حرب بيئية باردة تلوح في الأفق

منافسة تجارية عالمية تهدّد انتشار التقنيات الخضراء

حملة غربية من أجل تعزيز الإنتاج المحلي لتقنيات الطاقة النظيفة بما في ذلك توربينات الرياح (أ.ب)
حملة غربية من أجل تعزيز الإنتاج المحلي لتقنيات الطاقة النظيفة بما في ذلك توربينات الرياح (أ.ب)
TT

حرب بيئية باردة تلوح في الأفق

حملة غربية من أجل تعزيز الإنتاج المحلي لتقنيات الطاقة النظيفة بما في ذلك توربينات الرياح (أ.ب)
حملة غربية من أجل تعزيز الإنتاج المحلي لتقنيات الطاقة النظيفة بما في ذلك توربينات الرياح (أ.ب)

تُطلِق الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، العنان لسيل من الحوافز والإعانات الحكومية من أجل تعزيز الإنتاج المحلي لتقنيات الطاقة النظيفة، بما في ذلك الألواح الشمسية وتوربينات الرياح ووسائل النقل الكهربائية. وبينما تسهم هذه الخطوة في تسريع التحوُّل نحو اقتصادات محايدة كربونياً، فإنها تهدف أيضاً إلى تحدّي هيمنة الصين في قطاع التكنولوجيا الخضراء.

الغرب يخشى صدمة صينية جديدة

ترتبط الإعانات الحكومية للتقنيات النظيفة ارتباطاً وثيقاً بمتطلبات المحتوى المحلي الصارمة، التي تفرض أن يكون مصدر جزء كبير من المكوّنات والمواد المستخدمة في هذه التقنيات محلي الصنع. ويؤدي ذلك إلى زيادة التنافسية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، حيث تسعى جميع الدول إلى حماية صناعاتها المحلية وتعزيز مكاسبها في سوق التكنولوجيا الخضراء، التي من المتوقع أن تبلغ قيمتها العالمية 630 مليار دولار في 2030.

وتنفق الدول الغربية بسخاء على التقنيات النظيفة. فالاتحاد الأوروبي يعمل على توفير 272 مليار دولار لتخضير الصناعة، بما في ذلك تقديم إعفاءات ضريبية للشركات التي تستثمر في تقنيات الانبعاثات الصفرية. وسبق لحكومة الولايات المتحدة أن تعهدت بتخصيص 369 مليار دولار على شكل إعانات دعم مباشرة وإعفاءات ضريبية لتقنيات الطاقة النظيفة.

وتخشى الولايات المتحدة «صدمة صينية» جديدة، تشبه ما حصل خلال الفترة بين 1997 و2011 نتيجة اندماج الصين في النظام التجاري العالمي، ما أدى إلى فقدان نحو مليون عامل أميركي وظائفهم بسبب البضائع الصينية الرخيصة. ومنذ إطلاق أجندة «صُنِع في الصين» في عام 2014، تجاهلت الصين قواعد التجارة العالمية وأغدقت الهِبات على قطاعاتها الصناعية، لا سيما شركات صناعة السيارات، حيث بلغت المنح الحكومية للسيارات الكهربائية والهجينة ما يصل إلى 57 مليار دولار خلال الفترة ما بين 2016 و2022.

هذا التاريخ الطويل من التوترات التجارية، المدفوعة بالصراعات الجيوسياسية الباردة والمخاوف بشأن السياسات الصناعية التي تفرضها الحكومة الصينية، قد يتحوَّل إلى تصعيد حاد تواجه فيه الاقتصادات الغربية السطوة الصينية، عبر فرض تعريفات جمركية إضافية على الواردات الصينية أو تسريع التحقيقات في مكافحة الإغراق والدعم الحكومي.

وفي مقابل ذلك، يمكن للصين أن تلوّح دائماً بتدابيرها الانتقامية، كأن تفرض حظراً على تصدير المواد الخام كالمعادن النادرة التي لا غنى عنها في مسار التحوُّل الأخضر. وتهيمن الصين على منتجات التقنيات الخضراء، فحصّتها من الإنتاج العالمي تزيد على 80 في المائة من الألواح الشمسية و60 في المائة من توربينات الرياح. كما تحتل البلاد مكانةً رائدةً في مجال المعادن النادرة، حيث تسيطر على 95 في المائة من إنتاجها العالمي، ما يجعلها صاحبة اليد العليا في فرض الأسعار والتحكُّم بالصادرات.

وكانت الصين، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قد فرضت قيوداً على تصدير ثلاثة أنواع عالية النقاء من الغرافيت، وهو معدن ضروري لصنع أشباه الموصلات والإلكترونيات، ويشكِّل نحو 20 في المائة من كتلة بطاريات السيارات الكهربائية. وبموجب القواعد الجديدة، لا تستطيع الشركات الصينية تصدير أي من هذه الأنواع من دون الحصول على إذن مسبق من الحكومة.

وتأتي القيود الجديدة في أعقاب قواعد، وضعتها الصين في يونيو (حزيران) الماضي، على تصدير الغاليوم والجرمانيوم الضروريين لصناعة الإلكترونيات والمركبات الكهربائية. وتبدو الإجراءات الصينية نوعاً من رد الفعل في سياق الحرب التجارية الآخذة في الاتساع مع الولايات المتحدة، التي شددت قيودها الموضوعة منذ 2022 على أشباه الموصلات التي يمكن تصديرها إلى الصين، بهدف الحفاظ على التفوُّق التقني الأميركي.

تدافع من قبل دول غربية وأوروبية لتقنيات الطاقة النظيفة بما في ذلك توربينات الرياح (أ.ب)

وتسيطر الصين منذ فترة طويلة على قطاع السيارات الكهربائية العالمي، ليس فقط بسبب سوقها المحلية الكبيرة، ولكن أيضاً من خلال استثماراتها الضخمة في إنتاج البطاريات وسيطرتها على إمدادات المعادن. وتعمل على توسيع صادراتها من السيارات الكهربائية خارج البلدان النامية، مع استهداف الأسواق الأوروبية بشكل خاص. ومع ذلك، تبقى حصة السيارات الكهربائية الصينية دون 10 في المائة من مبيعات السيارات الكهربائية في الاتحاد الأوروبي، وفقاً لبيانات عام 2023.

مخاطر النزاع التجاري على المناخ العالمي

من المتوقع أن تؤدي السياسات الحمائية والانتقامية إلى تضخّم الأسعار في مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي. ولذا قد تعيد الاقتصادات العالمية، على المدى الطويل، النظر في تحوُّلها بعيداً عن التقنيات المعتمدة على الكربون. فالتكاليف المرتفعة للتقنيات الخضراء سوف تجعلها أقل جدوى من الناحية الاقتصادية، ما سيدفع الحكومات إلى إعادة تقييم دعمها لاستثمارات الحياد الكربوني. وقد يؤدي ذلك إلى ركود أو حتى انعكاس التحوُّل الأخضر العالمي، ما سيعوق الجهود المبذولة للتخفيف من تغيُّر المناخ.

وفي الأسواق الناشئة، قد تتقلّص قدرة الدول الغربية على دعم تحوُّلات الطاقة، حيث من الممكن أن يؤدي تحويل الموارد نحو إنتاج التقنيات الخضراء المحلية إلى إجهاد القدرة المالية المتاحة لمساعدة البلدان النامية في انتقالها إلى مصادر طاقة أنظف. وسيتسبب ذلك في تفاقم أزمة فقر الطاقة السائدة في العديد من الدول النامية.

أراضٍ زراعية بالاستعانة بألواح شمسية في ثورمونت بماريلاند في الولايات المتحدة (أ.ب)

ومن المرجح أن تعرّض التوترات التجارية المتصاعدة أجندة المناخ العالمية للخطر، من خلال تأخير تحقيق أهداف خفض الانبعاثات إلى مستوى الصفر. فالتأثيرات المتراكمة لارتفاع التكاليف، وتعطيل سلاسل التوريد، والقيود التجارية المحتملة، ستسهم كلها في تأخير الجداول الزمنية الخاصة بتحقيق البلدان أهدافها في الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية.

لتجنُّب هذه السيناريوهات، يجب على الحكومات في الدول الغربية والصين الانخراط في تدابير استباقية للتخفيف من التوترات التجارية والتوجه نحو التعاون المستدام. ويشمل ذلك، على سبيل المثال، إنشاء آليات حوار مفتوح وبنّاء لمعالجة الخلافات وتعزيز التعاون القائم على تبادل المنافع في قطاع التقنيات الخضراء. كما يتعيّن على المنظمات متعددة الأطراف، مثل منظمة التجارة العالمية، أن تلعب دوراً محورياً في وضع المبادئ التوجيهية والأُطر التي تعزز المنافسة العادلة وتحدّ من النزاعات التجارية الناشئة.

وفي هذا الشأن، يمكن الاستفادة من تجارب التعاون بين الدول الغربية ذاتها. فوسط مخاوف من اتساع الصدع التجاري بين ضفتي الأطلسي، تتابع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المفاوضات للوصول إلى اتفاق حول المعادن المهمة، من شأنه أن يسمح باحتساب المعادن الحيوية، المستخرجة أو المعالجة في الاتحاد الأوروبي، ضمن متطلبات الإعفاءات الضريبية للمركبات النظيفة بموجب قانون خفض التضخم الأميركي. كما يقوم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أيضاً بمواءمة السياسات المتعلقة بدعم أشباه الموصلات بموجب قوانين الرقائق الخاصة بكل منهما، التي تم إقرارها في عامي 2021 و2022.

ويدرك الطرفان أن هذا التعاون بين جانبي الأطلسي يعزز فرصهما في مواجهة العملاق الآسيوي ويحسّن قدرة شركاتهما على الوصول إلى مكونات البطاريات ومستلزمات التقنيات النظيفة. وفي الوقت ذاته، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تحقيق أهدافهما البيئية، لا سيما التوسع في استخدام السيارات الكهربائية، بمعزل عن التعاون مع الصين.

وبينما تسهم الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعةً بنصف الانبعاثات العالمية من ثاني أكسيد الكربون، يمكن لمستوى صحي من المنافسة أن يحفّز الابتكار ويدعم الطاقة النظيفة ويؤمن سلاسل التوريد. في المقابل، يؤدي التصعيد والعداء بين قوى التكنولوجيا الخضراء إلى إبطاء التنمية ومنع الأسواق في جميع أنحاء العالم من الوصول إلى أفضل الأدوات لمكافحة الانبعاثات.

إن النزاع المتصاعد يضع مسؤولية كبيرة على الحكومات التي يُفترض بها التأكد من أن الحوافز والإعانات المقدمة للتقنيات الخضراء، بهدف تعزيز القدرات المحلية وزيادة التنافسية العالمية، تتماشى مع الأهداف البيئية ولا تؤدي إلى استنزاف الموارد أو الإضرار بالبيئة. كما يتعيّن على البلدان المتقدمة أن تعمل معاً لدعم تحولات الطاقة في الأسواق الناشئة، وتوفير المساعدات المالية والخبرة التقنية لتسهيل انتقالها إلى مصادر طاقة أنظف.

وبينما ينطوي دعم التحوُّل الأخضر على طموح كبير بتحقيق مستقبل أكثر مرونة واستدامة، يحب أن يتم هذا التحوُّل على نحو مخطط وواعٍ لتفادي الحروب التجارية وضمان حصول الجميع على منافع التقنيات الخضراء.


مقالات ذات صلة

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

يوميات الشرق تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

كشف المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في السعودية عدداً من الفرص والوجهات السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
يوميات الشرق مستعمرات النحل داخل منحل واحة الرياض (تركي العقيلي) p-circle 02:10

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

نظمت «واحة الرياض» في شارع التحلية فعالية «تعرف على النحل»، وذلك ضمن برامجها الأسبوعية الثابتة التي تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي، والتعرف على أهمية النحل.

فاطمة القحطاني (الرياض)
بيئة غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي ‌لمسات مميزة على المناظر الطبيعية المألوفة يحتمل أن تختفي بحلول نهاية القرن.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
يوميات الشرق طيور مهاجرة في مساراتها بسيناء (الشرق الأوسط)

مصر لحماية مسارات الطيور المهاجرة بالمحميات الطبيعية

أعلنت مصر جهوداً متعددة لإنقاذ وحماية مسارات لطيور المهاجرة بمحمياتها الطبيعية، ضمن مشاركتها في الاحتفال بـ«اليوم العالمي للطيور المهاجرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
TT

دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)

لطالما اعتقد العلماء، على مدى عقود، أن مصير يرقة نحل العسل في أن تصبح ملكة بدلاً من عاملة يتحدد حصراً من خلال تغذيتها على الغذاء الملكي الغني بالعناصر الغذائية، إلا أن دراسة جديدة تُعدّ اختراقاً علمياً تشير إلى أن البيئة الفيزيائية والكيميائية للغرفة التي تنمو فيها اليرقة تؤدي دوراً حاسماً أيضاً في تشكيل الملكة المستقبلية.

«القصر الملكي» لا يقل أهمية عن الغذاء الملكي

أظهرت الدراسة (نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلها موقع «إندي 100») أن الخلية الشمعية الخاصة التي تبنيها العاملات لتربية ملكة جديدة ليست مجرد وعاء سلبي، بل تؤدي وظيفة أساسية في عملية النمو.

وقال كاي وانغ، الباحث في معهد أبحاث تربية النحل التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية أحد قادة الدراسة: «الغذاء الملكي لا يعني شيئاً من دون قصر ملكي».

ويتكوَّن عش نحل العسل عادة من خلايا شمعية سداسية الشكل تفرزها العاملات وتُستخدم لتخزين الغذاء أو تربية الصغار. لكن المستعمرة تبني أيضاً نوعاً ثالثاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية. وتُعرف هذه الحجرات لدى مربي النحل بأنها مؤشر على الاستعداد للتطريد أو استبدال الملكة، وتُشبِه في شكلها قشرة الفول السوداني، وتتدلى إلى الأسفل من قرص العسل.

حاضنة ذكية مصممة بعناية

وأوضح وانغ أن هذه الحجرات المتخصصة تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة.

وكشفت الدراسة، التي ركزت على نحل العسل الغربي، أن الشمع المستخدَم في بناء الخلايا الملكية يتمتع بخصائص فريدة؛ فهو أكثر ليونة، ويذوب عند درجة حرارة أعلى، كما يطلق «عطراً» كيميائياً مختلفاً.

ويرى الباحثون أن الجدران الأكثر ليونة توفر مساحة كافية لتمدد اليرقة أثناء نموها، في حين قد تعمل الروائح الخاصة بوصفها محفزات هرمونية مهمة.

وأظهرت النتائج أنه حتى عندما تتغذى اليرقات على الغذاء الملكي، فإن تعرضها لشمع الخلايا العادية الخاصة بالعاملات يؤدي إلى تراجع جودة تطورها كملكات وارتفاع معدلات النفوق بشكل ملحوظ.

ويشير ذلك إلى أن «رائحة وملمس» الشمع الملكي عنصران أساسيان لبقاء اليرقة وتحولها إلى ملكة.

الحجرات المتخصصة لملكات النحل تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة (بكسلز)

العاملات يتحولن إلى «أفران حية»

كما أظهرت الدراسة أن العاملات المكلفة بناء الخلايا الملكية تخضع لتغيرات لافتة أثناء أداء هذه المهمة؛ فقد تبين أن درجة حرارة منطقة الصدر لديها ترتفع بشكل غير معتاد، كما تتغير أنماط نشاط بعض الجينات لديها.

وقال وانغ: «لصياغة هذا الشمع الخاص الذي يتمتع بدرجة انصهار مرتفعة، يتعين على هذه العاملات الفتيَّة أن تحوّل أجسامها إلى أفران حية صغيرة؛ إذ ترتفع حرارة صدورها إلى أكثر من 39 درجة مئوية، كما لو أنها تعاني من الحمى».

وأوضح أن هذه النحلات لا تنتمي إلى فئة متخصصة دائمة، بل هي «عاملات عادية ومرنة» تتولى دوراً مؤقتاً وطارئاً.

وخلال هذه الفترة تتغير أنماط التعبير الجيني لديها لمساعدتها على معالجة الشمع، ما يجعلها «متعددة المهام بامتياز»، إذ تبني الخلايا الملكية، وفي الوقت نفسه تواصل مهامها اليومية، مثل توزيع الغذاء وتفقد الخلايا الأخرى.

تحدٍّ لمعتقد علمي راسخ

وأعرب وانغ عن دهشته من أن الفرضية الراسخة التي سادت طويلاً، القائلة إن الغذاء الملكي وحده هو المسؤول عن تحديد مصير الملكة، تبيّن أنها غير مكتملة.

ورغم أن الدراسة لم تحدد بعد العامل الدقيق المسؤول داخل الشمع، فإن الخطوة التالية تتمثل في اكتشاف «المفتاح الجزيئي» الذي يطلق عملية التحول.

وقال وانغ: «نريد معرفة أي رائحة كيميائية أو أي إحساس فيزيائي هو الذي يخبر الحمض النووي ليرقة الملكة: أنتِ الملكة».

آثار تمتد إلى ما وراء النحل

ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد لا تقتصر على نحل العسل فقط، بل ربما تنطبق أيضاً على حشرات اجتماعية أخرى؛ حيث قد تؤدي الهياكل التي تبنيها، مثل أعشاش النمل الأبيض أو الدبابير، وظائف تتجاوز مجرد توفير المأوى لتؤثر في تطور المستعمرة نفسها.

أهمية كبيرة لمربي النحل والزراعة

ومن الناحية العملية، قد تساعد هذه النتائج مربي النحل على إنتاج ملكات أكثر صحة وكفاءة، وفقاً لبوريس باير، أستاذ صحة الملقحات في جامعة كاليفورنيا - ريفرسايد، أحد قادة الدراسة.

وتُعد الملكات السليمة عنصراً أساسياً للحفاظ على مستعمرات قوية، وهي بدورها ضرورية لتلقيح أكثر من 80 محصولاً زراعياً رئيسياً.

وأشار باير إلى أن الفهم الأعمق للآليات الطبيعية التي تنتج من خلالها المستعمرات ملكات عالية الجودة قد يسهم في دعم تجمعات نحل أكثر قدرة على الصمود؛ خصوصاً في ظل الخسائر الكبيرة التي يبلغ عنها مربو النحل حول العالم.

«المنزل المثالي» يغيّر المصير

وفي ختام الدراسة، رأى وانغ أن هذه الاكتشافات تؤكد أن مستعمرة النحل تمثل «كائناً فائقاً» يعمل فيه الأفراد بصورة جماعية لتحويل يرقة عادية إلى أمهم المستقبلية.

وقال: «التغذية الجيدة مهمة، لكن العيش في المنزل المثالي هو ما يغيّر المصير حقاً».


كيف أسهمت تقلبات المناخ في تطوّر النمل عبر العصور؟

 يُقدَّر عدد النمل بنحو 20 مليون مليار (رويترز)
يُقدَّر عدد النمل بنحو 20 مليون مليار (رويترز)
TT

كيف أسهمت تقلبات المناخ في تطوّر النمل عبر العصور؟

 يُقدَّر عدد النمل بنحو 20 مليون مليار (رويترز)
يُقدَّر عدد النمل بنحو 20 مليون مليار (رويترز)

أظهرت دراسة نُشرت الأربعاء أنّ تطوّر النمل الذي يُقدَّر عدده بنحو 20 مليون مليار ويفوق وزنه الإجمالي وزن مختلف الطيور والثدييات البرية، مرتبط بالتغيرات المناخية عبر العصور، بدرجة أكبر مما كان يُعتقد سابقاً.

وتقول المعدّة الرئيسية للدراسة المنشورة في مجلة «رويال سوسايتي أوبن ساينس» جولي كامبانا، إنّ «النمل من الكائنات الحية الدقيقة التي لا ننتبه إليها غالباً، ونميل إلى اختزالها في صورة الكائنات العاملة فقط».

تقول كامبانا، وهي باحثة فرنسية من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي والمركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية: «للنمل أدوار بيئية متنوعة جداً، بدءاً من نشر البذور في الغابات، وهو ما يتيح تجديد النباتات والأشجار، وصولاً إلى تهوية التربة عبر الأنفاق التي تحفرها بعض الأنواع لبناء مستعمراتها».

عوامل حيوية وغير حيوية

بشكل عام، تتأثر العملية التطورية التي تؤدي إلى ظهور أنواع جديدة من النمل، بالعوامل البيئية، أي مجموع العناصر المكوِّنة للطبيعة. وحسب وكالة الصحافة الفرنسية، تنقسم هذه العوامل إلى نوعين: حيوية وغير حيوية.

تتكون العوامل الحيوية من الكائنات الحية، مثل النباتات والحيوانات والفطريات والبكتيريا. أما العوامل غير الحيوية فهي عناصر غير حية، مثل الضوء والماء ودرجة الحرارة والتربة والهواء.

وتقول كامبانا: «أردنا معرفة كيف ظهر هذا العدد الكبير من الأنواع على مدى 140 مليون سنة. لذلك سعينا إلى فهم العوامل البيئية التي ربما أسهمت في ظهور أنواع معينة، أو على العكس، في انقراضها».

كان الإجماع العلمي لفترة طويلة يفترض أن تنوّع النمل كان في الأساس نتيجة لتطور النباتات المزهرة (كاسيات البذور) التي وفّرت للنمل المأوى والغذاء، ولأنّ ثمة نحو 335 ألف نوع منها، أسهمت في فتح الطريق أمام ازدياد تنوّع النمل وتطوّره.

وتضيف الباحثة: «لا تزال النباتات المزهرة عاملاً بيئياً رئيسياً في ديناميكيات تنوّع النمل، لكنها ليست العامل الوحيد».

ولإجراء دراستهم، صنّف العلماء 15 ألف نوع من النمل إلى 30 مجموعة ذات خصائص متشابهة.

ثم أخضعوا هذه المجموعات لسيناريوهات تنوع محتملة مختلفة، تجمع بين أربعة متغيرات بيئية: اثنان للعوامل الحيوية (النباتات المزهرة، والنباتات ذات البذور العارية)، واثنان للعوامل غير الحيوية (درجة الحرارة، ومستوى سطح البحر).

وتقول كامبانا إنّ «الأمر يشبه إلى حدٍّ ما سيناريوهات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، أي سيناريوهات تغير المناخ. لقد اختبرنا سيناريوهات تنوع مختلفة باستخدام المتغيرات الأربعة بشكل منفصل. وبالاعتماد على نماذج احتمالية، حددنا أي سيناريوهات تفسّر بأفضل شكل ما نرصده اليوم من تنوع لدى النمل».

مستوى سطح البحر

يتبيّن بشكل خاص أن التغيرات المناخية، أي تلك المتعلقة بمستوى سطح البحر ودرجات الحرارة، أدّت دوراً أكبر مما كان يُعتقد حتى الآن.

تقول كامبانا: «كنّا حتى الآن نقلّل إلى حدّ ما من أهمية تأثير هذه العوامل البيئية الفيزيائية. لكن دراستنا تُسلط الضوء بشكل أساسي على أن البيئة متعددة العوامل».

يمكن لهذه التغيرات السابقة في مستوى سطح البحر أن تفسّر التاريخ التطوري لمجموعة «سولينوبسيديني» التي ينتمي إليها نوع «أديلوميرميكس كوكو». وكان للتغيرات في درجات الحرارة تأثير في تعزيز تطوّر مجموعة «هيتيروبونيريني» التي ينتمي إليها نوع «هيتيروبونيرا إمبيليس».

وبينما تُعد كاسيات البذور السبب وراء ازدياد أعداد مجموعة «ليبتانيليني» التي ينتمي إليها نوع «ليبتانيلا جابونيكا»، فإن تنوع النباتات عارية البذور هو الذي أسهم في تنوع مجموعة «دوليكوديروس كوادريدينتيكولاتس» مثلاً.

في ظل التغير المناخي المتسارع حالياً، تتيح هذه الدراسة فهم تأثير التغيرات البيئية على التراجع الحالي في التنوع البيولوجي بشكل أفضل، وتوجيه جهود الحفاظ عليه.


فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.