ترمب يُجمّد ملف «توماهوك» في انتظار نتائج «بودابست»

مخاوف أوروبية من استغلال موسكو قمة ترمب وبوتين لتعزيز مكاسبها الميدانية

ترمب لدى استقباله زيلينسكي في المكتب البيضاوي يوم 17 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله زيلينسكي في المكتب البيضاوي يوم 17 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يُجمّد ملف «توماهوك» في انتظار نتائج «بودابست»

ترمب لدى استقباله زيلينسكي في المكتب البيضاوي يوم 17 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله زيلينسكي في المكتب البيضاوي يوم 17 أكتوبر (أ.ف.ب)

لم تستغرق مكالمة هاتفية بين الرئيسَين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين أكثر من ساعتَين لتُبدّل المسار الذي كانت تتجه إليه السياسة الأميركية حيال الحرب في أوكرانيا. فبعد أيام من تلميح مسؤولين بارزين في الإدارة إلى استعداد واشنطن لتزويد كييف بصواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، وإعداد حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية ضد موسكو، خرج ترمب ليعلن قمة جديدة مع بوتين في بودابست، متحدثاً عن «اقتراب السلام».

هذا التحول المفاجئ في مواقف البيت الأبيض ليس الأول من نوعه منذ عودة ترمب إلى الحكم، لكنه جاء في لحظة حساسة في مسار الحرب، مع إعادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ترتيب أولوياته العسكرية على وقع الجمود في جبهات دونيتسك وخاركيف.

«دبلوماسية الإرجاء»

قبل اتصال بوتين، ظهرت مؤشرات قوية على ميل إدارة ترمب إلى رفع مستوى الضغط العسكري والاقتصادي على موسكو. فقد ناقش مجلس الأمن القومي الأميركي تقارير حول جدوى تزويد أوكرانيا بصواريخ «توماهوك»، وهو ما كان سيمنح كييف قدرة على ضرب العمق الروسي. كما بدأت «الخارجية الأميركية» إعداد مسودة عقوبات جديدة تستهدف مشتري الطاقة الروسية ومؤسسات مالية مرتبطة بالكرملين، استناداً إلى مشروع يتوقع أن يتم التصويت عليه الأسبوع المقبل في مجلس الشيوخ.

جانب من لقاء زيلينسكي مع رئيس شركة «رايثيون» في واشنطن يوم 16 أكتوبر (أ.ف.ب)

لكن تلك التوجهات انقلبت رأساً على عقب بعد مكالمة يوم الخميس؛ إذ خرج ترمب في اليوم التالي ليقول، خلال لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض: «نأمل أن نتمكن من إنهاء الحرب من دون تفكير في صواريخ (توماهوك)». وبدلاً من عقوبات جديدة، أعلن قمة مرتقبة مع بوتين، مُكرّساً ما بات يُوصف في واشنطن بـ«دبلوماسية الإرجاء»، أي تأجيل القرارات الصلبة على أمل إحراز تقدم تفاوضي. وهو نهج ينتقده خصوم ترمب الذين يرون أنه يمنح موسكو متسعاً إضافياً للمناورة الميدانية والدبلوماسية.

بوتين قلب الموازين

يُجمع مراقبون في واشنطن وبروكسل على أن بوتين نجح في استعادة زمام التواصل الشخصي مع ترمب، بعد فترة من الفتور أعقبت «قمة ألاسكا» في أغسطس (آب) الماضي.

بوتين متحدّثاً مع صحافي يغطّي «العملية العسكرية» الروسية في أوكرانيا بموسكو يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

فالمكالمة الأخيرة لم تكن مجرد تواصل بروتوكولي، بل عملية إقناع كاملة. ونقلت صحف أميركية عدة عن مصادر أن بوتين حذّر نظيره الأميركي من أن إرسال صواريخ بعيدة المدى إلى كييف «سيقضي على أي فرصة للتسوية»، لافتاً إلى أن السلاح الجديد «لن يغير شيئاً في الميدان سوى زيادة التوتر».

من جانبه، أبدى ترمب استعداداً للاستماع، مكرراً لاحقاً عبارته المألوفة: «لقد تم التلاعب بي طوال حياتي، لكنني خرجت رابحاً في النهاية». هذه الجملة التي اعتاد تكرارها في الأزمات السابقة، باتت تعكس مقاربة تقوم على «الثقة الممزوجة بالشك» تجاه بوتين، لكنها في النهاية تنتهي غالباً بتنازلات أو خطوات رمزية أكثر من كونها حاسمة.

كييف تخسر ورقة «توماهوك»

من ناحيته، فقد بدا الرئيس زيلينسكي محبطاً بعد لقائه ترمب في البيت الأبيض. فكل ما بناه على مدار أسابيع من ضغط دبلوماسي وإعلامي لإقناع واشنطن بضرورة تسليح بلاده بصواريخ بعيدة المدى، تهاوى في ساعات قليلة.

زيلينسكي متحدّثاً مع صحافيين عقب لقائه الرئيس الأميركي في واشنطن يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

وكان فريقه قد أعدّ خطة متكاملة للتعاون مع شركة «رايثيون» المصنّعة للصواريخ، ونسّق مع البنتاغون بشأن آليات النقل والتخزين. لكن قرار ترمب بتجميد الصفقة جعل أوكرانيا تدخل مجدداً في دوامة انتظار ما ستُسفر عنه «قمة بودابست» المقبلة بين ترمب وبوتين، وانتظار أي إشارة إلى إمكانية استئناف الدعم العسكري الأميركي على نطاق أوسع.

هذا التراجع الأميركي ترك أثراً مباشراً على موقع كييف التفاوضي. فبينما كانت تستعد لفرض واقع جديد على الأرض عبر القدرة على ضرب أهداف استراتيجية في روسيا، وجدت نفسها الآن مضطرة إلى التمسك بخيار «وقف النار على خطوط التماس الحالية»، وهو المقترح الذي طرحه ترمب علناً ودعمه زيلينسكي «بوصفه نقطة انطلاق لمحادثات أوسع». لكنه عملياً يكرّس سيطرة روسيا على مساحات واسعة من الشرق والجنوب الأوكراني.

«الناتو» أمام اختبار القيادة

قرار ترمب بالتراجع عن تسليح أوكرانيا بصواريخ «توماهوك» لم يُحدث صدمة في كييف وحدها، بل هزّ أروقة حلف شمال الأطلسي. فبينما كان الحلف يستعدّ لإطلاق برنامج دعم جديد لأوكرانيا بتمويل أوروبي، جاء الموقف الأميركي ليبعث برسالة مقلقة للحلفاء، مفادها أن واشنطن ما زالت تتعامل مع الحرب الأوكرانية بوصفها ملفاً قابلاً للمساومة، وليس بوصفها معركة مصيرية لمستقبل الأمن الأوروبي.

ترمب يُدلي بتصريحات في بداية لقائه مع زيلينسكي في البيت الأبيض يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

وعبّر دبلوماسيون عن خشيتهم من أن يتحوّل «السلام عبر الصفقة» إلى عنوان السياسة الأميركية المقبلة، على حساب سياسة الردع التي تبناها الحلف منذ بداية الحرب في فبراير (شباط) 2022. بعض العواصم، خصوصاً وارسو وفيلنيوس، ترى أن موسكو تفسّر كل تراجع غربي بوصفه دليلاً على ضعف الإرادة، مما يشجعها على مواصلة الضغط العسكري في الشرق الأوكراني، وربما ما بعده.

«قمة بودابست»: فرصة أم فخ؟

يستعد ترمب وبوتين لثاني لقاء بينهما، في بودابست هذه المرة، برعاية رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أحد أبرز حلفاء موسكو في الاتحاد الأوروبي. ويتحدّث الكرملين عن «صيغة عمل جديدة للبحث عن حل سلمي»، فيما تصفها دوائر أميركية بأنها محاولة لإحياء «المسار الشخصي» بين الزعيمَين بعد إخفاق «قمة ألاسكا».

بوتين ورئيسة تحرير «روسيا اليوم» يتابعان عرضاً حول المشاركين في «العملية العسكرية» الروسية في أوكرانيا بموسكو يوم 17 أكتوبر (إ.ب.أ)

لكن التوقعات متباينة، فأنصار ترمب يرون في الاجتماع فرصة لفرض «تسوية مرنة» توقف القتال، وتفتح باباً للتهدئة مع روسيا، فيما يرى خصومه أنه يمنح بوتين مزيداً من الوقت لإعادة التموضع وتعزيز مكاسبه الميدانية. ويشير محللون إلى أن الرئيس الروسي يجيد استغلال اندفاع ترمب نحو «صفقة كبرى» ليكسب هدنة على الأرض، دون تقديم تنازلات جوهرية.

جمود مكلف

على الأرض، تبدو الحرب في حالة جمود مُكلف. فالقوات الروسية لم تنجح بعد في السيطرة على مدينة بكروفسك الاستراتيجية في غرب دونيتسك، رغم المعارك المستمرة منذ الصيف، فيما تكبّدت خسائر بشرية ضخمة. في المقابل، حققت أوكرانيا تقدماً محدوداً في الجنوب واستعادت بعض المواقع في جبهة خيرسون، لكنها تواجه شتاءً قاسياً مع انهيار شبكات الطاقة تحت ضربات الصواريخ الروسية.

دخان يتصاعد وسط الأنقاض في كوستيانتينيفكا وهي بلدة على خط المواجهة في منطقة دونيتسك يوم 13 أكتوبر (أ.ب)

اقتصادياً، تُقدَّر نفقات الحرب الروسية بأكثر من 40 في المائة من موازنة الدولة، فيما تتراجع العائدات النفطية وسط العقوبات الأوروبية. إلا أن ذلك لم يبدّل حسابات الكرملين الذي يرى أن الزمن يعمل لصالحه ما دامت الجبهات ثابتة، والإرادة الغربية مترددة.

أما في الداخل الروسي فمؤشرات التعب الشعبي بدأت بالظهور، مع استهداف الطائرات المسيّرة الأوكرانية منشآت النفط والغاز داخل روسيا، ما أدى إلى تعطيل قرابة 20 في المائة من قدرات التكرير، ورفع أسعار الوقود داخل السوق الروسية.

من الجانب الأوروبي، يتحرّك الاتحاد لتعويض الفراغ الأميركي جزئياً. ويدرس مشروع قرض بقيمة 160 مليار دولار لتأمين تمويل طويل الأمد لأوكرانيا عبر أصول روسية مجمّدة. كما تدرس برلين وباريس خيارات بديلة لتزويد كييف بصواريخ «توروس» الألمانية، في حال استمرار التردد الأميركي.

لكن القارة العجوز تُدرك أن أي اختلال في الموقف الأميركي سيضعف وحدتها السياسية. فالدعم الأوروبي، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع أن يحلّ محل المظلة الاستراتيجية الأميركية التي تشكل العمود الفقري لردع روسيا. لذلك يُنظر إلى «قمة بودابست» المقبلة بوصفها اختباراً مزدوجاً؛ لترمب الذي يسعى إلى إنهاء ما يسميه «الحرب التاسعة»، وللحلفاء الذين يخشون أن تكون نهاية الحرب بداية لتفكك الردع الغربي.

سيناريوهات ما بعد «بودابست»

أمام هذه التطورات، تُطرح ثلاثة احتمالات رئيسية لمسار الحرب خلال الأشهر المقبلة.

جانب من اجتماع ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

الأول، تسوية مجمدة، بحيث يتوصل ترمب وبوتين إلى اتفاق يكرّس وقف إطلاق النار على خطوط التماس الحالية، مما يعني تجميد الصراع دون حل جذري. هذا السيناريو يمنح ترمب إنجازاً دبلوماسياً مؤقتاً، لكنه يبقي أوكرانيا في حالة «نصف سلام» مهدد بالانفجار في أي لحظة.

السيناريو الثاني، «تصعيد متأخر» في حالة فشل «قمة بودابست»؛ إذ قد يضطر ترمب تحت ضغط الكونغرس والبنتاغون إلى العودة لخيار العقوبات والتسليح، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات من داخل حزبه.

أما الاحتمال الثالث، والأضعف، فهو صفقة شاملة؛ إذ يتنازل بوتين جزئياً عن بعض مطالبه الإقليمية، مقابل اعتراف ضمني بوضعه القائم في الشرق، في إطار اتفاق أوسع يشمل تفاهمات حول العقوبات والطاقة وأمن أوروبا الشرقية.

مرة أخرى، يجد العالم نفسه أمام مشهد مألوف؛ بوتين يمسك بخيوط اللعبة عبر الدبلوماسية، وترمب يسعى إلى تسجيل انتصار شخصي في ملف بالغ التعقيد، فيما تُترك أوكرانيا وحلفاؤها أمام معادلة صعبة بين الصبر والتراجع.

وما بدأ بوصفه محاولة للضغط على روسيا يتحول مجدداً إلى مسار من التسويات الغامضة، فيما الحرب التي أراد ترمب إنهاءها بوصفها «التاسعة والأخيرة»، تبدو اليوم أقرب إلى أن تكون الحرب التي ستختبر حدود زعامته، وقدرة الغرب على الدفاع عن منظومته الأمنية.


مقالات ذات صلة

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، يستمر الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

تحليل إخباري 4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جيمس تالاريكو خلال لقاء انتخابي في سان أنتونيو (أ.ف.ب)

الديمقراطي جيمس تالاريكو يفرض نفسه منافساً جدياً في تكساس «قلعة الجمهوريين»

يخوض المرشحان الديمقراطي والجمهوري سباقاً حقيقياً للفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس.

«الشرق الأوسط» (سان أنتونيو)
شؤون إقليمية صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر مجمّع أنفاق محفوراً في تضاريس صخرية بالقرب من منشآت مطوّرة في أصفهان يوم 11 نوفمبر 2025 (غيتي)

تقرير: إيران حصّنت اليورانيوم المخصب بالألغام

صعّدت إيران في الأسابيع الأخيرة من جهودها بشكل كبير لإحكام إغلاق مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى مستويات قريبة من درجة الاستخدام العسكري لصنع القنابل النووية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

هل سيفرض ترمب مزاجه وجدوله الزمني على قمة «مجموعة السبع»؟

سيطبع الرئيس الأميركي قمة مجموعة السبع التي تستضيفها فرنسا بإيقاعه ومزاجه وجدوله الزمني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الاتحاد الأوروبي يبدأ محادثات عضوية كييف بعد تخلي المجر عن «الفيتو»

زعماء فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وألمانيا عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الأحد (أ.ف.ب)
زعماء فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وألمانيا عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الأحد (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد الأوروبي يبدأ محادثات عضوية كييف بعد تخلي المجر عن «الفيتو»

زعماء فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وألمانيا عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الأحد (أ.ف.ب)
زعماء فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وألمانيا عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الأحد (أ.ف.ب)

يبدأ الاتحاد الأوروبي مفاوضات الانضمام الرسمية مع أوكرانيا، الاثنين، بعدما تخلت المجر عن اعتراضاتها (الفيتو). وأعلنت قبرص، التي تتولى الرئاسة الدورية للتكتل، أن الدول الأعضاء وافقت على موقف معين فيما يتعلق بالمرحلة الأولى من المفاوضات، ومن ثم إكمال الاستعدادات الضرورية.

ووجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الشكر لشركاء بلاده في الاتحاد الأوروبي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وكتب: «تفعل أوكرانيا كل ما هو ضروري، ومن المهم أن يفي الاتحاد الأوروبي أيضاً بما قاله». وقال الرئيس إن بداية المفاوضات توفر «دعماً سياسياً ومعنوياً هائلاً لدولتنا ولشعبنا».

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وبدأ الاتحاد الأوروبي رسمياً مفاوضات العضوية مع أوكرانيا في يونيو (حزيران) 2024، ولكن تعطل افتتاح المرحلة الأولى من المحادثات مع كييف باستخدام المجر لحق النقض (الفيتو).

ولم يتغير الوضع إلا بعد الهزيمة الانتخابية التي تكبدها رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان في أبريل (نيسان) وحينها بدأت العملية في التقدم مجدداً. وأعلن رئيس الوزراء المجري الجديد بيتر ماجيار، الأسبوع الماضي، التوصل لاتفاق مع كييف لتعزيز حقوق الأقلية المجرية في أوكرانيا المجاورة. وأقدم ماجيار على هذا الاتفاق كشرط للموافقة على بداية محادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي مع أوكرانيا.

من جانب آخر، وقّع زيلينسكي، الجمعة، قانوناً يلغي وضع الروسية كلغة محمية في أوكرانيا، حيث هي اللغة الرئيسية لقسم من السكان. وقال رئيس البرلمان رسلان ستيفانشوك على فيسبوك: «وقّع رئيس أوكرانيا القانون... وهو قرار مهم لحماية الفضاء اللغوي الأوكراني والوفاء بالتزاماتنا الأوروبية». وأضاف المسؤول: «لا يمكن للغة الدولة المعتدية أن تستفيد من أدوات الحماية المصممة لدعم لغات الشعوب الأصلية والمجتمعات الوطنية»، معتبراً أن القرار يحقق «العدالة والأمن اللغوي في أوكرانيا».

يزيل القانون الحماية عن اللغة الروسية التي يوفرها الميثاق الأوروبي للغات الإقليمية أو لغات الأقليات، وهي معاهدة تابعة لمجلس أوروبا صادقت عليها أوكرانيا. ولا يجعل هذا الإجراء اللغة الروسية غير قانونية في أوكرانيا، لكنه يعفي الدولة خصوصاً من تقديم الخدمات العامة باللغة الروسية، كما يمكنها تقييد التدريس بهذه اللغة. وبحسب الأرقام الرسمية، كان نحو ثلث سكان أوكرانيا يتحدثون الروسية كلغة رئيسية قبل الحرب، خصوصاً في شرق وجنوب البلاد.

عمليات إنقاذ في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)

وأظهرت استطلاعات انخفاض استخدام اللغة الروسية منذ بداية الغزو الروسي عام 2022، لكن الوضع اللغوي معقّد بسبب احتلال روسيا 19 في المائة من الأراضي الأوكرانية.

كانت التوترات بشأن وضع اللغة الروسية أحد الأسباب التي ارتكزت عليها الحركة الانفصالية المدعومة من موسكو في شرق أوكرانيا إبان بروزها عام 2014.

وعلى صعيد متصل سجلت الأمم المتحدة أكبر عدد من القتلى والجرحى من المدنيين في شهر واحد في أوكرانيا منذ أبريل 2022، حيث قتل ما لا يقل عن 274 شخصاً، وأصيب 1763 آخرون في مايو (أيار)، وفقاً لتقرير صادر عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. وذكر التقرير أن ذلك يمثل زيادة بنسبة 93 في المائة مقارنة بشهر مايو 2025، عندما تم تسجيل 191 حالة وفاة و865 إصابة.

وتسببت هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة في سقوط 45 في المائة من الضحايا، معظمهم في مدن بعيدة عن خط المواجهة مثل كييف ودنيبرو. وبالقرب من الجبهة، كانت الطائرات المسيرة قصيرة المدى هي السبب الرئيسي للخسائر في صفوف المدنيين: قتل عدد أكبر من الأشخاص بواقع 64 شخصاً، وأصيب 539 بسبب الطائرات المسيرة في شهر واحد في مايو مقارنة بأي وقت مضى منذ بدء الحرب.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي سابق في برلين (رويترز)

ووفقاً للأمم المتحدة، قُتل أكثر من 16 ألف مدني، وأصيب أكثر من 46 ألف آخرين منذ بدء الحرب في فبراير (شباط) 2022، وبسبب عدم القدرة على الوصول إلى الأراضي التي تحتلها روسيا، لم يتم تسجيل جميع الضحايا في إحصاءات الأمم المتحدة.

أفادت السويد، السبت، بأنها أرسلت، الجمعة، 4 مقاتلات من طراز «جاس 39 غريبن» لاعتراض طائرتين حربيتين روسيتين كانتا تحلقان فوق بحر البلطيق قرب مجالها الجوي.

ووقع الحادثان، الجمعة، في منطقتي جنوب بحر البلطيق وشماله، كما أقلعت مقاتلات تابعة لحلف شمال الأطلسي «للحفاظ على الأمن في المجال الجوي المشترك»، وفق بيان أصدره الجيش السويدي.

ولفت البيان إلى أن المجال الجوي السويدي لم يُنتهك في سياق الحادثين. وقالت رئيسة العمليات المشتركة في القوات المسلحة السويدية إيفا سكوغ هاسلوم في البيان إن «الأفعال الروسية خطيرة، وتشكل نمطاً متكرراً من سلوك يهدد سلامة أراضينا وأمننا». انضمت السويد إلى حلف شمال الأطلسي في مارس (آذار) 2024. وتصاعد التوتر في منطقة بحر البلطيق في شكل ملحوظ منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

الرئيس زيلينسكي خلال قمة دول الشمال ودول البلطيق 2026 في تالين بإستونيا 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

من جانب آخر، ندّدت كوريا الشمالية، السبت، ببيانٍ مشترك صدر عن كوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي، أدان علاقات بيونغ يانغ العسكرية مع روسيا طوال فترة الحرب في أوكرانيا.

وشجب البيان الذي اعتُمد، الأربعاء، خلال زيارة رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ لبروكسل «التعاون العسكري غير القانوني» بين بيونغ يانغ وموسكو.

وجاء فيه: «ندين الدعم المقدم من أطراف ثالثة، لا سيما جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية والذي يمكّن روسيا من مواصلة حربها العدوانية على أوكرانيا»، في إشارة إلى الاسم الرسمي لكوريا الشمالية.

وردّت وزارة الخارجية في كوريا الشمالية قائلة إن التعاون مع روسيا «ممارسةٌ للحقوق السيادية» معتبرة أن البيان المشترك «انتهاكٌ واضح لسيادة دولتنا، وعملٌ عدائي جسيم».

وشدّدت الوزارة في بيان نقلته «وكالة الأنباء الكورية» الرسمية على أن كوريا الجنوبية هي «الدولة العدو» الأساسية للشمال. ووصف البيان سيول، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، بأنها «خنجر واشنطن المفضل» في إطار الهدف الأميركي المتمثل بـ «غزو... القارة الآسيوية».

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ف.ب)

وبدا أن كوريا الشمالية تشير إلى تصريحات أدلى بها أعلى مسؤول عسكري أميركي في كوريا الجنوبية الجنرال كزافييه برانسون مشبّهاً، الشهر الماضي، الدولة المضيفة له بـ«الخنجر في قلب آسيا».

ونددت كوريا الشمالية وحليفتها الصين في وقت سابق بتصريحات برانسون، قائلتَين إنها تعكس استراتيجية واشنطن لاحتواء بكين. وعزَّز الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون تحالفه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر إرسال قوات وذخائر لمساعدة موسكو في حربها. واستقبل كيم مؤخراً الرئيس الصيني شي جينبينغ في بيونغ يانغ، بعدما عقد شي قمّتَين متتاليتين في بكين مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وبوتين.


عودة الكهرباء لمحطة زابوريجيا الأوكرانية بعد هدنة وكالة الطاقة الذرية

صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)
صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)
TT

عودة الكهرباء لمحطة زابوريجيا الأوكرانية بعد هدنة وكالة الطاقة الذرية

صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)
صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)

قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، السبت، إنها توسطت في وقف محلي لإطلاق النار تسنى على إثره إعادة ربط محطة زابوريجيا للطاقة النووية في أوكرانيا بشبكة الكهرباء بعد إجراء إصلاحات، وذلك بعد أن انقطعت مصادر الطاقة الخارجية عن المحطة لثلاثة أيام تقريباً.

لقطة تُظهر محطة زابوريجيا للطاقة النووية من ضفة خزان كاخوفكا بالقرب من بلدة نيكوبول (رويترز)

وتمكّنت القوات الروسية من السيطرة على محطة زابوريجيا في الأيام الأولى للغزو، بينما يتبادل كل من موسكو وكييف الاتهامات بتعريض المنطقة لخطر كارثة نووية نتيجة الهجمات قرب المنشأة.


استقالة وزير دفاع بريطانيا تسلط الضوء على فشل استراتيجي في نهج المملكة المتحدة بشأن الدفاع

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
TT

استقالة وزير دفاع بريطانيا تسلط الضوء على فشل استراتيجي في نهج المملكة المتحدة بشأن الدفاع

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

استقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في 11 من شهر يونيو (حزيران) الحالي. وقال في رسالة استقالته مخاطباً رئيس الوزراء البريطاني: «إنك لم تكن قادراً، ووزارة الخزانة لم تكن راغبة في توفير الموارد التي تحتاج إليها الأمة للدفاع عن البلاد في هذا الوقت الذي نشهد فيه تهديدات متصاعدة»، وقال إن «خطة الاستثمار الدفاعي المقبلة لا تكفي ما هو مطلوب للدفاع في هذا الوقت الخطير».

وزير الدفاع البريطاني المستقيل جون هيلي يسير خارج مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت» بلندن يوم 2 يونيو 2026 (رويترز)

ويرى الجنرال السير ريتشارد بارونز، الحاصل على «وسام فارس الصليب الأكبر» و«وسام الإمبراطورية البريطانية»، الزميل الاستشاري الأول في برنامج الأمن الدولي في معهد «تشاتام هاوس» (المعروف رسمياً باسم المعهد الملكي البريطاني) في تقرير نشره المعهد، أن هذه الأحداث تُلقي الضوء على إخفاقَين واضحَين في نهج المملكة المتحدة بشأن الدفاع. ويتمثّل الأول في إخفاق حكومة ذات كفاءة.

فقد عرضت مراجعة الدفاع الاستراتيجية، التي نُشرت في شهر يونيو العام الماضي، ثلاثة استنتاجات أساسية. الأول أن المملكة المتحدة تعيش الآن في عالم أكثر خطورة إلى حد كبير. والثاني أن كلاً من القوات المسلحة والمجتمع المدني الأوسع نطاقاً في وضع سيئ للتعامل مع تلك الحقيقة. والثالث أن اتخاذ إجراء عاجل يُعد بالتالي أمراً حتمياً.

وكانت مراجعة الدفاع الاستراتيجي واضحة في أن الاستعداد للحرب في القرن الحادي والعشرين لا يتعلق ببساطة بسد فجوات قائمة منذ فترة طويلة في المعدات والأفراد أو القدرات. وأن الأمر يتعلق بالتحول: تغيير الطريقة التي تفكر بها المملكة المتحدة فيما يتعلق بالدفاع وتمويله وتنظيمه وتحقيقه.

غير أنه بعد مرور عام على الموافقة على مراجعة الدفاع الاستراتيجي، قررت الحكومة ألا تمول بالكامل مراجعتها. ومن خلال القيام بذلك، فإنها لا تفشل فقط في التحرك إلى الأمام، بل إنها تتراجع بقوة إلى الوراء.

توالي الاستقالات من حكومة ستارمر يزيد الضغوط عليه للتنحي

والفشل الثاني هو أن هذا القرار يجعل البلاد أقل أمناً. وأضاف بارونز قائلاً: «يقلّص ذلك مكانة المملكة المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ويُضعف مصداقيتنا لدى الحلفاء، ويزيد ضعفنا في مواجهة حقائق الصراع في القرن الحادي والعشرين. وسوف ينظر الحلفاء والخصوم على حد سواء باهتمام إلى هذا الوضع».

وأعدت مراجعة الدفاع الاستراتيجي برنامجاً لعشر سنوات لوضع المملكة المتحدة في موقع أكثر قوة. ولكن الواقع هو أن البلاد تحتاج إلى أن تكون في مكان أفضل كثيراً في غضون السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة. ويعني مستوى التمويل المعروض حالياً على الطاولة أنه لن يتم إصلاح الدفاع عن المملكة المتحدة. وفي الحقيقة أنه سوف يواصل التدهور. ولن يكون من الممكن تحمّل تكاليف التحول الذي تقول مراجعة الدفاع الاستراتيجي إنه أمر حتمي.

طائرات مقاتلة من طراز «رافال» على سطح حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال جولة إعلامية في قاعدة تشانغي البحرية بسنغافورة 4 مارس 2025 (أ.ف.ب)

ولا يتعلق هذا في نهاية المطاف بمسألة القدرة على تحمّل التكاليف، بل إنها مسألة اختيار. وتختار الحكومة عدم إنفاق الأموال على الدفاع الذي يُعد أمراً ضرورياً.

وتابع بارونز، كما جاء في تقرير الوكالة الألمانية: «لا يرغب أي شخص في إنفاق المزيد على الدفاع من أجل الدفاع في حد ذاته، ولكننا نعيش في العالم كما هو، وليس العالم الذي نرغب في أن يكون. وليس أمامنا خيار ما إذا كانت الحرب أمراً مهماً. الحرب يمكن أن تختارنا، سواء فضّلنا تجاهلها أم لا». وتلك هي تجربة أوكرانيا.

وانعكس هذا أيضاً في الاضطراب في الشرق الأوسط. ويتعين على المملكة المتحدة أن تقوم بدورها بجانب حلفائها، وهذا يتطلب إنفاق المزيد من الأموال على الدفاع عاجلاً.

وتابع: «إذا اخترنا عدم القيام بذلك فسوف يتعين علينا أن نعيش مع التبعات المترتبة على ذلك، التي يمكن أن تكون كارثية». وفي وقت يشهد اضطراباً سياسياً، تُعدّ خطة الاستثمار الدفاعي وسيلة تهدف إلى تطبيق مراجعة الدفاع الاستراتيجي. ونظراً إلى أنه تمت الموافقة على مراجعة الدفاع الاستراتيجي منذ عام فقط، فإنه يجب أن يكون من الممكن بالنسبة إلى الحكومة أن تفكر مرة أخرى وأن تفكر بطريقة تتسم بالإبداع.

ديفيد لامي نائب ستارمر ووزير الدفاع المستقيل جون هيلي ووزيرة الدولة جيني تشابمان يغادرون «10 داونينغ ستريت» (رويترز)

وينفق القطاع العام في المملكة المتحدة قرابة 1.3 تريليون جنيه إسترليني في العام. وبالتالي، فإن توفير تمويل إضافي للدفاع مسألة أولوية وليس أمراً مستحيلاً. وإذا سعت الحكومة جاهدة لتحريك الأموال بسرعة داخل القطاع العام، فإنه يتعين عليها أن تتجاوز طرق التمويل التقليدية.

ولدى مدينة لندن استثمارات بمليارات الجنيهات المحتملة، ويتعيّن على الحكومة أن تُجري مناقشة جادة مع جهات التمويل الخاص بشأن كيفية دعم التحول الدفاعي والقدرة الصناعية والقدرة الوطنية على الصمود.

واختتم بارونز تقريره بالقول إن النتيجة واضحة، وهي أن المملكة المتحدة تحتاج إلى أن تكون أكثر إبداعاً، وأن تكون أكثر إلحاحاً وأكثر أمانة بشأن الكيفية التي تمول بها الدفاع. وتطرح مراجعة الدفاع الاستراتيجي ما هو المطلوب. ويجب الآن تمويل خطة الاستثمار الدفاعي بطريقة تواكب مستوى التهديد.