انطلاق الانسحاب العسكري من النيجر يكشف انحسار نفوذ باريس في منطقة الساحل

جنود فرنسيون ونيجريون في قاعدة جوية في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود فرنسيون ونيجريون في قاعدة جوية في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

انطلاق الانسحاب العسكري من النيجر يكشف انحسار نفوذ باريس في منطقة الساحل

جنود فرنسيون ونيجريون في قاعدة جوية في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود فرنسيون ونيجريون في قاعدة جوية في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)

في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي أي بعد مرور شهرين على الانقلاب العسكري الذي أطاح نظام الرئيس النيجري محمد بازوم، صديق فرنسا والغرب، كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرار باريس ترحيل سفيرها في نيامي وإجلاء قواتها المرابطة في النيجر منذ سنوات.

وجاء قرار باريس في سياق توتر متصاعد مع المجلس العسكري الذي تسلّم السلطات في النيجر، وسارع إلى المطالبة برحيل السفير والقوات الفرنسية. وعندما تأكد ماكرون أن تهديد المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا «إيكواس» بالتدخل العسكري لإعادة الانتظام الدستوري وتمكين بازوم المحتجز من مزاولة سلطاته مجددا، وفي ضوء عزلة باريس أوروبيا وأفريقيا وأميركيا، لم يعد أمام ذلك من مخرج سوى الاستجابة لطلب عسكر النيجر، الأمر الذي يجمع المحللون بمن فيهم الفرنسيون على اعتباره «هزيمة سياسية وأمنية» وانحساراً لنفوذ باريس في مستعمراتها السابقة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاركاً في قمة المجموعة السياسية الأوروبية في غرناطة في 5 أكتوبر (أ.ف.ب)

وكان ماكرون قد أكد أن سحب السفير سيتم في الساعات المقبلة، وأن إجلاء القوة الفرنسية المشكلة من 1500 رجل بأسلحتهم الثقيلة وطائراتهم «من الطائرات المقاتلة والطوافات والمسيرات» وعتادهم سينجز قبل نهاية العام. وصباح الخميس، صدر بيان عن قيادة الأركان الفرنسية جاء في حرفيته أن «إجلاء العسكريين وإمكانياتهم العسكرية سينطلق هذا الأسبوع، وستتيح هذه العملية إعادة جميع العسكريين إلى فرنسا قبل نهاية العام» ما يعني التزاماً بالتاريخ الذي حدده ماكرون. وكان السفير سيلفان إيتيه قد رجع إلى باريس الأسبوع الماضي. وبيّن بيان الأركان الفرنسية مسألة كانت موضع جدل وتتناول الجهة التي ستنسحب إليها القوة الفرنسية، وكانت الاحتمالات الممكنة إعادة نشرها أو نشر بعض منها في دول مجاورة للنيجر وعلى رأسها تشاد، حيث تنتشر قوة فرنسية في العاصمة نجامينا أو توجيهها إلى بلدان أخرى تتمتع فرنسا فيها بحضور عسكري، مثل كوت ديفوار أو بنين أو غيرهما. والحال أن بيان القيادة حسم الجدل بتأكيد أن العسكريين كافة سيعودون إلى فرنسا.

بيد أن الأمور ليست بهذه السهولة إذ تطرح إشكالية الوسائل المستخدمة للإجلاء إذ إن حدود النيجر مقفلة بأمر من المجلس العسكري مع دول «إيكواس»، وتحديداً مع نيجيريا وبنين المطلتين على خليج غينيا، كما أن الطيران الفرنسي ممنوع من التحليق في أجوائها. فضلا عن ذلك سيكون على فرنسا التي لن تترك سلاحا أو عتادا للجيش النيجري أن ترحل مدرعاتها وآلياتها العسكرية وطائراتها وطوافاتها.

متظاهرون نيجريون قرب القاعدة العسكرية الفرنسية في نيامي في 16 سبتمبر الماضي يرفعون العلم الصيني مطالبين برحيل القوة الفرنسية (أ.ف.ب)

وجاء في بيان القيادة المشتركة الفرنسية أن «التنسيق مع القوات النيجرية أساسي من أجل إنجاح عملية (الإجلاء)، وأن التدابير كافة قد تم اتخاذها حتى يتم تحرك (القوات) بنظام وأمان»، ما يعني عملياً أن الطرف الفرنسي قد حصل على التسهيلات الضرورية من الطرف النيجري. وسارع المجلس العسكري النيجري إلى إصدار بيان أكد فيه أنه والحكومة النيجرية «سيكونان متيقظين لأن يتم الانسحاب في ظل احترام مصالح النيجر وشروطها».

وذهب البيان إلى حد تحديد مكان انطلاق الإجلاء أي من قاعدة «ويلام» الواقعة شمال البلاد في نطاق ما يسمى «الحدود المثلثة» التي تشهد عمليات عسكرية ضد التنظيمات الجهادية والإرهابية. ويرابط في القاعدة المذكورة 400 جندي فرنسي، إلى جانب الجنود النيجريين، فيما الأساسي من القوة الفرنسية «أكثر من ألف جندي بينهم الطيارون» يرابط في القاعدة العسكرية القريبة من مطار نيامي. بالمقابل، أصرت القيادة الفرنسية على أن الانسحاب «سيتم وفق الخطط الموضوعة» من قبلها.

مع انطلاق عملية الانسحاب، تكون القوات الفرنسية قد أُخرجت من ثلاث من دول الساحل، إذ رحلت أولاً من مالي ثم من بوركينا فاسو، وهي في طور الرحيل حاليا من النيجر.

ومن المفارقات أن باريس أجبرت على ترحيل قواتها من النيجر، فيما الولايات المتحدة تشغل ثلاث قواعد أهمها قريبا من مدينة «أغاديس» الواقعة وسط البلاد. وأفادت أوساط عسكرية أميركية بأن القيادة العسكرية الأميركية بصدد إعادة نشر قواتها في النيجر والخروج من القاعدة الجوية في نيامي إلى أغاديس. ووفق هذه الأوساط فإن الغرض من إعادة الانتشار «حماية القوات والأصول الأميركية» بالتوازي مع الاحتفاظ بالقدرة على مواجهة التهديدات الإرهابية في المنطقة.

تجمع شعبي موال للسلطة العسكرية خارج القاعدة الفرنسية في نيامي الأحد الماضي (إ.ب.أ)

وتعد قاعدة «أغاديس» أساسية لأن منها تنطلق المسيرات الأميركية لمراقبة تحركات المجموعات الجهادية والإرهابية في مناطق واسعة من أفريقيا. ومنذ الانقلاب العسكري نهاية يوليو (تموز) الماضي، لم تنزل إلى الشوارع والساحات أي مظاهرة تطالب برحيل القوة الأميركية التي تضم حوالي ألف رجل. وأفادت وزارة الدفاع الأميركية في وقت سابق، بأنه «لا يوجد أي تهديد ملموس ضد القوات الأميركية في النيجر، وأن إعادة الانتشار إجراء احترازي». وما يصح على الجانب الأميركي يصح أيضا على ألمانيا وإيطاليا اللتين لكل منهما قوة عسكرية تركز أنشطتها على تدريب الجيش النيجري.

لا يعني خسارة باريس لوجودها العسكري في ثلاثة أماكن في منطقة الساحل أنها أخذت تفتقد لأي حضور من هذا النوع في القارة القديمة. ذلك أن فرنسا، الدولة المستعمرة السابقة، حرصت مع إعطاء الاستقلال لمستعمراتها السابقة في ستينات وسبعينات القرن الماضي أن توقع معها اتفاقيات دفاعية وأمنية مكنتها في العقود المنقضية من المحافظة على مصالحها المختلفة.

واليوم، ما زال للقوات الفرنسية حضور في خمس دول أفريقية هي تشاد والغابون وكوت ديفوار والسنغال وجيبوتي. وتعد القاعدة في جيبوتي الأكبر والأهم لموقعها على مدخل البحر الأحمر وبالقرب من شرق أفريقيا. غير أن تواصل هذا الوجود العسكري لم يعد كافيا، في الوقت الحاضر، لضمان مواصلة باريس هيمنتها على عدد من الاقتصادات الأفريقية المرتبطة بها من خلال العملة المسماة «CFA».

يبقى أن باريس تحذر، منذ شهور، من أن انسحابها من الدول الثلاث سيعني استقواء الحركات المتطرفة والإرهابية.

وآخر من أدلى بدلوه، قبل عشرة أيام، كان وزير الدفاع سيباستيان لوكورنو الذي نبه، في حديث لصحيفة «لو باريزيان» من أن «منطقة الساحل مهددة بالانهيار... وكل ما حصل فيها (من انقلابات عسكرية) سينتهي بشكل سيئ». وأضاف المسؤول الفرنسي أن «النظام (العسكري) في مالي فضّل (فاغنر) (المجموعة الروسية المسلّحة) على الجيش الفرنسي. ورأينا النتيجة إذ إن منطقة باماكو (العاصمة) باتت منذ ذلك الحين يطوقها المتطرفون».

وأعلنت وزارة الدفاع النيجرية أن 29 جندياً، على الأقل، قُتلوا في كمين نصبه متمردون بالقرب من حدود البلاد مع مالي، في أكثر الهجمات دموية منذ استيلاء عسكريين على السلطة في انقلاب عسكري في يوليو الماضي. وقالت الوزارة في بيان بثّه التلفزيون الوطني إنّ «مفرزة من قوات الأمن تعرّضت شمال غربي (تاباتول) (أي في منطقة الحدود المثلثة بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو) لهجوم معقّد نفّذه أكثر من 100 إرهابي، وجرى خلاله استخدام عبوات ناسفة وعربات انتحارية».

وأضافت الوزارة أنّ «الحصيلة الأولية» تفيد بأنّ 29 جندياً «سقطوا أبطالاً». وأكّدت الوزارة في بيانها مقتل «عشرات الإرهابيين» خلال صدّ الجيش للهجوم. وينشط في المنطقة بشكل خاص «تنظيم داعش».


مقالات ذات صلة

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

شمال افريقيا اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

اقتحم مسلحون متطرفون في وقت متأخر من مساء أمس (الأحد) قاعدة للجيش النيجيري، قرب الحدود الشمالية الشرقية للبلاد مع تشاد، ما أسفر عن مقتل قائد القاعدة و6 جنود.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.