معضلة جديدة أمام واشنطن وموسكو... لا سلام في أوكرانيا من دون أوروبا

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

معضلة جديدة أمام واشنطن وموسكو... لا سلام في أوكرانيا من دون أوروبا

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)
جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

كان الكثيرون في أوروبا، وربما لا يزال بعضهم كذلك، يشعرون بالذعر من احتمال توصل الرئيسين الأميركي، دونالد ترمب، والروسي، فلاديمير بوتين، إلى اتفاق بشأن أوكرانيا، يتم التفاوض عليه دونهم. ومن المفارقات أن بعض الأطراف في موسكو كانت تتطلع إلى مثل هذا الترتيب، الذي من شأنه أن يجبر الأوكرانيين والأوروبيين معاً على قبول شروط واشنطن.

ويقول عبد الله إبراهيم، وهو باحث أول بـ«مركز النزاع والتنمية وبناء السلام»، في «معهد جنيف للدراسات العليا»، في تحليل نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، إن هذا السيناريو يبدو معقولاً حال كانت أميركا لا تزال تؤدي دورها، الذي اضطلعت به خلال الحرب الباردة، باعتبارها الضامن الأمني الرئيس لأوروبا.

ويضيف أن مطالب إدارة ترمب بأن تعزز أوروبا الإنفاق الدفاعي، إلى جانب الخلافات الجوهرية بشأن قضايا رئيسة بداية من التجارة إلى مسألة جزيرة غرينلاند، قلصت بشكل كبير نفوذ واشنطن على سياسة أوروبا تجاه أوكرانيا.

صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب 17 فبراير 2026 (رويترز)

ويرى عبد الله أنه حتى إذا ما توصلت واشنطن وموسكو إلى تفاهم ثنائي، فإن تنفيذه سوف يعتمد بدرجة كبيرة على قرارات أوروبية تتعلق بالعقوبات، وتمويل إعادة الإعمار، ونشر القوات، ونقل الأسلحة. وبالتالي، فإن أوروبا ليست طرفًا ثانوياً في إنهاء حرب أوكرانيا، بل تمثل قيداً هيكلياً رئيساً.

وخلقت هذه الحقيقة البسيطة معضلة استراتيجية لموسكو وواشنطن، ليس فقط فيما يتعلق بأوكرانيا، بل أيضاً بأمن أوروبا على نطاق أوسع. وفي حين قد تقلل روسيا وأميركا من شأن القدرات الأوروبية، لم يعد بإمكان الاثنتين تجاهل أوجه التفضيل الأوروبية على المدى القصير، ولا القدرات العسكرية الأوروبية المتنامية على المديين المتوسط، والطويل.

ومع ذلك، يطرح إشراك أوروبا تحديات بسبب هياكل صنع القرار المجزأة لديها، وهيمنة المواقف المتشددة تجاه روسيا في عدد من الدول الأوروبية الرئيسة. وتخشى أميركا وروسيا من أن يؤدي إشراك الأوروبيين إلى تعقيد مفاوضات هي معقدة بالفعل. علاوة على ذلك، يفضل الطرفان التعامل مع أسباب التعطيل لاحقاً بدلاً من السماح لهم بإفشال التوصل إلى اتفاق.

ومع زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، والتحسن المتوقع في قدرات الردع، فإن حل هذه المعضلة يكمن في تعزيز ثقة الأوروبيين بقدراتهم، والانخراط في حوار مع واشنطن، أولاً من أجل تقريب وجهات النظر بشأن أوكرانيا، وأوروبا بعد الحرب، وبالتوازي مع روسيا بشأن معالم الأمن الأوروبي أيضاً بعد الحرب.

قادة أوروبيون يحضرون مراسم رفع العلم لإحياء ذكرى بداية الحرب بأوكرانيا خارج مقر جهاز العمل الخارجي الأوروبي في بروكسل 23 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

أوروبا تعيد التفكير في استراتيجيتها

وتشير دعوات أخيرة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع روسيا، واحتمال تحول في النهج، من افتراض الهزيمة الكاملة لموسكو إلى نهج مزدوج المسار: ردع مضمون، وحوار حذر.

وظاهرياً، يبدو هذا التوجه مشجعاً، ومن المرجح أن ترحب موسكو بإجراء حوار مباشر. وفي الوقت نفسه لن تعترض واشنطن.

لكن الأوروبيين يشككون، على نحو مفهوم، في نوايا روسيا. وفي المقابل، تشعر موسكو بالقلق من التصريحات الغربية، ومن زيادة القدرات الغربية على المدى المتوسط.

ويؤكد عبد الله إبراهيم أن التوصل لاتفاق سلام بشأن أوكرانيا لن يوقف خطط التسلح، إذ سيواصل الطرفان تعزيز قدراتهما. لكن من المهم أن يترافق ذلك مع حوار لتوضيح النوايا، وتجنب الإجراءات التي قد تفسر على أنها استفزازية.

استقرار أوكرانيا أولوية

ويقول الباحث عبد الله إبراهيم إنه يجب أولاً، قبل التعامل مع قضايا الأمن في مرحلة ما بعد الحرب، تحقيق الاستقرار في أوكرانيا من خلال ترتيبات، تتراوح بين وقف إطلاق نار محدود، والتسوية الشاملة. ويتطلب أي ترتيب من هذا النوع تفاهماً روسياً-أوروبياً بشأن تداعياته على العلاقات الأوسع في مرحلة ما بعد الحرب.

مجندون جدد أوكرانيون يتدربون بالقرب من خط المواجهة في منطقة زابوريجيا... أوكرانيا 22 فبراير 2026 (رويترز)

كما أن من المهم التذكير بأن الحوار ليس تفاوضاً، وأن التفاوض ليس اتفاقاً. وسيكون الطريق طويلاً أمام الأوروبيين والروس لتحقيق نتائج ملموسة، وسيتطلب ذلك جولات عديدة من الحوار، والاستعداد لاتخاذ تدابير مكلفة لبناء الثقة. ومن المرجح أن تكون أي تفاهمات غير رسمية، ومشروطة بمراقبة صارمة، وقابلة للتراجع.

ورغم الحرب، لا تزال مستويات التجارة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا كبيرة، وإن كانت انخفضت بشكل حاد. ووفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الأوروبي (يوروستات) تراجعت صادرات الاتحاد الأوروبي لروسيا بنسبة 61 في المائة، والواردات بنسبة 89 في المائة بين عامي 2022 و2025. كما تراجعت حصة روسيا في تجارة الاتحاد الأوروبي الخارجية من 2.‏3 في المائة إلى 1.‏1 في المائة للصادرات، ومن 3.‏9 في المائة و9.‏0 في المائة للواردات. ومع ذلك، لم تنعدم التجارة بالكامل، إذ لا تزال تمثل نحو 18 في المائة من مستويات ما قبل عام 2022. ولا يستطيع أي من الطرفين تغيير المسار بسرعة، لكن اتباع نهج توازني خاضع للإدارة يخدم مصالح الطرفين.

ويخشى بعض الأوروبيين من أن يؤدي الانفتاح المحدود على روسيا إلى تقويض وحدة الصف. لكن استمرار عزلة موسكو ينطوي أيضاً على مخاطر أخرى، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، والانقسامات السياسية الداخلية، وزيادة الهشاشة نتيجة الإفراط في تنويع العلاقات الاقتصادية. ولذلك، فإن مقارنة المخاطر والفوائد طويلة الأجل لكلا الخيارين أمر ضروري.

أميركا والأمن الأوروبي و«الناتو»

إن إقامة علاقة أوروبية-روسية موازية أمر ضروري، لكنه سيظل محدوداً من دون تنسيق مع المسار الأميركي-الروسي بشأن قضايا الأمن الأوروبي بعد الحرب.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)

وقد يكون التوصل إلى رؤية موحدة داخل المعسكر الغربي أمراً صعباً، لكن خفض أوجه التباين بين وجهات النظر الأميركية والأوروبية تجاه روسيا وأوروبا بعد الحرب أمر أساسي.

وأشارت استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية الأخيرة إلى استعداد واشنطن لاستخدام القوة لدعم جهود الدفاع الذاتي الأوروبي.

وتوفر هذه الإشارات أرضية مشتركة للحوار الأوروبي-الأميركي بشأن التداعيات العملية لمواقف الردع المستقبلية بقيادة أوروبية. ومن دون وضوح في هذه القضايا بين الولايات المتحدة وأوروبا، سيظل أي حوار جاد مع روسيا موضع شك.

من يتحدث باسم أوروبا؟

وتحافظ العديد من الدول الأوروبية بالفعل على قنوات اتصال مع روسيا، مثل المجر وسلوفاكيا، أو تدرس ذلك. لكن تحقيق الأهداف أهم من مجرد الوصول إلى قنوات الاتصال. وقد يحمل لقاء بين ماكرون وبوتين أهمية رمزية، لكنه من دون دعم أوروبي أوسع لن يختلف كثيراً عن لقاءات ثنائية أخرى.

ويطرح ذلك معضلة هيكلية: من يتحدث باسم أوروبا؟ وبشأن أي قضايا؟ وما المتوقع من روسيا؟ وما الضمانات الممكنة؟ وما الذي يمكن أن تقدمه أوروبا في المقابل؟

وفي نهاية المطاف، يجب أن تشارك جهة أوروبية تتمتع بالسلطة في القضايا الرئيسة، أو تمنح العملية دعمها السياسي. ويمكن للمحادثات الثنائية، خاصة من جانب فرنسا وربما إيطاليا، أن تساعد في الإجابة عن الأسئلة، وإقناع الآخرين بدعم النهج. وسيكون على موسكو إثبات جديتها في الانخراط، أو تأكيد الصورة النمطية عن تعنتها.

ويؤكد الباحث عبد الله إبراهيم في ختام تحليل مستفيض أنه يتعين على واشنطن أن تدرك أن الأمن الأوروبي لا يمكن إدارته عن بعد، كما لم يعد بإمكان موسكو التعامل مع أوروبا باعتبارها مجرد ساحة سلبية للتفاوض الأميركي-الروسي. إن تحقيق نظام مستدام يتطلب توافقاً بين الأطراف الثلاثة. وإذا غاب أحد أضلاع هذا المثلث، فلن يصمد البناء.


مقالات ذات صلة

عودة الكهرباء لمحطة زابوريجيا الأوكرانية بعد هدنة وكالة الطاقة الذرية

أوروبا صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)

عودة الكهرباء لمحطة زابوريجيا الأوكرانية بعد هدنة وكالة الطاقة الذرية

قالت ​الوكالة الدولية للطاقة الذرية، السبت، إنها ‌توسطت ‌في ​وقف ‌محلي ⁠لإطلاق ​النار تسنى ⁠على إثره إعادة ربط محطة ⁠زابوريجيا ‌للطاقة النووية. ‌

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رجال إنقاذ أوكرانيون يعملون في موقع غارة روسية على مبنى خاص بخاركيف شمال شرقي أوكرانيا يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)

أوكرانيا: تسجيل أكبر عدد من القتلى المدنيين في شهر واحد منذ 3 أعوام

أحصت الأمم المتحدة أكبر عدد من القتلى والجرحى من المدنيين في شهر واحد في أوكرانيا منذ أبريل (نيسان) 2022، حيث قتل ما لا يقل عن 274 شخصا.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا حركة المرور على جسر كيرش الذي يربط البر الروسي بشبه جزيرة القرم (أ.ب) p-circle

أوكرانيا تستهدف بالمسيّرات العمق الروسي وإمدادات الوقود المتجهة إلى القرم

أوكرانيا تستهدف بالمسيرات العمق الروسي وإمدادات الوقود المتجهة للقرم وتحذّر من هجوم روسي جديد بصاروخ «أوريشنيك» وستطلب 20 مليار دولار للاستمرار بمواجهة موسكو

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (رويترز-أرشيفية)

كيم جونغ أون: الوقوف دائماً إلى جانب روسيا إرادتي الثابتة

أكد زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، في برقية تهنئة للرئيس الروسي بوتين بمناسبة «يوم روسيا»، أن بلاده وموسكو تفتحان حالياً صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجال إنقاذ أوكرانيون في موقع غارة روسية استهدفت منطقة سكنية في خاركيف الأربعاء الماضي (إ.ب.أ)

مقتل امرأة بضربة روسية على منطقة سومي الأوكرانية

أسفرت ضربة بمسيّرة روسية عن مقتل امرأة وإصابة أخرى في منطقة سومي الحدودية الواقعة في شمال شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤولون عسكريون محليون الجمعة.

«الشرق الأوسط» (كييف)

عودة الكهرباء لمحطة زابوريجيا الأوكرانية بعد هدنة وكالة الطاقة الذرية

صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)
صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)
TT

عودة الكهرباء لمحطة زابوريجيا الأوكرانية بعد هدنة وكالة الطاقة الذرية

صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)
صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)

قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، السبت، إنها توسطت في وقف محلي لإطلاق النار تسنى على إثره إعادة ربط محطة زابوريجيا للطاقة النووية في أوكرانيا بشبكة الكهرباء بعد إجراء إصلاحات، وذلك بعد أن انقطعت مصادر الطاقة الخارجية عن المحطة لثلاثة أيام تقريباً.

لقطة تُظهر محطة زابوريجيا للطاقة النووية من ضفة خزان كاخوفكا بالقرب من بلدة نيكوبول (رويترز)

وتمكّنت القوات الروسية من السيطرة على محطة زابوريجيا في الأيام الأولى للغزو، بينما يتبادل كل من موسكو وكييف الاتهامات بتعريض المنطقة لخطر كارثة نووية نتيجة الهجمات قرب المنشأة.


استقالة وزير دفاع بريطانيا تسلط الضوء على فشل استراتيجي في نهج المملكة المتحدة بشأن الدفاع

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
TT

استقالة وزير دفاع بريطانيا تسلط الضوء على فشل استراتيجي في نهج المملكة المتحدة بشأن الدفاع

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

استقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في 11 من شهر يونيو (حزيران) الحالي. وقال في رسالة استقالته مخاطباً رئيس الوزراء البريطاني: «إنك لم تكن قادراً، ووزارة الخزانة لم تكن راغبة في توفير الموارد التي تحتاج إليها الأمة للدفاع عن البلاد في هذا الوقت الذي نشهد فيه تهديدات متصاعدة»، وقال إن «خطة الاستثمار الدفاعي المقبلة لا تكفي ما هو مطلوب للدفاع في هذا الوقت الخطير».

وزير الدفاع البريطاني المستقيل جون هيلي يسير خارج مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت» بلندن يوم 2 يونيو 2026 (رويترز)

ويرى الجنرال السير ريتشارد بارونز، الحاصل على «وسام فارس الصليب الأكبر» و«وسام الإمبراطورية البريطانية»، الزميل الاستشاري الأول في برنامج الأمن الدولي في معهد «تشاتام هاوس» (المعروف رسمياً باسم المعهد الملكي البريطاني) في تقرير نشره المعهد، أن هذه الأحداث تُلقي الضوء على إخفاقَين واضحَين في نهج المملكة المتحدة بشأن الدفاع. ويتمثّل الأول في إخفاق حكومة ذات كفاءة.

فقد عرضت مراجعة الدفاع الاستراتيجية، التي نُشرت في شهر يونيو العام الماضي، ثلاثة استنتاجات أساسية. الأول أن المملكة المتحدة تعيش الآن في عالم أكثر خطورة إلى حد كبير. والثاني أن كلاً من القوات المسلحة والمجتمع المدني الأوسع نطاقاً في وضع سيئ للتعامل مع تلك الحقيقة. والثالث أن اتخاذ إجراء عاجل يُعد بالتالي أمراً حتمياً.

وكانت مراجعة الدفاع الاستراتيجي واضحة في أن الاستعداد للحرب في القرن الحادي والعشرين لا يتعلق ببساطة بسد فجوات قائمة منذ فترة طويلة في المعدات والأفراد أو القدرات. وأن الأمر يتعلق بالتحول: تغيير الطريقة التي تفكر بها المملكة المتحدة فيما يتعلق بالدفاع وتمويله وتنظيمه وتحقيقه.

غير أنه بعد مرور عام على الموافقة على مراجعة الدفاع الاستراتيجي، قررت الحكومة ألا تمول بالكامل مراجعتها. ومن خلال القيام بذلك، فإنها لا تفشل فقط في التحرك إلى الأمام، بل إنها تتراجع بقوة إلى الوراء.

توالي الاستقالات من حكومة ستارمر يزيد الضغوط عليه للتنحي

والفشل الثاني هو أن هذا القرار يجعل البلاد أقل أمناً. وأضاف بارونز قائلاً: «يقلّص ذلك مكانة المملكة المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ويُضعف مصداقيتنا لدى الحلفاء، ويزيد ضعفنا في مواجهة حقائق الصراع في القرن الحادي والعشرين. وسوف ينظر الحلفاء والخصوم على حد سواء باهتمام إلى هذا الوضع».

وأعدت مراجعة الدفاع الاستراتيجي برنامجاً لعشر سنوات لوضع المملكة المتحدة في موقع أكثر قوة. ولكن الواقع هو أن البلاد تحتاج إلى أن تكون في مكان أفضل كثيراً في غضون السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة. ويعني مستوى التمويل المعروض حالياً على الطاولة أنه لن يتم إصلاح الدفاع عن المملكة المتحدة. وفي الحقيقة أنه سوف يواصل التدهور. ولن يكون من الممكن تحمّل تكاليف التحول الذي تقول مراجعة الدفاع الاستراتيجي إنه أمر حتمي.

طائرات مقاتلة من طراز «رافال» على سطح حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال جولة إعلامية في قاعدة تشانغي البحرية بسنغافورة 4 مارس 2025 (أ.ف.ب)

ولا يتعلق هذا في نهاية المطاف بمسألة القدرة على تحمّل التكاليف، بل إنها مسألة اختيار. وتختار الحكومة عدم إنفاق الأموال على الدفاع الذي يُعد أمراً ضرورياً.

وتابع بارونز، كما جاء في تقرير الوكالة الألمانية: «لا يرغب أي شخص في إنفاق المزيد على الدفاع من أجل الدفاع في حد ذاته، ولكننا نعيش في العالم كما هو، وليس العالم الذي نرغب في أن يكون. وليس أمامنا خيار ما إذا كانت الحرب أمراً مهماً. الحرب يمكن أن تختارنا، سواء فضّلنا تجاهلها أم لا». وتلك هي تجربة أوكرانيا.

وانعكس هذا أيضاً في الاضطراب في الشرق الأوسط. ويتعين على المملكة المتحدة أن تقوم بدورها بجانب حلفائها، وهذا يتطلب إنفاق المزيد من الأموال على الدفاع عاجلاً.

وتابع: «إذا اخترنا عدم القيام بذلك فسوف يتعين علينا أن نعيش مع التبعات المترتبة على ذلك، التي يمكن أن تكون كارثية». وفي وقت يشهد اضطراباً سياسياً، تُعدّ خطة الاستثمار الدفاعي وسيلة تهدف إلى تطبيق مراجعة الدفاع الاستراتيجي. ونظراً إلى أنه تمت الموافقة على مراجعة الدفاع الاستراتيجي منذ عام فقط، فإنه يجب أن يكون من الممكن بالنسبة إلى الحكومة أن تفكر مرة أخرى وأن تفكر بطريقة تتسم بالإبداع.

ديفيد لامي نائب ستارمر ووزير الدفاع المستقيل جون هيلي ووزيرة الدولة جيني تشابمان يغادرون «10 داونينغ ستريت» (رويترز)

وينفق القطاع العام في المملكة المتحدة قرابة 1.3 تريليون جنيه إسترليني في العام. وبالتالي، فإن توفير تمويل إضافي للدفاع مسألة أولوية وليس أمراً مستحيلاً. وإذا سعت الحكومة جاهدة لتحريك الأموال بسرعة داخل القطاع العام، فإنه يتعين عليها أن تتجاوز طرق التمويل التقليدية.

ولدى مدينة لندن استثمارات بمليارات الجنيهات المحتملة، ويتعيّن على الحكومة أن تُجري مناقشة جادة مع جهات التمويل الخاص بشأن كيفية دعم التحول الدفاعي والقدرة الصناعية والقدرة الوطنية على الصمود.

واختتم بارونز تقريره بالقول إن النتيجة واضحة، وهي أن المملكة المتحدة تحتاج إلى أن تكون أكثر إبداعاً، وأن تكون أكثر إلحاحاً وأكثر أمانة بشأن الكيفية التي تمول بها الدفاع. وتطرح مراجعة الدفاع الاستراتيجي ما هو المطلوب. ويجب الآن تمويل خطة الاستثمار الدفاعي بطريقة تواكب مستوى التهديد.


مقاتلات سويدية تعترض طائرتين روسيتين فوق البلطيق

طائرة مقاتلة سويدية من طراز «جاس غريبن» تظهر بجوار طائرة أميركية في قاعدة «كالاكس» الجوية بالسويد (أرشيفية - رويترز)
طائرة مقاتلة سويدية من طراز «جاس غريبن» تظهر بجوار طائرة أميركية في قاعدة «كالاكس» الجوية بالسويد (أرشيفية - رويترز)
TT

مقاتلات سويدية تعترض طائرتين روسيتين فوق البلطيق

طائرة مقاتلة سويدية من طراز «جاس غريبن» تظهر بجوار طائرة أميركية في قاعدة «كالاكس» الجوية بالسويد (أرشيفية - رويترز)
طائرة مقاتلة سويدية من طراز «جاس غريبن» تظهر بجوار طائرة أميركية في قاعدة «كالاكس» الجوية بالسويد (أرشيفية - رويترز)

أفادت السويد، اليوم (السبت)، بأنها أرسلت الجمعة، 4 مقاتلات من طراز «جاس 39 غريبن» لاعتراض طائرتين حربيتين روسيتين كانتا تحلقان فوق بحر البلطيق قرب مجالها الجوي، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ووقع الحادثان الجمعة في منطقتي جنوب بحر البلطيق وشماله.

كما أقلعت مقاتلات تابعة لحلف شمال الأطلسي «للحفاظ على الأمن في المجال الجوي المشترك»، وفق بيان أصدره الجيش السويدي.

ولفت البيان إلى أن المجال الجوي السويدي لم يُنتهك في سياق الحادثين.

وقالت رئيسة العمليات المشتركة في القوات المسلحة السويدية إيفا سكوغ هاسلوم، في البيان، إن «الأفعال الروسية خطيرة، وتشكل نمطاً متكرراً من سلوك يهدد سلامة أراضينا وأمننا».

انضمَّت السويد إلى حلف شمال الأطلسي في مارس (آذار) 2024.

وتصاعد التوتر في منطقة بحر البلطيق بشكل ملحوظ منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.