إنهاء الحروب على طريقة ترمب... دبلوماسية «اللامتوقع»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يعتمد على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يعتمد على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق (أ.ب)
TT

إنهاء الحروب على طريقة ترمب... دبلوماسية «اللامتوقع»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يعتمد على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يعتمد على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق (أ.ب)

في عام 1906 حصل الرئيس الأميركي، تيودور روزفلت (جمهوري)، على جائزة نوبل للسلام بسبب توسّطه في الحرب اليابانيّة الروسيّة. شكّلت هذه الحرب هزيمة مدوية لروسيا، وهي أول حرب تنتصر فيها دولة آسيويّة على دولة غربيّة في العصر الحديث.

آمن روزفلت بعقيدة الرئيس جيمس مونرو، لكنه طوّرها لرسم منطقة نفوذ أميركية في القارة الأميركيّة، كما حق التدخّل العسكري عند الحاجة. لكنه، أي روزفلت، آمن أيضاً بدور أميركا في العالم، وهو الذي أرسل الأسطول الأبيض ليجوب بحار العالم إعلاناً عن صعود أميركا بصفتها «قوة بحرية كونيّة». اعترف روزفلت بمنطقة نفوذ اليابان في شرق آسيا، الأمر الذي وضع شبه الجزيرة الكورية تحت الهيمنة اليابانيّة.

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب خلال قمة «جي 20» في أوساكا (اليابان) في 29 يونيو 2019 (رويترز)

يسعى الرئيس دونالد ترمب (جمهوري) للحصول على جائزة نوبل للسلام، عبر سعيه لهندسة الحلول للحروب الدائرة في كل من أوكرانيا وقطاع غزة. كما يسعى لرسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية في كل من غرينلاند، وقناة بنما وكندا؛ الأمر الذي حدا بالكثير من المفكّرين إلى القول والتنظير بعودة مفهوم «مناطق النفوذ». تهيمن حالياً الصين على محيطها المُباشر، فهل سيعترف ترمب بمنطقة نفوذ صينيّة تضمّ تايوان؟

يختلف ترمب عن روزفلت في اعتماده على الجيواقتصاد بدل الجيوسياسة. كما يختلف عما قاله روزفلت حول الوسائل التي يجب على الدولة استعمالها في الدبلوماسيّة: «تحدّث بلطف، لكن احمل عصا غليظة، وسوف تذهب بعيداً». لا يعتمد ترمب على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق. لا بل كلامه مباشر، وجلف، وعلني، ومُهين في بعض الأوقات، ومباشر لبعض الضيوف من رؤساء الدول، وفي البيت الأبيض.

صورة مركبة للرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

في الحرب الروسيّة - الصينيّة، كانت اليابان هي الرابح المُطلق. لكن في الحرب الأوكرانية وفي قطاع غزة، لم يتضح حتى الآن من هو الرابح، حتى ولو كانت الكفة تميل إلى كل إسرائيل وروسيا.

ساهمت سياسات الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان (جمهوري) في تسريع سقوط الاتحاد السوفياتي، خاصة عبر جرّ السوفيات إلى سباق التسلّح، وأهمها «مبادرة الدفاع الاستراتيجيّ» عام 1983، التي سُمّيت بـ«حرب النجوم». أعلن الرئيس ترمب مؤخراً مشروع بناء «القبّة الذهبيّة»، بهدف حماية الأرض الأميركية من الصواريخ التي تُطلق من الأعداء. تقدّر تكلفة هذه القبة بـ175 مليار دولار، وتؤمّن، وحسب ترمب، حماية أميركا بنسبة قريبة من الـ100 في المائة.

لا يسعى الرئيس ترمب إلى إسقاط روسيا الحالية. كما لا يسعى إلى ضرب الأهداف الجيوسياسيّة للرئيس فلاديمير بوتين، في أوروبا الشرقيّة، وخاصة في أوكرانيا. لا بل، يُفسّر سلوكه على أنه عملية إنقاذ للرئيس بوتين في حربه المُتعثّرة في أوكرانيا.

إطلاق قذيفة مدفعية من قبل وحدة أوكرانية باتجاه المواقع الروسية (رويترز)

هندسة الحلول

في الأزمة الكوبية، هندس الرئيس جون كينيدي الحل عبر القنوات السريّة، وليس عبر المؤسسات الدولية. فهو فعلاً فضح الخداع السوفياتي حول نشر صواريخ نوويّة في كوبا، بعد أن عرض الصور الجويّة في مجلس الأمن التي تؤكّد ذلك.

في عام 1952، هدّد الرئيس دوايت أيزنهاور باستعمال السلاح النووي، وذلك في محاولة لإنهاء الحرب الكوريّة. شكّل السلاح النووي في ذلك الوقت أكبر رادع لأعداء الولايات المتحدة الأميركيّة - الرد الشامل (Total Response)، وذلك حتى بدء الحرب الفيتنامية، حيث اعتمد مبدأ الرد المرن (Flexible Response). في الحرب الفيتنامية، هندس هنري كيسنجر الحل عبر التصعيد، كما الدبلوماسيّة في باريس، وفي الوقت نفسه عبر اعتماد استراتيجيّة «الرجل المجنون» في العلاقات الدوليّة، (Mad Man Theory)، التي تشير إلى أن «القائد غير عقلانيّ، غير مُتوقّع؛ الأمر الذي يكسب هذا القائد ميزة وتفوّقاً في التفاوض».

يقول الخبراء إن هناك نمطاً أصبح واضحاً ومعروفاً لسلوك الرئيس ترمب في علاقاته الدولية، ألا وهو «اللامُتوقّع»، (Unpredictability)، لكن من دون مبدأ «الرجل المجنون»، الذي يتطلّب التهديد بالقوّة العسكريّة. لكن تكرار السلوك غير المتوقّع، سيؤدّي حكماً إلى تظهّر نمط واضح، ليصبح اللامتوقع متوقّعاً.

دمار في غزة جراء الحرب الإسرائيلية (أ.ب)

وإذا صدقت مقولة «إن على كل حرب أن تنتهي»، فمن الضروري إذن هندسة الحلول. تنتهي الحرب إما بانتصار فريق على آخر، أو عبر التفاوض، خاصة إذا أصبحت الحرب مُكلفة، وبعد أن وصلت إلى امتدادها الأقصى. عند الهندسة، يجب إرضاء الأفرقاء المتقاتلة. فالمهمّ هو في الصورة، وفي كيفيّة إخراج الحل. وهنا قد تُطرح الكثير من الأسئلة حول الحرب الأوكرانيّة، وهي:

تعتبر الحرب لأوكرانيا على أنها مسألة حياة أو موت. فهل ستتخلى عن الشرق الأوكراني حيث الثروات الطبيعيّة، ووحدة الأرض؟ فما هو الحد الأدنى الذي من الممكن أن تقبل به أوكرانيا؟ وكيف سيتم إخراج صورة الحل؟ خاصة أن التفاوض حول إنهاء الحرب يحصل علناً، ومع تسريب من وقت إلى آخر لخرائط عن التنازلات الأوكرانية لصالح روسيا. هذا بالإضافة إلى غياب البعد العسكري (عصا روزفلت) الأميركي تجاه روسيا، ومحاولة إضعاف الحليف الأوكراني عبر حرمانه من العصا العسكريّة.

تعتبر أوكرانيا في العقل الروسي على أنها روسيا الصغرى. وهي جزء أساسي وحيوي من الأمن القومي الروسي. وحسب المفكّر الأميركي الراحل زبيغنيو بريجينسكي، لا يمكن لروسيا استعادة موقعها باعتبارها قوة عظمى من دون السيطرة على أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

العالم جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

فرضت واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو، في خطوة تأتي وسط تعثر يشهده مسار السلام الذي ترعاه واشنطن منذ أكثر من عام.

محمد محمود (القاهرة )
خاص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً في الكرملين بموسكو (أ.ب)

خاص موسكو وكييف تبحثان عن أوراق تفاوض تحت النار

يرى الغرب أن الكرملين يُحاول تحويل التصعيد الميداني إلى أداة تفاوض عبر رفع تكلفة الحرب على أوكرانيا وحلفائها.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز) p-circle

ترمب يقترح ترشّح فانس وروبيو معاً في انتخابات الرئاسة المقبلة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن ترشح نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، معاً للانتخابات الرئاسية عام 2028 سيجعلهما «لا يُهزمان».

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
رياضة عالمية حصل المنتخب الإيراني على تأشيرات الدخول إلى المكسيك استعداداً لمونديال 2026 لكرة القدم (أ.ب)

مونديال 2026: إيران تحصل على تأشيرات دخول المكسيك

حصل المنتخب الإيراني على تأشيرات الدخول إلى المكسيك استعداداً لمونديال 2026 لكرة القدم وفق ما أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي الأربعاء

«الشرق الأوسط» (طهران)
رياضة عالمية تمثل كأس العالم المسرح الأكبر في عالم كرة القدم وتعد اختباراً حاسماً لبعض مشغلي القطارات والحافلات (أ.ب)

كأس العالم 2026 اختبار حاسم لقطاع النقل في أميركا الشمالية

تمثل كأس العالم 2026 المسرح الأكبر في عالم كرة القدم، وتعد اختباراً حاسماً بالغ الأهمية لبعض مشغلي القطارات والحافلات في أميركا الشمالية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).


روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
TT

روبيو: ترمب سيحضر قمة «الناتو» في تركيا خلال يوليو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (الأربعاء)، إن الرئيس دونالد ترمب سيحضر اجتماع ​رؤساء دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، المقرر في تركيا خلال يوليو (تموز)، وهو تأكيد من شأنه أن يُثير ارتياحاً واسعاً في دول الحلف، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وبينما يحرص الرؤساء الأميركيون عادة على حضور قمم الحلف نظراً لكون واشنطن قائدة الحلف، فقد أُثيرت ‌تساؤلات حول حضور ‌ترمب هذا العام، ​إذ ‌عبّر ⁠مراراً ​عن غضبه ⁠من التحالف لما وصفه بتردده في مساعدة الولايات المتحدة في الحرب مع إيران.

وفي جلسة استماع أمام الكونغرس، اليوم (الأربعاء)، تطرق روبيو إلى إحباطات ترمب، قائلاً إن مصدر استيائه الرئيسي هو رفض ⁠بعض الأعضاء السماح للولايات المتحدة باستخدام ‌قواعدها العسكرية في ‌تلك الدول في وقت الأزمات.

وأكد ​روبيو أن ترمب، ‌رغم خيبة أمله من الحلف، سيحضر ‌الاجتماع.

وقال وزير الخارجية: «لا تزال الولايات المتحدة عضواً في حلف الأطلسي، وسنكون حاضرين في تركيا لمناقشة جميع هذه المواضيع. سيحضر الرئيس بنفسه الاجتماع المقبل ‌لرؤساء دول الحلف، حيث سيتم توضيح جميع هذه النقاط».

وقاومت عدة دول ⁠أعضاء ⁠في الحلف دعم الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، وذلك بمنع الطائرات العسكرية الأميركية من استخدام مجالها الجوي، أو برفض إرسال قوات بحرية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز.

ووصف ترمب الحلف مراراً بأنه «نمر من ورق»، وهدّد بالانسحاب من التحالف المكون من 32 عضواً في الأسابيع الأخيرة، بحجة أن حلفاء واشنطن الأوروبيين اعتمدوا ​على الضمانات الأمنية ​الأميركية، بينما قدّموا دعماً غير كافٍ لحملة القصف الأميركية والإسرائيلية في إيران.


عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
TT

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

فرضت واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو، في خطوة تأتي وسط تعثر يشهده مسار السلام الذي ترعاه واشنطن منذ أكثر من عام، وتفشي وباء «إيبولا» مع تصاعد المواجهات المسلحة.

تلك العقوبات، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، قد «تُطوّق التهديدات المستمرة من جانب حركة (23 مارس) وقوات تحرير رواندا، اللتين تعدان أساس اشتعال النزاع في الكونغو»، مؤكداً أن «العقوبات لن تكون وحدها دافعاً للتفاهم، بل أداة من الأدوات التي يجب أن تتواصل فيها الضغوط لبحث إمكانية التوصل إلى سلام دائم».

وتواجه الكونغو الديمقراطية تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ عدة سنوات؛ إذ يواجه الجيش في شرق البلاد تحالفاً يضم حركة «23 مارس» و«تحالف القوى الديمقراطية». وتسعى «23 مارس» إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وهي تُسيطر على مناطق محاذية لرواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها، فيما يُعد «تحالف القوى الديمقراطية» جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية - الأوغندية، ويرتبط بتنظيم «داعش».

وأعلنت الولايات المتحدة، أخيراً، فرض إجراءات إضافية لمواجهة التهديدات التي «تواجه الاستقرار والازدهار» في شرق الكونغو الديمقراطية، بفرض عقوبات على غوستاف كوبوايو، القيادي الاستخباري في القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وجون إيماني نزينزي، رئيس الاستخبارات في حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا.

استمرار العنف

اتهمت واشنطن هذين القياديين، في بيان وزارة الخارجية الأميركية، مساء الثلاثاء بـ«ارتكاب أعمال عنف وعمليات قتل وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهجمات على المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا»، مؤكدةً أنها «ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لتعزيز الاستقرار الدائم في المنطقة».

وفي 30 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات على الرئيس ‌السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، لدوره في دعم حركة «23 مارس».

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافةً إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا عن تقدم بعد.

أداة ضغط

وفقاً لتقديرات المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، فإن العقوبات الأميركية تمثل أداة ضغط سياسية واقتصادية مهمة، إذ تستهدف القيادات المتهمة بتأجيج الصراع أو دعمه، وتبعث برسالة مفادها أن المجتمع الدولي يراقب الانتهاكات ويحمّل المسؤولين عنها تبعات مباشرة.

وقد تسهم هذه الإجراءات، حسب عيسى في «تقييد حركة بعض الفاعلين المسلحين، والحد من مصادر تمويلهم، ورفع تكلفة الاستمرار في القتال»، مُستدركاً: «غير أن قدرة العقوبات على إنهاء النزاع تظل محدودة إذا لم تترافق مع مسار سياسي وأمني شامل». وأكد أن «الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يرتبط بتشابكات عرقية وأمنية وإقليمية معقدة، فضلاً عن التنافس على الموارد الطبيعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. لذلك فإن العقوبات قد تدفع الأطراف نحو التفاوض أو تخفف من وتيرة التصعيد، لكنها لا تكفي وحدها لإرساء سلام دائم».

وتأتي هذه العقوبات مع استمرار النزاع المسلح، وسط أزمة صحية كبيرة تواجهها الكونغو بمنطقة الصراعات.

وأعلنت الحكومة في الكونغو الديمقراطية، الثلاثاء، إعادة فتح المطار الرئيسي في إقليم إيتوري شرق البلاد، بؤرة تفشي فيروس إيبولا، بعد إغلاق لمدة عشرة أيام لأسباب تتعلّق بالسلامة العامة.

جمود جهود السلام

لم تسجل فرص السلام أي تقدم خلال الأسابيع الماضية، رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين انسحاب تحالف «23 مارس» من عدّة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، وذلك نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته «رويترز» في 13 مايو (أيار) الماضي.

وعن ردود فعل المتمردين بعد العقوبات، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أنه من الصعب الجزم بمسار واحد، لكن قراءة تجارب العقوبات السابقة على الجماعات المسلحة في شرق الكونغو تشير إلى ثلاثة احتمالات رئيسية بين التصعيد وإظهار عدم التأثر بالعقوبات أو إبداء مرونة سياسية أكبر إذا شعرت بأن العقوبات جزء من ضغط دولي وإقليمي متكامل، أو المزج بين الأمرين عبر استمرار التوترات والاشتباكات المحدودة على الأرض مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

ويخلص إلى أن العقوبات لن تؤدي وحدها إلى تهدئة فورية، وأنه غير مستبعد حدوث موجة تصعيد محدودة خلال الأشهر المقبلة، موضحاً «لكن استمرار الضغوط الدولية، قد يدفع الأطراف تدريجياً إلى تفضيل التفاوض على المواجهة».