر. يقترب «مجهولة» من طرح موضوع المرأة كما فعلت في فيلميها السابقين، لكن بينما طرح الفيلمان السابقان قضية المرأة في إطار محلي خالص، يبدو فيلمها الجديد كما لو كان استنساخاً لفيلم تحريات عام، ولو أنه ما زال يضع المرأة في البطولة.

«مجهولة» لهيفاء المنصور

ليس العيب في اختيار النوع، بل في حقيقة أن تنفيذ الفيلم يجعله يبدو واحداً من تلك الأفلام التلفزيونية الأميركية (إنتاجاً ومعالجة) التي سادت منذ السبعينات على أيدي مخرجين مثل كريغ باكسلي، ووليام غراهام وبَز كوليك وغيرهم. وبعض أفلام هيفاء المنصور الأخيرة أُنتجت لحساب محطات تلفزيون أميركية، من بينها A City on Fire، وكانت من النوع البوليسي أيضاً.

بالفعل، يحمل «مجهولة» صفات أفلام التحريات البوليسية المنفذة تلفزيونياً. الجيد منها مشوّق، لكنها جميعاً سهلة السرد والتنفيذ كونها متوجهة إلى المشاهدين في منازلهم.

يدور «مجهولة» حول نوال (ميلا الزهراني، جيدة)، الفتاة المطلّقة باكراً، التي تُصاحب رجال الشرطة في الرياض إلى طريق صحراوي بعد اكتشاف جثّة امرأة مجهولة. تعمل نوال في قسم الوثائق والأرشيف وهي ليست شرطية. هذا لا يثنيها عن القيام بالتحقيق لمعرفة من هي هذه المرأة ولماذا قُتلت ومن ارتكب الجريمة. الإجابة مناطة بمفاجأة يصعب الحديث عنها دون حرق الفيلم. يتناول معظم الفيلم عناد نوال في التحقيق ومعارضة ضباط الشرطة لها لأن هذا «ليس شغلك»، كما قيل لها مراراً.

عنصر الصدمة

الجانب النقدي ليس موارباً، لكنه ليس مقصداً أساسياً أيضاً، ويتوزع بين خلفية الفتاة الشخصية (كونها أُجبرت على زواج مبكر ثم تطلّقت) وبين موقف رجال الشرطة الرافضين الأخذ بما تكشف عنه من دلالات، وبين ملاحظات عامة حول وضع المرأة عموماً.

لكن الفيلم نُفِّذ بأسلوب لا يتوقف عن توظيف المشاهد لخدمة سرد بلا نتوءات. على سبيل المثال، هناك مشهد تواجه فيه نوال بوابة مدرسة للبنات التي تطلب منها الانصراف. ما إن تسير مبتعدة خطوات قليلة حتى تطل أستاذة من باب آخر لتتمنى لها التوفيق. الأفضل كان ظهور الأستاذة في لقطة سابقة، بمفردها، تترقب ما يدور أو تستمع إليه، ما كان سيمنح الفيلم ترتيباً أجدى للقطات لتأكيد فكرة أو حضور.

وهذا يقودنا إلى توليف اعتمد مبدأ السهولة في التنفيذ. هناك مواقع يتم فيها استخدام عنصر المفاجأة البصرية (استيقاظ نوال من كابوس فجأة). تحقق تلك اللحظات الصدمة المرجوة. ما عدا ذلك، كل شيء يتم وفق ما ورد في سيناريو شاركت المنصور كتابته مع براد نايمان (شاركها كتابة «المرشّحة المثالية»، وكان في غالبه أكثر تحديداً وتركيزاً).

النهاية تحمل صدمة أخرى، لكنها من النوع الذي يُلغي المفادات السابقة تحت عنوان «وهنا المفاجأة الكبرى». هي مفاجأة بلا شك، لكنها لا تخدم الفيلم، بل تبدو دخيلة عليه.

ليس هناك من شخصيات أخرى غير نوال مكتوبة بهدف الإفصاح عمّا تتكوّن منه نفسياً أو درامياً. وهناك نوعان من الشخصيات: إناث يتعاونَّ مع نوال، وأخريات يرفضن التعاون أو يطلبن منها العودة لاحقاً لإتمامه. أما الرجال فجميعهم سلبيون؛ ليس بينهم من يهتم بمعلومات قد تُفيد القضية. يبدو أن المنصور رغبت في وضع بطلتها محاربة وحيدة، والرجال في ركن مواجه. ولو وُجد رجل إيجابي لانتزع من الرسالة التي تتبناها المخرجة شيئاً من جدواها. لكن هذا يبقى أفضل من أن تكون الشخصيات كلها (ذكوراً وإناثاً) سطحية. ولم يكن هناك خوف من انتقاص البعد المتعلق بوضع المرأة في مجتمع حذر ورافض معاً.

عدم رغبة المخرجة في «تعقيد» المواقف انعكس على معالجة الفيلم كما لو أنه خرج من عند الكوّاء: نظيف المنظر، وقرارات متخذة في الكتابة تبعاً للرغبة لا لما قد يحدث في الواقع، وتصوير مجرد يضمن وجوداً للكاميرا وتأطيراً بأبعاد وزوايا مختلفة، لكن بلا ابتكار مؤثر أو فاعلية استثنائية.


مقالات ذات صلة

الاضطرابات الإقليمية تنعش الموانئ المصرية... وتهبط بإيرادات قناة السويس

شمال افريقيا طفرة لافتة بحركة الموانئ المصرية في الأشهر الأخيرة (وزارة النقل المصرية)

الاضطرابات الإقليمية تنعش الموانئ المصرية... وتهبط بإيرادات قناة السويس

رغم خسائر قناة السويس؛ جراء التوترات والاضطرابات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، فإنَّ تلك الاضطرابات أسهمت في المقابل بـ«طفرة» لافتة في حركة الموانئ المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

لا تخلو لقاءات مصرية مع مسؤولين في إريتريا الجارة الشمالية لإثيوبيا ثم اليمن البوابة الاستراتيجية بالبحر الأحمر من التأكيد على رفض وجود دول غير مشاطئة به.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

بعد نحو أسبوع من زيارة مصرية لإريتريا، وتأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا القاهرة بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا صورة ملتقطة في 27 أبريل 2026 تُظهر حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» في نهاية التمرين العسكري لحلف الناتو «نبتون سترايك 26-2»، قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية (أ.ف.ب)

حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» تعبر قناة السويس في طريقها إلى الخليج

تعبر حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» والسفن المواكبة لها الأربعاء، قناة السويس للتمركز في منطقة الخليج تحسباً لتنفيذ مهمة متعددة الجنسيات في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم العربي زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز من يومها الـ60 تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية

محمد محمود (القاهرة)

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له، بكونه أنجز 13 فيلماً تلفزيونياً قبل دخوله عالم السينما، ولاحقاً أنجز فيلمَي فيديو وفيلمَيْن قصيرين ما بين 1999 و2022.

في الواقع، فإنَّ فيلمه الأول الذي عُرض في صالات السينما، وهو «مبارزة» (Duel) سنة 1971، كان تلفزيوني الإنتاج داخل الولايات المتحدة، لكنه انتُخب للعروض السينمائية عالمياً خارجها، مثل حال عدد كبير من الأفلام المُشابهة في وضعيّتها آنذاك. و«مبارزة» كان فيلم طريق مع تشويق حاسم حول رجل أعمال بسيط تطارده شاحنة على طريق جبلي في ولاية أريزونا بهدف قتله. ذلك الفيلم، بالتالي، كان تشويقياً، رغم أنّ الحكاية كان يمكن لها أن تضع المطاردة بين عربة فضائية وأخرى أرضية.

سبيلبرغ يعود إلى ثيمته المفضلة: غزو الأرض (يونيفرسال)

عشرة

«يوم الكشف» (أو «يوم الإفصاح») هو خيال علمي عن موضوع غزو الفضاء للأرض. وبذلك، فهو الفيلم العاشر من هذا النوع من توقيع المخرج. هذا بالطبع إلى جانب عدد آخر من الأفلام التي اكتفى بإنتاجها واختار من يخرجها سواه.

الأفلام الـ9 السابقة هي التي بدأت بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) سنة 1977. هذا مع العلم أن سبيلبرغ أخرج فيلم هواة من هذا النوع، وفَّر تكلفته من مصروف الجيب سنة 1964، عندما كان في الـ18 من عمره، لكنه لا يُعدُّ فيلماً حقيقياً.

كان «لقاءات قريبة...» ثالث فيلم سينمائي فعليّ له بعد «ذا شوغرلاند إكسبرس» في 1974 و«جوز» (Jaws). وكلاهما كان من النوع التشويقي، وأفضلهما «جوز»، الذي حطم أرقاماً قياسية في صيف عام 1975. أما الأول فكان حكاية كوميدية مع تشويق حول خطف زوجين ابنهما من منزل عائلة عُهد إليها برعايته، وشرطي أجلساه في المقعد الخلفي من السيارة. لكن «جوز» هو تعامل سبيلبرغ الأول مع فن التشويق.

والتشويق سمة «لقاءات قريبة...» الذي تعامل مع غزاة من ذلك الطابق العلوي للفضاء.

كرَّر ذلك عام 1982 عندما أخرج «خارج الأرض» (E.T. the Extra-Terrestrial)، بعد فيلم كوميدي فشل تجارياً هو «1941»، وآخر مغامراتي حقق نجاحاً كبيراً هو «غزاة الفلك المفقودة» (Raiders of the Lost Ark) في 1981.

من «إي تي- خارج الأرض» (يونيفرسال)

مخلوقات متوحّشة

هذان الفيلمان هما الوحيدان، في سلسلة سبيلبرغ من أفلام الخيال العلمي، اللذان عكس فيهما نظرة تعاطفية مع مخلوقات الفضاء. ففي الأول دعا إلى التفاهم معها، وفي الثاني حوَّل الفكرة إلى ملهاة سريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي عادت سفينة الفضاء إلى كوكبها من دونه.

وقبل العودة إلى قصص الفضاء، عمد إلى نوع آخر من أفلام الخيال العلمي، هي أفلام وحوش ما قبل العصور المدنية. ففي 1993 أنجز «جوراسيك بارك»، وتبعاً لنجاحه حقَّق، بعد 4 سنوات، جزءاً ثانياً في 1997. وللإيضاح، يرى المؤرخون وهواة التصنيف أنّ أفلام الوحوش هي نوع من الخيال العلمي، لكنه في الواقع ليس كذلك، وإن كان بعض العلم مُستَخدماً فيه.

النقلة الفعلية لسينما الخيال العلمي، التي حملت في طياتها عودة مكمّلة لفيلميه السابقين «لقاءات قريبة» و«إي تي»، وردت سنة 2001 عبر «ذكاء اصطناعي» (A.I. Artificial Intelligence)، حكاية الصبي غير البشري ديفيد (هايلي جويل أوزمنت) والعائلة التي احتضنته لمدّة لأنّ ابنها الفعلي يرقد في المستشفى. والفارق بين ديفيد وأي منتج اصطناعي آخر أنه مزوَّد بإمكانية الحبّ. وعندما يعود ابن العائلة من المستشفى سليماً، تكتشف العائلة أنها لن تستطيع احتواء الولدين، فتقرّر التخلّي عن ديفيد، الذي سيعاني طوال حياته من حبه للأم التي رعته حيناً (فرانسيس أوكونور).

مشكلة الفيلم الأكبر هي أنه عاطفي إلى حد يكاد يوازي التباكي، لكن فكرته رائعة، وتنفيذ سبيلبرغ له يضع الفيلم في مصاف الأعمال المهمّة في سينما النوع.

«يوم الكشف» هو الفيلم العاشر من هذا النوع للمخرج وسوف يُطلق في الـ11 من الشهر المقبل

بعد ذلك، في 2002، نجد سبيلبرغ في نطاق أفضل شأناً مع «تقرير أقلية» (Minority Report)، حول مستقبل يجد فيه المرء نفسه مُداراً ومحاطاً بتكنولوجيا لا قدرة له على تفاديها، خصوصاً إذا ما كان أحدهم في مركز القيادة يريد الإجهاز عليه.

عاد سبيلبرغ إلى النوع في عام 2005 في «حرب العوالم» (War of the Worlds)، وهو عن غزو من مخلوقات وحشية، من بطولة توم كروز، الذي لعب كذلك بطولة «تقرير أقلية». وكلا الفيلمين ناجح على معظم الأصعدة، كونهما عملين تشويقيين ينتميان فعلياً إلى نوع الخيال العلمي، علماً بأن «حرب العوالم» هو إعادة صنع لفيلم حقّقه بايرون هاسكن عام 1953.

الفيلم التاسع هو ذلك الذي أنجزه سبيلبرغ بعنوان «ريدي بلاير وان» (Ready Player One)، الذي تقع أحداثه في المستقبل (2045)، والمأخوذ عن لعبة فيديو مقتبسة بدورها من رواية. ولم يستقبله النقّاد جيداً، وواقعياً كان فيلماً لا يحمل السبب الكافي ليُنجزه سبيلبرغ.


شاشة الناقد: أفلام تتأرجح بين الغموض والتأمُّل في «كان»

من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)
من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)
TT

شاشة الناقد: أفلام تتأرجح بين الغموض والتأمُّل في «كان»

من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)
من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)

ASHES★★★

إخراج: ‫دييغو لونا ‬

مكسيكي | دراما

عروض: مهرجان كان (خارج المسابقة)

القلب في المكان الصحيح، لكنّ هذا الفيلم يفتقد القدرة التي تجعله أكثر تأثيراً مما هو عليه. دييغو لونا يختصر الطريق صوب عرض الحالات، ولو أدَّى ذلك إلى مواقف مبتورة وغير متّصلة على نحو سليم. حتى في مشهد البداية، حين نرى الأم إيزابل (أدريانا باز) تودّع ابنتها الصغيرة لوسيلا (آنا دياز) في صباح أحد الأيام، وتستقلّ سيارة تاكسي بعد أن توصيها برعاية أخيها الصغير. اللقطة، إدارةً وتنفيذاً، جيدة: الفتاة تراقب أمها وهي تتجه إلى سيارة التاكسي المُنتظرة. الشعور بأنّ هناك فتاة صغيرة تراقب حدثاً مؤلماً بصمت تؤلّفه اللقطة بنجاح، لكن التساؤل حول السبب غير واضح تماماً، لا حينها ولا لاحقاً.

ينتقل الفيلم بعد ذلك إلى 16 سنة لاحقة، عندما تحطّ لوسيلا وشقيقها الشاب في مدريد، ثم في لشبونة، للبحث عن أمها. أيضاً لا ذِكْر لكيف اعتقدت أنها تستطيع فعل ذلك، خصوصاً أنها ليست في رفاهية مادية تجعلها تنصرف لهذا البحث. ستجد عملاً خادمةَ شقق. ومرة ثانية، يستخدم تصوير داميان غارسيا المقارنة العاطفية، لكن على نحو مختلف. ففي أحد المَشاهد، لقطة للوسيا وهي تنظر من غرفتها الوضيعة نحو العمارات السكنية الفخمة التي تعمل فيها. هذه المقارنة تدعم ما سبق للمخرج أن أسَّسه منذ وصولها وأخيها إلى العاصمة الإسبانية. مشاعر الآخرين صوبهما باردة، والتعامل مع الشخصيات الإسبانية ليس إيجابياً إلا على نحو محدود، ولو أنّ هذا متوقَّع ويحدث في كلّ مكان.

هذا الوضع يجعل مشوار لوسيلا أبعد، وربما أهم، من مجرّد البحث عن أمها. فهي الآن تبحث عن سبل لحياة أفضل ولانتماء حانَ. الصلة هنا واضحة بين مساري الفتاة وأمها، لأنّ الحاجة إلى حياة أفضل هي الدافع للحياة، وصعوبة تحقيق هذه الحياة تتبدَّى سبباً وحيداً لهجرة الأم، ولو أنّ ذلك الإقدام ليس كافياً بقدر ما هو مفتاح الأحداث اللاحقة. ستعود لوسيا إلى المكسيك، حيث ستدرك أن وطن مولدها هو المكان الوحيد الذي يستطيع منحها تلك الهوية العاطفية.

DERNSIE ★★★

إخراج: ‫مايك مندَز ‬

الولايات المتحدة | تسجيلي

عروض: مهرجان كان (2026)

تنبع قيمة هذا الفيلم، الذي يدور حول مهنة الممثل بروس ديرن وجوانب من حياته الخاصة، من قيمة هذا الممثل أساساً، كما من جدّية ما يفصح عنه من ذكريات، وما يحتويه من آراء ومقابلات مع سينمائيين اكتشفوا فيه تلك الموهبة التي نقلته من مرحلة إلى أخرى بثبات.

بروس ديرن في «ديرنسي» (أ.ف.ب)

درس المسرح على يدَي إيليا كازان، لكنه لم يصرف وقتاً طويلاً على مسارح نيويورك، بل انطلق صوب هوليوود. وأسند المخرج وولتر هيل إليه دوراً جيداً في فيلم «The Driver» سنة 1978، وذلك في الحقبة ذاتها التي لعب فيها ديرن أدواراً شريرة، كما حاله في هذا الفيلم. بعض هذه الأدوار كانت في أفلام وسترن، وهو يذكّرنا بأنه كان أول ممثل يقتل جون واين في السينما عندما مثَّل أمامه في فيلم «The Cowboys» لمارك ريدل (1972).‬

ديرن حكواتي لا يُخفي ولا يتوارى، أو يحاول أن يكون دبلوماسياً، ممّا يضفي على الفيلم جملة من الحقائق والوقائع غير المعروفة عنه أو عن المحيطين به.

THE DREAMED ADVENTURE★★★

إخراج: فاليسكا غريسباخ

ألمانيا | بلغاريا | دراما

عروض: مهرجان كان (2026)

ينشد هذا الفيلم التحوّل من ثرثرة شبه متواصلة وسرد متقاطع وغير آبه بالتسلسل السليم إلى حكاية تشويقية، بفضل العناصر التي تحتويها القصة، ومنها الحبكة حول لقاء بين شخصين يختلفان عن باقي الشخصيات. ومنها أيضاً المكان والبلدة المهدَّمة بفعل الهجرة وتحولها إلى مكان غير آمن تسيطر عليه عصابة تهريب، ثم كذلك اختفاء أحد هذين الشخصين اللذين يقودان العمل الغامض. لكنّ غريسباخ تفعل كلّ ما في وسعها لتحاشي كل شيء يمكن له أن يؤدّي إلى سرد مشوّق أو مثير للاهتمام. كاميرتها تسجيلية الأسلوب، وما ينطلق على نحو يَعدُ بتأسيس منهج حكائي جيد، يتحوَّل بعد حين قصير إلى أحداث غير مترابطة وطويلة الأمد.

«المغامرة المتخيَّلة» (ملف مهرجان «كان»)

اختفاء سعيد (سليمان لطيف) المُفاجئ، لنا ولبطلة الفيلم، يدفع صديقته فيسكا (يانا راديفا) إلى البحث عنه وعن أسباب اختفائه.

وتحوم شكوكها حول زعيم العصابة المحلّية إيليا (ستويكو كوستادينوف)، مما يؤدّي بالفيلم إلى مسار مختلف وطويل الشأن، تستخدم خلاله المخرجة ممثلين غير محترفين وكاميرا محمولة وهاجس المحاولة في توجيه الموضوع بعيداً عن الأسلوب، أي أسلوب غير أسلوبها. والخلاصة، فيلم تقل مدته عن 3 ساعات، بينها نحو ساعة ونصف ساعة يختفي فيها بطله قبل عودته قبيل النهاية.

ولا بد من القول هنا إنّ هذا الالتباس في توجيه دفّة الفيلم صوب ما هو بديل لسرد تقليدي، يمنح العمل بعض الحسنات. فهو تأمُّل وعرض أفقي للمناخ العام للمنطقة والبلدة وما يدور فيها، أو بالأحرى ما لا يدور.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
TT

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)

في نهاية فيلم «البارح العين ما نامت» (عُرض في قسم «نظرة ما» وهو إنتاج لبناني-فلسطيني، بدعم من «صندوق البحر الأحمر» و«مؤسسة الدوحة للأفلام»)، تسير بطلة الفيلم، ريم، في الحقول الممتدة رغم نداء شقيقها للتوقف والعودة إليه. إلى جانبها شاب يحب ريم ويناديها بدوره بالعدول عن السير نحو ما يبدو هدفاً مجهولاً وبعيداً عنهما وعن القرية التي يعيشون فيها، جنباً إلى جنب مع تلك المشكلات المتوارثة من جيل إلى آخر ومن زمن إلى زمن.

الكاميرا في فيلم ركان مياسي (المخرج والكاتب) تحرص على البقاء بعيدة بدورها. المشهد عام، من على مسافة مئات الأمتار، ينقله المخرج كما لو كان يرسم لوحة: الحشائش، والأشجار، والصخور، والأرض المفتوحة، والجبل في الواجهة.

الدافع الذي يجعل ريم (تؤديه ريم المولى) تنطلق مبتعدة وغير عابئة بالنداءات هو أنها وصلت إلى مرحلة عليها أن تتمرد على كل شيء، حتى ولو لم تكن البدائل جاهزة. تمرّدها على بيئة تخسر فيها المرأة مهما اتجهت، وتدفع الثمن حتى ولو لم تكن سبباً في المشكلة أو الخلاف.

إنه فيلم ذكي، لكنه يعاني من بعض النواقص في تأمين لُحمة أفضل بين مشاهده، خصوصاً خلال ربع ساعته الأولى على الأقل.

يدور حول فتاة تجد نفسها مطلوبة لتكون زوجة رجل لمجرد أن التقاليد تفرض ذلك، بعد أن تسبب شقيقها في صدم رجل من عشيرة أخرى بشاحنته. العشيرة تطالب بالزواج منها ومن شقيقتها جواهر فدية وإلا فالعقوبة القتل.

تقاوم ريم بصمت كل ما يُفرض حولها. حياتها، واحدة من قبائل البدو في سهل البقاع بلبنان، تشبه أنشوطة الحبل حول عنقها. وعندما يُفصل بينها وبين شقيقتها، تشعر بأنها خسرت معركتها مع الجميع. تركض مبتعدة، وفي ابتعادها رغبة في التحرر ونيل الحرية.

«فراولة» (لومن فيلمز)

على الرغم من أن الفيلم يتبنى وجهة نظر ريم، غير أنه لا يسعى إلى الحكم على التقاليد نفسها، ولا إلى تجريم الخيارات القليلة المتاحة. يصوّر قسوة الوضع على ريم وشقيقتها، لكنه لا يلج مطلقاً إلى تحويل الحكاية إلى فاجعة أو الشخصيات إلى خطابات كما فعلت أفلام أخرى.

عين ركان مياسي تحيط بالمكان المُعاش جمالياً. هذا الفيلم كان ينبغي أن يُعرض بنظام الشاشة الكبيرة لكي تحتل جمالياته المكانة التي تستحقها.

مراوحة

فيلم آخر عُرض في القسم نفسه هو «فراولة» (Strawberries، والعنوان الفرنسي: La Más Dulce)، وهو إنتاج مغربي-إسباني لليلى مراكشي، حول امرأة مغربية تُدعى مريم (تؤديها هاجر غريغا) تهاجر إلى إسبانيا للعمل في حقول الفراولة لمساعدة عائلتها. يُطلعنا الفيلم في مقدمته على أنها كانت سجينة لفترة قصيرة؛ هذه الخلفية ستعقد شهادتها لاحقاً عندما تحاول الكشف عن العبودية والفساد المستشري في مزارع الثمار، حيث يستغل البعض براءة بعض الفتيات ويجبرهن على الدعارة.

حسناء (تؤديها نسرين الراضي) هي الضحية التي يعالجها الفيلم. تريد مريم الوقوف إلى جانبها لكنها لا تستطيع، وبعد حين، عندما تعود حسناء من خلوة نظمها أحد مديري المزرعة مع أحد الأثرياء وهي على شفير الموت، تجد مريم نفسها مضطرة للكشف عما يجري. لكنها مرة أخرى تلتزم الصمت حفاظاً على عملها وخوفاً من ردّة فعل أشرار المكان.

نجلاء فتحي وعايدة رياض في «أحلام هند وكاميليا»

قصصياً، هذا يشبه المراوحة في مكان واحد لفترة طويلة قبل وصول الفيلم إلى لحظاته الأخيرة، حيث تُلقي مريم خطبة عصماءً أمام المحكمة لفضح ما يجري.

استمدت المخرجة الحكاية من حادثة حقيقية، لكنها تحافظ على نبرة غير حادة بما يكفي، بقدر ما هي فرصة لطرح الموضوع. يفشل السيناريو في ترتيب الأحداث بشكل أفضل، ويضر تردد مريم في الإفصاح أو عدم الإفصاح بالقضية المطروحة، إذ إن هذا التردد ليس جوهر ما سعت المخرجة إلى تحقيقه في الفيلم.

هناك لحظات صادقة تجمع بين النساء العاملات، تستحق المتابعة، لكن الفيلم لا يسير على خط واحد بل يتحرك أفقياً، مما ينتج عنه تشتت الغاية الأساسية.

السينما العربية سلطت الضوء على معاناة المرأة والقيود الاجتماعية عبر عقود من الأفلام

أفلام أخرى

المرأة العربية كانت موضوعاً ساخناً عبر العقود، وتطرّقت إليه أفلام متعددة مثل «الحرام» (هنري بركات، 1965)، و«ليل وقضبان» (أشرف فهمي، 1973)، و«أريد حلاً» (سعيد مرزوق، 1975)، بالإضافة إلى عدد كبير من الأفلام غير المصرية. كثير منها نبش في الأوجاع الناتجة عن هضم الحقوق والتقاليد، لكن بعضها لم يكن سوى توظيف لموضوع ينتهي بالإدانة من دون تقديم حلول.

المخرج محمد خان تناول موضوع المرأة في المجتمع المصري في أكثر من فيلم، من بينها «أحلام هند وكاميليا»، و«زوجة رجل مهم» (كلاهما 1988). الأول يتناول رغبات خادمتين في الانعتاق من سلطة اجتماعية تحاول كل منهما التخلي عن عذوبة الحياة وأحلامهما، والثاني يحكي معاناة زوجة ضابط مخابرات من فاشية زوجها وسوء معاملته.

خارج النماذج المصرية، انتشرت في السينمات العربية أفلام تنتقد وضع المرأة، من بينها بالطبع «وجدة» لهيفاء المنصور، و«صمت القصور» لمفيدة التلاتلي، إضافة إلى فيلم المخرجة اليمنية خديجة السلامي المنسي «أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة» (2015).