طارق الخواجي: السينما السعودية في صحوة حقيقية

الناقد السعودي لـ«الشرق الأوسط»: ثيمة «الحب» الأصعب سينمائياً… و«مندوب الليل» الأفضل محلياً

طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
TT

طارق الخواجي: السينما السعودية في صحوة حقيقية

طارق الخواجي (الشرق الأوسط)
طارق الخواجي (الشرق الأوسط)

ما الذي يجعلنا نحب فيلماً دون غيره؟ ونشعر وكأنه يلامس أعماقنا؟... أسئلة يجيب عنها الناقد والكاتب السعودي طارق الخواجي في كتابه الجديد «عيون محدقة باتساع»، والذي يغوص من خلاله في رحلة تأملية لا تكتفي بتفكيك السينما على مستوى الشكل أو النوع، بل تنقب في أعماقها بحثاً عن الثيمات التي تشكّل جوهر الفن السابع، فالكتاب الصادر مؤخراً عن دار «جسور» وجمعية السينما، لا يسرد ولا يحاكم، بل يفتح باباً للحوار مع الأفلام عبر عدسة الثيمة (السمة).

يستند الخواجي في كتابه على «الثيمات السينمائية» من خلال 12 ثيمة يعالجها، مع طرح نماذج سينمائية عالمية تتضمنها، ويكشف في حوار له مع «الشرق الأوسط» عن دوافع هذا المشروع السينمائي، وعن علاقته مع أفلام أندري تاركوفسكي، ورأيه في المشهد السينمائي السعودي، ولماذا يرى في فيلم «مندوب الليل» محطة ناضجة في التجربة المحلية... فإلى نص الحوار:

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

* ما الذي دفعك لاختيار الثيمة مدخلاً للكتابة عن السينما بدلاً من النوع أو الشكل؟

- لفترة طويلة جداً كانت السينما تُقرأ وتُقدم وتُصنّف بناءً على النوع: دراما، كوميديا، رعب، إثارة، حرب... وهي تصنيفات أجدها قاصرة، بل في كثير من الأحيان جائرة، ومنحازة، لأن الفيلم لا يتشكل وفق قالب سطحي يمكن تسميته بنوع محدد، بل غالباً ما تتداخل فيه مستويات متعددة من المعاني، وهذا التداخل يضيع تماماً إذا ما حصرنا الفيلم ضمن تصنيف واحد. بينما السينما المتعالية (كما يصفها) هي سينما لا تخضع لهذه القوالب. هي سينما ذات بنية داخلية مركبة، وتتناول موضوعات فلسفية وإنسانية معقدة تتجاوز ما يسمح به التصنيف النمطي. قد ترى فيلماً يصنف على أنه «درامي»، لكن جوهره الفعلي يدور حول ثيمة الفقد، أو الصراع الوجودي، أو العائلة بوصفها بنية مجتمعية تتآكل. وبعض القراء تفاجأوا من فكرة الكتاب، لأنهم اعتقدوا أن الثيمة مجرد أداة تحليلية، أو توجيه نقدي، بينما أنا أتعامل معها باعتبار أنها مدخل أساسي لفهم بنية الفيلم، وعلاقته بالزمن، وبالإنسان. الثيمة هي ليست ملصقاً على واجهة الفيلم، بل هي النبض الذي يتحرك داخله. إذا نظرنا إلى الثيمة على أنها «الموضوع الرئيس الذي يسيطر على العمل الفني»، فأظن أنني أصبت عندما اخترتها مفتاحاً للحديث عن السينما.

* اخترت في كتابك 12 ثيمة رئيسة... أيها كان الأصعب في المعالجة؟ ولماذا؟

- قد يبدو الأمر غريباً، لكن أصعب ثيمة واجهتني خلال إعداد الكتاب كانت ثيمة الحب. وعلى الرغم من أنها من أكثر الموضوعات تناولاً في السينما، فإن التعامل معها يتطلب حذراً شديداً. فالحب من جهة هو موضوع مألوف، وسهل الالتقاط، ومن جهة أخرى هو من أكثر الثيمات عرضة للابتذال والتكرار. وما يجعل هذه الثيمة تحديداً معقدة هي أنها ليست واحدة، بل تتفرع إلى أشكال متعددة، ولكل شكل منطقه وسياقه. حاولت في الكتاب أن أتعامل مع الحب بوصفه فكرة مركبة، فقمت بتقسيمه إلى 4 محاور: الحب الرومانسي العاطفي، الحب الأفلاطوني، الحب الأمومي، والحب التدميري. وواجهت صعوبة خاصة في إيجاد نماذج سينمائية ناضجة تعبر عن الحب الأفلاطوني تحديداً. ورغم أن هذا الشكل من الحب حاضر بكثافة في المخزون الأدبي والفلسفي، فإن السينما كثيراً ما تفشل في التعبير عنه دون أن تنزلق نحو الغموض، أو التلميح غير المجدي. أما الحب الأمومي أو التدميري، فهما ثيمتان قويتان، وغنيتان، وقد وجدت لهما تمثيلات سينمائية مثيرة للاهتمام.

* افتتحت كتابك بمقولة للمخرج الروسي أندري تاركوفسكي، وظهر تأثيره في ثنايا الكتاب... ما الذي يمثله تاركوفسكي بالنسبة لك؟

- لو أردت أن أختصر إجابتي بكلمة لقلت: تاركوفسكي هو من جعلني أحب السينما، لا فقط الأفلام. فقبل أن أكتشف أفلامه، كنت أحب مشاهدة الأفلام كما يحبها الكثيرون: بوصف أنها ترفيه راقٍ، أو تجربة شعورية. لكن مع تاركوفسكي، شعرت بأنني أمام فن يتجاوز المتعة البصرية. سينماه عميقة، مجازية، تتغذى على الشعر، وعلى الفلسفة، وعلى الميتافيزيقا. أسلوبه جعلني أفهم أن السينما يمكن أن تكون فناً قائماً بذاته، لا تابعاً، وأنها تستطيع أن تطرح أسئلة وجودية. لقد أخذ السينما إلى منطقة تتجاوز السرد إلى القصيدة البصرية. ولهذا السبب، خصصت له إشارات كثيرة في الكتاب، وكنت أفكر في أن أُهدي له الكتاب بالكامل!

* معظم النماذج التي استعنت بها في كتابك تنتمي إلى أفلام ما قبل الألفية الثالثة... لماذا؟

- الأمر لا علاقة له بالحنين، أو بالزمن بقدر ما يرتبط بـ«نضج المعالجة». في نظري، السينما في القرن العشرين امتلكت قدرة كبيرة على تقديم أفكار معقدة بطريقة أولية، لم تكن مكررة بعد، ولم تكن محكومة بمعادلات السوق، أو إملاءات المنصات الرقمية. اليوم، لدينا زخم هائل من الإنتاج، ولكن المعالجة العميقة أصبحت نادرة. الكثير من الأفلام المعاصرة تلعب على الإبهار، أو على التماس مع قضايا الساعة، لكنها تخلو من العمق الثيمي الذي يميز الأفلام التي تُكتب وتُصور من الداخل، لا استجابة للترند.

* من بين كل النماذج، كان «مندوب الليل» الفيلم السعودي الوحيد الذي ورد في الكتاب... لماذا وقع اختيارك عليه تحديداً؟

- لأنني ببساطة أعتبره أفضل فيلم سعودي شاهدته حتى الآن. هو فيلم متماسك من حيث البناء والسرد، ويقدم موضوعاً معاصراً شديد الأهمية بطريقة رزينة وناضجة... قد يراه البعض بطيئاً، لكن هذا البطء في رأيي مقصود، وضروري، فهو يمنح القصة وقتها لتتشكل، وللمعاني أن تتسرب بهدوء. الفيلم يتحدث عن تحولات اجتماعية واقتصادية تمس الجيل الجديد بشكل مباشر، عن الشعور بالاغتراب في عالم رأسمالي، عن هشاشة العلاقات العاطفية في زمن السوق. ما يميز «مندوب الليل» أنه لا يحاول تقديم كل شيء دفعة واحدة. هو يعرف ما يريد قوله، ويقوله بهدوء وثقة، وهذا ما تفتقر إليه أفلام سعودية أخرى كثيرة، والتي تبدو أحياناً كأنها تريد قول كل شيء دفعة واحدة، فتتشتت، وتتوه.

* هل ترى أن بعض الثيمات فقدت بريقها في السينما الحديثة؟

- نعم، بالتأكيد. بعض الثيمات أصبحت تُستخدم فيما يمكن أن نسميه ثقافة النفايات. خذ مثلاً ثيمة الديستوبيا والتقنية التي أُفرط في استهلاكها في أفلام رديئة ومهلهلة لا تحمل أي عمق فكري. لكن في المقابل، هناك أعمال معاصرة استطاعت أن تعالج هذه الثيمات بذكاء، وابتكار.

الخواجي أثناء توقيع كتابه في الدورة الأخيرة من مهرجان أفلام السعودية (الشرق الأوسط)

* ما الثيمة الأقرب إليك شخصياً، وتشعر بأنها تُعبّر عنك؟

- لا توجد ثيمة واحدة أستطيع القول إنها تمثلني بالكامل، لكن إذا أردت اختيار واحدة، فهي ثيمة الحياة والموت، خصوصاً في ارتباطها بتقدم العمر، وبالاسترجاع، وبالسؤال عن جدوى الرحلة.السينما التي تطرح سؤال «كيف ننظر لحياتنا؟» هي السينما التي تشدني. أحب الأفلام التي تتفاعل مع هذه الثيمة من موقع التأمل لا الانفعال. أيضاً، تعجبني كثيراً الأفلام التي تسخر من الحرب، باعتبار أنها حلول مفرطة في حل الخلافات الإنسانية.

* لمن كتبت هذا الكتاب؟ ومن تتوقع أن يجد فيه نفسه؟

- أظن أن الكتاب يتوجه لثلاثة قراء في وقت واحد: المشاهد العادي، والقارئ المتخصص، والناقد السينمائي. فالمشاهد العادي سيجد فيه فرصة لتأمل أفلامه المفضلة من زاوية مختلفة، والمتخصص سيجد مادة ثرية للنقاش والتأمل، أما النقاد، فأعتقد أنهم سيجدون فيه مساحة جيدة للمراجعة، وربما أيضاً للنقد (يضحك)، لأننا باعتبار أننا ممارسون للنقد غالباً ما نُتّهم بأننا نبحث عن مناطق الخلل أكثر من الجمال.

* أخيراً... كيف ترى المشهد السينمائي السعودي اليوم؟

- أرى أن المشهد يعيش حالة صحو حقيقية من عدة زوايا، فالسعوديون متفاعلون مع السينما بشكل كبير، سواء من حيث الحضور في الصالات، أو المتابعة المكثفة للأفلام عبر المنصات. وهناك أفلام سعودية باتت تحقّق جماهيرية واسعة، وتجارب كسرت القوالب التقليدية مثل «سطار»، وكذلك «هوبال». وبالطبع هناك تحديات، أبرزها المرجعية الثقافية لصناع الأفلام، والتي أرى أنها بحاجة إلى جهد أكبر، ووعي أعمق، وعمل ذاتي طويل الأمد. أما على مستوى المؤسسات الرسمية، فأعتقد أن هناك اهتماماً حقيقياً... السينما السعودية تتحرك الآن بطاقة عالية، وتحاول أن ترسم ملامح هويتها الخاصة، وأنا واثق أنها ستنجح، لأن النضج لا يأتي دفعة واحدة، بل بالتراكم، والتجربة.


مقالات ذات صلة

الخليج جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية (الشرق الأوسط)

بيان خليجي يصف اعتداءات إيران بالإرهابية المقوضة للسلام

أعرب مجلس التعاون الخليجي، السبت، عن إدانته واستنكاره بأشد العبارات لاستمرار الاعتداءات الإيرانية العدائية التي تستهدف البحرين والكويت.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج علم السعودية (الشرق الأوسط)

السعودية تجدد إدانتها الهجمات الإيرانية على البحرين والكويت وتحذر من تداعيات التصعيد

جددت السعودية إدانتها واستنكارها «بأشد العبارات» للاعتداءات الإيرانية على مملكة البحرين ودولة الكويت، مؤكدة أن هذه الانتهاكات تمثل تهديداً للأمن الإقليمي…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج دخان يتصاعد جراء سقوط مسيّرة في موقع قوات حفظ السلام المؤقتة جنوب لبنان (اليونيفيل)

السعودية تدين استهداف موقع «اليونيفيل» جنوب لبنان

أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها بأشد العبارات استهداف موقع لقوات حفظ السلام المؤقتة «اليونيفيل» جنوب لبنان؛ ما أدى إلى وفاة جندي وإصابة آخرين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد يُمثِّل وصول طائرتَي «طيران الرياض» محطة تاريخية في مسيرة الشركة لانطلاق رحلاتها (واس)

«طيران الرياض» تستقبل أول طائرتين «بوينغ 787-9 دريملاينر»

استقبلت «طيران الرياض»، الناقل السعودي، أول طائرتين في أسطولها الجديد من طراز «بوينغ 787-9 دريملاينر» بمطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.


شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
TT

شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)

STAR WARS‪:‬ ★★

THE MANDALORIAN

AND GROGU

إخراج: ‪جون فافريو‬

الولايات المتحدة | خيال علمي

الجزء العاشر من السلسلة

منذ شراء شركة «ديزني ستوديوز» حقوق صنع سلسلة «ستار وورز» سنة 2017، ارتفعت الرغبة في التواصل مع الجمهور السائد من زاوية الترفيه وحدها. طبعاً لا تزال بعض الأفلام الأخيرة، مثل «The Last Jedi» لريان جونسون (2017) و«Rogue One: A Star Wars Story» لغاريث إدواردز خصوصاً، تؤمّن بعض الأفكار الجديدة المنفّذة جيداً.

«ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» ليس من بينها. نعم، يوفر شخصية محارب جديد (الماندالوري أو ماندو في الفيلم) الذي يهب حياته لمعاقبة الأشرار. الحكاية تطول منتقّلة من مهمّة جديدة مسندة إليه (إنقاذ ابن المخلوق جابا الذي اختُطِف إلى كوكب شكاري تمهيداً لاحتلال مملكة أبيه ومنعه من الوراثة).

إذ تنطلق الحكاية على هذا النحو، تتعرّض لمغامرات ماندو المتواصلة مع مخلوق صغير اسمه غروغو، موجود لتسلية الصغار بكلّ السذاجة الممكنة. في الواقع، أمكن غروغو أن يكون كلباً أو قرد شمبانزي، فكلاهما يعجب الأولاد من الجنسين. شخصية ماندو بدورها كان يمكن لها أن تأتي في فيلم مستقلّ تماماً عن السلسلة الشهيرة. كما هي الآن، هي «تفليم» لمسلسل تلفزيوني نال نجاحاً كبيراً. خطوة آمنة أخرى بالنسبة إلى «ديزني» لاستثمار لا «حرب النجوم» وحدها، بل المسلسل التلفزيوني أيضاً.

كل ما سبق كان يمكن تقبّله لو أنّ جديداً فعلياً طرأ على القصة أو شخصياتها بمناسبة نقلها إلى الشاشة الكبيرة على الأقل. الأحداث متتابعة لكنها مُعالجة على هيئة حلقات منفصلة تبعاً لخيال، وليس على شكل إبداع وخَلْق. هو فيلم بلا روح، مليء بمعارك مصنوعة بواسطة الرسوم الحاسوبية شوهدت مراراً قبل ذلك، وباتت مثل مطاردات أفلام الوسترن القديمة حيث البطولة للحصان (على الأقل كان مخلوقاً حيّاً) في مطاردات لا تنتهي. التمثيل، وفق التقليد المتَّبع في أفلام ملؤها المؤثرات والموسيقى (للودفيغ غورانسون)، جيد في حال سماعها للمرة الأولى والثانية، قبل أن تُسبِّب الضجر لتكرارها.

THE HOUSEMAID★★

إخراج: ‫بول فيغ‬

الولايات المتحدة | دراما تشويقية

ثرية تستقبل عاملة منزل وتندم

«تستطيعين مناداتي نينا»، تقول الزوجة (أماندا سيفريد) للشابة ميلي (سيدني سويني) في الثواني الأولى من لقائهما. الأولى ربّة بيت كبير لزوجها الثري أندرو (براندون سكلينار)، والثانية وصلت للتو لتشغل وظيفة الإشراف على شؤون المنزل.

«عاملة المنزل» (ليونزغيت)

إذ تبدأ ميلي عملها سعيدة بالاستقبال الجيد والودود، يضع المخرج، الذي اقتبس فيلمه عن رواية ناجحة لفريدا ماكفادن، الخطّة للانتقال من التأسيس إلى الحبكة المراد بها أن تكون درامية نفسية. نينا ستندم على قبول ميلي بعدما لاحظت تقارباً بين زوجها والعاملة المنزلية، تمهيداً لنهاية تأتي بلا مفاجآت.

الواقع أنّ الفيلم بكامله يخلو من مفاجأة فعلية. المفارقات تتابع كما يتوقّعها المُشاهد. المخرج بول فيغ اعتمد خطاً قصصياً من دون إضافة ظلال مناسبة. بذلك يمضي الفيلم، بعد نحو ساعة من التمهيد وربع ساعة من الاسترجاع، صوب تطوّرات لا يشعر المشاهد حيالها بأي اهتمام، إلا إذا كان مدمناً على أفلام تفتقر إلى الحد الأدنى من الغموض والتشويق.

RUST★★★

إخراج: ‫جوِل سوزا

الولايات المتحدة (2025) | وسترن

الحكاية التي تشبه ما حدث وراء الكاميرا

‫ثمة تشابه مؤسف بين الحكاية التي يسردها الفيلم وما حدث في الواقع. هذا هو الفيلم الذي أطلق فيه الممثل أليك بالدوين النار على مديرة التصوير هالينا هاتشينز معتقداً أنّ المسدس يحتوي على رصاص فارغ. في الفيلم (كما كُتبت حكايته قبل الحادثة) صبي يقتل رجلاً بالخطأ أيضاً. في «رست» (اسم الشخصية التي يؤدّيها بالدوين) رغبة محقّة في توفير فيلم «وسترن» بجماليات المكان الطبيعي والعام. مشاهده مؤطرة بدراية، ولقطاته موحية وجميلة، ولو أنّ ألوانها تنتمي إلى نسق داكن واحد نصف ناجح.‬

أليك بولدوين وباتريك سكوت في «رست» (120DB فيلمز)

‫اهتمام المخرج بتوفير جماليات كلّ لقطة وكيفية تأطيرها لا غبار عليه، سوى أنّ الحكاية تبقى بعيدة عن الاستفادة من هذا المنوال. هناك ثلاثة خطوط قصصية، أحدها عن رست وحفيده، والآخران عن مطارديه وخلفياتهم. تتابع هذه الخطوط بسهولة، لكن المخرج ومونتيره (ديفيد أندالمان) لا يملكان القدرة على تلاحمها على نحو يبعث على التشويق، بل حتى على الاهتمام أيضاً.‬

‫بعد عروض قصيرة وفاشلة في صالات السينما، يمكن الآن مشاهدته عبر المنصات، ولو على حساب الجماليات التي توفرها الشاشة الكبيرة في نطاق سينما الغرب الأميركي.‬

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له، بكونه أنجز 13 فيلماً تلفزيونياً قبل دخوله عالم السينما، ولاحقاً أنجز فيلمَي فيديو وفيلمَيْن قصيرين ما بين 1999 و2022.

في الواقع، فإنَّ فيلمه الأول الذي عُرض في صالات السينما، وهو «مبارزة» (Duel) سنة 1971، كان تلفزيوني الإنتاج داخل الولايات المتحدة، لكنه انتُخب للعروض السينمائية عالمياً خارجها، مثل حال عدد كبير من الأفلام المُشابهة في وضعيّتها آنذاك. و«مبارزة» كان فيلم طريق مع تشويق حاسم حول رجل أعمال بسيط تطارده شاحنة على طريق جبلي في ولاية أريزونا بهدف قتله. ذلك الفيلم، بالتالي، كان تشويقياً، رغم أنّ الحكاية كان يمكن لها أن تضع المطاردة بين عربة فضائية وأخرى أرضية.

سبيلبرغ يعود إلى ثيمته المفضلة: غزو الأرض (يونيفرسال)

عشرة

«يوم الكشف» (أو «يوم الإفصاح») هو خيال علمي عن موضوع غزو الفضاء للأرض. وبذلك، فهو الفيلم العاشر من هذا النوع من توقيع المخرج. هذا بالطبع إلى جانب عدد آخر من الأفلام التي اكتفى بإنتاجها واختار من يخرجها سواه.

الأفلام الـ9 السابقة هي التي بدأت بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) سنة 1977. هذا مع العلم أن سبيلبرغ أخرج فيلم هواة من هذا النوع، وفَّر تكلفته من مصروف الجيب سنة 1964، عندما كان في الـ18 من عمره، لكنه لا يُعدُّ فيلماً حقيقياً.

كان «لقاءات قريبة...» ثالث فيلم سينمائي فعليّ له بعد «ذا شوغرلاند إكسبرس» في 1974 و«جوز» (Jaws). وكلاهما كان من النوع التشويقي، وأفضلهما «جوز»، الذي حطم أرقاماً قياسية في صيف عام 1975. أما الأول فكان حكاية كوميدية مع تشويق حول خطف زوجين ابنهما من منزل عائلة عُهد إليها برعايته، وشرطي أجلساه في المقعد الخلفي من السيارة. لكن «جوز» هو تعامل سبيلبرغ الأول مع فن التشويق.

والتشويق سمة «لقاءات قريبة...» الذي تعامل مع غزاة من ذلك الطابق العلوي للفضاء.

كرَّر ذلك عام 1982 عندما أخرج «خارج الأرض» (E.T. the Extra-Terrestrial)، بعد فيلم كوميدي فشل تجارياً هو «1941»، وآخر مغامراتي حقق نجاحاً كبيراً هو «غزاة الفلك المفقودة» (Raiders of the Lost Ark) في 1981.

من «إي تي- خارج الأرض» (يونيفرسال)

مخلوقات متوحّشة

هذان الفيلمان هما الوحيدان، في سلسلة سبيلبرغ من أفلام الخيال العلمي، اللذان عكس فيهما نظرة تعاطفية مع مخلوقات الفضاء. ففي الأول دعا إلى التفاهم معها، وفي الثاني حوَّل الفكرة إلى ملهاة سريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي عادت سفينة الفضاء إلى كوكبها من دونه.

وقبل العودة إلى قصص الفضاء، عمد إلى نوع آخر من أفلام الخيال العلمي، هي أفلام وحوش ما قبل العصور المدنية. ففي 1993 أنجز «جوراسيك بارك»، وتبعاً لنجاحه حقَّق، بعد 4 سنوات، جزءاً ثانياً في 1997. وللإيضاح، يرى المؤرخون وهواة التصنيف أنّ أفلام الوحوش هي نوع من الخيال العلمي، لكنه في الواقع ليس كذلك، وإن كان بعض العلم مُستَخدماً فيه.

النقلة الفعلية لسينما الخيال العلمي، التي حملت في طياتها عودة مكمّلة لفيلميه السابقين «لقاءات قريبة» و«إي تي»، وردت سنة 2001 عبر «ذكاء اصطناعي» (A.I. Artificial Intelligence)، حكاية الصبي غير البشري ديفيد (هايلي جويل أوزمنت) والعائلة التي احتضنته لمدّة لأنّ ابنها الفعلي يرقد في المستشفى. والفارق بين ديفيد وأي منتج اصطناعي آخر أنه مزوَّد بإمكانية الحبّ. وعندما يعود ابن العائلة من المستشفى سليماً، تكتشف العائلة أنها لن تستطيع احتواء الولدين، فتقرّر التخلّي عن ديفيد، الذي سيعاني طوال حياته من حبه للأم التي رعته حيناً (فرانسيس أوكونور).

مشكلة الفيلم الأكبر هي أنه عاطفي إلى حد يكاد يوازي التباكي، لكن فكرته رائعة، وتنفيذ سبيلبرغ له يضع الفيلم في مصاف الأعمال المهمّة في سينما النوع.

«يوم الكشف» هو الفيلم العاشر من هذا النوع للمخرج وسوف يُطلق في الـ11 من الشهر المقبل

بعد ذلك، في 2002، نجد سبيلبرغ في نطاق أفضل شأناً مع «تقرير أقلية» (Minority Report)، حول مستقبل يجد فيه المرء نفسه مُداراً ومحاطاً بتكنولوجيا لا قدرة له على تفاديها، خصوصاً إذا ما كان أحدهم في مركز القيادة يريد الإجهاز عليه.

عاد سبيلبرغ إلى النوع في عام 2005 في «حرب العوالم» (War of the Worlds)، وهو عن غزو من مخلوقات وحشية، من بطولة توم كروز، الذي لعب كذلك بطولة «تقرير أقلية». وكلا الفيلمين ناجح على معظم الأصعدة، كونهما عملين تشويقيين ينتميان فعلياً إلى نوع الخيال العلمي، علماً بأن «حرب العوالم» هو إعادة صنع لفيلم حقّقه بايرون هاسكن عام 1953.

الفيلم التاسع هو ذلك الذي أنجزه سبيلبرغ بعنوان «ريدي بلاير وان» (Ready Player One)، الذي تقع أحداثه في المستقبل (2045)، والمأخوذ عن لعبة فيديو مقتبسة بدورها من رواية. ولم يستقبله النقّاد جيداً، وواقعياً كان فيلماً لا يحمل السبب الكافي ليُنجزه سبيلبرغ.