تحذير أممي: انعدام الغذاء في اليمن وصل لأعلى مستوياته

إنكار حوثي لاتساع رقعة الفقر والمجاعة

أكثر من نصف العائلات اليمنية لم يعد قادراً على الحصول على الغذاء الكافي (رويترز)
أكثر من نصف العائلات اليمنية لم يعد قادراً على الحصول على الغذاء الكافي (رويترز)
TT

تحذير أممي: انعدام الغذاء في اليمن وصل لأعلى مستوياته

أكثر من نصف العائلات اليمنية لم يعد قادراً على الحصول على الغذاء الكافي (رويترز)
أكثر من نصف العائلات اليمنية لم يعد قادراً على الحصول على الغذاء الكافي (رويترز)

أثارت تصريحات منسوبة لأحد قادة الجماعة الحوثية ينفي فيها انعدام الفقر في مناطق سيطرة الجماعة الغضب، والسخرية في الشارع اليمني، بالتزامن مع تأكيد تقرير أممي أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من عام.

وذكر برنامج الغذاء العالمي أن 53 في المائة من العائلات اليمنية التي شملها المسح الذي أجراه أخيراً غير قادرة على الحصول على الغذاء الكافي، بعد أن وصل مستوى انعدام الأمن الغذائي خلال فبراير (شباط) الماضي إلى أعلى مستوى مسجل خلال الأشهر الـ17 الأخيرة.

يدعي قادة حوثيون انعدام الفقر في مناطق سيطرتهم في حين يتضاعف عجز السكان عن الوصول إلى الغذاء (رويترز)

وقال البرنامج في تقريره عن «حالة الأمن الغذائي في اليمن» إن تدهور حالة الأمن الغذائي يشمل كافة أنحاء البلاد، وإن تفاوت من محافظة إلى أخرى، ويمثل زيادة بنسبة 1 في المائة عن يناير (كانون الثاني) الماضي، وبنسبة 8 في المائة مقارنة بشهر فبراير من العام الماضي.

وأورد البرنامج الأممي في تقريره أن معدل انتشار عدم كفاية استهلاك الغذاء بين العائلات اليمنية بلغ 57 في المائة خلال فبراير الماضي في المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية، وبزيادة قدرها 10 في المائة على أساس سنوي، وذلك بسبب تدهور أسعار صرف العملة المحلية إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق.

كما أشار التقرير إلى أن نقص الإيرادات، بسبب انخفاض صادرات النفط الخام، وتدفقات التحويلات المالية، وانخفاض احتياطيات العملات الأجنبية، وتدهور الوضع الاقتصادي الذي أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والوقود إلى مستويات غير مسبوقة، جعل العديد من العائلات غير قادرة على الحصول على الغذاء الكافي.

وبين المسح الذي أجراه البرنامج الأممي أن ما يقرب من 17 في المائة من العائلات التي شملها المسح في مناطق نفوذ الحكومة اشتكت من أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية يمثل تحدياً رئيسياً للوصول إلى نظام غذائي مناسب، ما قد يفاقم من تدهور الأمن الغذائي خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل نقص التمويل الذي يعانيه البرنامج.

تسييس التسول

وصلت نسبة العائلات غير القادرة على تلبية الحد الأدنى المقبول من الاستهلاك الغذائي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية إلى أعلى مستوى لها خلال الأشهر الستة عشر الماضية، مع إبلاغ نحو 51 في المائة منها عن عدم قدرتها على الوصول إلى الغذاء الكافي، وبزيادة قدرها 11 في المائة مقارنة بنوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وبنسبة 8 في المائة على أساس سنوي.

يستمر الصراع في اليمن وتطورات البحر الأحمر في مفاقمة الوضع الإنساني (الأمم المتحدة)

وحذر برنامج الغذاء العالمي من تداعيات التوتر الحالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة في البحر الأحمر، التي قد تؤدي، إلى جانب الفجوة الناجمة عن توقف المساعدات الغذائية، إلى تأثيرات سلبية على أسعار المواد الغذائية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأشهر المقبلة.

وكان ناشطون يمنيون تداولوا تصريحات منسوبة للقيادي الحوثي نصر الدين عامر المعين رئيساً للنسخة الحوثية من وكالة «سبأ» قال فيها إنه «لا يوجد جوع في اليمن، ولا متسولون، أو متسولات في صنعاء»، وهي العاصمة التي تسيطر عليها الجماعة منذ انقلابها قبل نحو عقد.

وزعم القيادي الحوثي أنه تم اعتقال متسولات في شوارع صنعاء، وبعد التحقيق ثبت أنهن من قيادات حزب «المؤتمر الشعبي» الذي كان يرأسه الرئيس الأسبق الراحل علي عبد الله صالح، في اتهام واضح منه لمناوئي الجماعة بمحاولات تشويه صورتها.

وأثارت هذه التصريحات سخرية وجدلاً واسعين، حيث تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ووقائع تثبت تغير أحوال القادة الحوثيين بمن فيهم عامر نفسه خلال أعوام الانقلاب، ومظاهر الثراء التي بدت عليهم، مقابل مظاهر الجوع والفاقة التي يعاني منها غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة.

وأورد الناشط الحوثي، إسماعيل الجرموزي، أرقاماً عن رواتب ومستحقات عامر التي تزيد عن 4500 دولار شهرياً (تبلغ أكثر من مليونين و400 ألف ريال، والدولار يساوي 530 ريالاً في مناطق سيطرة الجماعة)، متهكماً من تصريحاته بالإشارة إلى أنه لا يشعر بالجوع، ولا يعرف الفقر، لأنه يمتلك ما لا يمتلكه باقي اليمنيين.

تضاؤل الاستجابة

من جهته انتقد جمال بلفقيه رئيس اللجنة العليا للإغاثة في حديث لـ«الشرق الأوسط» أداء المنظمات الدولية العاملة في مجال الإغاثة في اليمن، لعدم جدوى مساهماتها، وبرامجها، وتقاريرها في المساعدة على التخفيف من الأزمة الإنسانية في اليمن التي باتت تلامس المجاعة.

ولم تستطع منظمات الإغاثة والمنظمات الدولية الإيفاء باحتياجات الشعب اليمني بشكل كامل، بل على العكس من ذلك، فإن خطة الاستجابة الإنسانية تتضاءل كل عام، وأخيراً تأثر الوضع الإنساني المتدهور في اليمن بالصراع في البحر الأحمر، ووصل الوضع الإنساني في اليمن إلى المرحلة الخامسة، وهي مرحلة الوضع الكارثي التي تلامس المجاعة. وفق تعبيره.

يمثل ارتفاع أسعار المواد الغذائية في اليمن تحدياً رئيسياً للوصول إلى نظام غذائي مناسب (الأمم المتحدة)

وأضاف بلفقيه أن التقارير الصادرة حول الأزمة الإنسانية في اليمن تستعرض الوضع الحاصل، ولا تتطرق إلى المعالجات، والفرص المتاحة للمساعدة في تجاوز هذا الوضع، ويعود ذلك إلى سوء استخدام المساعدات المقدمة لليمن، فهذه المنظمات -وفق قوله- حصلت على الكثير من الأموال، إلا أنها عملت على إدارتها بشكل لا يساهم في تحقيق الأمن الغذائي.

واتفق برنامج الغذاء العالمي والجماعة الحوثية مطلع العام الحالي على استبعاد 3 ملايين شخص من قائمة المستفيدين من الحصص الغذائية الشهرية، بعد فترة من تعليق البرنامج عملياته في مناطق سيطرة الجماعة التي سبق اتهامها من قبل البرنامج ومنظمات دولية أخرى بالتلاعب بالمساعدات.

كما تتهم جهات يمنية وناشطون، استناداً إلى معايشتهم للواقع، الجماعة الحوثية بحرمان آلاف العائلات اليمنية الفقيرة والنازحة من الحصول على المعونات الغذائية التي يتحصلون عليها كل فترة، واستغلالها لإثراء قادة الجماعة، ودعم جبهاتها العسكرية.


مقالات ذات صلة

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العالم العربي ممارسات المسلحين الحوثيين خارج إطار أجهزة الأمن أدت إلى وقوع حوادث مميتة (أ.ف.ب)

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

شهد عيد الأضحى في مناطق سيطرة الحوثيين وقائع انفلات أمني كشفت عن فشل الجماعة بتطويع المجتمع لها، كما أقدمت على ملاحقة المشاركين في صلاة الغائب على الرئيس هادي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من الاجتماع المرئي بين مركز الملك سلمان ومفوضية اللاجئين (مكتب مفوضية اللاجئين بالرياض)

مركز الملك سلمان ومفوضية اللاجئين يوقِّعان اتفاقية لتعزيز الحماية والرعاية الصحية باليمن

وقَّعت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، اتفاقية بقيمة 3.1 مليون دولار، لحماية اليمنيين.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
العالم العربي يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)

«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

إطلاق مركز «عناوين» للبحوث ودراسة التحولات كمؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في تحليل المتغيرات اليمنية والإقليمية عبر الدراسات وقواعد البيانات والأدوات الرقمية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي فرق صحية توفر الرعاية للأسر اليمنية في مخيمات النزوح (الأمم المتحدة)

السعودية تعزز جهود الاستجابة الصحية في اليمن

كثّفت السعودية دعمها للقطاع الصحي اليمني عبر فرق متنقلة وإمدادات طبية وبرامج تدريب وتأهب للأوبئة، بما يعزز الخدمات الصحية ويحمي الفئات الأكثر ضعفاً

محمد ناصر (عدن)
الخليج مشروع «مسام» يهدف الحد من مخاطر الألغام ومخلفات الحرب وتأمين المناطق السكنية والطرق والمرافق الحيوية (واس)

«مسام» ينتزع 1609 ألغام وذخائر غير منفجرة في اليمن خلال أسبوع

أعلن مشروع «مسام» لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام، التابع لـ«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، انتزاع 1609 ألغام وذخائر غير منفجرة من مناطق يمنية.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«تحفظات مصرية» على سفير سوريا الجديد تعرقل ترتيب البعثة الدبلوماسية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
TT

«تحفظات مصرية» على سفير سوريا الجديد تعرقل ترتيب البعثة الدبلوماسية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)

تعرقل «تحفظات مصرية» استقبال القاهرة عدداً من أعضاء البعثة الدبلوماسية السورية، حسب مصدر مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «اعتراضات على بعض أفراد البعثة»، تشمل امتناع وزارة الخارجية المصرية عن قبول ترشيح سوريا سفيرها الجديد في القاهرة.

وأوضح المصدر القريب من ملف العلاقات بين البلدين، أنه «بعد الاستقرار السياسي النسبي في سوريا منتصف العام الماضي، بدأت الحكومة السورية التفكير في مسألة التمثيل الدبلوماسي لدى الدول المهمة، ومن بينها مصر، وبالفعل أرسلت خطاباً إلى مصر بترشيح محمد طه الأحمد سفيراً لها في القاهرة».

ووفق المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، فإن «الأحمد هو من اقترح على وزير الخارجية السوري تسميته سفيراً لدى مصر، باعتبار أنه درس في جامعة القاهرة». وأضاف: «الحكومة المصرية حتى الآن لم تبلغ نظيرتها السورية بعدم الموافقة صراحة، لكنها أرسلت رسائل غير رسمية بأنها لا تقبل به لأنه شخص غير مناسب بسبب خلفياته السياسية. لكن الحكومة السورية أصرت عليه، وهو ما عطل كثيراً من الأمور المتعلقة بوضع البعثة الدبلوماسية السورية في مصر».

وخلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لمصر مطلع مايو (أيار) الماضي، رافق الأحمد الوزير، وكانت مسندة إليه الملفات التي ستناقشها الزيارة، «كأنه أمر واقع وأصبح سفيراً في القاهرة، مما عقّد الأمور أكثر»، حسب المصدر.

أسعد الشيباني خلال زيارته الأولى لمصر وعلى يساره محمد طه الأحمد (الخارجية السورية)

وأشار المصدر إلى أن «تسمية أعضاء البعثة الدبلوماسية والقائمين بالأعمال لا تستوجب موافقة الدولة المضيفة، بخلاف الحال بالنسبة إلى السفراء، لكن مصر أيضاً لم تصدر تأشيرات لمعظم أعضاء الوفد الدبلوماسي السوري حتى الآن، من دون إبداء أسباب».

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من وزارة الخارجية المصرية، وكذلك نظيرتها السورية، لكن لم يتسن ذلك.

ويتولى محمد طه الأحمد حالياً منصب مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية. وهو حاصل على بكالوريوس الهندسة الزراعية من جامعة حلب عام 2007، ودرجة الماجستير في التقييم المالي والاقتصادي للمشروعات الزراعية من جامعة القاهرة عام 2012، والدكتوراه في التنمية الزراعية من جامعة إدلب عام 2020. وشغل مناصب وزارية عدة في حكومة الإنقاذ، قبل أن يوكل إليه في مايو 2025 منصبه الحالي بوزارة الخارجية، وفي الشهر التالي تولى رئاسة لجنة انتخابات مجلس الشعب.

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة، بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع، على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

ويرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في القاهرة، طارق فهمي، أن «مسألة اعتماد السفراء والبعثات الدبلوماسية ترتبط بقرار سيادي للدولة المستضيفة، وبالتالي حينما يتم ترشيح اسم لمصر، فهناك عمليات تدقيق ومراجعة تسبق الاعتماد».

زيارة الشيباني لمصر شملت مباحثات موسَّعة مع نظيره المصري حول تعزيز العلاقات (الخارجية السورية)

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمور بين القاهرة ودمشق لم تصل إلى حد الأزمة، والعلاقات المصرية - السورية ماضية في طريق التوطيد، لكن البعد الاقتصادي فيها يسبق البعد السياسي والدبلوماسي، وهذا ظاهر جلياً من حركة وسرعة تبادل زيارات الوفود الاقتصادية والتجارية بين البلدين، والاتفاقات البينية».

وأضاف: «ربما يقود هذا المسار إلى حلحلة أي خلاف سياسي، خصوصاً إذا عملت دمشق على تغيير اسم السفير الذي تتحفظ عليه مصر، فضلاً عن أن مصر حريصة على أن تعود العلاقات بين البلدين قوية، وتقدر ما تسعى إليه دمشق من إصلاحات في هذا السياق».

وزار وفد تجاري مصري العاصمة دمشق بداية عام 2026، الأمر الذي دفع مراقبين إلى القول إنه سيشكل نقطة بداية في العلاقات الاقتصادية السورية - المصرية.

وقال رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر» تيسير النجار، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تفاؤل باستعادة العلاقات المصرية - السورية بعد زيارة الشيباني لمصر مع الوفد الاقتصادي الكبير، والتي كان من نتيجتها إعلان مجلس رجال الأعمال السوري - المصري، لكن ما حدث بعد ذلك يوضح عدم رضا الحكومة المصرية عن أمر ما».

وتابع أن «السلطات المصرية تعمل خلال هذه الفترة على المراجعة القانونية لوضع السوريين الموجودين على أراضيها للتأكد من الالتزام بشروط الإقامة».


دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
TT

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)

كشف عدد من حوادث العنف والاغتيالات، خلال فترة عيد الأضحى، في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، عن اتساع مظاهر الانفلات الأمني وفشل أدوات السلطة في تطبيع حضورها في أوساط المجتمع، وعجزها عن محاسبة أصحاب النفوذ، إلى جانب إهمال وسائل حماية السلامة العامة للسكان.

فبينما كان سكان مناطق سيطرة الجماعة يحاولون الاستمتاع بأيام العيد، وقعت سلسلة من الحوادث الأمنية والجنائية والانتهاكات التي عكست تصاعداً ملحوظاً في معدلات العنف والانفلات الأمني، بدءاً من اغتيال شخصيات قبلية بارزة، مروراً بجرائم قتل ارتكبها عناصر ومشرفون تابعون للجماعة، وصولاً إلى حملات اعتقال طالت مدنيين على خلفية مواقف ذات طابع سياسي.

وقُتل الشيخ علي بن حسين الحازمي، أحد أبرز الزعماء القبليين في محافظة الجوف، في كمين مسلح على خط المطار شمال العاصمة المختطفة صنعاء.

ووفق مصادر محلية، فإن العملية نُفذت بطريقة احترافية بعد مراقبة تحركاته واستخدام مركبة تابعة للنظافة العامة للتمويه، ما دفع أهالي الجوف وأقارب الشيخ القتيل إلى اتهام الجماعة الحوثية بالوقوف خلف الحادثة، في حين سادت المخاوف من تصاعد عمليات استهداف الشخصيات القبلية بسبب خلافاتها مع قادة الجماعة ومراكز النفوذ.

أجهزة أمن الحوثيين فشلت في إقناع السكان بدورهم في توفير الحماية لهم (غيتي)

ويرى مراقبون أن اغتيال الحازمي لا يمكن فصله عن سلسلة حوادث مشابهة استهدفت خلال الأشهر الماضية عدداً من مشايخ ووجهاء محافظة الجوف، في ظل توترات متصاعدة بين الجماعة ومكونات قبلية محلية.

عجز أمني

في محافظة الحديدة (غرب اليمن) كشفت حادثة مقتل أحد المشرفين الحوثيين على يد شقيقه عن جانب آخر من الأزمة الأمنية؛ إذ جاءت الواقعة بعد شكاوى متكررة من اعتداءات المشرف على أفراد أسرته، وسط اتهامات للأجهزة الأمنية التابعة للجماعة بالتقاعس عن التدخل بسبب نفوذه.

وبحسب مصادر محلية في الحديدة، فإن والدة المشرف الحوثي القتيل تقدمت بشكاوى متعددة للأجهزة الأمنية التابعة للجماعة، تطالبها بوقف اعتداءاته عليها وعلى شقيقته، إلا أن نفوذه حال دون اتخاذ أي إجراء ضده، ما دفع شقيقه إلى تحذير المسؤولين الأمنيين الحوثيين من مغبة تجاهل تلك الشكاوى.

ممارسات المسلحين الحوثيين خارج إطار أجهزة الأمن أدت إلى وقوع حوادث مميتة (أ.ف.ب)

وذكرت المصادر أن سكان الحي الذي يسكن فيه المشرف لم يأسفوا للمصير الذي لاقاه على يد شقيقه، وخصوصاً أن ممارساته البلطجية، كما يصفونها، كانت تطولهم جميعاً.

وواصلت محافظة إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) حضورها اللافت في مشهد الانفلات الأمني، حيث جسّد عدد من الحوادث التي شهدتها خلال أيام العيد نموذجاً واضحاً لتصاعد الجريمة والعنف؛ إذ وقعت عدة جرائم واشتباكات بالأسلحة في بعض مديرياتها أسفرت عن سقوط عشرة أشخاص بين قتيل وجريح.

وشملت الحوادث مواجهات بين مسلحين وحملات أمنية حوثية، وجرائم قتل على خلفيات مالية واجتماعية، إضافة إلى حوادث ارتبطت بفرض جبايات على بعض الأنشطة التجارية.

وطبقاً لمصادر محلية في مركز المحافظة، فإن خمسة قتلى وجرحى سقطوا في منطقة المعاين غرب مدينة إبّ، إثر اشتباكات بين مسلح وحملة حوثية حاولت القبض عليه، ما أدى لمقتل قيادي حوثي يعمل في إدارة أمن مديرية الظهار، وإصابة ثلاثة آخرين قبل أن تتمكن الحملة من قتل المسلح.

العنف يطغى على العلاقة بين الحوثيين والمجتمع (أ.ب)

وقُتل شاب وأصيب آخر، في مديرية مذيخرة، برصاص مسلح حوثي حاول أن يفرض جبايات على تجارة نبتة «القات» على الضحيتين. وفي نسخة مكررة من هذه الواقعة في مديرية السبرة، قُتل شاب وأصيب آخر برصاص مسلح حوثي أيضاً، في حين كانت مديرية السياني مسرحاً لجريمة قتل شاب على يد شقيقه.

وفي مديرية ذي السفال، أقدم مسلح حوثي على قتل شاب حديث الزواج، حاول بناء كوخ لإيوائه مع زوجته في أرض ادعى المسلح أنها تابعة له.

خصومة مع رمزية هادي

في اتجاه آخر، نفذت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات وملاحقات في مديرية الظهار بالمحافظة، استهدفت بها سكاناً أقاموا «صلاة الغائب» على الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي الذي أُعلنت وفاته ثاني أيام عيد الأضحى، وشملت الحملة مداهمة منازل وملاحقة مشاركين في الصلاة.

وتقول المصادر إن الجماعة طوقت عدداً من المنازل، وشرعت في ملاحقة المصلين وأئمة المساجد، ما اضطر عدد كبير منهم إلى الهروب والتخفي لدى أقاربهم وأصدقائهم في مناطق وقرى أخرى، في حين استمرت عمليات المداهمة والملاحقة حتى ساعات متأخرة من ليل رابع أيام العيد.

اتهامات للحوثيين بالتسبب في الحوادث المرورية وتهديد السلامة العامة للسكان (فيسبوك)

وفي مؤشر على تراجع الرقابة العامة وحماية السلامة الشخصية للسكان، تم تسجيل 353 حادثاً مرورياً في مناطق سيطرة الحوثيين خلال إجازة العيد، نتج عنها وفاة 49 شخصاً وإصابة 485 آخرين بجروح متفاوتة.

وبحسب مصادر محلية، فإن أسباب الزيادة الكبيرة في حوادث المرور تعود إلى الطرق المتهالكة والمركبات غير المطابقة للسلامة، والتي لا تحصل على صيانة تضمن سلامة التنقل عليها، إلى جانب مخالفات القواعد المرورية، والسرعة الزائدة، والتجاوزات الخطرة، والانشغال بالهواتف أثناء القيادة.

ويتهم السكان الجماعة الحوثية بإهمال صيانة الطرق وتنظيم المرور ورصد المخالفات المرورية، ما أدى إلى المزيد من العشوائية والمخالفات التي تتسبب في زيادة الحوادث الخطيرة، خصوصاً في مناسبات الأعياد التي تتزايد فيها حركة التنقل بين المدن والأرياف.


«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)

أعلن مركز «عناوين للبحوث ودراسة التحولات» ومقره في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تدشين نشاطه بوصفه مؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في دراسة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية في اليمن والمنطقة العربية، في خطوة تستهدف الإسهام في إنتاج المعرفة وتقديم قراءات معمقة للمتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

وقال المركز في بيان الإشهار، إن تأسيسه يأتي استجابةً للحاجة المتزايدة إلى مؤسسات بحثية قادرة على متابعة التحولات المتشابكة وتحليلها في سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية، في ظل مرحلة تتسم بدرجة عالية من التعقيد نتيجة تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وتنامي تأثير الفاعلين الإقليميين والدوليين في مسارات الأحداث.

ووفقاً للرؤية المعلنة، يسعى المركز إلى أن يكون مرجعاً بحثياً متخصصاً في دراسة التحولات وصناعة المعرفة في المنطقة العربية، من خلال إنتاج دراسات وأبحاث نوعية توفر أدوات تحليلية تساعد الباحثين وصناع القرار والإعلاميين والمهتمين بالشأن العام على فهم الاتجاهات المتغيرة واستشراف مساراتها المستقبلية.

مركز يمني وليد يُعنى بالبحوث ودراسة التحولات (إكس)

وأوضح المركز أن نشاطه لن يقتصر على إعداد الدراسات والتقارير، بل سيمتد إلى بناء قواعد بيانات ومؤشرات تحليلية متخصصة تساعد على قراءة الاتجاهات العامة، وتعزيز الحوار البحثي والأكاديمي، وتقديم الاستشارات والدعم المعرفي للجهات والمؤسسات المهتمة بالشأن اليمني والإقليمي.

ويغطي المركز عدداً من المجالات البحثية الرئيسية، تشمل التحولات السياسية ومسارات الدولة والحوكمة، والتحولات الاقتصادية والسياسات التنموية، والمتغيرات الاجتماعية والثقافية، فضلاً عن قضايا الأمن والنزاعات والتفاعلات الإقليمية والدولية.

وبالتزامن مع تدشين نشاطه، أطلق المركز منظومة من المنصات والأدوات الرقمية المساندة الموجهة إلى الباحثين والصحافيين وصناع القرار، تضم منصات للرصد والتحليل والتحقق والأرشفة، وقواعد بيانات متخصصة، ومؤشرات قابلة للتحديث، إضافةً إلى خرائط تحليلية للنزاعات والتحولات وأدوات لمتابعة المخاطر والاتجاهات.

ويقول القائمون على المركز إن هذه المنظومة تستهدف تحويل البيانات المتفرقة إلى معرفة منظمة تساعد على تتبع التطورات وفهم السياقات واستشراف السيناريوهات المحتملة، بما يعزز من جودة التحليل ويزيد من كفاءة الوصول إلى المعلومات.

مؤسسة متكاملة

في هذا السياق، قال صالح البيضاني، رئيس ومؤسس مركز «عناوين»، إن المركز ينطلق من قناعة بأن فهم التحولات يمثل المدخل الأساسي لبناء معرفة رصينة وفاعلة، مؤكداً أن الهدف يتمثل في إنشاء مرجع بحثي جاد يسهم في قراءة التحولات المعقدة التي يشهدها اليمن والمنطقة وتقديم أدوات تحليلية تساعد على فهم الواقع واستشراف المسارات الممكنة.

وأضاف البيضاني الذي يشغل منصب المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض، أن المركز يضم نخبة من الباحثين اليمنيين الشباب إلى جانب خبرات بحثية وإعلامية متخصصة تعمل وفق منهجية تجمع بين البحث والرصد والتحليل والتحقق، وبناء قواعد البيانات، وتطوير المنصات الرقمية الحديثة.

وأكد البيضاني، وهو أيضاً رئيس دار النشر اليمنية «عناوين بوكس»، أن المركز لا يطمح إلى أن يكون مجرد منصة لنشر المقالات أو التقارير فقط، بل ليكون مؤسسة معرفية متكاملة توظف الأدوات الرقمية الحديثة إلى جانب التحليل الاستراتيجي والخبرة الميدانية، بما يمكِّنها من مواكبة التحولات المتسارعة وتقديم قراءات أعمق للأحداث.

وشدد المركز الوليد على التزامه بالمعايير المهنية والبحثية، وسعيه إلى بناء شراكات معرفية مع الباحثين والخبراء والمؤسسات ذات الصلة، بما يسهم في تعزيز النقاش العام وتوسيع دائرة المعرفة وتقديم مقاربات أكثر عمقاً لقضايا اليمن والمنطقة العربية.

Your Premium trial has ended