واشنطن تضرب الحوثيين منفردة ... وغروندبرغ قلق على جهود السلام

الجماعة تتأهب لحصد المكاسب وسط تشكيك يمني في أثر الضربات

حض زعيم الحوثيين أتباعه على حشد المزيد من المجندين وجمع الأموال (أ.ف.ب)
حض زعيم الحوثيين أتباعه على حشد المزيد من المجندين وجمع الأموال (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تضرب الحوثيين منفردة ... وغروندبرغ قلق على جهود السلام

حض زعيم الحوثيين أتباعه على حشد المزيد من المجندين وجمع الأموال (أ.ف.ب)
حض زعيم الحوثيين أتباعه على حشد المزيد من المجندين وجمع الأموال (أ.ف.ب)

عززت الولايات المتحدة ضرباتها المشتركة مع بريطانيا ضد مواقع الجماعة الحوثية في اليمن بضربة صاروخية بحرية منفردة، السبت، استهدفت صنعاء، وسط قلق المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ ومخاوفه من انهيار مساعيه لإحلال السلام.

ومع تشكيك باحثين يمنيين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» في الأثر الذي أحدثته هذه الضربات فيما يخص قدرة الجماعة العسكرية على الاستمرار في مهاجمة السفن، وجدت قادة الجماعة في الهجمات فرصة لتحويلها إلى مكاسب على الصعيد الداخلي، واستقطاب المزيد من الأتباع من بوابة مناصرة الفلسطينيين في غزة ومقارعة الدول العظمي في البحر الأحمر.

نفذت واشنطن ولندن ضربات لتحجيم قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر (رويترز)

الضربة الأميركية جاءت بعد ساعات من هجوم بصاروخ سقط على مقربة من سفينة تجارية في خليج عدن يعتقد أن الجماعة الحوثية أطلقته من مناطق سيطرتها للانتقام من أوسع ضربة تلقتها، الجمعة، على يد القوات الأميركية والبريطانية، حيث شملت صنعاء وأربع محافظات، وأدت إلى مقتل خمسة مسلحين وتدمير قدرات عسكرية من بينها أجهزة رادار وبنية تحتية للطائرات المسيرة والصواريخ.

وفي وقت سابق رفضت الحكومة اليمنية هذه الضربات، بشكل غير مباشر، وقالت إنها تتمسك بحقها السيادي في حماية الملاحة في البحر الأحمر، إلا أنها حملت الجماعة الحوثية مسؤولية ما آلت إليه الأمور من عسكرة للمياه الإقليمية اليمنية، كما حملت المجتمع الدولي مسؤولية سياساته التي قادت إلى تمكين الجماعة الحوثية وتعظيم قدرتها العسكرية.

وفيما عبر المبعوث غروندبرغ عن قلقه إزاء التطورات، دعا جميع الأطراف المعنية إلى تجنب أي خطوات من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم سوء الأوضاع في اليمن، أو تصعيد التهديد على طرق التجارة البحرية، أو زيادة التوترات الإقليمية في هذا الوقت الحرج.

وشدد غروندبرغ على ضرورة حماية المدنيين اليمنيين، والحاجة لصون التقدم الذي تم إحرازه فيما يتعلق بجهود السلام منذ هدنة عام 2022، بما في ذلك الالتزامات التي تعهدت بها الأطراف مؤخراً في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والمناقشات الجارية حول خريطة الطريق الأممية التي من شأنها تفعيل وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني، واستئناف عملية سياسية شاملة تحت رعاية الأمم المتحدة ومعالجة أولويات أساسية لصالح الشعب اليمني.

وأشار المبعوث في البيان الذي وزعه مكتبه، السبت، ببالغ القلق إلى تزعزع الوضع الإقليمي بشكل متزايد، وإلى التأثير السلبي لذلك على جهود السلام في اليمن، وعلى الاستقرار والأمن في المنطقة. وحض جميع الأطراف المعنية على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتقديم المسارات الدبلوماسية على الخيارات العسكرية، داعياً إلى وقف التصعيد.

صواريخ توماهوك

أفادت القيادة المركزية الأميركية بأنها استخدمت صواريخ «توماهوك» من على متن إحدى سفنها في البحر الأحمر لضرب موقع رادار حوثي، في صنعاء، اتضح أنه في قاعدة الديلمي الجوية جوار مطار صنعاء.

صور جوية تظهر الفرق في موقع حوثي قبل وبعد الضربات الأميركية البريطانية (أ.ف.ب)

وفي الساعة 3:45 صباحاً (بتوقيت صنعاء) أفادت القيادة المركزية بأن قواتها شنت ضربة ضد موقع رادار تابع للحوثيين في اليمن نفذتها سفينة «يو إس إس كارني» (DDG 64) باستخدام صواريخ توماهوك للهجوم البري، ووصفتها بأنها كانت بمثابة إجراء متابعة على هدف عسكري محدد مرتبط بالضربات التي تم شنها في 12 يناير (كانون الثاني)، بهدف إضعاف قدرة الحوثيين على مهاجمة السفن البحرية، بما في ذلك السفن التجارية.

وأعاد البيان التذكير بأن الحوثيين المدعومين من إيران حاولوا منذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مهاجمة ومضايقة السفن في البحر الأحمر وخليج عدن 28 مرة. وتشمل هذه الحوادث غير القانونية الهجمات التي استخدمت فيها الصواريخ الباليستية المضادة للسفن، والمركبات الجوية دون طيار، وصواريخ كروز.

وأكدت القيادة المركزية الأميركية مجدداً أنه لا علاقة لهذه الضربات بعملية «حارس الازدهار»، وهي تحالف دفاعي يضم أكثر من 20 دولة تعمل في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، أنشئت الشهر الماضي لحماية الملاحة بقيادة واشنطن.

استهدفت الضربات بنى تحتية ومواقع رادار ومستودعات حوثية في 5 محافظات يمنية (رويترز)

من جهته، قال المتحدث باسم الحوثيين محمد عبد السلام لـ«رويترز» إن الضربات الأميركية، التي استهدف أحدثها قاعدة عسكرية في صنعاء، «لم يكن لها تأثير يذكر».

وكانت القوات الأميركية والبريطانية نفذت، الجمعة، ضربات مشتركة قال الحوثيون إنها زادت عن 70 غارة، بدعم من أستراليا وكندا وهولندا والبحرين، لإضعاف قدرة الجماعة على الاستمرار في هجماتها «غير القانونية والمتهورة على السفن الأميركية والدولية والسفن التجارية في البحر الأحمر».

وبحسب البيان الأميركي، استهدف هذا العمل المتعدد الجنسيات أنظمة الرادار وأنظمة الدفاع الجوي ومواقع التخزين والإطلاق للهجوم أحادي الاتجاه على الأنظمة الجوية من دون طيار وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية.

وعقب الضربات، أكد جنرال أميركي أن الحوثيين أطلقوا صاروخاً باليستياً مضاداً للسفن، وقال مدير العمليات في هيئة الأركان المشتركة اللفتنانت جنرال دوغلاس سيمز، للصحافيين: «نعلم أنهم أطلقوا صاروخاً واحداً على الأقل في رد انتقامي»، مضيفاً أن الصاروخ لم يصب أي سفينة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

تزعم الجماعة الموالية لإيران أنها سترد للانتقام من الضربات الأميركية والبريطانية (أ.ب)

وكان بايدن، وصف، عقب ضربات الجمعة، الحوثيين بأنهم «جماعة إرهابية»، وقال إن واشنطن ستردّ عليهم إذا واصلوا سلوكهم الذي وصفه بأنه مثير للغضب، وفق ما نقلته «رويترز».

عقوبات واتهامات لإيران

فيما لم يخف المسؤولون الغربيون اتهاماتهم العلنية لإيران بالوقوف خلف الهجمات الحوثية في البحر الأحمر، واصلت الولايات المتحدة مسلكها الآخر لتجفيف موارد دعم الجماعة عبر العقوبات.

وأعلنت واشنطن، الجمعة، فرض عقوبات على شركتين مقرهما في هونغ كونغ والإمارات، تقومان بشحن سلع إيرانية نيابة عن شبكة تيسير مالية للحوثيين وفيلق القدس الإيراني.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان، إنها فرضت عقوبات على شركة مقرها هونغ كونغ وشركة مقرها الإمارات تقومان بشحن سلع إيرانية نيابة عن شبكة تيسير مالية حوثية مدعومة من فيلق القدس وهي خاضعة بالفعل لعقوبات أميركية. كما استهدفت أربع ناقلات نفط.

وأوضحت أن إحدى الناقلات المملوكة لشركة شيلو البحرية المحدودة التي مقرها هونغ كونغ، شحنت سلعاً إيرانية إلى الصين نيابة عن الوسيط المالي سعيد الجمل، وأن ناقلة أخرى سعت لإخفاء أصل البضائع، مستخدمة وثائق مزورة.

تبحث الجماعة الحوثية عن زيادة شعبيتها من بوابة مزاعم نصرة فلسطين (إ.ب.أ)

من جهته، طلب وزير الدفاع البريطاني غرانت شابس من إيران أن تحث حلفاءها الحوثيين على «التوقف والامتناع» عن الهجمات التي تشنها الجماعة في البحر الأحمر، وذلك في أعقاب الضربات التي وجهتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لمواقع تابعة لهم في اليمن.

ولفت شابس، الجمعة، إلى أن العالم بدأ «ينفد صبره» حيال أنشطة طهران التي تزعزع الاستقرار، ودعا طهران إلى أن «توضح وكلاءها الكثيرين» في الشرق الأوسط، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

تبعات الضربات

يكاد المراقبون السياسيون اليمنيون يجمعون على استفادة الجماعة الحوثية من الضربات الأميركية البريطانية، ويجزمون بأن الجماعة «باتت أكثر سعادة» لجهة أنها باتت تلفت أنظار الدول العظمى، وتشكل رقماً إقليمياً، إلى جانب المكاسب الأخرى من تعظيم شعبيتها محلياً، حيث بات قادتها يتحدثون عن مصداقية شعاراتهم المرفوعة منذ نشأة الجماعة بخصوص معاداة أميركا وإسرائيل.

ويقول الباحث والمحلل السياسي اليمني عبد الله السنامي لـ«الشرق الأوسط»، إن الضربات الأميركية البريطانية على مناطق سيطرة الحوثيين أدت إلى تعقيد الأزمة في المنطقة، ووسعت الشرخ في مشروع السلام المنتظر البعيد في اليمن، ودفعت بلغة الحرب إلى الواجهة، وقللت من الجهود الدبلوماسية، لا سيما ومنطقة الشرق الأوسط تعيش في وضع ساخن.

ومثل هذا العمل العسكري - بحسب السنامي - قد يدفع المنطقة إلى الانفجار، ذلك أن واشنطن ولندن لم تراعيا مصالح دول المنطقة، وهي الدول التي كان ينبغي ترك الأمر لها في معالجة مسائل الملاحة الدولية وغيرها.

كما أن التدخل العسكري الأميركي البريطاني دفع المنطقة بأكملها إلى قرب فوهة الاشتعال، في وقت حرج، كان يفترض العمل على تجنب مثل هذه الإجراءات، وإفساح المجال للجهود الدبلوماسية التي هي الأكثر نجاحاً، بحسب تعبيره.

ويجزم السنامي بأن الحوثيين حققوا مكاسب من القصف الأميركي البريطاني، كون هذا يتماشى مع سردياتهم الآيديولوجية، ويكسبهم شعبية لدى اليمنيين، ويمكّنهم من استغلال النزعة الكامنة في الناس تجاه فلسطين.

تقول الحكومة اليمنية إن الحوثيين يخدمون أجندة إيران ولا علاقة لهم بنصرة فلسطين (رويترز)

ويرى أن القصف أكسب الحوثيين شعبية كادت تكون مفقودة، ورحّل عنهم ملفات كانت تؤرقهم، مثل الرواتب وتقديم خدمات للمواطنين، وأيضاً منحهم فرصة لإحكام قبضتهم الأسرية على مؤسسات الدولة، والبروز بوصفهم لاعباً رئيسياً، إن لم يكن وحيداً، أمام المجتمع الدولي، وهو الأمر الذي يستميتون من أجله.

ولا يعتقد السنامي أن الضربات ستحد من قوة الحوثيين؛ لأسباب كثيرة، أهمها أن وجود الحوثيين في مناطق جبلية تعطيهم تحصيناً يحمي من هذه الضربات، كما أن الضربات عديمة الجدوى كونها أتت عقب ضربات التحالف الداعم للشرعية والتي أكسبتهم خبرة في الاحتماء، وحتى وفق القراءة العسكرية - بحسب تعبيره - فإن الضربات الجوية والصاروخية لا تؤدي الغرض منها ما لم يعقبها تحرك بري، الأمر الذي بات واضحاً أنه غير ممكن الآن.

احتمالات الرد

مع تهديد الجماعة الحوثية بالرد ضد المصالح الأميركية والبريطانية عقب الضربات، يرى الباحث والمحلل السياسي اليمني محمود الطاهر، أن الضربات حدت بشكل مؤقت من العمليات الحوثية في البحر الأحمر، وأن الجماعة لم تستطع الرد نتيجة للأضرار التي ألحقت في بنيتها العسكرية، وإن كانت تدعي غير ذلك.

ويتوقع الطاهر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الحوثيين ينتظرون تعزيزات إيرانية من أجل الرد، لكنه يستدرك أن الرد سيكون خجولاً لمحاولة تبييض الوجه، وسيكون الرد الأميركي أعنف، وربما قد يتم تصنيف الحوثيين إلى جانب ذلك «جماعة إرهابية» بقناعة من إدارة الرئيس جو بايدن.

جندت الجماعة الحوثية آلاف المسلحين مستغلة الحرب الإسرائيلية في غزة (إ.ب.أ)

وبخصوص المكاسب التي قد يحققها الحوثي على المستوى الشعبي، يرى الطاهر أنها تكمن من خلال الترويج أن الجماعة بالفعل تقاتل إسرائيل وأميركا، حيث ستجد التعاطف الشعبي والسياسي من الجماعات الراديكالية.

في مواجهة ذلك، يشدد الطاهر على الدور الحكومي لتوعية اليمنيين من خلال تكثيف الخطاب ونشر المعلومات حول حقيقة ما يحدث، وأن الحوثي يمثل خطورة على اليمن والعالم نتيجة ما يقوم به من عمليات إرهابية لا علاقة لها بإسرائيل.

ويقول: «الضربات الأميركية والبريطانية، قد تحد من خطر الحوثي على المدى القصير، وليس الطويل، ولهذا فالعمليات الجوية وحدها ليست كافية مع بقاء الحوثي مسيطراً على المنافذ البحرية، وخصوصاً تلك القريبة من الممر الملاحي الدولي».

ويقترح الطاهر لكي يتم تحييد خطر الحوثي، تفويضاً دولياً كاملاً للحكومة اليمنية لإبعاد الحوثي من الساحل، وتحرير محافظة الحديدة، أما من غير ذلك «فسيبقى الحوثي، وسيزداد قوة، وستزداد المخاطر على المنطقة برمتها وليس على سفن الشحن الدولية فقط»، وفق تقديره.


مقالات ذات صلة

نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

العالم العربي اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)

نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

امتدت عمليات نهب الآثار في مناطق سيطرة الحوثيين إلى مدينة ظفار عاصمة مملكة حِميَر، فيما دعا باحثون إلى إعلان حالة طوارئ ثقافية لحماية المواقع التاريخية المهددة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)

تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

حذَّرت الأمم المتحدة من أن التصعيد الإقليمي وتراجع التمويل الإنساني، يدفعان اليمن نحو كارثة أعمق، بعد إغلاق 450 مرفقاً صحياً وتقلص الخدمات المنقذة للحياة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون في صنعاء خلال فعالية طائفية دعا لها زعيمهم (أ.ف.ب)

تحركات يمنية لحشد موقف أوروبي أكثر حزماً تجاه الحوثيين

كثفت القيادة اليمنية اتصالاتها مع الاتحاد الأوروبي لحشد دعم للإصلاحات وتشديد الضغوط على الحوثيين، فيما جددت الأمم المتحدة مطالبتها بالإفراج عن موظفيها المحتجزين

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي أطفال في صنعاء يحملون بنادق خلال فعالية طائفية حوثية (إ.ب.أ)

الحوثيون يطلقون عاماً دراسياً جديداً تهيمن عليه التعبئة والتجنيد

يبدأ الحوثيون عاماً دراسياً جديداً وسط استمرار حرمان المعلمين من رواتبهم للعام العاشر، وتزايد الاتهامات بتحويل المدارس إلى منصات للتعبئة الطائفية والتجنيد.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ

العليمي: السلام يبدأ باستعادة الدولة لا تقاسمها مع الحوثيين

العليمي يؤكد أن السلام في اليمن يمر عبر استعادة مؤسسات الدولة، لا تقاسمها مع الحوثيين، ويحذر من ارتباط الجماعة بالمشروع الإيراني، ومخاطر إطالة الصراع.

«الشرق الأوسط» (عدن)

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.

 

 


نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
TT

نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)

اتسعت عمليات العبث والنهب التي تطول المواقع الأثرية في مناطق سيطرة الحوثيين لتصل إلى مدينة ظفار، عاصمة مملكة حِمْيَر التاريخية، والواقعة حالياً في محافظة إب وسط اتهامات لنافذين بالتورط في أعمال تنقيب غير مشروعة، وتحذيرات من باحثين ومهتمين بالتراث من ضياع ما تبقى من الإرث الحضاري اليمني في ظل غياب الحماية والمحاسبة.

ويؤكد باحثون ومهتمون بالآثار أن الحرب التي أشعلها الحوثيون فتحت الباب أمام موجة غير مسبوقة من تهريب الآثار، حيث يقدَّر خروج أكثر من عشرين ألف قطعة أثرية إلى خارج البلاد خلال السنوات الماضية، في وقت تتعرض فيه مواقع تاريخية عديدة لعمليات نهب متواصلة تهدد بفقدان شواهد مهمة من تاريخ اليمن القديم.

توثيق عمليات تنقيب غير مشروعة في مواقع أثرية يمنية (إعلام محلي)

وقال سكان في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) إن نافذين في مديرية السدة نفّذوا، نهاية الشهر الماضي، عمليات حفر في قرية العرافة الواقعة ضمن منطقة ظفار الأثرية، مستخدمين أجهزة كشف متطورة للبحث عن الكنوز واللقى الأثرية.

وأوضحوا أن أعمال الحفر استمرت ثلاثة أيام متواصلة وشملت عدداً من المواقع التاريخية، قبل أن يغادر المنقبون المنطقة بعد الاستيلاء على مقتنيات أثرية مجهولة القيمة.

اختفاء الحراسة

حسب إفادات السكان، فإن أفراد الحراسة المكلفين بحماية المنطقة الأثرية اختفوا طوال فترة الحفر، رغم أن عددهم يتجاوز ثلاثين شخصاً، الأمر الذي أثار شكوكاً واسعة حول وجود تواطؤ أو تغاضٍ متعمَّد عن عمليات النهب.

وأكد الأهالي أن اللصوص غادروا لاحقاً باتجاه مديرية يريم المجاورة دون أن يواجهوا أي اعتراض، في حين لم تتخذ الجهات المختصة أي إجراءات رغم إبلاغها بما جرى. كما أشاروا إلى أن إدارة الآثار في المحافظة لم تتفاعل مع البلاغات المقدمة إليها، الأمر الذي عزز المخاوف من استمرار الاعتداءات على المواقع التاريخية.

مواقع أثرية في مأرب تواجه الإهمال وسط دعوات لتعزيز الحماية (إعلام محلي)

وتساءل السكان عن جدوى وجود قوة مكلفة بحراسة المنطقة تمنع المواطنين من الاقتراب منها، بينما تغيب خلال عمليات الحفر والنهب، محمِّلين مكتب الآثار في المحافظة وإدارة آثار مديرية السدة وطاقم الحراسة مسؤولية التقصير في حماية المواقع الأثرية وصون محتوياتها.

ويقول باحثون ومهتمون بالتراث في محافظة إب إن نهب الآثار تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متكررة تهدد بفقدان جزء مهم من الهوية الحضارية لليمن، داعين إلى تشكيل لجنة تحقيق ميدانية للكشف عن ملابسات الواقعة وضبط المتورطين واستعادة القطع المنهوبة وإيداعها في المتحف المحلي.

دعوات للطوارئ

وفي تطور موازٍ، أطلق أكاديميون وباحثون ومهتمون بالشأن الأثري نداءً لإعلان «حالة طوارئ مجتمعية وثقافية» لحماية أبرز المواقع الأثرية في محافظة مأرب، وفي مقدمها معبد أوام المعروف بـ«محرم بلقيس» ومقبرته التاريخية، إلى جانب معبد برّان الشهير بـ«عرش بلقيس».

وانتقد الموقِّعون على بيان بهذا الشأن ما وصفوها بحالة الصمت تجاه الأخطار التي تواجه هذه المعالم التاريخية، معتبرين أن الجهات المعنية بحماية التراث الثقافي، إضافةً إلى السلطات المحلية، تتحمل مسؤوليةً مباشرةً عن استمرار التدهور والإهمال.

وأكد البيان أن حماية المواقع الأثرية لا تتحقق عبر البيانات والتصريحات فقط، وإنما من خلال إجراءات عملية تشمل الرقابة والحراسة الدائمة ومنع الاعتداءات والتعديات، محذراً من أن استمرار التجاهل قد يقود إلى خسائر لا يمكن تعويضها.

ورأى الباحثون أن أي ضرر يلحق بمعبد أوام أو مقبرته التاريخية سيشكّل دليلاً على فشل المؤسسات المعنية في أداء واجباتها، وسيسجَّل كواحد من أسوأ مظاهر التفريط بالتراث الوطني اليمني، نظراً إلى ما تمثله هذه المواقع من قيمة حضارية وإنسانية تتجاوز حدود اليمن.

ودعا البيان الأكاديميين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني إلى ممارسة مزيد من الضغط من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المواقع الأثرية ومحاسبة المقصرين، مشدداً على أن تلك المعالم ليست ملكاً لمنطقة أو جيل بعينه، بل تمثل إرثاً وطنياً وإنسانياً ينبغي الحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

في السياق ذاته، وصفت المهتمة بالآثار تهاني يوسف ما تتعرض له معابد مأرب التاريخية من إهمال بأنه «جريمة بحق التاريخ والهوية اليمنية»، مؤكدةً أن الوقت لم يعد يسمح بالاكتفاء بمتابعة ما يحدث من بعيد، داعيةً السلطات والمؤسسات المختصة إلى الانتقال من مرحلة البيانات إلى خطوات عملية تضمن حماية هذه الكنوز الحضارية من العبث والاندثار.


تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)

حذَّر تقرير أممي من أن استمرار انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية إلى جانب إيران، بالتزامن مع التراجع الحاد في التمويل الإنساني، يهدد بدفع اليمن نحو مرحلة أكثر خطورة من الأزمة الإنسانية، في وقت أُغلق فيه أكثر من 450 مرفقاً صحياً، بينها 76 مستشفى، نتيجة نقص الموارد المالية وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

وأكد التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أن أي تصعيد عسكري جديد أو ردود انتقامية مرتبطة بانخراط الجماعة الحوثية في الحرب الإقليمية، قد تؤدي إلى موجات نزوح إضافية وسقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ ومنشآت التخزين، الأمر الذي سيزيد من تعقيد الأوضاع المعيشية لملايين اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ودعا التقرير المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لسد فجوة التمويل المتفاقمة، محذراً من أن استمرار تقليص المساعدات الإنسانية سيؤدي إلى فقدان مزيد من الأرواح وتعريض المجتمعات المحلية لمزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار، فضلاً عن اقتراب الخدمات الأساسية من نقطة الانهيار.

نقص التمويل أدى إلى إغلاق 76 مستشفى ومئات المرافق الصحية في اليمن (الأمم المتحدة)

وتقول المنظمة الدولية، إن التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط تنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة لليمن، بعد انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية من خلال هجمات استهدفت إسرائيل. وأوضح التقرير أن دائرة الصراع بدأت بالفعل في استدراج أطراف متعددة، ما يزيد من احتمالات توسع النزاع وانعكاساته على الوضع الإنساني في اليمن.

وحذرت المنظمة من أن أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف مناطق سيطرة الحوثيين قد تتسبب في موجات نزوح جديدة، وتؤدي إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية، وهو ما سيؤثر بصورة مباشرة على وصول المساعدات الإنسانية وسلاسل الإمداد الأساسية.

تقليص المساعدات

أكد التقرير الأممي أن الارتفاع المستمر في الاحتياجات الإنسانية في اليمن، بالتوازي مع التخفيضات الكبيرة في التمويل الدولي، وتراجع القدرة على الوصول إلى المحتاجين، دفع المنظمات الإنسانية إلى تقليص كثير من البرامج المنقذة للحياة.

وشددت منظمة الصحة العالمية على أن توفير تمويل كافٍ للاستجابة الإنسانية وضمان وصول المساعدات دون عوائق، يمثلان شرطاً أساسياً لمنع تفاقم الكارثة، مشيرة إلى أن نحو 22.3 مليون يمني ما زالوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية.

الحرب تسببت في تراجع التنمية البشرية باليمن بما يعادل أكثر من عقدين (إعلام محلي)

ويعاني نحو 5 ملايين يمني من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 1.4 مليون شخص يواجهون أوضاعاً مصنفة ضمن مرحلة الطوارئ، وهي من أخطر مراحل الجوع وفق التصنيفات الدولية.

كما حذرت المنظمة من استمرار تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل شلل الأطفال والكوليرا والحصبة والدفتيريا وحمى الضنك والملاريا، مؤكدة أن ضعف برامج التحصين وانتشار المعلومات المضللة أسهما في تفاقم هذه الأوضاع الصحية.

إغلاق المستشفيات

أبرز التقرير الأممي التأثير المباشر لأزمة التمويل على القطاع الصحي؛ إذ لم يحصل برنامج الاحتياجات الإنسانية والاستجابة خلال العام الماضي إلا على 29 في المائة من التمويل المطلوب، ما أجبر المنظمات الإنسانية على تقليص أو تعليق عدد كبير من الخدمات الأساسية.

وحسب التقرير، أدى انخفاض التمويل حتى مايو (أيار) الماضي إلى تراجع خدمات التغذية بنسبة 63 في المائة، كما تسبب في إغلاق أكثر من 450 مرفقاً صحياً، من بينها 76 مستشفى، خلال العام الماضي، ما حرم ملايين اليمنيين من خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

منظمات أممية تحذر من تحول الأزمة اليمنية إلى «أزمة منسية» (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن سنوات الحرب الطويلة تسببت في تراجع التنمية البشرية في اليمن بصورة حادة، موضحة أن البلاد فقدت بحلول عام 2019 ما يعادل 21 عاماً من التقدم التنموي، مع تحذيرات من أن استمرار النزاع حتى عام 2030 قد يرفع هذه الخسائر إلى ما يقارب 4 عقود من التنمية.

أزمة منسية

من جهته، وصف فرانشيسكو غالتيري، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، الوضع الإنساني في البلاد بأنه «أزمة منسية»؛ مشيراً إلى أن الغذاء والرعاية الصحية يمثلان الاحتياجين الأكثر إلحاحاً بالنسبة لملايين اليمنيين.

وأوضح أن معدلات سوء التغذية تواصل الارتفاع، بينما تواجه النساء في المناطق الريفية والنائية صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية، لافتاً إلى أن نحو 65 ألف امرأة حامل يحتجن إلى المساعدة خلال فترات الحمل والولادة.

وأعاد المسؤول الأممي التذكير بأن اليمن يسجل أعلى معدل لوفيات الأمهات في المنطقة العربية؛ حيث تفقد 3 نساء حياتهن يومياً، بسبب مضاعفات الحمل أو أثناء الولادة، مؤكداً أن غالبية هذه الوفيات كان يمكن تجنبها لو توفرت خدمات الرعاية الصحية المناسبة.

وأكد غالتيري أن النقص الحاد في التمويل بات يهدد برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان، كما يهدد معظم العمليات الإنسانية العاملة في اليمن، موضحاً أن تراجع التمويل بنحو 40 في المائة خلال العام الماضي بسبب انسحاب عدد من المانحين، أجبر الصندوق على تعليق ما بين 30 و35 في المائة من الخدمات التي كان يقدمها للمستفيدين.