ما خيارات أديس أبابا لمواجهة «الميليشيات» المحلية؟

الحكومة أعلنت خسارة بعض المدن في «أحداث أمهرة»

أحد مقاتلي ميليشيا «فانو» في مدينة لايبيلا عام 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد مقاتلي ميليشيا «فانو» في مدينة لايبيلا عام 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ما خيارات أديس أبابا لمواجهة «الميليشيات» المحلية؟

أحد مقاتلي ميليشيا «فانو» في مدينة لايبيلا عام 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد مقاتلي ميليشيا «فانو» في مدينة لايبيلا عام 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

دخلت حالة الطوارئ المعلنة في إقليم أمهرة الإثيوبي يومها الرابع (الثلاثاء)، فيما «استمرت المعارك بين ميليشيا (فانو) والجيش الإثيوبي، وأقرت الحكومة بخسارة بعض المدن والمناطق». وقال محللون إن «مواجهات الحكومة الإثيوبية مع الميليشيات، قد تأخذ وقتاً من دون حسم، وسط غياب لأفق التوصل لحل سلمي راهناً».

واستمر القتال بين الطرفين وسمع دوي إطلاق نار، الاثنين، في مدن أمهرة، وجوندار، ولاليبيلا، وديبري بيرهان، والعاصمة الإقليمية باهر دار. وأغلقت الطرق الرئيسية في جميع أنحاء المنطقة، حسب ما قال سكان محليون لوكالة «أسوشييتد برس».

وأقر المدير العام لجهاز الاستخبارات الإثيوبية، المشرف على حالة الطوارئ، تمسكن طرونه، بأن «قوات أمهرة (غير النظامية) سيطرت على بعض المدن والبلدان، وأفرجت عن السجناء من السجون، واستولت على مؤسسات حكومية». واتهم طرونه في تصريحات (مساء الأحد) «هذه القوى» بأن «لديها الرغبة والهدف في تفكيك الحكومة الإقليمية ثم الانتقال إلى تفكيك النظام الفيدرالي».

وكانت الحكومة الإثيوبية قد أعلنت، السبت، عن تنفيذ حملة اعتقالات مرتبطة بـ«الأزمة الأمنية» في المنطقة. وأفاد مكتب الاتصالات الحكومي بأنه تمّ إلقاء القبض على من اعتبر أنهم فاقَموا الأزمة الأمنية، وباتوا متورطين في أعمال تدمير مختلفة.

وأعنت الحكومة، الجمعة، حالة الطوارئ في الإقليم بعد اشتباكات استمرت لأيام بين الجيش الإثيوبي وميليشيا «فانو». وكانت ميليشيا «فانو»، والتي كان يطلق عليها (القوات الخاصة الأمهرية) وتعمل بشكل متقطع من دون هيكل قيادة، قد ناصرت القوات الاتحادية في حرب أهلية استمرت لعامين بمنطقة تيغراي المجاورة، وانتهت في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، بعد توقيع اتفاقية «بريتوريا» للسلام، لكن العلاقات توترت بعد أن بدأت الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي عملية مفاجئة لنزع سلاح وتفكيك قوات شكّلتها بعض الولايات تمهيداً لدمج عناصرها في الجيش الفيدرالي أو الشرطة أو في الحياة المدنية.

من جهتها، أعربت منظمة الصحة العالمية عن «مخاوفها» بشأن «العنف المستمر في منطقة أمهرة». وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم، (مساء الأحد)، إن «وصول المساعدات الإنسانية صعب بسبب إغلاق الطرق؛ والاتصال صعب بسبب تعليق الإنترنت»، مشيرا إلى أن «النزاع له تأثير فوري على صحة الناس، ويمكن أن يكون له عواقب وخيمة وطويلة الأمد على الأنظمة الصحية».

وقال أنور إبراهيم، الصحافي والمحلل السياسي الإثيوبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاشتباكات تزداد عنفاً وتوسعاً في الإقليم، والميليشيا تسيطر على عدد من المدن والمناطق، فيما أعلنت الحكومة رغبتها في التواصل مع قيادات الميليشيات، من أجل الانخراط في مباحثات للتوصل لحل سلمي، لكن تلك المحاولات لم تجد استجابة». وتوقع إبراهيم أن «يتطور الموقف وتزداد كثافة الاشتباكات وينتشر الجيش بأعداد كبيرة جداً في الساعات المقبلة للسيطرة على الأمور». وأضاف أن الوضع الإنساني في الإقليم «يزداد سوءاً بازدياد حدة المعارك وتوسع رقعتها».

في حين وصف محمود أبو بكر، المحلل المختص في شؤون القرن الأفريقي، ما يحدث في الإقليم بأنه «حرب كر وفر». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الجيش يدفع بتعزيزات كبيرة جداً». واعتقد أبو بكر أن «حسم الأمور عسكرياً بشكل سريع مُستبعد في الوقت الحاضر». ويرى أن المعارك قد تتطور إلى (حرب مدن) لا سيما أن ميليشيا (فانو) لديها ظهير شعبي داعم». واستبعد أبو بكر «خيار التوصل إلى حل سلمي حالياً في ظل قرار مجلس الوزراء بشن حملة عسكرية واسعة لإنفاذ القانون، وهو توصيف مشابه لما حدث قبل حرب تيغراي»، لكنه توقع أن «يجلس الطرفان في نهاية الأمر إلى طاولة المفاوضات للتوصل لحل سياسي، وقد يكون كل من الطرفين يستهدف من تلك المواجهة تحسين شروط التفاوض».



«المنتدى الشامل للحوار» في إثيوبيا... تحرك جديد نحو المصالحة

رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

«المنتدى الشامل للحوار» في إثيوبيا... تحرك جديد نحو المصالحة

رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

مرحلة سياسية جديدة تنتظرها إثيوبيا مع الإعلان عن عقد «المنتدى الشامل للحوار» في منتصف يوليو (تموز) المقبل، وسط تحديات أمنية مع إقليمي تيغراي وأمهرة وانتقادات من المعارضة.

المنتدى الذي يستمر 3 أسابيع، بمشاركة ممثلين عن الأقاليم الفيدرالية، يرى خبير في الشأن الإثيوبي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه سيدفع للتحرك نحو مصالحة وطنية وخفض النزاعات، مشدداً على أن عدم مشاركة بعض القوى والجماعات المسلحة في هذا الحوار قد يخلق تحديات، «لكن الحل الأمثل هو الانخراط في الحوار الأول من نوعه في تاريخ البلاد».

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية، تم تدشينها في فبراير (شباط) 2022، مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، وفي 29 مايو (أيار) 2024، بدأت إثيوبيا رسمياً المرحلة الأولى من الحوار الوطني.

وشهدت إثيوبيا، التي تتجه لإعلان فوز الحزب الحاكم بالأغلبية في الانتخابات العامة التي أجريت في 1 يونيو (حزيران) الحالي، أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي، وأودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، بخلاف نحو مليون نازح.

ورغم تنظيم الانتخابات في عموم البلاد، استُثني إقليم تيغراي في الشمال، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة. وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت ميليشيات «فانو» القومية بتعطيل العملية الانتخابية، وألغت هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137.

محطة «مفصلية»

وتستعد إثيوبيا لـ«بلوغ محطة مفصلية في مسار الحوار الوطني الشامل، مع الإعلان عن انعقاد المنتدى الوطني الرئيسي للحوار في 15 يوليو المقبل»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية، السبت.

وأعلن رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي، البروفسور مسفن أرايا، بحسب الوكالة، أن جميع الاستعدادات اللازمة لانطلاق المنتدى الوطني قد اكتملت بنجاح، وذلك عقب عملية مشاورات واسعة النطاق شملت مختلف أنحاء البلاد.

ومن المقرر أن يستمر المنتدى الوطني الرئيسي، الذي سيُعقد في العاصمة أديس أبابا، لمدة ثلاثة أسابيع متتالية، بـ«مشاركة ممثلين عن طيف واسع من القوى السياسية والاجتماعية والدينية والمجتمعية من مختلف أنحاء إثيوبيا»، دون توضيح هل سيكون هناك تمثيل للمعارضة والمناهضين لرئيس الوزراء آبي أحمد أم لا.

مؤتمر صحافي لمفوضية الحوار الوطني الإثيوبي برئاسة مسفن أرايا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

بدوره، يعتقد المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان، أن المنتدى الذي سيشارك فيه مغتربون إثيوبيون بالخارج في أكثر من 9 دول حول العالم، سيدفع إلى التحرك نحو المصالحة الوطنية وترك النزاعات. وأكد أن «جزءاً كبيراً ممن يحرصون على اللحمة الوطنية في إثيوبيا ومن ينشدون الصالح العام يرون أن الحوار الوطني هو الحل الأسمى والأكبر للأزمات الراهنة مهما كانت الخلافات».

فرصة لإنهاء التهديدات

وتراهن أديس أبابا على أن يمثل هذا المنتدى فرصة لإنهاء للخلافات بدلاً من الصراعات، وأفادت وكالة الأنباء الإثيوبية بأن المنتدى الوطني المقبل يمثل «إحدى أكثر عمليات التشاور السياسي أهمية في التاريخ الإثيوبي الحديث، خاصة في ظل التحديات التي تشهدها العديد من الدول حول العالم نتيجة تصاعد الاستقطاب والانقسامات المجتمعية، ومحاولة جادة لمعالجة الخلافات الوطنية عبر الحوار الشامل وبناء التوافق، بدلاً من اللجوء إلى الصراع أو الإقصاء السياسي».

وهذا يتماشى مع ما أعلنه مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي في بيان صادر في السادس من يونيو الحالي بشأن الانتخابات؛ إذ أكد أن «معالجة الخلافات السياسية يجب أن تتم عبر الأطر الدستورية ومؤسسات الدولة والحوار الوطني».

والجمعة، نشرت وكالة الأنباء الإثيوبية، مقال رأي لمسؤولين بالبلاد أحدهما رضوان حسين، المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني الإثيوبي، حذرا فيه من اندلاع مواجهة جديدة مع تيغراي، داعياً إلى ضغط دولي «حازم يواجه أولئك الذين يسعون إلى تقويض اتفاق السلام في بريتوريا الموقع عام 2022 لمنع العودة إلى دوامة الصراع».

وحول مدى قبول المعارضة أو إقليم تيغراي بالمشاركة في هذا الحوار، أوضح المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان أن «هناك أعداداً كبيرة من المواطنين في تيغراي، وفي إقليم أمهرة، وفي أوروميا، وفي الأقاليم الأخرى، يشاركون بنشاط في هذا الحوار الوطني الواسع الذي يناقش معظم الملفات الشائكة الحالية في البلاد، ولم ينحز لقضية على حساب أخرى، ولم يفضل ملفاً على آخر، بل فتح باب التحاور في كافة الملفات بلا استثناء».

واعترف أن «هناك جزءاً بسيطاً من المعارضين المسلحين لا سيما في الإقليم لم ينخرط بعد في مثل هذه الحوارات الوطنية الشاملة أو في خطوة الإصلاح هذه، وذلك سعياً وراء مصالح أو نقاط خاصة بهم».

وحذر زيدان من «عدم انخراط كافة العناصر والقوى في المنتدى ما قد يُصعّب بعض الأمور عما هي عليه»، مؤكداً أن الحل الأنسب والسيناريو الأفضل لحل الأزمات الشاملة في البلاد هو هذا الحوار الوطني، خاصة وهو الأول من نوعه تاريخياً في البلاد، ويتناول تسوية النزاعات مثل بعض الحساسيات الدينية، أو الحساسيات العرقية، أو حتى القبلية.


متمردون سابقون في صفوف «بوكو حرام» يسعون إلى «بداية جديدة»

وقف المقاتلون السابقون يرتدون قمصانا بيضاء وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى الجماعات المتمردة (أ.ف.ب)
وقف المقاتلون السابقون يرتدون قمصانا بيضاء وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى الجماعات المتمردة (أ.ف.ب)
TT

متمردون سابقون في صفوف «بوكو حرام» يسعون إلى «بداية جديدة»

وقف المقاتلون السابقون يرتدون قمصانا بيضاء وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى الجماعات المتمردة (أ.ف.ب)
وقف المقاتلون السابقون يرتدون قمصانا بيضاء وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى الجماعات المتمردة (أ.ف.ب)

أمضى إبراهيم محمد (32 عاماً) سنوات في الغابات بشمال شرقي نيجيريا، حيث كان مقاتلاً في صفوف جماعة «بوكو حرام» الإرهابية المسلحة. لكن في أحد الأيام، تلقى رسالة من والدته غيّرت مسار حياته. وقال محمد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الجمعة: «وصلتني رسالة مصورة من والدتي، تتوسّل إليَّ أن أترك الجماعة، وأسلم السلاح، وأعود إلى البيت».

خلال حفل اختتام برنامج لإعادة تأهيل مسلحين عملوا سابقاً في صفوف «بوكو حرام» (أ.ف.ب)

وقال متحدثاً خلال حفل اختتام برنامج لإعادة تأهيل المسلحين السابقين في مايدوغوري، كبرى مدن ولاية بورنو، والتي تعدّ مركزاً للتمرد المسلح المستمر منذ 17 عاماً: «كان لذلك وقع شديد عليَّ، أدركت أن عائلتي لا تزال تهتمّ بي، وتريد عودتي. عندها قررت مغادرة الغابات والتوجه إلى مايدوغوري».

ومنذ عام 2009، أسفرت أعمال العنف التي تشنّها جماعة «بوكو حرام» ثم تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا المنافس لها عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد ملايين الأشخاص في شمال شرقي نيجيريا، أكبر بلدان أفريقيا من حيث التعداد السكاني.

محتجون في شوارع لاغوس يرفعون شعارات تشجب اختطاف الأطفال (أ.ف.ب)

وكان محمد ضمن مجموعة من نحو 720 مسلحاً سابقاً أنجزوا مؤخراً برنامجاً لإعادة الدمج والتأهيل تطبقه حكومة الولاية. ووقف المقاتلون السابقون تحت شمس حارقة يرتدون قمصاناً (تي شيرت) بيضاء، وتلقوا نسخاً من المصحف أقسموا عليها في حضور ممثلين للسلطات بأنهم لن ينضموا مجدداً إلى جماعات متمردة. وكان بينهم قادة سابقون قال أحدهم ويدعى بولاما مختار (36 عاماً) إنه أعطى موافقته على قتل ابنه بعدما رفض المشاركة في هجوم على قرية، كما يهدف البرنامج، الذي يضم نساءً وأطفالاً كانوا محتجزين لدى المجموعات المسلحة، بحسب المسؤولين إلى منحهم الاستقلالية.

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

وأوضح سابي عبد الله إسحاق المستشار الأمني لحاكم ولاية بورنو أن ما لا يقل عن 9680 شخصاً استفادوا من البرنامج منذ إطلاقه عام 2021 في إطار خطة لاستئصال التطرف.

ويقضي المشاركون عدة أشهر في مخيم في مايدوغوري، حيث يتم تدريبهم على مهن مثل إصلاح السيارات والخياطة.

وقال إسحاق إن «البرنامج مصمم لمنح المشاركين مهارات مهنيّة ودعماً نفسياً والأدوات الضرورية لإعادة بناء حياتهم كمواطنين مسؤولين ومنتجين». وأكد بعض المقاتلين السابقين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنهم خُدعوا، وأن العنف المسلح الذي تمارسه جماعة «بوكو حرام» بهدف إقامة دولة خلافة لا يمت بصلة إلى الإسلام.

جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

وقال مصطفى كاكا (36 عاماً) الذي وصل إلى مرتبة مساعد قائد في الجماعة: «أدركت أن العنف والمعاناة اللذين نلحقهما بأبرياء لا صلة لهما بالدعوة الحقيقية». كما أشار مقاتلون سابقون إلى صعوبة الحياة في الجبال والغابات بشمال شرقي البلاد، موضحين أنهم كانوا يتنقلون باستمرار، ويقضون أحياناً أياماً كاملة دون أن يناموا.

وبقيت يا فانا عيسى (25 عاماً) 10 سنوات رهينة لدى الجماعة بعد خطفها من قريتها، فتزوجت مقاتلاً، وأنجبت 4 أطفال. وتمكنت في نهاية المطاف من الفرار مصطحبة اثنين من أطفالها، بينما بقي الاثنان الآخران مع والدهما، وقالت: «أريد بداية جديدة، والعيش بسلام»، مضيفة: «آمل أن تتاح لأطفالي فرص لم أحظ بها يوماً».


أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)
مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

رغم أن الانتخابات الإثيوبية العامة التي تمت مطلع يونيو (حزيران) الحالي، تُظهر نتائجها الأولية حالة من الاستقرار مع فوز كبير لحزب «الازدهار» الحاكم، فإن إقليم تيغراي، الذي تتوتر علاقاته مع رئيس الوزراء آبي أحمد، لا يزال نقطة تشغل حيزاً من تفكير أديس أبابا مع عدم تنظيم اقتراعات في الإقليم ومخاوف من تجدد الصراع.

تلك المخاوف التي ترجمتها تحذيرات نشرتها «وكالة الأنباء الإثيوبية»، الجمعة، تشي بأن الإقليم الذي خاض حرباً ذات تكلفة عالية مع الحكومة الفيدرالية قبل سنوات لا يزال مسار قلق إثيوبي، وأن التدخل الدولي لوقف اندلاع حرب جديدة يحمل أولوية، وفق ما يراه برلماني إثيوبي تحدث لـ«الشرق الأوسط».

تحذيرات إثيوبية

التحذيرات الإثيوبية من اندلاع مواجهة جديدة مع تيغراي، كانت لافتة، الجمعة، في مقال رأي نشرته وكالة الأنباء الرسمية للبلاد، تحت عنوان «يجب ألا تُدفع إثيوبيا مجدداً إلى أتون الحرب»، ومدون باسم غيتاتشو ردا، مستشار الوزير لشؤون شرق أفريقيا في الحكومة الإثيوبية، والرئيس السابق للإدارة الإقليمية المؤقتة لإقليم تيغراي، ورضوان حسين، المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني الإثيوبي، وكبير المفاوضين عن الحكومة الفيدرالية خلال محادثات السلام في بريتوريا عام 2022.

وحسب المسؤولين الإثيوبيين، فإن «(اتفاق بريتوريا) في 2022 شكل بارقة أمل ومنعطفاً حاسماً لمنطقة أنهكتها الحرب والدمار. واليوم، ينبغي أن يواجه أولئك الذين يسعون إلى تقويض هذا الاتفاق ضغطاً دولياً حازماً لمنع العودة إلى دوامة الصراع».

وتحدثا عن أن «جهات مرتبطة بإريتريا أسهمت في تنسيق تحالف بين القوى المعارضة للاتفاق، ضمن إطار أُطلق عليه اسم (سيمدو)؛ بهدف الحفاظ على حالة التوتر والصراع»، في حين «تشير المؤشرات اليوم إلى أن هذا التحالف، الذي تشكل عبر اجتماعات عقدت في أسمرة ومقلي الإثيوبية والسودان، يستعد للدفع نحو جولة جديدة من المواجهات المسلحة».

مخاوف من تجدد الصراع في إقليم تيغراي في إثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وحسب الوقائع التي يتحدث عنها المسؤولان الإثيوبيان، فهناك «جناح متشدد داخل (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) أقدم على تفكيك الإدارة الإقليمية المؤقتة وإنشاء إدارة بديلة بصورة أحادية، كما واصل عمليات التجنيد والتدريب والتسليح بدعم مباشر من الحكومة الإريترية، إلى جانب إقصاء الأصوات الداعية إلى السلام والالتزام باتفاق بريتوريا».

وخلص المسؤولان إلى أن «منع العودة إلى الصراع يتطلب من جميع الأطراف الدولية والإقليمية التي تمتلك نفوذاً أو تأثيراً على (الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) وداعميها ممارسة أقصى درجات الضغط للحيلولة دون انهيار عملية السلام»، مؤكدين أن «استئناف الأعمال العدائية لن يشكل خطراً على إثيوبيا وحدها، بل ستكون له تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها».

وتأتي تلك التحذيرات بعد أقل من أسبوعين من إجراء الانتخابات العامة السابعة التي شهدتها البلاد، التي تنافس فيها أكثر من 10438 مرشحاً من 42 حزباً سياسياً على مقاعد مجلس نواب الشعب والمجالس الإقليمية.

تقريب وجهات النظر

ويرى البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، أن «نجاح الانتخابات من دون أي مشاكل تذكر هو الإنجاز الأول، باستثناء بعض الأماكن المحدودة رغم التوقعات السلبية التي كانت تروّج لها بعض الجهات، والتي ادّعت غياب الاستقرار واحتمالية حدوث اضطرابات تحول دون إجراء الانتخابات، ولقد تخطينا تلك العقبات وأنجزنا الانتخابات بنجاح، معرباً عن ثقته في تجاوز هذه المرحلة الصعبة في تيغراي عبر تقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول سلمية.

ورغم إبرام اتفاق سلام عام 2022 لإنهاء الحرب الأهلية في تيغراي، التي تتحدث إحصائيات رسمية أنها تسببت في مقتل مئات الآلاف، فإن خطوة اتخذها الحزب السياسي الرئيسي هناك الشهر الماضي لإعادة فرض سيطرته على الإدارة السياسية للمنطقة دفعت إلى استثناء إقليم تيغراي في الشمال، في ضوء استمرار التوتر بين السلطات الإقليمية هناك والسلطات الفيدرالية في العاصمة.

وفي إقليم أمهرة الذي يضم نحو 20 مليون نسمة، هدَّدت ميليشيات «فانو» القومية بتعطيل العملية الانتخابية؛ ما تسبب في إلغاء هيئة الانتخابات التصويت في ثماني دوائر فقط من أصل 137.

ووسط تلك التوترات، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي في بيان صادر في السادس من يونيو (حزيران) الحالي بشأن الانتخابات، أن «معالجة الخلافات السياسية يجب أن تتم عبر الأطر الدستورية ومؤسسات الدولة والحوار الوطني».

مسلحون سابقون في تيغراي خلال إعادة تأهيلهم ودمجهم (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وجاء هذا الحديث مع ترجيحات بأن «حزب (الازدهار) سيهيمن على الانتخابات في مواجهة معارضة متشرذمة أضعفتها الخصومات الداخلية»، وفق ما ذكرت «رويترز» في تقرير سابق.

ويتوقع البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد أن «تتدخل الجهات الإقليمية والدولية وتسهِم في حل هذه المشكلة كما فعلت سابقاً في (اتفاق بريتوريا)، فنحن شعب واحد وبلد واحد، ولا يوجد عائق لا يمكن تجاوزه إذا توفرت الإرادة القوية، وهذه الأزمة ستحل قريباً».

ودعا المنظمات الدولية والإقليمية للمشاركة الفعالة في دعم التقارب وحل المشكلات العالقة، مشدداً على أن هذا المسار هو ما تتطلع إليه الدولة في المرحلة المقبلة.

وشدد البرلماني الإثيوبي على رفض العودة إلى مربع الصراع المسلح، مضيفاً: «أملنا ألا تتكرر الحرب مرة ثانية، فقد تعلمنا درساً قاسياً من الحروب السابقة التي ألحقت أضراراً جسيمة بالجميع، والحرب ليست في مصلحة أحد».

وأكد أن «الحل بات قريباً، سواء عبر التدخل الدبلوماسي الدولي أو الإقليمي، لضمان استقرار البلاد وتجنب أي مواجهات عسكرية مستقبلية».