المحكمة العليا تمنح الجمهوريين أفضلية قبل انتخابات نوفمبر النصفية

الديمقراطيون يخشون تداعيات تغيير الدوائر على صوت الأقليات

أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
TT

المحكمة العليا تمنح الجمهوريين أفضلية قبل انتخابات نوفمبر النصفية

أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)

لم تعُد معركة إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة خلافاً تقنياً حول حدود جغرافية، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية على مستقبل السلطة في واشنطن.

فقرار المحكمة العليا رفض طلب الديمقراطيين في فيرجينيا استخدام خريطة جديدة، أقرّها الناخبون في استفتاء منحهم أفضلية واضحة، جاء في لحظة تتداخل فيها الحسابات القضائية مع رهانات الانتخابات النصفية، ومع محاولة كل حزب أن يدخل نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بأكبر قدر ممكن من المقاعد «المضمونة» قبل أن يبدأ الناخبون التصويت فعلياً. وبذلك، لم يُلغِ القرار خريطة محلية فحسب، بل ثبّت ميزاناً وطنياً يميل مؤقتاً إلى مصلحة الجمهوريين في حرب إعادة رسم التمثيل السياسي.

حكم إجرائي بأثر سياسي

حسب تحليلات صحافية أميركية، فقد استندت معركة فيرجينيا إلى مسألة إجرائية: هل كان يحق للديمقراطيين إطلاق مسار تعديل دستوري لإعادة رسم الخريطة بعد بدء التصويت المبكر في انتخابات الولاية؟

المحكمة العليا في فيرجينيا أجابت بالنفي، لافتة إلى أن العملية انتهكت دستور الولاية، ثم رفضت المحكمة العليا الأميركية التدخل لإحياء الخريطة. لكن الأثر السياسي كان أكبر بكثير من النص القانوني. فالخريطة الملغاة كانت ستجعل الديمقراطيين في موقع متقدم في 10 من أصل 11 دائرة، وربما تمنحهم ما يصل إلى أربعة مقاعد إضافية في مجلس النواب.

لهذا، بدا القرار، رغم صدوره في أمر مقتضب بلا تعليل أو أصوات مخالفة معلنة، بوصفه جزءاً من تسلسل أوسع من القرارات التي تعيد تشكيل قواعد المنافسة. الجمهوريون رأوا فيه تأكيداً أن الديمقراطيين حاولوا «تغيير الدستور عبر انتهاكه»، في حين اتهمت قيادات ديمقراطية المحاكم بأنها ألغت إرادة أكثر من ثلاثة ملايين ناخب صوّتوا في الاستفتاء.

حرب خرائط تتجاوز فيرجينيا

بدأت هذه الجولة من الصراع حين ضغط الرئيس دونالد ترمب على ولايات جمهورية لإعادة ترسيم الدوائر، وهي خطوة غير مألوفة في الفترة الممتدة بين إحصاءين سكانيين.

وبالفعل فتحت ولاية تكساس الباب، لترد ولاية كاليفورنيا بخريطة ديمقراطية، قبل أن تتوسع العملية إلى ولايات أخرى. لكن الفارق أن الجمهوريين يملكون فرصاً أكبر في الجنوب والولايات التي يسيطرون فيها على المجالس التشريعية والحكام، مما يجعل قدرتهم على تحويل الخريطة إلى مقاعد إضافية أكبر من قدرة الديمقراطيين على الرد بالمثل.

وتشير التقديرات التي حفلت بها وسائل الإعلام، إلى أن الجمهوريين قد يحققون مكاسب صافية تتراوح بين سبعة وعشرة أو حتى اثني عشر مقعداً بفعل إعادة الترسيم والقرارات القضائية الأخيرة. وفي مجلس النواب، حيث يكفي هامش ضئيل لتحديد الأغلبية، يصبح كل مقعد مرسوماً سلفاً بحجم ولاية سياسية كاملة. لذلك لا يمكن فصل قرار فيرجينيا عن قرارات أوسع، منها ما يتعلق بتقليص نطاق قانون حقوق التصويت، والسماح لولايات جنوبية بإعادة تفكيك دوائر كانت تمنح الأقليات، خصوصاً الناخبين السود، قدرة أكبر على التأثير.

الجنوب وسؤال تمثيل الأقليات

الأثر الأعمق لهذه المعركة يظهر في الجنوب، حيث تتداخل إعادة الترسيم مع تاريخ طويل من الصراع على تمثيل الأميركيين السود. فبعد تضييق المحكمة العليا إمكانية الطعن في الخرائط على أساس التمييز العرقي، وجدت ولايات جمهورية فرصة للتحرك سريعاً ضد دوائر ديمقراطية تميل إلى تمثيل الأقليات. فالولايات «الحمراء» مثل ألاباما وتينيسي وميسيسبي وجورجيا، ليست مجرد ساحات انتخابية، بل رموز لمعركة قديمة حول من يُحتسب صوته، ومن تُجزّأ قوته داخل دوائر مصممة بعناية.

وحسب موقع «أكسيوس»، تستعدّ منظمات حقوق التصويت لـ«صيف من المظاهرات» في الجنوب، يبدأ من مدينة سلمى، بما تحمله من رمزية مرتبطة بإرث حركة الحقوق المدنية. فالرسالة التي يحاول المنظمون إيصالها أن ما يجري ليس نزاعاً حزبياً محدوداً، بل محاولة لإعادة هندسة التمثيل قبل انتخابات 2026، وتمهيداً لمعركة 2028. ويخشى ناشطون أن تؤدي الخرائط الجديدة إلى خسارة 10 أو 15 نائباً أسود مقاعدهم في «الكونغرس»، وهو رقم كفيل بتغيير صورة الحزب الديمقراطي نفسه، لا فقط موازين مجلس النواب.

في المقابل، لا يخوض الجمهوريون هذه المعركة بوصفها دفاعاً عن تمييز عرقي، بل بوصفها تصحيحاً لخرائط يرون أنها صُمّمت لمصلحة الديمقراطيين، أو بوصفها استعادة لسلطة الولايات في رسم دوائرها. غير أن توقيت التحرك، وتركيزه على دوائر الأقليات، يجعلان الخط الفاصل بين «الهندسة الحزبية» و«إضعاف التمثيل العرقي» أكثر ضبابية.

الاقتصاد والخرائط والمال السياسي

لا تأتي هذه الانتصارات القضائية في فراغ. فالجمهوريون يدخلون انتخابات نوفمبر وهم يواجهون تاريخاً انتخابياً لا يرحم الحزب الحاكم في الانتخابات النصفية، إلى جانب اقتصاد مُثقل بتداعيات الحرب في إيران وارتفاع الأسعار وتراجع ثقة الناخبين بإدارة ترمب للملف المعيشي.

لكن صحيفة «وول ستريت جورنال» قالت إن حملة الرئيس وحلفائه تراهن على ثلاثة عناصر لتعويض هذه الكلفة: خرائط أكثر ملاءمة، وكتلة مالية ضخمة، ورسالة هجومية تصوّر عودة الديمقراطيين إلى السيطرة بوصفها الرجوع إلى الفوضى والتضخم والجريمة والهجرة غير المضبوطة.

وتشير الصحيفة إلى دور لجنة سياسية متحالفة مع ترمب تملك 347 مليون دولار، فيما يتمتع الجمهوريون بفارق كبير في السيولة لدى اللجنة الوطنية للحزب مقارنة بالديمقراطيين. وإذا أُضيفت هذه الموارد إلى برنامج تعبئة انتخابية قائم على بيانات حملة 2024، وإلى خطة لمشاركة ترمب في نحو 30 فعالية انتخابية، فإن الحزب يحاول تحويل الانتخابات من استفتاء على الرئيس إلى مقارنة بين «ألم اقتصادي حالي» و«خوف من عودة الديمقراطيين».

ومع ذلك، يرى المحللون أن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضها الداخلي. فالناخب الذي يملأ خزان سيارته ويدفع تكلفة أعلى للبقالة قد لا تكفيه خريطة انتخابية مواتية أو إعلان هجومي ضد الديمقراطيين. لكن في نظام انتخابي يقوم على الدوائر الفردية، قد يكون التحكم بالخريطة قادراً على تخفيف أثر المزاج الوطني، أو حتى تحييده جزئياً.


مقالات ذات صلة

ضربة أميركية تطيح بثاني رجال «داعش» في نيجيريا

أفريقيا صورة لهياكل مدمرة نتيجة غارات أميركية على مسلحين لم يُكشف عن هويتهم مرتبطين بتنظيم «داعش» في 27 ديسمبر 2025 بنيجيريا (أ.ف.ب)

ضربة أميركية تطيح بثاني رجال «داعش» في نيجيريا

أكّدت نيجيريا أن مقتل المنوكي يعني القضاء على «حلقة وصل حيوية» كان «داعش» يُنسّق العمليات من خلالها في مناطق مختلفة حول العالم.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 6 أبريل 2026 (أ.ب)

حزمة خيارات أمام ترمب لاستئناف الحرب على إيران

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات كبرى بشأن إيران، في وقت أعد فيه كبار مساعديه خططاً للعودة إلى الضربات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا جنود من جيش كندا خلال أحد التدريبات (الجيش الكندي عبر فيسبوك) p-circle

كندا تعزز علاقاتها الدفاعية في القطب الشمالي بعد تهديدات ترمب

منذ أن أطلق الرئيس ‌الأميركي دونالد ترمب وابلاً من التهديدات بالسيطرة على غرينلاند، تسعى السلطات في الجزيرة للحصول على المساعدة من كندا، حليفها في الشمال.

«الشرق الأوسط» (كمبردج باي)
آسيا شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان في بكين يوم 3 سبتمبر 2025 (إ.ب.أ)

بعد أيام من زيارة ترمب... بكين تستعدّ لاستضافة بوتين

بوتين وشي سيبحثان سبل «تعزيز الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي» خلال الزيارة التي تستمر يومين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)

«لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة»... لماذا تخلّص الأميركيون من هدايا بكين؟

التخلص من الهدايا الصينية قبل مغادرة بكين كشف حجم انعدام الثقة بين واشنطن وبكين وتحول الصراع إلى حرب أمنية وتكنولوجية صامتة.

كوثر وكيل (لندن)

«لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة»... لماذا تخلّص الأميركيون من هدايا بكين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)
TT

«لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة»... لماذا تخلّص الأميركيون من هدايا بكين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)

كان الليل يهبط ببطء على مطار بكين، بينما كانت الطائرة الرئاسية الأميركية «إير فورس وان» تستعد للإقلاع عائدة إلى واشنطن. في الأسفل، قرب السلم المعدني المؤدي إلى الطائرة، بدا المشهد غريباً حتى بالنسبة للصحافيين المخضرمين الذين رافقوا الرؤساء الأميركيين في زيارات لا تُحصى حول العالم.

موظفون أميركيون يتحركون بسرعة، يجمعون بطاقات الاعتماد الرسمية، والهواتف المؤقتة، والشارات التعريفية، وحتى بعض الهدايا التذكارية التي وُزعت خلال الزيارة. لم تكن هناك حقائب مخصصة للحفظ، ولا صناديق للشحن الدبلوماسي، بل حاوية نفايات كبيرة عند أسفل الطائرة، انتهى فيها كل شيء تقريباً.

صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي نشرتها وسائل إعلام آسيوية وأميركية

الصحافية الأميركية إيميلي غودين، التي كانت ضمن الوفد الإعلامي المرافق، كتبت لاحقاً في منشور لافت على منصة« إكس»:

«الموظفون الأميركيون أخذوا كل ما وزعه المسؤولون الصينيون بطاقات الاعتماد، الهواتف المؤقتة الخاصة بموظفي البيت الأبيض، شارات الوفد جمعوها قبل أن نصعد إلى الطائرة الرئاسية وألقوها في سلة قمامة عند أسفل الدرج. لا شيء من الصين يُسمح له بالصعود إلى متن الطائرة».

في الظاهر، بدا المشهد أقرب إلى مبالغة أمنية، لكن داخل العقل الاستراتيجي الأميركي، لم تكن المسألة مرتبطة بهدايا أو أوراق تعريف، بل بحرب كاملة تُخاض بصمت بين القوتين الأكبر في العالم، حرب لا تستخدم فيها الصواريخ فقط، بل البيانات والشرائح الإلكترونية والإشارات الرقمية.

من المجاملة الدبلوماسية إلى «الخطر المحتمل»

في الأعراف الدبلوماسية، تُعدُّ الهدايا جزءاً من لغة السياسة الناعمة. سجاد فاخر، أقلام مذهبة، تحف تقليدية، أو مقتنيات تحمل رمزية ثقافية، كلها أدوات تستخدمها الدول لتليين المناخ السياسي وبناء صورة إيجابية لدى الضيوف.

لكن ما حدث في بكين كشف أن العلاقات الأميركية الصينية تجاوزت منذ وقت طويل مرحلة المجاملات التقليدية.

فبحسب تقارير نشرتها صحف أميركية وآسيوية، تلقى أعضاء الوفد الأميركي تعليمات أمنية صارمة قبل الزيارة وبعدها.

التعليمات شملت استخدام «هواتف حارقة» مخصصة للاستخدام المؤقت، وعدم حمل الأجهزة الشخصية، إضافة إلى التخلص من أي معدات أو أدوات مصدرها الجانب الصيني بعد انتهاء الزيارة مباشرة، «لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة».

داخل المؤسسات الأمنية الأميركية، هناك قناعة راسخة بأن أي جهاز إلكتروني مهما بدا بسيطاً يمكن أن يتحول إلى أداة اختراق أو جمع معلومات. ولهذا، لم يعد التعامل الحذر مقتصراً على الحواسيب أو الهواتف الذكية، بل امتد إلى بطاقات الدخول، وكابلات الشحن، وحتى الهدايا البروتوكولية العادية.

أميركا التي تخشى «التجسس الصامت»

خلال العقد الأخير، تحولت الصين في العقيدة الأمنية الأميركية من «شريك اقتصادي صعب» إلى «منافس استراتيجي شامل».

ومع هذا التحول، تضاعفت المخاوف المرتبطة بالتجسس الإلكتروني والاختراقات السيبرانية.

الولايات المتحدة اتهمت مراراً جهات صينية باستهداف مؤسسات حكومية وشركات تكنولوجية أميركية، وسرقة بيانات حساسة، ومحاولة اختراق بنى تحتية رقمية حيوية. كما أن الصراع بين البلدين لم يعد اقتصادياً فقط، بل بات معركة مفتوحة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وشبكات الاتصال.

في هذا السياق، يصبح التخلص من «هاتف مؤقت» أو «بطاقة تعريف» جزءاً من بروتوكول أمني أوسع، يقوم على فكرة أساسية داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية: أي شيء قادم من الصين يجب التعامل معه باعتباره قابلاً للاختراق.

وتصف بعض الدوائر الأمنية هذا النمط بـ«التجسس الصامت»، أي استخدام أدوات يومية عادية لجمع المعلومات أو اختراق الأنظمة من دون إثارة الانتباه.

ولهذا السبب تحديداً، لم يكن مسموحاً وفق روايات مرافقي الوفد بأن يصعد «أي شيء صيني» إلى متن الطائرة الرئاسية.

الحرب الباردة الجديدة... ولكن بأدوات رقمية

المشهد عند سلم الطائرة لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً صغيراً، بل اختصاراً مكثفاً لطبيعة العلاقة الحالية بين واشنطن وبكين.

قبل سنوات، كانت الصين بالنسبة إلى الولايات المتحدة مصنع العالم وشريكاً اقتصادياً ضخماً يمكن احتواؤه عبر المصالح التجارية.

أما اليوم، فهي تُعامل داخل واشنطن باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول للتفوق الأميركي في القرن الحادي والعشرين.

هذه ليست حرباً باردة تقليدية على الطريقة السوفياتية، حيث تتواجه الدبابات والصواريخ النووية فقط، بل صراع على البيانات، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والرقائق الإلكترونية، والسيطرة على المستقبل الرقمي للعالم.

ومن هنا، تبدو الحساسية الأميركية تجاه أي أجهزة أو أدوات صينية مفهومة ضمن منطق الأمن القومي الأميركي، حتى لو بدت مبالغاً فيها من الخارج.

بكين ترى «هوساً أميركياً»

في المقابل، تنظر الصين إلى هذه التصرفات باعتبارها انعكاساً لحالة خوف أميركية من الصعود الصيني المتسارع.

وسائل إعلام صينية ومعلقون على منصات التواصل الاجتماعي سخروا من واقعة التخلص من الهدايا، معتبرين أن واشنطن تتعامل مع الصين بعقلية «الارتياب الدائم».

بالنسبة إلى بكين، فإن الولايات المتحدة تستخدم ذريعة الأمن القومي لتبرير سياسة أوسع هدفها إبطاء التقدم التكنولوجي الصيني ومحاصرة نفوذها الاقتصادي.

لكن المفارقة أن هذه الحساسية المتبادلة تكشف في الوقت نفسه حجم التشابك بين الطرفين.

فالولايات المتحدة والصين تخوضان أشرس تنافس استراتيجي في العالم، لكنهما أيضاً أكثر اقتصادين ترابطاً واعتماداً على بعضهما البعض.

لماذا أصبحت حتى الهدايا موضع شك؟

في عالم السياسة التقليدي، كانت الهدايا تُحفظ للذكرى. أما اليوم، فهي تُفحص، وتُعزل، وأحياناً تُلقى في القمامة. وما جرى في بكين يعكس حقيقة أعمق من مجرد إجراءات أمنية: الثقة بين واشنطن وبكين تآكلت إلى درجة أن المجاملات الدبلوماسية نفسها لم تعد محصنة من الشك.

فحين تصل المنافسة بين قوتين عظميين إلى مرحلة يُنظر فيها إلى بطاقة تعريف أو هاتف مؤقت باعتبارهما «خطراً محتملاً»، فهذا يعني أن العالم دخل بالفعل زمناً جديداً من الصراع الدولي، صراع لا تُقاس فيه القوة بعدد الجنود فقط، بل بمن يملك البيانات... ومن يستطيع اختراق الآخر أولاً.


ترمب: شي متفق معي في ضرورة فتح إيران «هرمز»

ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى الولايات المتحدة عقب زيارته الرسمية للرئيس الصيني (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى الولايات المتحدة عقب زيارته الرسمية للرئيس الصيني (رويترز)
TT

ترمب: شي متفق معي في ضرورة فتح إيران «هرمز»

ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى الولايات المتحدة عقب زيارته الرسمية للرئيس الصيني (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى الولايات المتحدة عقب زيارته الرسمية للرئيس الصيني (رويترز)

أعلن الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب، أن الرئيس الصيني شي جينبينغ، متفق معه في ضرورة أن تعيد طهران فتح مضيق هرمز، لكن الصين لم تُبدِ إشارة إلى أنها ستتدخل في هذا الشأن، وفق «رويترز».

وخلال عودة ترمب من بكين أمس (الجمعة)، بعد محادثات على مدى يومين مع شي، قال ترمب إنه يدرس رفع العقوبات الأميركية المفروضة على شركات النفط الصينية التي تشتري النفط الإيراني. والصين أكبر مشترٍ للخام الإيراني.

ورداً على سؤال أحد الصحافيين على متن طائرة الرئاسة عما إذا كان شي تعهد بالتزام قاطع بالضغط على ‌الإيرانيين لإعادة فتح المضيق ‌الحيوي، أجاب: «أنا لا أطلب خدمات، لأن المرء إذا طلب ​خدمات، فعليه ‌أن ⁠يقدم ​خدمات في ⁠المقابل».

ولم يدلِ شي بتعليقات بشأن محادثاته مع ترمب حول طهران، لكن وزارة الخارجية الصينية أصدرت بياناً عبرت فيه عن خيبة أمل بكين إزاء حرب إيران، وقالت الوزارة إنه صراع «ما كان ينبغي أن يحدث أبداً، ولا يوجد سبب لاستمراره».

«نريد المضيق مفتوحاً»

أغلقت إيران فعلياً المضيق الذي كان ينقل خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية قبل الهجمات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير (شباط). وتسبب تعطل حركة الملاحة في أكبر أزمة بإمدادات النفط على ⁠الإطلاق، وهو ما دفع أسعار الخام إلى ارتفاع حاد.

وقتلت الضربات الجوية ‌الأميركية - الإسرائيلية آلاف الإيرانيين، ولقي نحو 3 آلاف آخرين في ‌لبنان حتفهم منذ تجدد القتال بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني ​المدعوم من طهران.

وعلقت الولايات المتحدة هجماتها ‌على إيران الشهر الماضي، لكنها بدأت حصاراً على موانئها. وقالت طهران إنها لن ‌تفتح المضيق قبل أن تنهي الولايات المتحدة الحصار. وهدد ترمب بمهاجمة إيران مجدداً إذا لم تبرم اتفاقاً.

وقال ترمب في بكين: «لا نريدهم أن يمتلكوا سلاحاً نووياً، نريد المضيق مفتوحاً».

وتقول طهران إنها لا تعتزم تصنيع سلاح نووي. وترفض إنهاء أبحاثها النووية أو التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب.

وقال وزير الخارجية ‌الإيراني عباس عراقجي، إن طهران تلقت رسائل من الولايات المتحدة تشير إلى أن واشنطن مستعدة لمواصلة المحادثات والتواصل.

وقال للصحافيين في نيودلهي: «نأمل في ⁠أن نتوصل، مع ⁠تقدم المفاوضات، إلى نتيجة جيدة ليتسنى تأمين مضيق هرمز بالكامل، وتسريع عودة حركة المرور عبر المضيق إلى وضعها الطبيعي».

وكان ترمب قد قال في مقابلة بثت يوم الخميس لشبكة «فوكس نيوز»، إن صبره على إيران بدأ ينفد، وإن طهران «يجب أن تبرم اتفاقاً».

وارتفعت أسعار النفط بنحو 3 في المائة لتصل إلى نحو 109 دولارات للبرميل أمس، بسبب المخاوف من عدم إحراز تقدم في حل الصراع، في حين بلغت عوائد سندات الخزانة الأميركية أعلى مستوياتها منذ نحو عام، مع توقعات بأن يضطر مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) إلى رفع أسعار الفائدة.

وتوقفت المحادثات حول إنهاء الحرب، التي أصبحت عبئاً على ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، منذ الأسبوع الماضي، عندما رفضت إيران والولايات المتحدة أحدث المقترحات ​التي قدمتها كل واحدة للأخرى.

وقال عراقجي أمس (​الجمعة)، إن إيران سترحب بأي مساهمة من الصين، مضيفاً أن طهران تحاول إعطاء الدبلوماسية فرصة، لكنها لا تثق بالولايات المتحدة التي عرقلت جولات المفاوضات السابقة بشن غارات جوية.


اختراقات تستهدف أنظمة خزانات الوقود في أميركا... وإيران في دائرة الاتهام

سائق يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بمدينة ويغينز - كولورادو (رويترز)
سائق يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بمدينة ويغينز - كولورادو (رويترز)
TT

اختراقات تستهدف أنظمة خزانات الوقود في أميركا... وإيران في دائرة الاتهام

سائق يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بمدينة ويغينز - كولورادو (رويترز)
سائق يملأ خزان سيارته بالوقود في محطة وقود بمدينة ويغينز - كولورادو (رويترز)

يشتبه مسؤولون أميركيون في أن قراصنة إيرانيين يقفون خلف سلسلة من الاختراقات التي استهدفت أنظمة مراقبة مستويات الوقود في خزانات تخزين تخدم محطات وقود بعدة ولايات، وفقاً لما أفادت به مصادر مطلعة على التحقيق، شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وقال مصدر لشبكة «سي إن إن»، إن المهاجمين استغلوا أنظمة قياس الخزانات الآلية (ATG) التي كانت متصلة بالإنترنت وغير محمية بكلمات مرور، ما أتاح لهم في بعض الحالات، التلاعب بقراءات العرض الخاصة بمستويات الوقود، من دون التأثير على الكميات الفعلية المخزنة.

ورغم أن هذه الاختراقات لم تتسبب حتى الآن في أضرار مادية أو إصابات، فإنها أثارت مخاوف تتعلق بالسلامة؛ إذ إن الوصول إلى هذه الأنظمة قد يسمح نظرياً بإخفاء تسربات وقود خطيرة، وفق «سي إن إن».

التحقيقات ترجّح إيران

قال مصدران مطلعان على التحقيق للشبكة، إن التاريخ الإيراني في استهداف أنظمة خزانات الوقود، يُعدّ أحد الأسباب التي تجعل طهران المشتبه الرئيسي في هذه الهجمات، مع التأكيد على أن الحكومة الأميركية قد لا تتمكن من تحديد المسؤولين بشكل قاطع، بسبب محدودية الأدلة الجنائية الرقمية.

وفي حال تأكدت مسؤولية إيران، فإن الحادثة ستكون أحدث مثال على تهديد طهران للبنية التحتية الحيوية داخل الولايات المتحدة، رغم بقاء هذه المواقع خارج نطاق القدرات العسكرية الإيرانية المباشرة.

كما قد تثير القضية حساسية سياسية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ظل ارتباطها غير المباشر بارتفاع أسعار الوقود نتيجة الصراع، حيث أشار استطلاع حديث إلى أن 75 في المائة من البالغين الأميركيين، يرون أن الحرب مع إيران أثرت سلباً على أوضاعهم المالية.

ويحذر خبراء، وفق «سي إن إن»، من أن هذه الهجمات تمثل إنذاراً لمشغلي البنية التحتية الحيوية الذين يواجهون صعوبات مستمرة في تأمين أنظمتهم رغم التحذيرات الفيدرالية المتكررة.

نمط متكرر في الهجمات السيبرانية الإيرانية

تشير تقارير أمنية إلى أن مجموعات قرصنة مرتبطة بإيران تستهدف منذ سنوات، أنظمة صناعية مكشوفة على الإنترنت، تشمل منشآت النفط والغاز ومرافق المياه.

وبعد هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حمّلت الولايات المتحدة قراصنة مرتبطين بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مسؤولية سلسلة هجمات على مرافق مياه أميركية تضمنت رسائل مناهضة لإسرائيل على أنظمة التحكم.

كما حذرت شركات أمن سيبراني منذ أكثر من عقد، من أن أنظمة قياس الخزانات المتصلة بالإنترنت، تمثل نقطة ضعف خطيرة يمكن استغلالها.

تصاعد العمليات السيبرانية الإيرانية

تعتبر وكالات الاستخبارات الأميركية أن قدرات إيران السيبرانية أقل من نظيرتيها الصينية والروسية، إلا أن سلسلة الهجمات الأخيرة خلال الحرب، تشير إلى تحول في مستوى النشاط والقدرة على إحداث اضطرابات.

ومنذ بدء الحرب، ارتبطت هجمات إلكترونية إيرانية باضطرابات في منشآت نفط وغاز ومياه داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى تأخيرات تشغيلية في شركات تصنيع أجهزة طبية وتسريب رسائل إلكترونية لمسؤولين أمنيين أميركيين.

كما استهدفت الهجمات الإيرانية مؤسسات وأفراداً في إسرائيل بشكل واسع، بالتزامن مع عمليات عسكرية وسيبرانية متبادلة بين أطراف الصراع.