هل أفلت نجيم من «الجنائية الدولية» بعد إدانته في طرابلس الليبية؟

المسؤول الأمني المُقال مطلوب دولياً وعُوقب بالسجن 7 سنوات لإدانته بـ«تعذيب سجناء»

وزير العدل بحكومة «الوحدة» الليبية حليمة إبراهيم خلال زيارة لأحد سجون طرابلس وقتما كان أسامة نجيم مديراً له (وزارة العدل)
وزير العدل بحكومة «الوحدة» الليبية حليمة إبراهيم خلال زيارة لأحد سجون طرابلس وقتما كان أسامة نجيم مديراً له (وزارة العدل)
TT

هل أفلت نجيم من «الجنائية الدولية» بعد إدانته في طرابلس الليبية؟

وزير العدل بحكومة «الوحدة» الليبية حليمة إبراهيم خلال زيارة لأحد سجون طرابلس وقتما كان أسامة نجيم مديراً له (وزارة العدل)
وزير العدل بحكومة «الوحدة» الليبية حليمة إبراهيم خلال زيارة لأحد سجون طرابلس وقتما كان أسامة نجيم مديراً له (وزارة العدل)

فتح حكم أصدرته محكمة في العاصمة الليبية طرابلس بحق «مسؤول إدارة العمليات والأمن القضائي السابق»، أسامة نجيم، بالسجن 7 سنوات، تساؤلات بشأن مصيره القانوني، وما إذا كان سيُحال إلى المحكمة الجنائية الدولية أم سيُكتفى بمحاكمته أمام القضاء المحلي.

المسؤول الأمني الليبي المقال أسامة نجيم المطلوب دولياً (متداولة)

وسبق أن طالبت المحكمة الجنائية الدولية السلطات الليبية في طرابلس بسرعة تسليم نجيم إليها، لاتهامه بـ«ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، منها القتل والتعذيب والاغتصاب»، في سجن معيتيقة الذي يشرف عليه «جهاز الردع».

ورفضت سلطات طرابلس تسليم نجيم إلى «الجنائية الدولية»، وأعلنت النيابة العامة الليبية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أنه أُحيل إلى القضاء وحُبس احتياطياً على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق عشرة من نزلاء السجن، والتسبب في وفاة أحدهم نتيجة التعذيب.

غير أن نجيم شوهد يتجول في أسواق وشوارع طرابلس، كما رصد حقوقيون دخوله بعض السجون والإشراف على بعض نشاطاتها رغم أنه موقوف عن ذلك.

ومن دون أن يذكر اسمه، أعلن مكتب النائب العام المستشار الصديق الصور، مساء الأحد، أن محكمة الجنايات أصدرت حكماً بإدانة «مسؤول إدارة العمليات والأمن القضائي»، ولم يوضح ما إذا كان الحكم صدر بحق المتهم غيابياً أم حضورياً.

غير أن قناة «النبأ» المحلية نقلت عن مصدر قضائي أن نجيم «لا يزال حراً طليقاً ولم يتم اعتقاله بشكل رسمي، ولم يمتثل للتحقيق منذ اليوم الأول لإعلان اعتقاله من قبل مكتب النائب العام».

ورداً على تساؤلات ليبيين عديدين بشأن ما إذا كان نجيم قد أفلت من المحكمة الجنائية، رأى حقوقيون أن الحكم القضائي الصادر بحقه لا يُسقِط تلقائياً مطالبة «الجنائية الدولية» بتسليمه؛ إذ إن الأمر يتطلب اشتراطات لا بد من توافرها، من بينها جدية التحقيق.

وقال عبد المنعم الحر، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، إن محاكمة نجيم محلياً لا تُسقط تلقائياً مذكرة الاعتقال الدولية، ما لم تُقرر «الجنائية الدولية» أن ليبيا قد استوفت معايير التحقيق الجدي والمستقل. ولفت إلى أن المحكمة الدولية «ستنظر فيما إذا كانت المحاكمة الوطنية قد غطت الوقائع والأفعال الإجرامية نفسها، وما إذا كانت الإجراءات عادلة وشفافة».

وأضاف في تصريحات صحافية أنه «في ظل الظروف الراهنة يُنظر إلى هذه التحركات القضائية الوطنية باعتبارها اختباراً لمدى قدرة مؤسسات الدولة الليبية على استعادة سيادة القانون ومواجهة الانتهاكات داخل السجون، وهو اختبار دقيق ومراقب عن كثب من قبل المجتمع الدولي».

وأوضح النائب العام، مساء الأحد، أن النيابة حَرّكت الدعوى العمومية في مواجهة «مسؤول الإدارة»، لانتهاكه حقوق نزلاء بـ«مؤسسة الإصلاح والتأهيل طرابلس الرئيسية»، بعدما تثبتت من ضلوعه في عمليات تعذيبهم ومعاملتهم معاملة قاسية ومهينة.

وفد من المحكمة الجنائية الدولية يلتقي النائب العام في ليبيا الصديق الصور في نوفمبر 2024 (مكتب النائب العام)

وقال إن محكمة جنايات طرابلس قضت في آخر جلساتها بإدانة المحكوم عليه، فأنزلت به عقوبة السجن سبع سنوات وأربعة أشهر، مع إفقاده الأهلية القانونية، وحرمانه من حقوقه المدنية مدة تنفيذ العقوبة وسنة عقب تنفيذها.

وكانت السلطات الإيطالية قد ألقت القبض على نجيم في يناير (كانون الثاني) 2025، بناءً على مذكرة اعتقال صادرة عن «الجنائية الدولية» لاتهامه بارتكاب جرائم قتل وتعذيب واغتصاب لمعتقلين في ليبيا، لكنها أطلقت سراحه وأعادته إلى طرابلس على متن طائرة حكومية.

وأبدى الحقوقي الليبي طارق لملوم، مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء»، اندهاشه من الحكم الصادر بحق نجيم من الجنايات الليبية، مُعدّداً الاتهامات الموجهة له، وقال: «اليوم ينشر مكتب النائب العام بياناً من 7 أسطر عن إدانة مسؤول إدارة العمليات والأمن القضائي، دون أن يذكر اسمه صراحة، في قضية بهذا الحجم وبهذا البعد الدولي».

وتساءل عن أسباب عدم ذكر النائب العام في بيانه اسم المتهم، وأيضاً عن اسم القاضي الذي أصدر الحكم، أو المكان الذي نُظرت فيه القضية.

ووسع لملوم دائرة تساؤلاته، وقال: «هل صدر الحكم حضورياً على نجيم أم غيابياً؟ ومن الجهة التي ستنفذ العقوبة؟ وهل سيُسلَّم المطلوب إلى المحكمة الجنائية الدولية أم أن الحكم المحلي سيُستخدم باعتباره غطاء سياسياً وقانونياً لإغلاق الملف دولياً؟».

وأضاف قائلاً: «نحن أمام شخص ليس متهماً في قضية محلية عادية، بل هو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، وموضوعه صار مرتبطاً بملف دولي حساس وبمسؤولية إيطاليا عن عدم تسليمه».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان في نوفمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ومعيتيقة «سجن كبير سيء السمعة» كانت تديره بالكامل ميليشيا «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة؛ وكان نجيم أحد المسؤولين عن السجن؛ لكونه آمر جهاز الشرطة القضائية في ليبيا، قبل أن يقيله الدبيبة من منصبه بعد مطاردته الدولية.

ونجيم ليس الوحيد الذي تطالب به «الجنائية الدولية»، فقد سبقه خالد الهيشري، أحد المسؤولين الكبار عن سجن معيتيقة بطرابلس، الذي مثُل أمام المحكمة الشهر الماضي بتهمة «ارتكاب جرائم حرب واغتصاب واستعباد».

ومنذ اعتقال الهيشري في يوليو (تموز) 2025 خلال وجوده في ألمانيا، اعتبر حقوقيون ونشطاء ليبيون هذا الإجراء «خطوة إيجابية» للحد من الانتهاكات التي ترتكبها تشكيلات مسلحة بحق محتجزين ومهاجرين غير نظاميين.


مقالات ذات صلة

تعليق مهام مدعي عام «الجنائية الدولية» بعد «مزاعم سوء السلوك»

العالم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان (أ.ب) p-circle

تعليق مهام مدعي عام «الجنائية الدولية» بعد «مزاعم سوء السلوك»

أفادت هيئة في المحكمة الجنائية الدولية، الاثنين، بتعليق مهام المدعي العام للمحكمة لحين البت في مصيره خلال تصويت، وذلك عقب تحقيق في اتهامات بالتحرش الجنسي.

«الشرق الأوسط» (لاهاي )
شمال افريقيا الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

بعد محاكمة الهيشري... «الجنائية الدولية» تُعيد للواجهة ملف الانتهاكات بليبيا

شجّعت قضية الليبي خالد الهيشري الذي يحاكم أمام «الجنائية الدولية» بتهم «ارتكاب جرائم حرب» على المطالبة بفتح مسار شامل يحاسب كل المتورطين في انتهاكات.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الهيشري المتهم بارتكاب «جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

المدعون بـ«الجنائية الدولية» يطالبون بتأكيد 17 تهمة ضد الليبي الهيشري

أكدت نائبة المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» نزهة خان أن قضية الليبي الهيشري تمثل «محطة مفصلية بمسار العدالة لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)

سموتريتش: «الجنائية الدولية» طلبت إصدار مذكرة توقيف ضدي

قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، اليوم الثلاثاء، إنه أُبلغ بأن المحكمة الجنائية الدولية قدمت طلبا لإصدار مذكرة توقيف بحقه.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مبنى «المحكمة الجنائية الدولية» وشعارها على لافتة في لاهاي (أ.ف.ب)

«الجنائية الدولية» تنفي إصدار مذكرات توقيف جديدة بحق مسؤولين إسرائيليين

نقلت صحيفة «هآرتس» عن مصدر دبلوماسي قوله إن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت أوامر اعتقال سرّية بحق عدد من المسؤولين الإسرائيليين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

الجيش السوداني يضم قادة منشقين عن «قوات الدعم السريع»

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يضم قادة منشقين عن «قوات الدعم السريع»

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

منحت السلطات في الخرطوم الشهر الماضي علي رزق الله، وهو قائد سابق في «قوات الدعم السريع»، رتبة في الجيش الذي خاض ضده قتالاً استمر نحو ثلاث سنوات.

ورحبت الحكومة المرتبطة بالجيش بانشقاقه، وهو أحدث التحولات الكبيرة التي أعادت تشكيل التحالفات في السودان، وعززت موقف الجيش في واحد من أكثر الصراعات دموية هذا القرن.

لكن كثيرين لم ترُق لهم رؤية رزق الله ومسؤولين سابقين آخرين في «قوات الدعم السريع» وهم يعيشون بحرية، ويعقدون مؤتمرات صحافية، خشية أن يفلت المنشقون من المحاسبة على جرائم مزعومة ارتكبت تحت قيادتهم.

وقالت حليمة إسماعيل، وهي امرأة من غرب دارفور لوكالة «رويترز»: «هم من (قوات الدعم السريع)، حتى لو طلبوا الله يسامحهم، ما نقدر نسامحهم على شيء شفناه بعيوننا وشاهدناه شاهد عيان. هل بعد شوية يبقى أخوك ويقف مع الجيش في الصفوف الأمامية؟».

ووصفت كيف أطلقت قوات رزق الله النار في الهواء خلال هجوم على قرية نزحت إليها عام 2024.

ويُعتقد أن الحرب الأهلية في السودان أودت بحياة مئات الآلاف، وتسببت في نزوح الملايين، وأدت إلى انتشار المجاعة، والأمراض منذ الخلاف بين «قوات الدعم السريع» والجيش، وبدء القتال في 15 أبريل (نيسان) 2023.

فظائع دارفور

نازحون من دارفور بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

وشهد إقليم دارفور بعضاً من أسوأ أعمال العنف، إذ يعد معقلاً لـ«قوات الدعم السريع»، حيث كان رزق الله، المعروف على نطاق واسع بلقب (السافانا)، قائداً. ووجهت إلى «قوات الدعم السريع» اتهامات بارتكاب فظائع خلال هجومها على مدينة الفاشر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو ما تناوله فيلم وثائقي أعدته «رويترز».

وكان قائد كبير آخر في شمال دارفور، وهو النور قبة، انشق أيضاً وانضم إلى صفوف الجيش في أبريل. ونفى قبة في مقابلة مع «رويترز» أن يكون انشقاقه بهدف الإفلات من العدالة، وقال إن أي قادة سابقين في «قوات الدعم السريع» ارتكبوا جرائم يجب أن يخضعوا للمساءلة. وأضاف: «لو أي شخص من الشعب السوداني عنده علينا إحنا حاجة ولا عنده علينا حق، والله جاهزين للمحاسبة».

أما (السافانا)، الذي لم يرد على طلبات من «رويترز» للتعليق، فقال علناً إنه سيسلم نفسه إذا وجهت إليه اتهامات بارتكاب مخالفات.

دعوات للمحاسبة

وقالت حليمة، التي تقيم حالياً في بلدة طويلة بدارفور، إنها اضطرت للفرار مرات عدة من غارات «قوات الدعم السريع» على القرى المحيطة بمدينة الفاشر. وأضافت أنها شاهدت اغتصاب نساء أمام عينيها، وتعرضت للجلد على أيدي عناصر من «قوات الدعم السريع». وأضافت وهي تروي عن آثار الجلد الظاهرة على جسدها «أنا ذراعي كله ندوب لحد رجلي هنا» وهي تشير لساقها.

وأكدت أن عناصر من وحدة بقيادة رزق الله أطلقوا النار في الهواء خلال إحدى الهجمات، مما أجبرها هي وأطفالها على الانبطاح أرضاً.

ويسود الاستياء أيضاً في منطقة كردفان المجاورة، حيث قال تاجر في بلدة النهود إنه يعتزم رفع دعوى قضائية خاصة على رزق الله بسبب نهب مستودعات ومخازن كانت تحتوي على أغذية.

وأضاف بعد أن طلب عدم ذكر اسمه لتجنب الاستهداف: «ما حدث هو مسؤولية السافانا، و(قوات الدعم السريع)، والجيش الذي لم يحمنا». وقال محمد صلاح الدين، عضو المجلس التنفيذي في مجموعة «محامو الطوارئ» إن مثل هذه الدعاوى القضائية من غير المرجح أن تحظى بتأييد واسع النطاق في ظل الاضطرابات التي تسود السودان في زمن الحرب.

وتابع قائلاً: «لا يمكن معالجة هذه القضية على نحو جزئي، فهي تحتاج إلى عدالة انتقالية». لكن هذا يتناقض مع 243 قضية أحصاها «محامو الطوارئ»، وأحيلت للقضاء ضد متعاونين مفترضين، وبتهم تتراوح بين تقديم معلومات للمخابرات، والطهي لمقاتلي «قوات الدعم السريع».

الجيش يستغل الانقسامات

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق عن «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

وقال عماد الدين بادي، وهو باحث كبير في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، إن الجيش يسعى من خلال تشجيع الانشقاقات إلى استغلال الانقسامات العرقية داخل «قوات الدعم السريع».

وينتمي عدد من كبار قادة «قوات الدعم السريع» إلى قبيلة الرزيقات العربية التي شهدت توتراً بين عشائرها المختلفة، لا سيما بعد غارة شنتها «قوات الدعم السريع» على مسقط رأس موسى هلال الموالي للجيش في وقت سابق من هذا العام.

وينتمي هلال إلى عشيرة المحاميد، وكذلك السافانا. وأشار قبة في مقابلته مع «رويترز» إلى هذه التفاعلات، قائلاً إن «قوات الدعم السريع» تستند إلى نظام وصفه بأنه عنصري وقبلي يفيد على وجه التحديد عائلة قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي.

حكر لأسرة واحدة

وقال: «(الدعم السريع) يعني هو حكر لجهة معينة وضيق لأسرة معينة وقايم بطريقة عنصرية وطريقة قبلية وطريقة محددة لبيت أو داخل بيت، فنحنا ما بنتكلم في أنه فلان وعلان، إحنا بنتكلم في مشروع اللي بيبني الدولة ما بنفس مشروع (الدعم السريع)، المشروع اللي بيبني الدولة مشروع سوداني... مشروع قومي».

وقال بادي إن الجيش يأمل في أن يؤدي هذا التوتر إلى تكرار النجاح الذي حققه في ولاية الجزيرة، حيث ساعد انشقاق قائد الميليشيا المتحالفة مع «قوات الدعم السريع» أبو عاقلة كيكل في تغيير الأمور لصالحه في عام 2024. وأضاف: «هناك مبرر عسكري، لكن من المحتمل أن القوات المسلحة لا تقدر التداعيات الاجتماعية حق قدرها».


مصر تتحضّر لـ«سيناريوهات أزمات»... وإثيوبيا ترفض «ادعاءات احتكارية»

جانب من اجتماع وزير الري المصري هاني سويلم الاثنين لاستعراض سيناريوهات الأزمات (وزارة الري المصرية)
جانب من اجتماع وزير الري المصري هاني سويلم الاثنين لاستعراض سيناريوهات الأزمات (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تتحضّر لـ«سيناريوهات أزمات»... وإثيوبيا ترفض «ادعاءات احتكارية»

جانب من اجتماع وزير الري المصري هاني سويلم الاثنين لاستعراض سيناريوهات الأزمات (وزارة الري المصرية)
جانب من اجتماع وزير الري المصري هاني سويلم الاثنين لاستعراض سيناريوهات الأزمات (وزارة الري المصرية)

وسط وعود أميركية بالتوصل إلى اتفاق بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، تتحضّر مصر لـ«سيناريوهات أزمات» للتعامل مع أي تداعيات، وتجنب فيضانات كتلك التي تسببت في غرق بعض الأراضي الزراعية العام الماضي، في حين جددت إثيوبيا رفضها لما تصفها بـ«ادعاءات احتكارية»، في إشارة إلى تمسك القاهرة بحقوقها المائية في نهر النيل.

وأجرت وزارة الموارد المائية والري المصرية «محاكاة» لـ«سيناريوهات مختلفة» للتعامل مع الأزمات والطوارئ المتعلقة بالموارد المائية خلال الموسم الحالي.

وبحسب بيان الوزارة، الاثنين، يهدف الإجراء إلى «تعزيز الجاهزية المؤسسية ورفع كفاءة التعامل مع المواقف الطارئة، بالتنسيق مع الهيئة القومية لإدارة الأزمات والكوارث».

وأكد وزير الري هاني سويلم أن «الاستعداد المسبق والتخطيط العلمي لمواجهة الطوارئ يمثلان إحدى الركائز الأساسية لضمان استدامة وكفاءة إدارة المنظومة المائية»، مشدداً على أهمية «الجاهزية الدائمة لكافة أجهزة الوزارة وقدرتها على التعامل السريع والفعال مع مختلف السيناريوهات المحتملة».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة. فبعد أيام من تدشين السد رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة – خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية – ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

«تأكيد على الجاهزية»

وقال عضو «لجنة الزراعة والري والأمن الغذائي» بمجلس النواب إبراهيم الديب، إن مصر نفذت محاكاة لجميع

السيناريوهات المحتملة لتأثيرات «سد النهضة» خلال الموسم الحالي «تجنباً لما حدث العام الماضي، حيث تسببت الإدارة الإثيوبية المنفردة للسد في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية على ضفاف النيل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مصر مستعدة تماماً للسيناريوهات والطوارئ، ولديها منظومة مائية قادرة على مواجهة أي تأثيرات لـ(سد النهضة) خلال الموسم الحالي». واستطرد: «الاستعدادات المصرية ليست مجرد رسالة استعراضية، بل تأكيد على جاهزية البلاد لمختلف السيناريوهات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توتراً متصاعداً بسبب «سد النهضة» الذي شيدته أديس أبابا في عام 2011، وتطالب دولتا المصبّ، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وجدد وزير الخارجية الإثيوبي، غيديون تيموثيوس، التأكيد على التزام بلاده بالتعايش السلمي، والانخراط البنّاء مع جميع جيرانها، بما في ذلك إريتريا. وأكد بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد، رفض بلاده لما وصفها بـ«المقاربات التي تصور التنمية على أنها تهديد»، في إشارة إلى أزمة السد.

ودعا الوزير إلى إنهاء ما أطلق عليها «الادعاءات الاحتكارية والمتجاوزة للواقع التاريخي»، وعدَّ أن «سد النهضة» هو «تجسيد أساسي لحق إثيوبيا في التنمية والاعتماد على الذات».

وشهدت الآونة الأخيرة حراكاً أميركياً بشأن «سد النهضة». وخلال لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع نظيره الأميركي دونالد ترمب على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا، الأسبوع الماضي، أكد ترمب أنه سوف يولي ملف «سد النهضة» أولوية قصوى من أجل التوصل لتسوية عادلة. وجدد السيسي تأكيده على «الأهمية القصوى لقضية نهر النيل باعتبارها قضية أمن قومي لمصر».

الوساطة الأميركية

وعدّ مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، أيمن عبد الوهاب، حديث وزير الخارجية الإثيوبي «استمراراً للتعنت»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطاب الإثيوبي لم يتغير طوال سنوات؛ إذ يقوم على التعنت واستمرار الإجراءات الأحادية».

وفي رأي عبد الوهاب، فإن «الوساطة الأميركية غير كافية؛ إذ وصلت أزمة (السد) إلى طريق مسدود، ولا يلوح في الأفق أي أمل في محادثات أو مفاوضات خلال المرحلة المقبلة»، مضيفاً: «لا بد لمصر أن تكثف الضغوط السياسية على إثيوبيا».

لقاء السيسي وترمب على هامش اجتماعات «مجموعة السبع» في فرنسا الأسبوع الماضي (الرئاسة المصرية)

وخلال استعراضه «سيناريوهات الأزمات»، وجّه وزير الري المصري بمواصلة «تحديث خطط الطوارئ، ورفع جاهزية العناصر البشرية والفنية، والتأكد من توافر قواعد البيانات والمعلومات اللازمة لدعم متخذي القرار أثناء الأزمات، مع الاستفادة من نتائج تدريبات المحاكاة في تطوير منظومة إدارة الأزمات بالوزارة، وتحسين إجراءات الاستجابة والتعامل مع الحالات الطارئة».

ولخّص أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي، خطة الطوارئ المصرية بأنها من أجل «الاستعداد لكل الاحتمالات»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «موسم الأمطار بالهضبة الإثيوبية بدأ في مايو (أيار) الماضي، وهي أمطار خفيفة سوف تبدأ في التزايد إلى أن تصل إلى ذروتها في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، ثم ينخفض منحى قوتها في أكتوبر (تشرين الأول)».

وبحسب شراقي، فإنه «ترتكز الاستعدادات المصرية على محورين رئيسيين: الأول أن تزيد كمية الوارد من المياه فيتم تصريفها حتى لا يتكرر سيناريو العام الماضي، والثاني أن يقل الوارد من المياه بما يستوجب حساب الاستهلاك واللجوء إلى مزيد من الترشيد».


الجزائر: مذكرة لهيئة الانتخابات عن «الملصقات الدعائية» تثير جدلاً واسعاً

الحملة الانتخابية تجري بالجزائر وسط فتور من الناخبين (إعلام حزبي)
الحملة الانتخابية تجري بالجزائر وسط فتور من الناخبين (إعلام حزبي)
TT

الجزائر: مذكرة لهيئة الانتخابات عن «الملصقات الدعائية» تثير جدلاً واسعاً

الحملة الانتخابية تجري بالجزائر وسط فتور من الناخبين (إعلام حزبي)
الحملة الانتخابية تجري بالجزائر وسط فتور من الناخبين (إعلام حزبي)

أحدثت مذكرة جديدة لـ«السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر هزة في مسار الحملة الانتخابية للاقتراع التشريعي المقرر في الثاني من يوليو (تموز) المقبل، بتشديدها الصارم على قواعد الإشهار، وتحديد مواضع الملصقات الدعائية الرسمية.

وبناءً على «مخالفات موثقة» في الداخل، والخارج، شددت السلطة على إلزامية التكافؤ بين المتنافسين، مشترطةً ألا تخلو أي لوحة إشهارية من صور وأسماء جميع مترشحي القائمة المعنية، تجسيداً لـ«مبدأ العدالة الانتخابية»، وضماناً لظهورهم بشكل متساوٍ دون إقصاء.

ملصق لإحدى المترشحات للانتخابات (إعلام حزبي)

في المقابل، فتحت هذه الخطوة باب الجدل واسعاً بين المترشحين، والمراقبين، بالنظر إلى أن التشريع الانتخابي الحالي والقرارات المؤطرة للحملة لا يشترطان تعميم أسماء وصور كل المنخرطين في القائمة على جميع اللوحات الإشهارية. ومن هذا المنطلق، يرى هؤلاء أن العمل الدعائي الفردي يظل خياراً متاحاً لكل مترشح يرغب في إبراز خصوصية ترشحه دون الانفصال عن قائمته، واصفين قرار السلطة المستقلة بأنه فرض لـ«قراءة تقييدية»، وتكليف بما لم ينص عليه القانون الساري.

ميدانياً، أحدث هذا التوجيه المباغت ارتدادات سلبية تجسدت في غضب عارم أبدته القوائم المتضررة؛ حيث كان العديد من الطامحين للمقعد البرلماني قد استكملوا نشر خططهم الدعائية الفردية عبر مئات الملصقات الموزعة على المساحات الرسمية. وبموجب القرار الجديد، بات هؤلاء مجبرين على خوض عملية عكسية ومكلفة لنزع مطبوعاتهم، وهو إجراء وُصف بـ«التعجيزي»، نظراً لصدور المذكّرة في وقت متأخر، والحملة في أوجها.

مترشح في حملة انتخابية وعدد قليل من المتابعين (إعلام حزبي)

ويرى المتضررون أن القرار يخلّ بالاستقرار الإجرائي للعملية الانتخابية، ويضر بسلامة المنافسة، ما يفتح الباب أمام هواجس حقيقية حول خلفياته، ومدى قابليته للتنفيذ، ويهدد بتغذية الاحتقان السياسي مع اقتراب ساعة الحسم، خصوصاً أن عوامل كثيرة في العملية الانتخابية ليست في صالح المترشحين، على رأسها فتور لافت للناخبين تجاه الحملة، ما يوحي بعزوف كبير عن الصندوق يوم الثاني من يوليو.

وعلى غرار كل الاستحقاقات الانتخابية في الجزائر، تفرز الحملات السياسية تصريحات مثيرة، وعثرات لفظية غالباً ما تنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي، مستقطبةً الاهتمام أكثر من النقاش البرامجي والجوهري نفسه.

فقد فجّر تصريح منذر بودن، الأمين العام لـ«التجمع الوطني الديمقراطي» (موالاة)، خلال مهرجان دعائي بشرق البلاد بأن «3000 دينار خير من 50 يورو» نقاشاً حاداً في الشارع الجزائري. ففي حين كان بودن يسعى إلى ثني الشباب عن ركوب قوارب الهجرة غير النظامية في البحر المتوسط، جاءت مقارنته الحسابية بنتيجة عكسية، مغذيةً حملة جارفة من المنشورات التهكمية، والتعليقات الساخرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

الأمين العام لـ«التجمع الوطني الديمقراطي» منذر بودن (إعلام حزبي)

وسعى المسؤول الأول في الحزب الأكثر تأييداً لسياسات الحكومة إلى إبراز حجم الصعاب التي تتربص بالمهاجرين فور بلوغهم أوروبا؛ إذ رسم في خطابه صورة قاتمة عن واقع اللجوء في المهجر، وارتفاع أسعار السلع هناك.

وأضاف موجهاً كلامه للشباب: «إذا استثمرت في وطنك، فهذا وطنك. لكن إذا ذهبت مهاجراً سرياً فسيتم استغلالك وعصرك كالليمونة»، مشيراً إلى أن العيش هناك محاط بيوميات مريرة، ومخفية عن أعين الأهل، والأصدقاء.

ورغم أن هذه الكلمات فجَّرت موجة استياء واسعة في الفضاء الافتراضي، فقد نجح بودن، من حيث لا يدري، في إعادة تسليط الضوء على ملف الهجرة السرية باعتباره قضية وطنية بامتياز.

وعاب ناشطون على هذا الطرح اختزال الأزمة في مقارنة أسعار بضعة منتجات، مؤكدين أن هذا التحليل يتغاضى كلياً عن الفارق الكبير في الرواتب، وقيمتها الشرائية.

وأشار متابعون إلى أن الـ50 يورو تعد مبلغاً زهيداً أمام الرواتب المعتمدة في المجتمعات الأوروبية، في حين يشكل مبلغ 3000 دينار عبئاً أثقل بكثير بالنظر إلى تدني الحد الأدنى للأجور بالنسبة للمواطن الجزائري.

رئيس «حركة البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة (إعلام حزبي)

ومن قبل بودن، تبنَّى عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء الوطني» (موالاة) خطاباً مماثلاً حين قال: «من يتقاضى ثلاثة أو أربعة ملايين سنتيم في الجزائر يعيش وضعاً أفضل ممن يتقاضى 5000 فرنك سويسري».

ومن قبل بودن، تبنَّى عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء الوطني» (موالاة) خطاباً مماثلاً حين قال: «من يتقاضى ثلاثة أو أربعة ملايين سنتيم في الجزائر يعيش وضعاً أفضل ممن يتقاضى 5000 فرنك سويسري».

وبعيداً عن الجدل المثار، تسلط الواقعة، حسب متابعين، الضوء على حجم الفجوة بين بعض المسؤولين والواقع الاقتصادي المعيشي للمواطن الجزائري، كما تؤكد أن الهجرة غير الشرعية تظل قضية بالغة الحساسية، وتصعب مقاربتها من خلال مقارنات تبسيطية، واختزالية.