التغير المناخي يساهم في الهجرة... لكن أهم تبعاته النزوح الداخلي

ناشطون بيئيون حلال تجمّع في سيول للتذكير بأخطار التغيّر المناخي (إ.ب.أ)
ناشطون بيئيون حلال تجمّع في سيول للتذكير بأخطار التغيّر المناخي (إ.ب.أ)
TT

التغير المناخي يساهم في الهجرة... لكن أهم تبعاته النزوح الداخلي

ناشطون بيئيون حلال تجمّع في سيول للتذكير بأخطار التغيّر المناخي (إ.ب.أ)
ناشطون بيئيون حلال تجمّع في سيول للتذكير بأخطار التغيّر المناخي (إ.ب.أ)

هل يصبح المناخ الدافع الرئيسي للهجرة في المستقبل؟

من المؤكّد أن التغير المناخي هو حاليا من العوامل التي تقف وراء النزوح السكاني في العالم، إلا أنه نادرا ما يبرر وحده حركات الهجرة، لا بل قد يساهم في وقفها، برأي خبراء.

هذا ما كان موضع إجماع بين عدد من الخبراء الفرنسيين والدوليين جمعهم «معهد تقارب الهجرات» Institut convergence migrations الجمعة في ضاحية باريس، بحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

واتفق الاختصاصيون خلال يوم علميّ نظّم حول هذه المسألة، على رفض التوقعات المقلقة الصادرة عن بعض المنظمات، مثل البنك الدولي الذي حذر من أن تبعات التغير المناخي ستدفع أكثر من 200 مليون شخص إلى الهجرة بحلول العام عام 2050.

وثمة اختلاف حول هذه المسألة وحول الأفق المحدد مستقبلا.

وقال فرنسوا جيمين اختصاصي الهجرة والعضو في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي التابعة للأمم المتحدة، إن «الهجرة المناخية تقدّم بصورة منهجية على أنها ظاهرة مستقبلية. هذا يحجب واقع أن هناك منذ الآن ملايين النازحين نتيجة كوارث مناخية أو التبعات البطيئة الظهور للتغير المناخي».

ومعظم هؤلاء النازحين لا يغادرون دولا فقيرة للانتقال إلى دول غربية، بل هم في غالب الأحيان نازحون داخل بلدانهم.

ومن بين 60 مليون «نازح داخلي» أحصاهم في 31 ديسمير (كانون الأول) 2022 المركز الدولي لمراقبة النزوح الذي تعتبر أرقامه مرجعية، نزح 32,6 مليون شخص بسبب حوادث طبيعية، ربعهم بسبب الفيضانات في باكستان وأكثر من مليون منهم بسبب موجات الجفاف في الصومال.

وتظهر هذه الأرقام برأي أستاذ الجيوسياسة البيئية في معهد العلوم السياسية في باريس أن «عدد النازحين الداخليين بسبب الكوارث الطبيعية يفوق عدد النازحين الداخليين بسبب النزاعات أو أعمال العنف».

لكن فرنسوا جيمين رأى أن من الصعب عزل العامل المناخي في حركات الهجرة عبر العالم، موضحا أن «البيئة تؤثر على قرار الهجرة وتجتمع مع مختلف العوامل التي تدفع على الرحيل».

وقال «حين يتبين أن 70% من الأسر في دول الساحل وحدها تعتمد على زراعة الكفاف التي تبقى إلى حد بعيد رهن التغيرات في معدل هطول الأمطار أو في درجات الحرارة، فمن المؤكد عندها أن لتدهور البيئة وطأة مباشرة على موارد العائلات. وفي هذه الحالات، تكون العوامل الاقتصادية والمناخية للهجرة هي ذاتها إلى حد ما».

وأشار إلى أن «مهاجرين مناخيين كما يصنّفون» قد يكونون من بين الأشخاص الذين وصلوا مؤخرا إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية.

سد تيركوس خارج إسطنبول وقد خلا من المياه بعد تراجع كمية المتساقطات (رويترز)

لاجئ مناخي؟

من جهته، اعتبر عالم الجغرافيا إتيان بيغيه من جامعة نوشاتيل السويسرية أنه «لن يحصل تدفق مهاجرين مناخيين» على أوروبا، متوقعا أن يكون القسم الأكبر من المهاجرين نازحين داخليين أو بين دول الجنوب.

وهذا ما يجعل هذه البلدان نفسها تنضم إلى موقف الغربيين في عدم تأييدها استحداث وضع «لاجئ مناخي»، وهو مفهوم طرح قبل بضع سنوات غير أنه استبعد على المستوى الدولي، ليبقى وضع اللجوء على ارتباط بالاضطهاد السياسي.

ورأى خبير الديموغرافيا فرنسوا إيران المشرف على دراسات الهجرة في معهد كوليج دو فرانس، أن الهجرة في الوقت الحاضر هي شكل من أشكال التكيّف مع التغير المناخي، يعطي نتائج متباينة.

وقال «إذا حل الجفاف ببلد، فهو يقلص موارد الأفراد، ما يحدّ من إمكان الهجرة».

وأكدت الخبيرة الاقتصادية كاتي ميلوك أن «ارتفاع درجات الحرارة في الدول الأكثر فقرا يميل إلى الحد من الهجرة الدولية» ويدفع الأشخاص المعنيين بظاهرة الهجرة إلى النزوح بالأحرى داخل بلادهم.

وأقرت الخبيرة بعدم وجود إجماع علمي في الوقت الحاضر حول العلاقة السببية بين الهجرة والتغير المناخي.

وهذا ما يجعل النقاش حول وضع اللاجئ المناخي مضللا برأي بيغيه الذي يوضح أنه في ضوء تعدد الأسباب خلف هذه الظاهرة إذ يتداخل المناخ تدريجيا مع النزاعات والفقر، فمن الأجدى طرح فكرة «لاجئ للنجاة».


مقالات ذات صلة

200 ألف وفاة جراء القيظ بأوروبا في 4 سنوات... كيف تحمي نفسك من حر الصيف؟

صحتك امرأتان تستخدمان المراوح لمحاربة الحرارة الحارقة خلال موجة الحر في إشبيلية إسبانيا 13 يونيو 2022 (أ.ف.ب)

200 ألف وفاة جراء القيظ بأوروبا في 4 سنوات... كيف تحمي نفسك من حر الصيف؟

حذّرت منظمة الصحة العالمية من تزايد خطر موجات الحر، ودعت إلى إجراءات وقائية تشمل الترطيب والتبريد، وحماية الفئات الأكثر عرضة، لتفادي الوفيات المرتبطة بالحرارة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
يوميات الشرق مؤشرات مناخية تنذر بصيف أشد حرارة في السعودية والخليج (واس)

«النينيو» يقترب... وصيف الخليج أمام موجات حر أشد وتقلبات مطرية

بين صيف أكثر سخونة واحتمالات أمطار وسيول خلال الخريف، ترسم أحدث التقارير المناخية الصادرة في السعودية ملامح موسم استثنائي يرتبط بتطور تدريجي محتمل لـ«النينيو».

أسماء الغابري (جدة)
بيئة  يُقدَّر عدد النمل بنحو 20 مليون مليار (رويترز)

كيف أسهمت تقلبات المناخ في تطوّر النمل عبر العصور؟

أظهرت دراسة جديدة أنّ تطوّر النمل الذي يُقدَّر عدده بنحو 20 مليون مليار ويفوق وزنه الإجمالي وزن مختلف الطيور والثدييات البرية، مرتبط بالتغيرات المناخية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية المسابقة قد تولد 7.8 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون (أ.ف.ب)

تدقيق في تأثير توسيع كأس العالم على المناخ مع توقع زيادة الانبعاثات

تنطلق نهائيات كأس العالم لكرة القدم يوم الخميس وسط أجواء من الإثارة والتشجيع، لكن تأثيرها على المناخ من المتوقع أيضاً أن يزيد بأكثر من المثلين عن نهائيات 2022.

«الشرق الأوسط» (مانشستر (إنجلترا))
الولايات المتحدة​ مئات الأشخاص تجمّعوا لحضور حصة يوغا عامة في الصباح الباكر على شاطئ أوك ستريت المطل على بحيرة ميشيغان في شيكاغو بالولايات المتحدة 6 يونيو 2026 (د.ب.أ)

أميركا تسجّل هذا العام ثاني أحر ربيع في تاريخها

سجّلت الولايات المتحدة ثاني أدفأ ربيع في تاريخها عام 2026، مع جفاف واسع ودرجات حرارة قياسية في ولايات عدّة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».


دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
TT

دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)

لطالما اعتقد العلماء، على مدى عقود، أن مصير يرقة نحل العسل في أن تصبح ملكة بدلاً من عاملة يتحدد حصراً من خلال تغذيتها على الغذاء الملكي الغني بالعناصر الغذائية، إلا أن دراسة جديدة تُعدّ اختراقاً علمياً تشير إلى أن البيئة الفيزيائية والكيميائية للغرفة التي تنمو فيها اليرقة تؤدي دوراً حاسماً أيضاً في تشكيل الملكة المستقبلية.

«القصر الملكي» لا يقل أهمية عن الغذاء الملكي

أظهرت الدراسة (نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلها موقع «إندي 100») أن الخلية الشمعية الخاصة التي تبنيها العاملات لتربية ملكة جديدة ليست مجرد وعاء سلبي، بل تؤدي وظيفة أساسية في عملية النمو.

وقال كاي وانغ، الباحث في معهد أبحاث تربية النحل التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية أحد قادة الدراسة: «الغذاء الملكي لا يعني شيئاً من دون قصر ملكي».

ويتكوَّن عش نحل العسل عادة من خلايا شمعية سداسية الشكل تفرزها العاملات وتُستخدم لتخزين الغذاء أو تربية الصغار. لكن المستعمرة تبني أيضاً نوعاً ثالثاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية. وتُعرف هذه الحجرات لدى مربي النحل بأنها مؤشر على الاستعداد للتطريد أو استبدال الملكة، وتُشبِه في شكلها قشرة الفول السوداني، وتتدلى إلى الأسفل من قرص العسل.

حاضنة ذكية مصممة بعناية

وأوضح وانغ أن هذه الحجرات المتخصصة تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة.

وكشفت الدراسة، التي ركزت على نحل العسل الغربي، أن الشمع المستخدَم في بناء الخلايا الملكية يتمتع بخصائص فريدة؛ فهو أكثر ليونة، ويذوب عند درجة حرارة أعلى، كما يطلق «عطراً» كيميائياً مختلفاً.

ويرى الباحثون أن الجدران الأكثر ليونة توفر مساحة كافية لتمدد اليرقة أثناء نموها، في حين قد تعمل الروائح الخاصة بوصفها محفزات هرمونية مهمة.

وأظهرت النتائج أنه حتى عندما تتغذى اليرقات على الغذاء الملكي، فإن تعرضها لشمع الخلايا العادية الخاصة بالعاملات يؤدي إلى تراجع جودة تطورها كملكات وارتفاع معدلات النفوق بشكل ملحوظ.

ويشير ذلك إلى أن «رائحة وملمس» الشمع الملكي عنصران أساسيان لبقاء اليرقة وتحولها إلى ملكة.

الحجرات المتخصصة لملكات النحل تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة (بكسلز)

العاملات يتحولن إلى «أفران حية»

كما أظهرت الدراسة أن العاملات المكلفة بناء الخلايا الملكية تخضع لتغيرات لافتة أثناء أداء هذه المهمة؛ فقد تبين أن درجة حرارة منطقة الصدر لديها ترتفع بشكل غير معتاد، كما تتغير أنماط نشاط بعض الجينات لديها.

وقال وانغ: «لصياغة هذا الشمع الخاص الذي يتمتع بدرجة انصهار مرتفعة، يتعين على هذه العاملات الفتيَّة أن تحوّل أجسامها إلى أفران حية صغيرة؛ إذ ترتفع حرارة صدورها إلى أكثر من 39 درجة مئوية، كما لو أنها تعاني من الحمى».

وأوضح أن هذه النحلات لا تنتمي إلى فئة متخصصة دائمة، بل هي «عاملات عادية ومرنة» تتولى دوراً مؤقتاً وطارئاً.

وخلال هذه الفترة تتغير أنماط التعبير الجيني لديها لمساعدتها على معالجة الشمع، ما يجعلها «متعددة المهام بامتياز»، إذ تبني الخلايا الملكية، وفي الوقت نفسه تواصل مهامها اليومية، مثل توزيع الغذاء وتفقد الخلايا الأخرى.

تحدٍّ لمعتقد علمي راسخ

وأعرب وانغ عن دهشته من أن الفرضية الراسخة التي سادت طويلاً، القائلة إن الغذاء الملكي وحده هو المسؤول عن تحديد مصير الملكة، تبيّن أنها غير مكتملة.

ورغم أن الدراسة لم تحدد بعد العامل الدقيق المسؤول داخل الشمع، فإن الخطوة التالية تتمثل في اكتشاف «المفتاح الجزيئي» الذي يطلق عملية التحول.

وقال وانغ: «نريد معرفة أي رائحة كيميائية أو أي إحساس فيزيائي هو الذي يخبر الحمض النووي ليرقة الملكة: أنتِ الملكة».

آثار تمتد إلى ما وراء النحل

ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد لا تقتصر على نحل العسل فقط، بل ربما تنطبق أيضاً على حشرات اجتماعية أخرى؛ حيث قد تؤدي الهياكل التي تبنيها، مثل أعشاش النمل الأبيض أو الدبابير، وظائف تتجاوز مجرد توفير المأوى لتؤثر في تطور المستعمرة نفسها.

أهمية كبيرة لمربي النحل والزراعة

ومن الناحية العملية، قد تساعد هذه النتائج مربي النحل على إنتاج ملكات أكثر صحة وكفاءة، وفقاً لبوريس باير، أستاذ صحة الملقحات في جامعة كاليفورنيا - ريفرسايد، أحد قادة الدراسة.

وتُعد الملكات السليمة عنصراً أساسياً للحفاظ على مستعمرات قوية، وهي بدورها ضرورية لتلقيح أكثر من 80 محصولاً زراعياً رئيسياً.

وأشار باير إلى أن الفهم الأعمق للآليات الطبيعية التي تنتج من خلالها المستعمرات ملكات عالية الجودة قد يسهم في دعم تجمعات نحل أكثر قدرة على الصمود؛ خصوصاً في ظل الخسائر الكبيرة التي يبلغ عنها مربو النحل حول العالم.

«المنزل المثالي» يغيّر المصير

وفي ختام الدراسة، رأى وانغ أن هذه الاكتشافات تؤكد أن مستعمرة النحل تمثل «كائناً فائقاً» يعمل فيه الأفراد بصورة جماعية لتحويل يرقة عادية إلى أمهم المستقبلية.

وقال: «التغذية الجيدة مهمة، لكن العيش في المنزل المثالي هو ما يغيّر المصير حقاً».