حال الإمبراطوريات بين المركز والأطراف

صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصف مدفعي على مواقع أوكرانية في 26 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصف مدفعي على مواقع أوكرانية في 26 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

حال الإمبراطوريات بين المركز والأطراف

صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصف مدفعي على مواقع أوكرانية في 26 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصف مدفعي على مواقع أوكرانية في 26 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

يقول الكاتب هنري فاريل في كتابه الأخير «إمبراطوريّة تحت الأرض»، إنه لم يتغيّر الكثير بين الإمبراطوريّة الرومانيّة وإمبراطوريات القرن الـ21.

فالإمبراطورية عادة تتكوّن من قلب، كمركز ثقل، ومن الأطراف الممسوكة من المركز. لذلك؛ تعمل هندسة الإمبراطوريات باتجاهين، من القلب إلى الخارج، ومن الخارج إلى القلب. بَنت روما شبكة الطرق الأهمّ في التاريخ. فأمّنت هذه الشبكة، مسك القلب للأطراف بقوّة، إن كان عبر التجارة. أو عبر قدرة الفيلق الرومانيّ على الانتشار بسرعة من القلب إلى الأطراف لضرب أيّ تمرّد.

تتميّز شبه الإمبراطوريات الحاليّة (وعلى رأسها أميركا) عن غيرها من الإمبراطوريات القديمة، في أنها أضافت رابطاً إضافياً بين القلب والأطراف، يُعزّز سيطرتها أكثر. يتمثّل هذا الرابط بالفضاء السيبرانيّ (Cyber Space). ألا يُمثّل تجميع «الداتا» في عالم اليوم، كما معالجتها واستعمالها، وسيلة إكراه (Coercive)؟

وحسب المؤرّخ الإنجليزي بول كينديّ، تسقط الإمبراطوريات، عندما تصل هذه الإمبراطوريات إلى الامتداد الأقصى (Overstretched). وعندما يختلّ التوازن بين القلب والأطراف. فعند اهتراء القلب، يتمدّد الخلل إلى المحيط فتكون النهاية. هناك إمبراطوريات تجدّدت، لكن بشكل ودور مختلف، ومنها من اندثر إلى غير رجعة. تحوّلت السلطنة العثمانيّة بعد سقوطها إلى دولة تركيا الحاليّة، لكن مع نكهة وأحلام إمبراطوريّة. في المقابل، سقطت قرطاجة عسكريّاً. وكي لا تنهض مجدّداً؛ رش الجنرال الروماني سيبيو الملح على أرضها كي لا تُثمر.

ما يُميّز سلوك كلّ الإمبراطوريات عادة، هو السعي الدائم إلى ترتيب وضعها الداخليّ. وبعدها الانطلاق إلى خلق مناطق نفوذ مجاورة. وإذا بقي لديها من قوّة وإرادة سياسيّة، ولم تصطدم بإمبراطوريات أخرى، يستمرّ تمدّدها إلى الحد الأقصى.

في عام 1832، أعلن الرئيس الأميركي جيمس مونرو عقيدته، التي حذّرت الإمبراطوريات الأوروبية من التدخل في النصف الغربيّ للكرة الأرضية، مُعلناً بذلك مناطق نفوذ أميركيّة.

ترى الصين أن بحر الجنوب الصينيّ هو منطقة نفوذ صينيّة، وتعود ملكيّته للصين. وعليه نشرت الصين مؤخّراً خريطة تتعلّق بالموضوع.

المسلّمات الجيو - سياسيّة لروسيا vs مناطق النفوذ

تّعدّ المناطق العازلة، من اهم المسلّمات الجيو - سياسيّة الروسيّة. وذلك بغض النظر، عما إذا كانت روسيا إمبراطوريّة، اتحاداً سوفياتياً أو روسيا الاتحاديّة كما هي اليوم. في هذا الإطار، تُعدّ كل من بلاروسيا، أوكرانيا الأهم في هذه المعادلة. فأوكرانيا تشكّل روسيا الصغرى. وتشكّل بلاروسيا «روسيا البيضاء». أما العَظمة فهي لروسيا الكبرى مع حاكم الكرملين.

ومن ضمن المسلّمات الجيو - سياسيّة الروسيّة، أن تكون روسيا ممسكة بمنطقة القوقاز كعازل طبيعيّ. من هنا كانت الحرب الدمويّة على الشيشان لإبقائها ضمن الاتحاد. ومن هنا التدخّل الروسيّ في الحرب بين أرمينيا وأذربيجان في منطقة القوقاز الجنوبيّ.

عرّت الحرب على أوكرانيا الآلة العسكريّة الروسيّة، وأظهرت ضعفها المفاجئ. وعليه، بدأت مناطق النفوذ الروسيّة، خاصة في المحيط المباشر، تتفلّت من هيمنة وقبضة المركز في الكرملين.

عربة تابعة لقوات «حفظ السلام» الروسية عند ممر لاتشين جنوب غرب أذربيجان الأحد (أ.ف.ب)

إذن، نحن اليوم في نظام عالميّ غير ثابت ومُتقلّب، يُعاد فيه تحديد ورسم العلاقة بين القلب والمركز للقوى المهيمنة. لكنه عالم مُعقّد جداً لأسباب عدة، أهمّها أن عدد القوى العظمى هو أكبر من المُعتاد. كما أن عدد القوى العظمى الإقليميّة المؤثّرة والطامحة للتموضع للعب دور أهم، خاصة في محيطها المباشر، هو أيضاً كبير. لكن ظاهرة تغيير الجغرافيا، وإعادة رسم الحدود بالقوّة العسكريّة، هي أمر خطير جدّاً.

أعادت حرب بوتين على أوكرانيا رسم العلاقة ضمن حلف «الناتو» بين القلب، والأطراف. لا، بل توسّع الحلف نتيجة لذلك. أدّى الصعود الصينيّ إلى إعادة رسم العلاقة بين الولايات المتحدة(القلب - المركز) وحلفائها في شرق آسيا، وذلك عبر اعتمادها استراتيجيّة الردع المُدمج مع الحلفاء (Integrated Deterrence).

الصراع الأرمنيّ - الأذربيجانيّ

إذا أردت أن تعرف سبب المشاكل الحدوديّة بين دول آسيا الوسطى، وفي محيط روسيا المباشر، لا بد من العودة إلى مخططات الزعيم السوفياتيّ الراحل جوزف ستالين. فهو زعيم الترنسفير للأقليات الروسيّة عبر تشتيتها. شتّت الشركس من منطقة سوتشي. شتّت التتار من شبه جزيرة القرم. وضع إقليم نوغورنو كاراباخ تحت القيادة الأذربيجانيّة عام 1923، لكن من ضمن الاتحاد السوفياتيّ، وذلك على الرغم من الأغلبيّة الأرمنية فيه.

في التسعينات، سيطرت البندقيّة الأرمنيّة على إقليم كاراباخ. في عام 2022؛ وبسبب التحديث في الجيش الأذربيجاني، وشراء الأسلحة من إسرائيل وتركيا. استطاع الجيش الأذربيجاني خوض حرب من نوع جديد كان للمسيّرات فيها الدور الحاسم. طوّقت أذربيجان الإقليم. تدخّلت روسيا متأخرّة عن قصد أو غير قصد. فأرسلت ما يقارب الـ2000 جندي روسي لحفظ السلام. حالياً، أسقطت أذربيجان إقليم كاراباخ بالضربة القاضية.

غيّرت الحرب الأوكرانيّة كلّ معادلات القوّة حول روسيا، خاصة في منطقة القوقاز الجنوبيّ. تطلب أرمينيا الحماية الروسيّة من ضمن معاهدة «منظّمة معاهدة الأمن الجماعيّ». تتردّد روسيا لأن البند الرابع من المعاهدة ينص على التدخّل فقط عند تعرّض السيادة الأرمنيّة للاعتداء. وهذه حالة غير موجودة؛ لأن إقليم كاراباخ هو قانوناً تحت السيادة الأذربيجانيّة.

ردّ فعل أرمينيا

لم تعد روسيا الضامن الأمنيّ والاستراتيجيّ لأرمينيا، وذلك حسب رئيس الوزراء الأرميني. ترسل أرمينيا مساعدات لأوكرانيا، على أن تُسلّم من قِبل زوجة رئيس وزراء أرمينيا. تجري القوات الأرمنية تدريباً مشتركاً ورمزيّاً مع القوات الأميركية في الداخل الأرمنيّ. وأخيراً وليس آخراً، سُرّب خبر عن سعي رئيس الوزراء الأرمني إلى التصديق على معاهدة روما (المحكمة الجنائيّة الدوليّة)؛ الأمر الذي يمنع بوتين من زيارة أرمينيا كونه مطلوباً من المحكمة بمذكّرة توقيف. فهل تشكّل هذه المؤشرات بدء انفراط عقد العلاقة بين الإمبراطورية الروسية ومحيطها المباشر؟

على كلٍّ، فرضت أذربيجان الواقع العسكريّ، والمرحلة المقبلة هي مرحلة خاصة بالسياسة. لكن المرحلة السياسيّة لن تنتج حتماً واقعاً جديداً، لا يضع في الحسبان الواقع الميدانيّ والتحوّلات الجيو - سياسيّة.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تهاجم سانت بطرسبرغ خلال استضافتها المنتدى الاقتصادي الدولي

أوروبا يلتقي ماكرون وستارمر ميرتس وزيلينسكي في لندن الأحد لمناقشة «دعم أوكرانيا»... الصورة في لقاء سابق لهم في العاصمة البريطانية (أ.ب) p-circle

أوكرانيا تهاجم سانت بطرسبرغ خلال استضافتها المنتدى الاقتصادي الدولي

أوكرانيا تطلق مسيّرات على سانت بطرسبرغ خلال المنتدى الاقتصادي الدولي...بوتين يعترف أنها تسببت في «ضرر» اقتصادي...ماكرون وميرتس وستارمر يلتقون زيلينسكي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود أوكرانيون يستعدون لإطلاق صاروخ باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (أ.ب)

اعتراض 25 مسيّرة فوق سان بطرسبرغ

اعترضت القوات الروسية 25 طائرة مسيّرة، ليل الجمعة - السبت، في المنطقة المحيطة بمدينة سان بطرسبرغ حيث يُعقد منتدى اقتصادي كبير.

«الشرق الأوسط» (موسكو - كييف)
أوروبا لقاء سابق بين ماكرون وزيلينسكي وستارمر وميرتس في لندن (أ.ب) p-circle

ماكرون وميرتس وستارمر يلتقون زيلينسكي في لندن... الأحد

يلتقي الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني والمستشار الألماني بالرئيس الأوكراني في لندن، الأحد، لمناقشة «دعم أوكرانيا وزيادة الضغط على المجهود الحربي الروسي».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث في منتدى سانت بطرسبرغ (رويترز)

بوتين: لا جدوى من لقائي رئيس أوكرانيا في الوقت الراهن

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم (الجمعة)، إنه لا يرى في الوقت الحالي ​أي سبب لعقد لقاء مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

«الشرق الأوسط» (سانت بطرسبرغ)
أوروبا زيلينسكي وروته في كييف (إ.ب.أ) p-circle

انفجار مسيّرة بحرية في رومانيا يؤجّج التوتر مع أوروبا

الكرملين يتريث في إعلان رد رسمي على رسالة زيلينسكي، وبوتين يشكك بشرعيته، ومجلس النواب يقر فرض عقوبات على روسيا في تحدٍّ للرئيس ترمب.

رائد جبر (موسكو)

تسجيل 50 ألف حالة دخول غير قانوني إلى ألمانيا في غضون عام

لاجئون يقطعون الحدود الأوروبية سيراً للوصول إلى ألمانيا (أرشيفية - إ.ب.أ)
لاجئون يقطعون الحدود الأوروبية سيراً للوصول إلى ألمانيا (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

تسجيل 50 ألف حالة دخول غير قانوني إلى ألمانيا في غضون عام

لاجئون يقطعون الحدود الأوروبية سيراً للوصول إلى ألمانيا (أرشيفية - إ.ب.أ)
لاجئون يقطعون الحدود الأوروبية سيراً للوصول إلى ألمانيا (أرشيفية - إ.ب.أ)

سجلت الشرطة الاتحادية الألمانية أكثر من 50 ألفاً و328 حالة دخول غير قانوني إلى ألمانيا منذ مايو (أيار) من العام الماضي.

وأوضحت الشرطة أن 36 ألفاً و786 شخصاً أعيدوا من حيث جاءوا، إما عند الحدود مباشرة، وإما في أثناء محاولتهم التسلل إلى الأراضي الألمانية بشكل غير مشروع، وذلك خلال الفترة بين 8 مايو 2025 و31 مايو 2026. وتابعت الشرطة أن 307 أشخاص من الفئات الضعيفة قدموا طلب لجوء.

وكان وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت قد شدد، قبل نحو عام، إجراءات الرقابة على الحدود. وكانت وزيرة الداخلية الألمانية السابقة نانسي فيزر قد وسعت نطاق هذه الإجراءات الرقابية لتشمل جميع الحدود البرية لألمانيا.

وأصدر دوبرينت، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية» تعليمات للشرطة الاتحادية بإعادة طالبي اللجوء عند الحدود من حيث جاءوا، باستثناء المرضى والحوامل وغيرهم ممن يحتاجون إلى حماية خاصة.

وكانت إجراءات الإعادة تقتصر سابقاً على الأشخاص الذين لا يتقدمون بطلبات لجوء، والأجانب الذين صدرت بحقهم قرارات منع دخول.

وخلال المدة التي تزيد قليلاً على عام، منعت الشرطة الاتحادية 1904 أشخاص من الدخول بسبب وجود حظر إعادة دخول إلى ألمانيا سار بحقهم.

وأوقفت الشرطة 1409 مهربين بشكل مؤقت، «وصنفت 1688 شخصاً ضمن تيار اليسار المتطرف أو اليمين المتطرف أو التيار الأجنبي المتطرف»، كما أوقفت الشرطة خلال عمليات التفتيش 9396 شخصاً مطلوبين بموجب أوامر توقيف لم يتم تنفيذها بعد.


إدارة ترمب تصعّد خطابها ضد الهجرة في أوروبا

جانب من مظاهرة بعد نشر فيديو احتجاز الطالب البريطاني الراحل هنري نواك في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة بعد نشر فيديو احتجاز الطالب البريطاني الراحل هنري نواك في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)
TT

إدارة ترمب تصعّد خطابها ضد الهجرة في أوروبا

جانب من مظاهرة بعد نشر فيديو احتجاز الطالب البريطاني الراحل هنري نواك في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة بعد نشر فيديو احتجاز الطالب البريطاني الراحل هنري نواك في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)

جدّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقاداتها لسياسة الهجرة في دول أوروبية، عقب تصريحات لنائب الرئيس جي دي فانس أثارت جدلاً واسعاً في لندن، وأخرى أدلى بها وزير الحرب بيت هيغسيث في نورماندي.

واتهم فانس، الجمعة، بريطانيا بالتعامل مع مقتل طالب أبيض على يد رجل سيخي بطريقة تعكس، على حد قوله، «تراجعاً حضارياً» ناجماً عن «غزو» المهاجرين، في تصريحات أثارت إدانة سريعة من مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي رفض محاولات «التدخل في ديمقراطيتنا». وقال فانس، في منشور على منصة «إكس»، إن هنري نواك، البالغ 18 عاماً، «مات بالطريقة نفسها التي تموت بها الحضارات: متروكاً، ومقيّداً بالأصفاد من جانب سلطات لم تثق به، ولم تكترث لأمره، ومتهماً بجرائم كراهية لم يرتكبها». وأضاف: «مقتله مأساوي بقدر ما هو مثير للغضب».

مقتل طالب بريطاني

وتحوّلت قضية نواك، الذي قُيّد بالأصفاد بينما كان يحتضر بعد تعرضه للطعن على يد فيكروم ديغوا في مدينة ساوثهامبتون بجنوب إنجلترا في ديسمبر (كانون الأول)، إلى محور غضب في أنحاء العالم، كما تسببت في أعمال شغب داخل بريطانيا. وكان ديغوا، البالغ 23 عاماً، قد كذب على الشرطة قائلاً إنه هو الضحية، وإن نواك وجّه إليه إهانات عنصرية.

ودخل الملياردير الأميركي إيلون ماسك، مالك منصة «إكس» وصديق فانس، على خط القضية، ونشر مراراً تعليقات حول تعامل الشرطة مع واقعة الطعن. كما علّقت وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، منددة بما وصفته بـ«شرطة ذات معايير مزدوجة».

ويُعدّ فانس أرفع مسؤول في إدارة الرئيس دونالد ترمب يعلّق على القضية حتى الآن. وقال إن نواك «كان ينبغي أن يكون على قيد الحياة اليوم، وكان سيبقى كذلك لو أن أجيالاً متعاقبة من النخب الأوروبية تمسكت بمواقفها في مواجهة سياسات جلد الذات والغزو الجماعي للمهاجرين، الذين يحتقر كثيرون منهم الغرب ومن يحبونه». وأضاف: «لم يكن هنري أول من يفقد حياته بهذه العبثية، وأخشى ألا يكون الأخير».

ورفضت الحكومة البريطانية التدخل الأميركي في القضية، وقال متحدث باسم رئيس الوزراء كير ستارمر: «رأينا أشخاصاً يحاولون التدخل في ديمقراطيتنا والسعي إلى إذكاء الانقسام في شوارعنا». وأضاف أن عائلة الطالب هنري نواك قالت إنها لا تريد استخدام مقتله «لخلق مزيد من الانقسام أو الكراهية أو التوتر». وكان ستارمر نفسه قد اتهم ماسك، الخميس، بأنه «يحاول تأجيج الانقسام» في بريطانيا.

«آيديولوجيات خطيرة»

جاءت تصريحات فانس في سياق انتقادات أوسع يوجّهها مسؤولون كبار في إدارة ترمب إلى أوروبا بسبب سياسات الهجرة. ففي خطاب ألقاه، السبت، في مقبرة نورماندي الأميركية في كولفيل سور مير، خلال إحياء الذكرى الثانية والثمانين لإنزال الحلفاء في نورماندي، حذّر وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من أن أوروبا تواجه ما سماه «غزواً» من «آيديولوجيات خطيرة» تصل بحراً.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يضع زهوراً أمام المقبرة الأميركية في كولفيل - سور- مير خلال إحياء ذكرى إنزال الحلفاء بنورماندي (أ.ب)

وقال هيغسيث، رابطاً ملف الهجرة بإرث إنزال نورماندي الذي أطلق تحرير أوروبا الغربية من الاحتلال النازي: «للأسف، تتعرض شواطئ أوروبية مختلفة اليوم للاقتحام من جانب آيديولوجيات مختلفة وخطيرة. على شواطئ إسبانيا وإيطاليا واليونان وبلغاريا، تصل القوارب والرجال». وأضاف: «متى ستفعل العواصم الأوروبية شيئاً حيال هذا الغزو؟ أم أن الأوان قد فات؟ أدعو ألا يكون قد فات، وأؤمن بأنه لم يفت».

وتعكس تصريحات هيغسيث وفانس خطاباً متصاعداً داخل إدارة ترمب تجاه أوروبا، إذ تتّهم واشنطن القارة بأنها تعاني من ضعف في الدفاعات، وعجز عن ضبط الهجرة، وبيروقراطية مفرطة، و«رقابة» على أصوات اليمين المتطرف والقوميين لمنعهم من الوصول إلى السلطة.

متظاهرون اشتبكوا مع قوات الأمن في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)

وكانت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية، الصادرة العام الماضي، قد حذّرت من أن أوروبا تواجه «محواً حضارياً»، ودعتها إلى تصحيح مسارها إذا أرادت أن تبقى حليفاً موثوقاً به للولايات المتحدة. وأسهمت هذه الوثيقة، إلى جانب تصريحات كبار مسؤولي إدارة ترمب، في زعزعة أسس الشراكة التي حكمت العلاقة الوثيقة بين أوروبا وأقوى حلفائها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما دفعت العواصم الأوروبية إلى التركيز أكثر على الحاجة الملحّة إلى تقليص اعتمادها على التكنولوجيا والدفاع الأميركيين.


أوكرانيا تهاجم سانت بطرسبرغ خلال استضافتها المنتدى الاقتصادي الدولي

في اليوم الأخير للمنتدى الاقتصادي الدولي الذي تستضيفه سانت بطرسبرغ الروسية (إ.ب.أ)
في اليوم الأخير للمنتدى الاقتصادي الدولي الذي تستضيفه سانت بطرسبرغ الروسية (إ.ب.أ)
TT

أوكرانيا تهاجم سانت بطرسبرغ خلال استضافتها المنتدى الاقتصادي الدولي

في اليوم الأخير للمنتدى الاقتصادي الدولي الذي تستضيفه سانت بطرسبرغ الروسية (إ.ب.أ)
في اليوم الأخير للمنتدى الاقتصادي الدولي الذي تستضيفه سانت بطرسبرغ الروسية (إ.ب.أ)

قصفت القوات الأوكرانية سانت بطرسبرغ الروسية في اليوم الأخير للمنتدى الاقتصادي الدولي الذي تستضيفه المدينة، فيما وصف الحاكم أليكسندر بيغلوف ومسؤولو الدفاع المدني الهجوم بـ«واسع النطاق بالمسيرات العسكرية». وقال حاكم مدينة سانت بطرسبرغ: «تعرضت سانت بطرسبرغ لهجوم واسع نفذته مسيرات عسكرية»، مضيفاً: «أحث سكان سانت بطرسبرغ على البقاء في منازلهم وعدم الخروج». وأعلن مطار بولكوفو الدولي، الواقع في جنوب المدينة، عن تعليق مؤقت لحركة الملاحة الجوية، من دون تحديد السبب. وخلال افتتاح المنتدى الأربعاء، قصفت مسيّرات أوكرانية منشأة نفطية وموقعاً عسكرياً متجاورين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث في منتدى سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)

قال ​الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، السبت، إن طائرات ‌مسيرة ‌أوكرانية ​هاجمت خلال ‌الليل ⁠مستودع ​نفط في ⁠منطقة كراسنودار جنوب روسيا وقاعدة عسكرية ⁠قرب سانت ‌بطرسبرغ ‌شمال ​البلاد. وأضاف ‌زيلينسكي ‌في منشور على منصة «إكس»: «يجب ‌على روسيا إنهاء حربها ووقف هجماتها ⁠على ⁠الأرواح. وأي ظلم بحق أوكرانيا سيواجه برد عادل».

واعترف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الملتقى الدولي بأن الهجمات على المدينة تسببت في «بعض الضرر» للاقتصاد. وقال بوتين: «تلك الهجمات من الطبيعي ألا تؤدي إلى أي شيء جيد»، وتابع أن تعزيز الدفاعات الجوية أمر مهم، وأضاف أنه لم يكن هناك أي مخاطر على الاقتصاد الروسي.

يُختتم هذا المنتدى السبت، في اليوم التالي لخطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

أعلنت وزارة الدفاع الروسية اعتراض ما مجموعه 376 مسيّرة أوكرانية خلال الليل في مناطق مختلفة بالبلاد. وقال رئيس بلدية موسكو، سيرغي سوبيانين، إنّ 8 مسيرات أسقطت خلال توجهها نحو العاصمة الروسية.

وفي مطار بولكوفو المهم لضيوف المنتدى الدوليين، توقفت عمليات الإقلاع والهبوط مؤقتاً في الساعات الأولى من الصباح بسبب الخطر. وقال المسؤولون إن الدفاعات الجوية نشطة.

في اليوم الأول من المنتدى الاقتصادي الدولي الروسي، الأربعاء، تصاعدت أعمدة من الدخان في السماء فوق البلدة القديمة بعد هجوم على مصفاة نفط. واستُقبل الضيوف الوافدون إلى الفعالية بعمود من الدخان الأسود في الخلفية.

زيلينسكي يتحدث بعد لقائه رئيس الوزراء السويدي وتبدو خلفه مقاتلة من طراز «إف-16» في أوبسالا يوم 28 مايو (أ.ف.ب)

يشار إلى أن البلدة القديمة مدرجة على قائمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي. وفي المنطقة حول سانت بطرسبرغ التي كانت معروفة بلينينغراد في الحقبة السوفياتية، أبلغ المحافظ أليكسندر دروزدينكو عن إنذار بوجود مسيرة. وأضاف، كما نقلت عنه عدة وكالات أنباء دولية، أن الدفاعات الجوية أسقطت 141 مسيرة. وهذا أدى إلى اندلاع حرائق، بحسب البيان الذي ذكر أيضاً وقوع هجمات في ميناء كرونستات المطل على بحر البلطيق والذي تستخدمه البحرية الروسية.

مبنى يحترق في كييف جرّاء قصف روسي (أ.ب)

وقد كثّفت موسكو وكييف غاراتهما المتبادلة بالمسيّرات في الأشهر الأخيرة، في ظلّ تعثّر الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب التي دخلت عامها الخامس. أعلنت روسيا السبت اعتراضها مئات المسيّرات الأوكرانية، في حين أفادت أوكرانيا بمقتل ثلاثة أشخاص على الأقل جراء غارات روسية. وقال حاكم المنطقة المحيطة بمدينة سانت بطرسبرغ، ألكسندر دروزدينكو، عبر «تلغرام»: «أسقطت 86 طائرة مسيّرة فوق منطقة لينينغراد».

الرئيس الروسي لدى إلقائه كلمة أمام منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي أمس (أ.ف.ب)

كما تسبب هجوم بمسيرة في اندلاع حريق امتد على مساحة نحو 5 آلاف متر مربع في مستودع وقود في مدينة أوست لابينسك في منطقة كراسنودار الروسية، حسب السلطات المحلية. وفي منطقة زابوروجيا الأوكرانية، أسفر هجوم روسي بمسيرة على «منشأة حيوية وصناعية» عن مقتل شخصين، حسب قائد الجيش المحلي إيفان فيدوروف. كذلك، قضى شخص وأصيب ثلاثة آخرون في منطقة كريفي ريغ التي استُهدفت «نحو 30 مرة بالمسيَّرات والمدفعية»، وفق ما قال رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية، أولكسندر غانزا.

من جانب آخر، رفض بوتين عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لعقد اجتماع لإجراء محادثات سلام. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجمعة، إنه لا يرى في الوقت الحالي أي سبب ​لعقد لقاء مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وذلك بعد أن نشر زيلينسكي رسالة مفتوحة يقترح فيها إجراء محادثات مباشرة للاتفاق على إنهاء الحرب.

يلتقي ماكرون وستارمر ميرتس وزيلينسكي في لندن الأحد لمناقشة «دعم أوكرانيا»... الصورة في لقاء سابق لهم في العاصمة البريطانية (أ.ب)

وفي رسالته، التي أرسلها إلى دول أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، قال زيلينسكي إن غالبية الروس سئموا من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الأوكرانية وارتفاع معدلات التضخم ‌ونقص الوقود، وإنهم مستعدون ‌للسلام. كما أشار إلى أن ​استمرار ‌الحرب ⁠قد ​يهدد مكانة ⁠بوتين نفسه، قائلاً إن التاريخ أظهر أنه عندما تتعب روسيا، يتبع ذلك تغيير. قال بوتين إن الرسالة لم تبد عرضاً ⁠صادقاً لعقد محادثات. ومضى قائلاً: «تحتوي هذه الرسالة على بعض ‌الإشارات التي تتسم بالفظاظة إلى ‌حد ما. هل هذه طريقة ​لتهيئة الظروف لعقد لقاء ‌مباشر أم لتفادي عقده؟ أعتقد أنها كانت الطريقة الثانية».

وعندما سئل عما إذا كان سيجتمع بزيلينسكي، الذي حرص بوتين على عدم ذكر اسمه، بل أشار إليه فقط «بكاتب الرسالة»، رد بوتين: «لا أرى جدوى من ‌اللقاء؛ فالهدف الوحيد هو أن يوقف الجانب الأوكراني تقدم قواتنا المسلحة. لكننا بحاجة إلى ⁠اتفاقات، ⁠ليس لمدة ستة أشهر ولا لمدة ثلاثة أشهر، بل على المدى الطويل». وأضاف: «دعوا الخبراء يباشرون العمل ويخرجون ببعض الحلول. بعد ذلك، يمكننا أن نلتقي».

وقال زيلينسكي، في خطابه المسائي المصور، إن رد بوتين على اقتراحه بعقد لقاء مباشر أوضح أن الرئيس الروسي لا يريد إنهاء الحرب. وأضاف زيلينسكي: «لسوء الحظ، يختار الجانب الروسي الحرب مرة أخرى. سمع الجميع الرد وهو رد ضعيف. أعتقد أن هذا الرد سيخيب آمال الكثيرين في ​العالم». وتابع أن ذلك يعني ​محاولة ضمان أن تحصل روسيا على إيرادات أقل وأن «تواجه ضغوطاً أكبر».

ويلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لندن، الأحد، لمناقشة «دعم أوكرانيا» و«زيادة الضغط على المجهود الحربي الروسي»، وفق ما أعلن قصر الإليزيه. وسيعقد القادة الثلاثة محادثات فيما بينهم قبل لقاء الرئيس الأوكراني.

قال «الإليزيه»، في ​بيان، إن الرئيس ماكرون سيتوجه إلى لندن لإجراء محادثات مع ‌كير ستارمر والمستشار ⁠ميرتس والرئيس زيلينسكي.

مشاركون يمرون أمام شاشة كبيرة تعرض صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (إ.ب.أ)

وجاء في البيان: «سيتيح ⁠هذا الاجتماع لهم ‌مواصلة ‌التنسيق ​الوثيق بشأن ‌أجندتنا المشتركة ‌المتمثلة في مواصلة دعم أوكرانيا وزيادة الضغط على ‌الجهود الحربية الروسية، في الوقت ⁠الذي ⁠تواجه فيه روسيا إخفاقات عسكرية واقتصادية واستراتيجية، وتصر على البقاء دون جدوى على خطوط القتال الأمامية ​في ​حرب دامية». وأضافت الرئاسة الفرنسية في بيان: «سيوفر هذا الاجتماع أيضاً فرصة لتقييم الجهود المبذولة لتحقيق سلام عادل ودائم في أوكرانيا وفي القارة الأوروبية، ولا سيما في إطار (تحالف الراغبين)، الذي جرى تشكيله لتوفير ضمانات أمنية لأوكرانيا».