​بوتين وشي لتعزيز الشراكة الاستراتيجية ومواجهة «سياسة الاحتواء»

البيان المشترك استذكر أمجاد الاتحاد السوفياتي والصين في الحرب العالمية

أعضاء من الوفدين الصيني والروسي يحضرون حفل الترحيب قبل محادثات الرئيس فلاديمير بوتين وشي جينبينغ في الكرملين (رويترز)
أعضاء من الوفدين الصيني والروسي يحضرون حفل الترحيب قبل محادثات الرئيس فلاديمير بوتين وشي جينبينغ في الكرملين (رويترز)
TT

​بوتين وشي لتعزيز الشراكة الاستراتيجية ومواجهة «سياسة الاحتواء»

أعضاء من الوفدين الصيني والروسي يحضرون حفل الترحيب قبل محادثات الرئيس فلاديمير بوتين وشي جينبينغ في الكرملين (رويترز)
أعضاء من الوفدين الصيني والروسي يحضرون حفل الترحيب قبل محادثات الرئيس فلاديمير بوتين وشي جينبينغ في الكرملين (رويترز)

وجهت موسكو وبكين رسالة قوية إلى الغرب بعد جولة محادثات شاملة عقدها الرئيس فلاديمير بوتين مع نظيره الصيني شي جينبينغ تناولت طيفاً واسعاً من الملفات الثنائية والدولية. وأكد الزعيمان في بيان مشترك صدر عقب اللقاء عزمهما على تعزيز الشراكة الاستراتيجية في كل المجالات، ومواجهة «نزعات الهيمنة الغربية»، ووقّعا حزمة من الاتفاقيات التي تنظم آليات تعزيز التعاون.

ويزور الرئيس الصيني موسكو للمشاركة في احتفالات النصر على النازية في الحرب العالمية الثانية، وحضور العرض العسكري الكبير الذي ينظم الجمعة بالساحة الحمراء بقلب العاصمة الروسية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان خلال حفل الترحيب قبل محادثاتهما في الكرملين (أ.ف.ب)

وهيمنت هذه المناسبة على أجواء المحادثات وعلى مخرجاتها، إذ حمل البيان المشترك الختامي للمرة الأولى إشارات مباشرة إلى إسهام الاتحاد السوفياتي والصين في إحراز النصر على ألمانيا النازية واليابان. وحمل هذا المدخل دلالات مهمة مع تأكيد البيان المشترك على قوة تحالف البلدين حالياً، وأنهما يواجهان في الوقت الحالي وضعاً دولياً مضطرباً وقلقاً يشابه في مستوى التحديات أوضاعاً سابقة واجهها الطرفان.

ومع التوقيع على بيان خاص بشأن مواصلة تعميق علاقات الشراكة الشاملة والتفاعل الاستراتيجي، وتأكيد أن العلاقة الوثيقة بين موسكو وبكين «دخلت عصراً جديداً» وقّع الرئيسان بياناً منفصلاً بشأن الاستقرار الاستراتيجي، وعرضا فيه وجهات نظر البلدين لمواجهة التحديات المعاصرة، والتعامل مع الضغوط الغربية التي تستهدف تقويض سيادة الدول.

وعلى المستوى الثنائي وقّع الزعيمان عدة مذكرات تفاهم في مجالات الاستثمارات، وتطوير التعاون في قطاع الطاقة وحماية الاستثمارات المتبادلة، ودعم المنظمات الشبابية، ومذكرة خاصة حول إطلاق مشروع فضائي لإقامة محطة قمرية علمية دولية مشتركة. وأكد بوتين أن المحادثات جرت «في أجواء ودية ودافئة وكانت مفيدة ومثمرة». وقال إن العلاقات بين البلدين وصلت مرحلة الاكتفاء الذاتي، ولا تعتمد على الوضع العالمي الحالي، مؤكداً أن روسيا والصين «تواصلان جهودهما لربط عمليات التكامل في إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومبادرة الحزام الواحد والطريق الواحد».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان في الكرملين بموسكو (أ.ف.ب)

وقال إن روسيا تعد أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين للصين، ويتطور التعاون الاستثماري بين البلدين بشكل نشط، وتتم جميع عمليات التجارة الخارجية تقريباً بين روسيا والصين بالروبل واليوان. ورأى الرئيس الروسي أن «هذا يعني، في جوهره، أنه تم بناء نظام مستقر للتجارة المتبادلة، الذي يتمتع بالحماية بشكل موثوق من تأثير الدول الثالثة والاتجاهات السلبية في الأسواق العالمية».

وتحدث الزعيمان بشكل موسع حول توسيع التعاون في قطاع الطاقة، خصوصاً في إمدادات الغاز والنفط، وقال بوتين إن عملاق الغاز الطبيعي الروسي «غازبروم» تعمل باستمرار مع بكين لتقديم إمدادات إضافية تتجاوز الالتزامات التعاقدية. كما أشار إلى توسيع حضور شركات صناعة السيارات الصينية الكبرى ومصنعي الأجهزة الإلكترونية الدقيقة والأجهزة المنزلية في السوق الروسية بشكل غير مسبوق.

وشدّد بوتين على أنه يقوم مع الزعيم الصيني «بشكل شخصي» بالإشراف على جوانب تطوير التعاون في المجالات المختلفة. وزاد: «أود أن أؤكد على أن السيد شي جينبينغ وأنا نحافظ وسنواصل الحفاظ على جميع الجوانب الأكثر أهمية للشراكة الروسية الصينية تحت السيطرة الشخصية المستمرة، وسنبذل كل ما هو ضروري لتعزيز الأجندتين الثنائية والدولية».

بدوره أشاد الرئيس الصيني بمستوى تطور ودينامية العلاقات بين البلدين. وقال إنه «من المهم أن نبقى شركاء موثوقين مع موسكو، وأن نعمل على تكثيف التعاون الاستراتيجي»، كما قال إن «المفاوضات مع بوتين في الكرملين شاملة ومثمرة، وتمكنت من التوصل إلى عدد من الاتفاقيات». وأكد أنه يتعين على الصين وروسيا «الوقوف أحدهما إلى جانب الآخر، وتكثيف التعاون في الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة (بريكس)، والدفاع عن التعددية»، مشدداً على أنه «رغم اضطرابات الوضع الدولي، فإن بكين وموسكو ستظلان ملتزمتين بروح حسن الجوار الأبدي».

وانعكست عبارات الرئيسين بشكل مباشر في البيان الختامي المشترك، الذي نُشر على موقع الكرملين، وحمل عبارات لافتة «بشأن مواصلة تعميق علاقات الشراكة الشاملة والتفاعل الاستراتيجي في العصر الجديد بمناسبة الذكرى الثمانين لانتصار الاتحاد السوفياتي في الحرب الوطنية العظمى، وانتصار الشعب الصيني في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني وتأسيس الأمم المتحدة».

واستهل البيان استعراض العلاقات باستذكار أمجاد الاتحاد السوفياتي والصين في الحرب العالمية الثانية. وأكد أن «الشعبين السوفياتي والصيني، حققا بعد هزيمتهما للفاشية والعسكرة، إنجازاً تاريخياً باسم الإنسانية».

بوتين مع نظيره الفنزويلي مادورو (إ.ب.أ)

ووفقاً للوثيقة فقد «صادف العام الحالي الذكرى الثمانين لانتصار الاتحاد السوفياتي في الحرب الوطنية العظمى، وانتصار الشعب الصيني في حرب المقاومة ضد العدوان الياباني، والنصر العالمي على الفاشية. وأصبحت الحرب العالمية الثانية أعظم مأساة في تاريخ البشرية. وبصفتهما المسرحين الرئيسيين للعمليات العسكرية في أوروبا وآسيا، تحمل الاتحاد السوفياتي والصين العبء الأكبر من الهجمات التي شنتها ألمانيا النازية واليابان العسكرية، وأصبحا قوتين رئيسيتين في الحرب ضد الفاشية والعسكرة (...) بعد أن خاض الشعبان السوفياتي والصيني صعوبات غير مسبوقة نتيجة الغزو الغادر، وعاشا كل أهوال تلك الحرب، وخاضا كفاحاً شرساً ضد المعتدين، ودعما بعضهما بعضاً بإيثار، على حساب تضحيات لا حصر لها، وحققا النصر العظيم، وحققا إنجازاً تاريخياً عظيماً باسم كرامة الإنسانية، واستعادة السلام على هذا الكوكب».

وشدّد البيان على أنه «تقع على عاتق روسيا والصين مسؤولية الحفاظ على الذاكرة التاريخية الدقيقة للحرب العالمية الثانية، وستواصل موسكو وبكين العمل معاً لمواجهة النازية الجديدة، ومحاولات تزوير تاريخ الحرب العالمية الثانية».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتن يتحدث مع نظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقائهما في الكرملين بموسكو (أ.ف.ب)

وجاء في البيان أن «كل الأطراف تدين بشدة الرغبة المهيمنة لبعض الدول الغربية وحلفائها في إنشاء آليات شبه قانونية للضغط على الدول التي تنتهج مسار السياسة الخارجية المستقلة، فضلاً عن تزوير الحقيقة التاريخية بما يتناسب مع مصالحها الانتهازية». وشدّد الطرفان الروسي والصيني على عزمهما زيادة التعاون لمواجهة سياسة «الاحتواء المزدوج» التي تنتهجها واشنطن تجاه روسيا والصين بشكل حاسم. وأكدا أنه «ينبغي للدول الحائزة للأسلحة النووية أن تتخلى عن عقلية الحرب الباردة، وأن تحل خلافاتها من خلال الحوار». وحول الملف الأوكراني أكد البيان المشترك أنه «لكي يتم التوصل إلى حل طويل الأمد للأزمة الأوكرانية، فلا بد من القضاء على أسبابها الجذرية؛ وفقا لمبادئ الأمم المتحدة». ودعت روسيا والصين اليابان إلى الوفاء بالتزاماتها بحُسن نية لاستكمال إزالة الأسلحة الكيماوية الموجودة على الأراضي الصينية.

في الشأن الثنائي أكدت الوثيقة أنه «من أجل تعزيز التعاون المتبادل المنفعة، اتفق الطرفان على: تعزيز التنمية المستقرة للتجارة الثنائية، وتحسين هيكل حجم التبادل التجاري، بما في ذلك من خلال زيادة حصة المنتجات ذات التقنية العالية، وتطوير أساليب مبتكرة للتجارة الإلكترونية، والتوريد المتبادل للمواد الأساسية والموارد المعدنية والمنتجات الزراعية».

وأكد الطرفان أنهما سيعملان على تعميق العلاقات في مجال الاستثمار، وزيادة مستوى التفاعل؛ وفقاً للخطة المحدثة للتعاون الاستثماري الروسي الصيني، والاتفاقية الموقّعة في 2025 بين حكومة الاتحاد الروسي وحكومة جمهورية الصين الشعبية بشأن تعزيز وحماية الاستثمارات المتبادلة، وخلق بيئة عمل عادلة وشفافة وقابلة للتنبؤ. واتفق الطرفان وفقاً للبيان على مواصلة تعزيز الشراكة الشاملة في مجال الطاقة، ودعم المشغلين الاقتصاديين من الجانبين في تنفيذ المشاريع بمجالات النفط والغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال والطاقة النووية السلمية والفحم والكهرباء والطاقة المتجددة، وضمان التشغيل المستقر للبنية التحتية عبر الحدود ذات الصلة، والنقل دون عوائق لموارد الطاقة.


مقالات ذات صلة

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

أوروبا رجل يملأ سيارته بالوقود داخل محطة بنزين في ميامي (أ.ف.ب) p-circle

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو

الصين تعد حصار الموانئ الإيرانية «خطيراً» وتنسق مع موسكو... وسانشيز يؤكد من بكين على دورها «المهم» في حل الأزمة تزامناً مع زيارة لافروف لها.

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بركان ساكوراجيما في محافظة كاجوشيما جنوب غربي اليابان (أ.ف.ب)

نشاط المصانع اليابانية يعود للنمو بعد انكماش دام 11 شهراً

أظهر مسح للقطاع الخاص أن نشاط الصناعات التحويلية في اليابان عاد إلى النمو في يونيو (حزيران) الجاري بعد انكماش دام نحو عام.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
شؤون إقليمية مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ) p-circle

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز»

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز» وقمة الجمعة برئاسة ماكرون وستارمر ومشاركة 35 مسؤولاً دولياً لإطلاق «المهمة» الجديدة.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا من لقاء سابق بين بوتين والرئيس الإيراني الراحل رئيسي في عشق آباد (تركمانستان) 29 يونيو 2022 (سبوتنيك-أ.ب)

موسكو تخشى امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين... وتجدد عرضها للوساطة

موسكو تخشى امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين... وتجدد عرضها للوساطة وتحذر من زعزعة استقرار الشرق الأوسط وتهديد التجارة وأمن الطاقة في العالم.

رائد جبر (موسكو )
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء سابق في كوريا الجنوبية (رويترز) p-circle

ترمب يطلب من الصين تأجيل زيارته «لنحو شهر» بسبب حرب إيران

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، أنه طلب من الصين تأجيل زيارته الرسمية «لنحو شهر»، بعدما كان من المقرر أن تمتد من 31 مارس (آذار) إلى 2 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».


الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.


حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

أثار تحذير وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مما وصفه بـ«آثار مدمّرة» قد تترتب على انسحاب محتمل للولايات المتحدة من البنية الأمنية الأوروبية تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك خطط موضوعة للتعامل مع هذا الاحتمال.

وقال فيدان إن مناقشات جارية حول كيفية إدارة آثار الانسحاب الأميركي المحتمل، أو التخفيف منها، مضيفاً أنه قد يكون «مدمراً» لأوروبا إذا جرى تنفيذه بطريقة غير منسقة.

واستند حديث فيدان، الذي أتى خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي اختتم أعماله في جنوب تركيا، الأحد، إلى تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في وقت سابق، بسحب بلاده من حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد أن رفض الأعضاء الأوروبيون في الحلف إرسال سفن لفتح مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأدّى القرار الأوروبي إلى تفاقم الخلافات التي كانت قد تصاعدت منذ إعلان ترمب رغبته في الاستحواذ على غرينلاند.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

وتركيا هي ثاني أكبر قوة في «الناتو»، لكنها تواجه عقبات في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال فيدان إنه كان يُعبّر منذ فترة طويلة عن شكواه من أن دول الاتحاد الأعضاء في الحلف تتصرف كأنها «نادٍ منفصل»، وتتخذ قراراتها بمفردها، حتى لو كان ذلك يتعارض مع موقف الحلف، وأرجع الموقف الأميركي إلى هذا السبب.

خطة أوروبية

وجاءت تصريحات فيدان، بالتزامن مع تقارير في صحف تركية قريبة من الحكومة، تحدثت فيها عن تحركات أوروبية لوضع خطة بديلة تحسباً لأي تراجع محتمل في الدور الأميركي داخل «الناتو» وخيارات تركيا الاستراتيجية تجاه ذلك، بما فيها إمكانية تعزيز التحالف مع الصين وروسيا، الذي تحدّث عنه علناً رئيس حزب «الحركة القومية» الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، محبذاً فكرة أن تُشكل تركيا تحالفاً مع روسيا والصين.

وقال دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، في كلمة أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء الماضي: «إن موقع تركيا الجيوسياسي والجيوستراتيجي يستلزم سياسة خارجية حذرة ومتأنية ومتعددة الأبعاد»، معيداً بذلك التذكير بتصريحات أدلى بها العام الماضي حول الموضوع ذاته.

ولاحقاً، ذكرت صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية أن خطة بديلة لإعادة تشكيل هيكل الدفاع في أوروبا بدأت تتبلور، وذلك رداً على احتمال انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» وتفاقم أزمة الثقة في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي تحدث عن أهمية تحالف تركيا مع روسيا والصين (حساب الحزب في «إكس»)

وقالت الصحيفة، فيما يعد تأكيداً لحديث فيدان عن المناقشات حول تأثير الانسحاب الأميركي المحتمل على البنية الأمنية الأوروبية، إن الخطة البديلة، التي وصفتها بـ«الخطة ب»، جرى بحثها في اجتماعات رسمية واتصالات دبلوماسية، وكذلك عبر قنوات غير رسمية مثل مآدب العشاء، ما يعكس أنها لم تعتمد بوصفها سياسة رسمية بعد، لكنها في مرحلة تحضيرية متقدمة.

وحسب مسؤولين أوروبيين، فإن هذه الخطة لا تستهدف إنشاء بديل لـ«الناتو»، بل الحفاظ على قدرات الردع، خصوصاً في مواجهة روسيا؛ حيث تسعى الدول الأوروبية إلى لعب دور أكبر في هياكل القيادة داخل الحلف، وسد الفراغ الناتج عن تراجع القدرات الأميركية عبر إمكاناتها الخاصة.

وتطرقت صحيفة «ميلليت» إلى الشراكات الجديدة التي سيُسفر عنها هذا الانسحاب، بما في ذلك إمكانية التعاون العسكري بين تركيا وروسيا والصين.

ونقلت عن الأدميرال التركي المتقاعد، جيم غوردينيز، أن وجود نظام تعاون ثلاثي يجمع تركيا وروسيا والصين، مع إمكانية ضم إيران ودول أخرى مستقبلاً، سيكون كفيلاً بتغيير الجغرافيا السياسية العالمية.

روته يستبعد انسحاب أميركا

لكن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، نفى التكهنات حول إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، قائلاً إنه «يتفهم إحباط ترمب من الحلف، كما دعا أوروبا إلى تعزيز صناعتها الدفاعية». وقال روته، في مقابلة مع صحيفة «دي فيلت» الألمانية، الأحد: «لا أرى الولايات المتحدة تنسحب من (الناتو)، ولا أشك في استمرارها في حماية أوروبا بالأسلحة النووية». وأضاف الأمين العام لـ«الناتو»: «المظلة النووية الأميركية هي الضامن الأخير للأمن هنا في أوروبا، وأنا على يقين بأنها ستبقى كذلك».

جانب من لقاء ترمب وروته في واشنطن (أ.ب)

ويحتاج ترمب إلى موافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي على قرار الانسحاب من «الناتو»، وهو سيناريو يعد مستبعداً للغاية.

وكرر روته ما قاله بعد اجتماعه مع ترمب في البيت الأبيض، الأسبوع الماضي، عقب إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، قائلاً: «من الواضح أنه يشعر بخيبة أمل تجاه عدد من حلفاء (الناتو)، وأتفهم وجهة نظره».

وزير خارجية ليتوانيا كيستوتيس بودريس متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (إعلام تركي)

في السياق ذاته، رفض وزير خارجية ليتوانيا، كيستوتيس بودريس، الدعوات إلى إنشاء هيكل دفاعي أو «جيش أوروبي» مستقل، مؤكداً ضرورة تركيز الجهود، بدلاً من ذلك، على تعزيز إطار حلف «الناتو» القائم.

ووجّه بودريس، في تصريحات على هامش مشاركته في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت، اللوم إلى الدول الأوروبية، قائلاً إنها لا تبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف «الناتو» المتفق عليها، مشككاً في جدوى العمل بشكل مستقل.

وقال: «إذا كنا لا نبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف حلف (الناتو)، بما في ذلك الولايات المتحدة، فكيف لنا أن نفعل ذلك بمفردنا؟». ورأى أن قمة «الناتو» المقبلة التي ستعقد في أنقرة، يوليو (تموز) المقبل، ستكون اختباراً حاسماً لوحدة الحلفاء ومصداقيتهم، مشدداً على ضرورة أن يعيد الأعضاء تأكيد التزاماتهم تجاه الحلف.