دفعت الحرب الدائرة في السودان الملايين إلى الخروج من وطنهم بلا أموال أو مدخرات، لكنَّ «حوالات الأقارب» كانت خير داعم لكثيرين جاءوا إلى مصر، وذلك في إطار تكافل اجتماعي متميز تتخطى حدوده أقارب الدرجتين الأولى أو الثانية أو حتى ما هو أبعد.
وتتحدث الفتاة العشرينية نون العيسابي عن «الدور الكبير» الذي لعبه خالها المقيم في الولايات المتحدة، وكيف أسهم في استقرار أسرتها في مصر بعدما اندلعت الحرب بالسودان في أبريل (نيسان) 2023.
تقول لـ«الشرق الأوسط»: «جئنا إلى مصر قبل عامين من الحرب لاستكمال دراستي، وبعد الحرب انقطعت مصادر دخل الأسرة، فكان خالي يرسل أموالاً كل شهر متكفلاً بكل شيء».
وتضيف: «لا أستحيي أن أطلب من خالي، ولا من ابن خالة أمي؛ فالعائلات السودانية ممتدة وتجمعها صلات عميقة، ولا غضاضة في أن يتكفل المقتدر بالمتعثر».
ورغم استقرار عمل والدها في السودان حالياً وتكفله بأسرته، لم يقطع الخال دعمه، مرسِلا لأسرة شقيقته نحو 1400 دولار شهرياً، مما يتيح لها العيش في مستوى على قدر من الرفاهية. وتسكن العائلة في حي مدينة نصر بشرق القاهرة؛ ولا تجد نون، التي تدرس الإعلام، صعوبة في توفير احتياجاتها.

ولطالما لفت نموذج العائلات الممتدة والتجمعات الدائمة نظر المصريين، خصوصاً مع سكن أكثر من أسرة سودانية من نفس العائلة في شقة واحدة؛ وهي ثقافة تختلف عن ثقافة المصريين التي تميل إلى الانفراد الأسري والاستقلالية.
تكافل عائلي واجتماعي
الأمين العام للجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، يرى أن التكافل العائلي والاجتماعي الكبير بين السودانيين «سبب في دعم كثير من الأسر ومساعدتها على الصمود خارج وطنها خلال الحرب». وقال: «كل أسرة لديها فرد أو أكثر يعملون خارج مصر يتكفلون بالمحتاجين من أسرهم ومعارفهم».
ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «بعد الحرب وخروج عديد من الأسر دون أموال أو ممتلكات، كان ذلك مدعاة أكبر لتفعيل ميزة حوالات الأقارب»، لافتاً إلى أنها «لا تقتصر على الأقارب بل تمتد إلى المعارف والجيران».
كما يشير إلى الأدوار التي تلعبها مؤسسات المجتمع المدني أو تجمعات الجالية بكل مدينة في مصر، وإلى دور رجال الأعمال الذين قال إنهم «يتكفلون بجزء من رحلات عودة السودانيين الطوعية المجانية لبلادهم حالياً، ووفروا 10 طائرات لإعادة سودانيين محتجزين لمخالفة شروط الإقامة».
وعاد إلى السودان من مصر أكثر من 538 ألف شخص خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2024 حتى فبراير (شباط) 2026، وفق تقرير «المنظمة الدولية للهجرة» الصادر في أبريل (نيسان) الماضي. ويمثل هذا الرقم نحو 87 في المائة من مجمل العائدين إلى السودان من دول الجوار.
ويتحدث باحث الأنثروبولوجيا السوداني، عبد الجليل سليمان، عن نمط التكافل الاجتماعي والأسري الواسع لدى السودانيين قائلاً إنه «من البُنى الثقافية والاجتماعية الراسخة التي تشكّلت تاريخياً في سياق مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الروابط العائلية الممتدة وليس على الأسرة فقط».
ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «من منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذا السلوك بوصفه أحد أشكال رأس المال الاجتماعي القائم على الثقة المتبادلة وشبكات الدعم غير الرسمية».

ويتابع بقوله: «العشيرة والقرابة الممتدة تلعب دوراً مركزياً في إعادة توزيع الموارد داخل الشبكة الأسرية، بحيث لا تقتصر المسؤولية على الدرجة الأولى من الأقارب، بل تمتد لتشمل الدوائر الأوسع من أبناء العمومة. كما يعزز هذا النمط منظومة قيم ثقافية مرتبطة بالكرم والنجدة وإغاثة المحتاج، إضافةً إلى تأثيرات دينية تُرسّخ مبدأ التكافل بوصفه واجباً أخلاقياً واجتماعياً».
بنية تنظيمية بديلة
ويروي صحافي خرج من السودان مع أسرته بعد الحرب، قصته، ويقول إنه ترك زوجته وطفليه وأسرة أخته وسافر باحثاً عن عمل خارج مصر بعدما فشل في تحمل تكاليف الحياة.
وقدَّم الصحافي، الذي طلب عدم نشر اسمه، أوراقه للالتحاق بالدراسات العليا في كندا، حيث يقيم حالياً للدراسة والعمل، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «يتكفل بمصاريف أسرته وأسرة شقيقته».
وأضاف قائلاً إن محدودية فرص العمل تدفع الأفراد إلى الاعتماد على الشبكات الأسرية كآلية للبقاء وتقليل المخاطر. ويشير إلى أن هذا التكافل «ليس مجرد سلوك اجتماعي عابر، بل بنية تنظيمية بديلة تُعيد إنتاج التوازن داخل المجتمع في ظل الضغوط الاقتصادية المستمرة».

ويقول الخبير الاقتصادي المصري، وائل النحاس، لـ«الشرق الأوسط» إن بقاء كثير من الأسر السودانية لسنوات في مصر دون عمل لكثير من أفرادها، بل والعيش في مستوى اجتماعي جيد، سببه اعتماد هذه الأسر على «الحوالات» التي تأتيها من الأقارب العاملين في الخارج.
ويضيف: «جولة على مكاتب الصرافة، خصوصاً في مناطق تمركز السودانيين مثل فيصل والهرم والمهندسين ومدينة نصر تكشف عن حجم التحويلات الكبير الذي يأتيهم من الخارج، واعتمادهم على ذلك وسيلةً للعيش».






