مصر وتركيا تشدّدان على «الأهمية القصوى» لدعم المفاوضات الأميركية - الإيرانية

وزيرا الخارجية عدّا الحلول الدبلوماسية سبيلاً وحيداً لخفض التصعيد

السيسي وإردوغان خلال لقائهما بالقاهرة في ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
السيسي وإردوغان خلال لقائهما بالقاهرة في ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

مصر وتركيا تشدّدان على «الأهمية القصوى» لدعم المفاوضات الأميركية - الإيرانية

السيسي وإردوغان خلال لقائهما بالقاهرة في ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
السيسي وإردوغان خلال لقائهما بالقاهرة في ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

شدَّدت مصر وتركيا على «الأهمية القصوى» لدعم مسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية، فضلاً عن «الارتكان إلى الحلول الدبلوماسية، والحوار سبيلاً وحيداً لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وأعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره التركي هاكان فيدان، خلال اتصال هاتفي، الثلاثاء، عن التطلُّع لتبني الأطراف كافة، مواقف تتسم بالحكمة والمسؤولية، والاعتماد على خيار الدبلوماسية لتسوية الخلافات.

وبحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء، ثمَّن الوزيران «مسار العلاقات الثنائية المتميزة التي تربط مصر وتركيا»، وأكدا «حرصهما على دفع أطر التعاون المشترك والارتقاء بها في شتى المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين الصديقين، ويحقِّق تطلعات الشعبين نحو مزيد من التنمية والازدهار».

ومع اندلاع حرب إيران، تصاعدت وتيرة الاتصالات المصرية - التركية بشأن التنسيق لخفض التصعيد في المنطقة، لا سيما على مستوى وزيرَي خارجية البلدين بحسب رصد لبيانات «الخارجية المصرية». وزار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان القاهرة في فبراير (شباط) الماضي، وشهد توقيع عدد من الاتفاقات في مجالات متعددة. وخلال مؤتمر صحافي مشترك، قال نظيره المصري عبد الفتاح السيسي: «هناك تقارب في الرؤى إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية بين مصر وتركيا».

وكانت مستجدات المنطقة محوراً مهماً خلال اتصال هاتفي، الثلاثاء، بين عبد العاطي ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، حيث تبادل المسؤولان الرؤى بشأن سبل سد الفجوات في المفاوضات الأميركية - الإيرانية بما يسهم في التوصُّل لاتفاق توافقي يراعي شواغل جميع الأطراف.

محادثات مصرية - قطرية بالدوحة مارس الماضي (صفحة الديوان الأميري القطري على «فيسبوك»)

واستمع وزير الخارجية المصري خلال الاتصال الهاتفي إلى تقييم نظيره القطري حول المساعي الأخيرة المبذولة لسرعة التوصُّل لاتفاق ينهي حالة الحرب الحالية، ويؤسِّس لعملية تفاوض تعالج الشواغل الأمنية والسياسية والاقتصادية كافة.

واتفق الجانبان على «أهمية تكثيف ومواصلة الجهود الدبلوماسية والسياسية المبذولة خلال هذه المرحلة الدقيقة للمفاوضات». وأكدا «ضرورة مواصلة المسار التفاوضي لتسوية الأزمة الراهنة، وإنهاء الحرب في ظلِّ التداعيات الأمنية والاقتصادية الوخيمة التي نتجت عنها على مدار الأشهر الثلاثة الأخيرة على المستويين الإقليمي والدولي».

وأعرب الوزيران، الثلاثاء، عن تطلعهما لنجاح المساعي الدبلوماسية الراهنة وبلورة اتفاق يضع حداً للحرب، ويؤسِّس لمرحلة جديدة في المنطقة.

وشدَّد عبد العاطي على «موقف مصر الداعم لضرورة أن يراعي أي اتفاق مستقبلي الشواغل الأمنية لدول الخليج الشقيقة، بوصف ذلك ركيزةً أساسيةً لصون الأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع نظيره التركي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وأعلنت القاهرة في أكثر من إفادة سابقة «تضامنها الكامل؛ قيادةً وحكومةً وشعباً، مع أشقائها في الخليج في مواجهة التحديات الأمنية، والعمل المشترك على خفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميَّين».

وأكد الرئيس السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، خلال لقائهما في الدوحة، مارس (آذار) الماضي، «رفضهما أي أعمال عسكرية توسِّع دائرة الصراع»، وشددا وقتها على «أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة».


مقالات ذات صلة

القضاء الإيراني يوقف خطوة حكومية لفك قيود الإنترنت

شؤون إقليمية إيراني يتحدث عبر جواله وسط ترقب مسار المفاوضات لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة (أ.ف.ب)

القضاء الإيراني يوقف خطوة حكومية لفك قيود الإنترنت

علّق القضاء الإيراني، الثلاثاء، عمل الهيئة الرئاسية التي أمرت في اليوم السابق بإعادة خدمة الإنترنت، بعدما قطعتها السلطات منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
الاقتصاد ينتظر الباحثون عن عمل على جانب الطريق في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا (رويترز)

البنك الأفريقي للتنمية يتوقع تأثر نمو القارة السمراء بحرب إيران

يتوقع البنك الأفريقي للتنمية أن يتباطأ النمو الاقتصادي في أفريقيا بشكل طفيف إلى 4.2 في المائة هذا العام من 4.4 في المائة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي السفير البريطاني في بغداد عرفان صديق (إكس)

السفير البريطاني في بغداد: التدخل الإيراني واسع وغير شرعي

وجّه السفير البريطاني لدى العراق، عرفان صديق، انتقادات لاذعة إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، واتهمها بالابتزاز والعمل على طريقة «المافيا»...

فاضل النشمي (بغداد)
الولايات المتحدة​ توصل كبار مسؤولي شركة «سبيس إكس» إلى خلاصة مفادها أنه يجب على وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) دفع المزيد مقابل الوصول إلى شبكة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التي توفرها الشركة (رويترز)

خلاف بين البنتاغون و«سبيس إكس» حول رفع أسعار «ستارلينك» خلال حرب إيران

تصاعدت الخلافات بين «سبيس إكس» والبنتاغون حول أسعار «ستارلينك» المستخدمة في الطائرات المسيّرة والاتصالات بإيران، مما أبرز تنامياً لنفوذ إيلون ماسك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية كلوديا شينباوم (د.ب.أ)

رئيسة المكسيك ترحب باستضافة منتخب إيران في كأس العالم 2026

أكدت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم أنها «لا تمانع» استضافة بلادها للمنتخب الإيراني في بطولة كأس العالم لكرة القدم هذا الصيف.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)

ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
TT

ملايين السودانيين يستقبلون العيد بين النزوح والفقر والجوع والخوف

خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)
خراف الأضحية في إحدى أسواق الماشية بالخرطوم بينما يلاحظ ضعف الإقبال على الشراء (سونا)

يدخل السودانيون عيد الأضحى هذا العام فيما تدخل الحرب عامها الرابع، وسط واقع إنساني واقتصادي قاس غيّر ملامح العيد، وأفقده كثيراً من معانيه الاجتماعية التي ظلت راسخة لعقود طويلة.

وفي بلد ارتبطت فيه الأعياد بالتجمعات العائلية والزيارات و«عزومات شواء الأضاحي»، يستقبل ملايين السودانيين العيد هذا العام بين النزوح والفقر والجوع والخوف، بينما تحولت الأولويات من شراء الأضحية وملابس الأطفال إلى البحث عن الغذاء والدواء ومياه الشرب.

واعتاد السودانيون خلال عيد الأضحى، وهم في ملابسهم ناصعة البياض، على تبادل الزيارات والدعوات مع الجيران والأصدقاء والأهل، وتناول شواء الأضاحي في المنازل والأحياء والساحات المفتوحة، باعتبارها واحدة من أبرز الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالمناسبة، إلى جانب تبادل اللحوم والزيارات العائلية.

سودانيون ينتظرون دورهم للحصول على مياه صالحة للشرب (أ.ب)

لكن الحرب والانهيار الاقتصادي أضعفا تلك المظاهر بصورة كبيرة، بعد أن أصبحت أعداد واسعة من الأسر عاجزة عن شراء الأضاحي أو حتى توفير الاحتياجات الأساسية.

ويبدو اللاجئون والنازحون الأكثر معاناة خلال الأعياد، بعد أن فقد كثير منهم منازلهم ومصادر دخلهم واستقروا في معسكرات ومراكز إيواء تفتقر إلى الخدمات الأساسية، فيما يواجه المقيمون في المدن والبلدات الأخرى واقعاً اقتصادياً حانقاً يلتهم دخولهم المحدودة.

وفي مراكز النزوح داخل السودان، يمر العيد وسط خيام مكتظة ودرجات حرارة مرتفعة، مع نقص في الغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما تنتشر أمراض مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك في المناطق المتأثرة بالحرب.

وتقول أمونة إسماعيل، وهي نازحة من شمال دارفور تقيم في مركز إيواء بمدينة الدبة لـ«الشرق الأوسط»: «الأطفال لم يعودوا يسألون عن الملابس أو الألعاب، بل عن الطعام، كثيرون منهم لا يشعرون أصلاً أن هناك عيداً».

أما في معسكرات اللاجئين بدول الجوار، فتبدو الأوضاع أكثر تعقيداً، مع اعتماد أعداد كبيرة من السودانيين بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، وتقول اللاجئة بأحد المعسكرات في أوغندا «م. ن» لـ«الشرق الأوسط»، إنها لم تشعر بطعم أي عيد منذ لجوئها، وتضيف: «لكن ماذا نفعل؟ ننتظر أن تتوقف الحرب ونعود لبلادنا»، وتتابع: «لم أكن أشتري خرافاً للضحية، فقد كنت أربيها في بيتي».

أما أم أحمد، وهي نازحة من كردفان إلى القضارف، فتقول: «في السابق كان العيد مناسبة للفرح والتواصل، الآن الناس تخجل لأنها لا تستطيع فعل شيء لأطفالها أو جيرانها النازحين».

لكن حتى خارج مناطق النزوح واللجوء، تبدو الحياة صعبة بالنسبة لكثير من السودانيين الذين بقوا في مدنهم وقراهم، مع الارتفاع الحاد في الأسعار وتراجع الدخول وانقطاع الخدمات الأساسية.

ويقول هاشم موسى، وهو معلم بالمرحلة الثانوية، إن راتبه البالغ 140 ألف جنيه لم يعد يساوي حتى ثمن جوال سكر واحد، بعدما تجاوز سعره 200 ألف جنيه سوداني.

ويضيف أن المعلمين لم يتسلموا الرواتب أو العلاوات، كما لم تُصرف مستحقات مراقبة الامتحانات، متسائلاً: «كيف يستطيع المعلم إدخال الفرحة على أطفاله أو شراء الملابس والطعام في ظل هذه الظروف؟».

ويقول عبد الله محمد يوسف (52 عاماً) إن الحرب استنزفت مدخرات الأسر وأضعفت العائد من الزراعة والعمل، مشيراً إلى أن عمله سائقاً لجرار زراعي «تراكتور»، لم يعد يوفر دخلاً يكفي لتغطية تكاليف المعيشة أو شراء خروف الأضحية.

أما خالد التهامي، الذي يعمل حداداً، فيقول إن الانقطاع المتكرر للكهرباء أثر بشكل مباشر على عمله ودخله، بينما أصبحت الزراعة أقل جدوى بسبب شح المياه وارتفاع تكاليف الوقود والتقاوي والآفات الموسمية، ما جعل شراء الأضحية هذا العام أمراً بالغ الصعوبة.

وقال الدكتور صلاح جلال، المتحدث باسم «المجموعة السودانية لمناصرة اللاجئين» لـ«الشرق الأوسط»، إن منظمات ومبادرات إغاثية عملت على تقديم الأضاحي في معسكرات اللاجئين السودانيين بشرق تشاد، خاصة في مناطق «أدري» و«مجي» و«أبو تنقي»، إضافة إلى معسكرات اللاجئين في جنوب السودان، ومعسكر «دويلي» ومدينة كمبالا في أوغندا.

وأضاف أن تلك المبادرات تستهدف التخفيف من معاناة الأسر التي فقدت كل شيء تقريباً بسبب الحرب، خصوصاً خلال الأعياد التي يشعر فيها اللاجئون والنازحون بالعزلة والفقد.

وأشار إلى أن منظمة الصليب الأحمر التركي قدمت 100 ثور أضحية لصالح اللاجئين السودانيين في معسكر «كرياندنقو» في أوغندا.

وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية فقط، بل أصبحت أيضاً مظهراً اجتماعياً يعكس القدرة المادية والاستقرار الأسري، خاصة في المدن الكبرى، لكن الحرب والانهيار الاقتصادي دفعا كثيراً من الأسر إلى التخلي عن تلك الطقوس للمرة الأولى.

وتأثرت أسواق المواشي بالحرب بصورة مباشرة، بعد خروج مناطق واسعة في كردفان ودارفور، المعروفة بإنتاج الضأن، عن نشاطها الطبيعي بسبب القتال وانعدام الأمن وصعوبة نقل المواشي.

ويقول متعاملون في تجارة الماشية إن حركة نقل الضأن من دارفور وكردفان إلى ولايات الوسط والشمال تراجعت بشكل حاد بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف النقل والقيود المفروضة على حركة المواشي، ما تسبب في ارتفاع الأسعار في المدن الرئيسية.

وتتراوح أسعار الخراف في ولايات الوسط والشمال بين 700 ألف ومليون و500 ألف جنيه سوداني، أي نحو 150 إلى 300 دولار أميركي، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر التي استنزفتها الحرب والتضخم وفقدان مصادر الدخل.

أطفال في أم درمان ينتظرون بلهفة وصول خروف العيد (د.ب.أ)

في المقابل، تراوحت الأسعار داخل دارفور وكردفان بين 250 و300 ألف جنيه سوداني بسبب الركود وضعف القوة الشرائية وصعوبة نقل الماشية إلى بقية أنحاء البلاد.

ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، يبدو أن ملايين السودانيين يستقبلون عيداً آخر مثقلاً بالفقد، حيث لم تعد المناسبة مرتبطة بالفرح بقدر ما أصبحت تذكيراً يومياً بحجم التحولات التي فرضتها الحرب على حياة الناس ومجتمعهم.

وفي مؤشر آخر على التحولات التي فرضتها الحرب على الحياة الاجتماعية، اتجهت بعض الولايات السودانية إلى إقامة صلاة عيد الأضحى داخل المساجد بدلاً من الساحات العامة التي اعتاد السودانيون أداء الصلاة فيها لعقود.

ففي ولاية سنار، أجازت لجنة الأمن بالولاية خطة تأمينية خاصة بالعيد، تضمنت توجيهات بإقامة الصلاة داخل المساجد، بحسب «وكالة السودان للأنباء» الرسمية.

ويقول سودانيون إن غياب مشهد «صلاة الساحات» هذا العام يعكس حجم التغيرات التي فرضتها الحرب على تفاصيل الحياة اليومية وطقوس المناسبات العامة، بعدما كانت ساحات العيد تمثل مساحة مفتوحة للتلاقي الاجتماعي وتبادل التهاني صباح العيد.


«طوابير الوقود» تُربك الليبيين قبل العيد... وتعيد للواجهة ملف التهريب

طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
TT

«طوابير الوقود» تُربك الليبيين قبل العيد... وتعيد للواجهة ملف التهريب

طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية
طابور سيارات بالقرب من إحدى محطات الوقود في درنة شرق ليبيا في تسجيل مصور نقلته وسائل إعلام محلية

تتجدد أزمة نقص الوقود في ليبيا مع كل موسم، لتعيد معها مشاهد الطوابير الممتدة أمام محطات البنزين في مختلف المدن. ورغم كون البلاد منتجة للنفط، فإن اضطرابات التوزيع وازدياد التهريب و«السوق السوداء» عوامل تفاقم حدة الأزمة.

وبينما كان الليبيون يستعدون للعيد، تحولت محطات الوقود إلى ساحات ازدحام وتوتر، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مصير كميات الوقود المستوردة، وحدود نفوذ شبكات التهريب، وعجز السلطات عن احتواء أزمة باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين وتستنزف الاقتصاد.

ومع استعدادات العيد، كانت مدينة الزاوية في غرب البلاد تشهد طوابير طويلة أمام محطات الوقود، فيما سجل سعر لتر البنزين في السوق الموازية قفزات كبيرة مقارنة بالسعر الرسمي، وهو مشهد بات يتكرر في مناسبات عدة، وفق ما رصده الناشط المدني عبد الرحمن شعيب لـ«الشرق الأوسط».

وترسخت هذه المعاناة بعد مقتل الشاب وائل الدوبالي، إثر تعرضه لإطلاق نار خلال مشاجرة على تعبئة الوقود داخل محطة بمدينة الزاوية، مساء الأحد، في واقعة عكست حجم التوتر الاجتماعي المرتبط بأزمة البنزين.

زحام أمام إحدى محطات الوقود في جبل نفوسة غرب ليبيا قبل عامين في مشهد يتكرر (وسائل إعلام محلية)

وفي شرق البلاد، لم يكن الوضع أفضل حالاً، إذ تزايدت طوابير السيارات أمام محطات الوقود في مدينة درنة، وهو ما دفع المدون الليبي عادل المسلاتي إلى القول إن المناسبات الدينية تحولت إلى «مواسم للآلام والضغوط النفسية».

وتأتي هذه الأزمة رغم ضخامة فاتورة استيراد المحروقات، إذ أظهرت بيانات المؤسسة الوطنية للنفط أن واردات الوقود بلغت نحو 803 ملايين دولار خلال مارس (آذار) الماضي، و917 مليون دولار في أبريل (نيسان) الماضي، وهي أرقام وصفها الباحث الاقتصادي إدريس الشريف بأنها «ضخمة مقارنة بعدد السكان»، متسائلاً: «أين ذهبت هذه الكميات؟».

مستويات «غير مسبوقة»

هذا المشهد أعاد بدوره ملف تهريب الوقود إلى الواجهة، خصوصاً بعد تقرير لـ«لجنة خبراء الأمم المتحدة» صدر الشهر الماضي، تحدث عن وصول الظاهرة إلى مستويات «غير مسبوقة» خلال العامين الماضيين، عبر شبكات تهريب تعمل من خلال موانئ ليبية وبمشاركة جهات نافذة.

وعكست صفحات التواصل الاجتماعي الليبية جانباً من الأزمة، إذ جدد رئيس المؤسسة الوطنية للإعلام في غرب ليبيا، عبد الرازق الداهش، التحذير من تطور عمليات التهريب عبر البحر. فيما رأى الصحافي الليبي محمد أبو صاع أن السبب الأكثر تأثيراً في الأزمة هو «تحول تهريب المحروقات إلى صناعة رائجة، بعد 2011 وسط غياب الرقابة والإصلاحات».

أمام هذه الأزمة، قالت شركة البريقة لتسويق النفط مساء الاثنين إن كميات البنزين الموجهة لمنطقة تشغيل طرابلس بلغت أكثر من 8.5 مليون لتر، بالتزامن مع تعزيز الإمدادات عبر الصهاريج من مستودع الزاوية النفطي إلى مستودع طرابلس النفطي.

ونفى المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط، أحمد المسلاتي، مسؤولية الشركة عن تضارب أسعار الوقود بين السوق الرسمية والموازية، مؤكداً أن «دورها يقتصر على استلام الوقود وتخزينه وتوزيعه، بينما تبدأ تحديات التهريب والتسرب غير المشروع بعد خروج الشحنات من المستودعات».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن مكافحة التهريب «ليست من الاختصاصات التنفيذية للشركة»، مشدداً على أن مواجهة الظاهرة تتطلب رقابة ميدانية وأمنية مستمرة، وتكاملاً بين الأجهزة الأمنية والرقابية والجهات المختصة بمتابعة حركة المحروقات حتى وصولها إلى المستهلك النهائي. ولافتاً إلى أن الانقسام السياسي يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل مكافحة التهريب والتسرب غير المشروع مهمةً شديدة الصعوبة.

وكان تقرير موسع صادر عن منظمة «ذا سينتري» قد كشف أن اقتصاد تهريب الوقود في ليبيا تجاوز 20 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، بمتوسط 6.7 مليار دولار سنوياً، مشيراً إلى تحوله إلى شبكة منظمة تضم مجموعات مسلحة وشبكات جريمة عابرة للحدود.

فساد وإهدار للمال العام

هذا الوضع بدا من منظور رئيسة قسم التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط نجوى البشتي، انعكاساً «لمرحلة ما بعد 2011 ورحيل النظام السابق»، مشيرة إلى أن أكثر من ثلث الكميات المستوردة يجري تهريبها، وفق تقارير محلية ودولية.

وأوضحت البشتي لـ«الشرق الأوسط» أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بالكميات المهربة، بل بآلية تسعير الوقود المستورد، التي وصفتها بأنها «معيبة»، مؤكدةً أن أسعار الوقود المستورد تتجاوز بأكثر من 50 في المائة قيمته الفعلية، فضلاً عن إضافة «علاوة» تتجاوز 100 دولار للطن المتري، بما يعكس حجم الفساد وإهدار المال العام.

ناقلة وقود في مستودع طبرق النفطي (شركة البريقة لتسويق النفط)

وأكدت أن «مكمن الداء الحقيقي يكمن في الفساد المرتبط بآلية استيراد الوقود»، معتبرةً أن معالجة هذا الملف يجب أن تسبق أي نقاش بشأن استمرار دعم المحروقات أو رفعه.

وسبق أن قدّر تقرير ديوان المحاسبة الليبي فاقد الأموال الناتج عن بند «المبادلة» بأكثر من 9 مليارات دولار، خلال الأعوام من 2021 إلى 2023، وتشير البشتي إلى أن هذه المبالغ «لا تمثل تكلفة الدعم، بل أموال مهدرة استفادت منها أطراف محددة».

ودائماً ما تتعالى أصوات في ليبيا بضرورة رفع الدعم عن البنزين، وهي رؤية يتبناها اقتصاديون، من بينهم رجل الأعمال الليبي حسني بي، علماً بأن سعر لتر البنزين في ليبيا يبلغ 15 قرشاً، وهو الأرخص عالمياً.

غير أن الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي رأى أن أزمة المحروقات «أكثر تعقيداً من اختزالها في مسألة السعر فقط»، موضحاً أن إصلاح التسعير «مطلوب، لكنه لن يكون كافياً وحده لحل الأزمة».

وقال الشحاتي لـ«الشرق الأوسط» إن المشكلة ترتبط أيضاً بضعف قدرات التخزين، وما يترتب عليها من أزمات في التوزيع والنقل، مشيراً إلى أن تعديل الأسعار قد يسهم تدريجياً في ترشيد الاستهلاك، وتقليل الهدر، إلا أن تأثيره يحتاج إلى وقت، نظراً لأن الطلب على البنزين لا يزال غير مرن في ظل غياب بدائل فعالة للنقل العام.

وانتهى الشحاتي إلى أن أي رفع للأسعار سيؤدي إلى تراجع فائض المستهلك، وقد يدفع بعض الفئات الهشة إلى مزيد من الفقر، مشدداً على أن هذه العوامل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، عند تطبيق أي سياسة لإصلاح تسعير المحروقات.


«جنون الطماطم» يؤرِّق المصريين

الطماطم تحوَّلت إلى مادة يومية في أحاديث المصريين (المكتب الإعلامي لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي)
الطماطم تحوَّلت إلى مادة يومية في أحاديث المصريين (المكتب الإعلامي لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي)
TT

«جنون الطماطم» يؤرِّق المصريين

الطماطم تحوَّلت إلى مادة يومية في أحاديث المصريين (المكتب الإعلامي لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي)
الطماطم تحوَّلت إلى مادة يومية في أحاديث المصريين (المكتب الإعلامي لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي)

«الطماطم بـ70 جنيهاً والدولار بـ53 جنيهاً... أنا هحوّل فلوسي لطماطم»، تعليق «سوشيالي» جاء كرد فعل ساخر، بعدما قفز سعر الكيلو في بعض الأسواق إلى 70 جنيهاً (الدولار يساوي 52.24 جنيه).

غير أن هذه السخرية تحوَّلت لمرارة لدى الأربعينية رشا نجيب، ربة المنزل، وهي تطالع التعليق، فسعر كيلو الطماطم لم يختلف عما قرأته بمحيط منزلها بحي مدينة نصر بالقاهرة، وما زاد من مرارتها، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إخبار شقيقتها التي تقطن في منطقة التجمع الخامس (شرق القاهرة)، لها من أنها فوجئت بأسعار تتخطى الـ70 جنيهاً، عندما حاولت الطلب «أونلاين» من أحد المتاجر الكبرى المجاورة لها.

تحوَّلت الطماطم خلال الأيام الماضية إلى مصدر أرق للأسر المصرية، وتحوَّل السؤال عن سعرها إلى مادة يومية في أحاديث المصريين، ومنها إلى نقاشات متواصلة في وسائل الإعلام، بحثاً عن أسباب هذا التصاعد السعري.

الوصول لهذا السعر، أكدته وزارة الزراعة المصرية، على لسان المتحدث باسمها، الدكتور خالد جاد، خلال مداخلة تليفزيونية، السبت الماضي، قائلاً إن «الأرقام المبالغ فيها التي وصلت لـ70 جنيهاً لم تكن تعبر عن السعر الحقيقي المستدام»، مؤكداً أن الأسواق شهدت موجة من الارتفاعات القياسية، استمرت لعدة أيام فقط، قبل أن تبدأ في التراجع مرة أخرى. وأرجع تذبذب الأسعار إلى الفترات الانتقالية بين العروات الزراعية، كما أن ارتفاع مستلزمات الإنتاج خلال الفترة الأخيرة أثَّر على تكلفة الزراعة والنقل، موضحاً أن سعر الطماطم حالياً انخفض ليقترب من 20 جنيهاً للكيلو في بعض المناطق.

تراجع نسبي في الأسعار الأيام الماضية بعد موجة ارتفاعات قياسية (وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، أرجع وصول الأسعار إلى 70 جنيهاً في بعض المناطق، إلى استغلال بعض التجار للموقف الحالي، فضلاً عن تعدد الحلقات الوسيطة بين المزارع والمستهلك، مما يساهم في زيادة الأسعار النهائية، بحسب تصريحات متلفزة.

وبينما تعدَّدت الأسباب، شهدت منصات التواصل الاجتماعي نقاشات بين روادها حول تحديثات الأسعار، وبيَّنت كثير من التعليقات تفاوت الأسعار بين المناطق الشعبية والراقية، وأن السعر لا يرتبط فقط بالعرض والطلب، بل بالمكان الذي يعيشون فيه.

ورأى البعض أن النداء الشعبي المعروف «يا مجنونة يا قوطة»، الذي يستخدم لوصف أسعار الطماطم المتقلِّبة، تحوَّل من نداء مرتبط بالفكاهة إلى رمز لأزمة معيشية.

كما لفت آخرون إلى أن «فتّة عيد الأضحى» هذا العام من دون طماطم، في إشارة إلى وصول الأزمة إلى الطقوس الغذائية والاجتماعية، حيث أصبحت الطماطم غائبة عن أطباق تقليدية شهيرة مرتبطة بالمناسبات، مما يبرز تأثير تصاعد الأسعار على الحياة اليومية.

عنصر أساسي في كل وجبة

الخبير الاقتصادي ياسر حسين، يوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الطماطم ليست مجرد سلعة غذائية، بل عنصر أساسي في كل وجبة مصرية، لذلك فإن أي ارتفاع في سعرها ينعكس مباشرة على حياة الأسر، مما أدى إلى توجيههم اللوم للإدارة الزراعية والاقتصادية بسبب هذا الارتفاع الجنوني»، ويضيف «الطماطم تاريخياً عُرفت بـ(المجنونة) بسبب تقلب أسعارها الحاد بين الانخفاض والارتفاع، لكن ما حدث الشهر الحالي تجاوز حدود المعتاد، إذ قفز السعر المتراوح بين 5 جنيهات إلى 12 جنيهاً في بداية العام ثم 35 و40 جنيهاً، ووصلت إلى 70 جنيهاً في بعض المناطق، مما جعل المواطن يشعر أن أبسط مكوِّنات المطبخ باتت تهدد ميزانيته اليومية».

ويشير إلى أن أسباب الأزمة متعددة؛ منها فاصل العروات الذي قلل المعروض، وموجات الحر التي أضعفت الإنتاج، إضافة إلى التصدير نحو أسواق خارجية، وهو ما أدى إلى فجوة كبيرة بين العرض والطلب محلياً.

مصر الخامسة عالمياً في إنتاج الطماطم

وتحتل مصر المركز الخامس عالمياً في إنتاج الطماطم، وتُزرع في مساحة تقترب من 500 ألف فدان، بحسب وزارة الزراعة المصرية.

وترى الدكتورة روضة حمزة، خبيرة الاقتصاد المنزلي، أن الأسر المصرية لا تدع نفسها تقع تحت رحمة تقلبات أسعار الطماطم، قائلة: «ربة المنزل المصرية مدبّرة وذكية بطبعها، فهي تدرك جيداً تقلبات السوق وجنون أسعار الطماطم الذي يتكرر دورياً، لذلك فهي لا تنتظر الأزمة لتبدأ بالتفكير، بل تعتمد استراتيجية استباقية، حيث تقوم بتخزين كميات منها في فترات الوفرة وانخفاض الأسعار، وتعمل على تحويلها إلى معجون (صلصة) يُخزن للمواسم الصعبة».

وعن تحوُّل سعر الطماطم للشغل الشاغل للمصريين حالياً، تقول: «السبب الأول لذلك التداول المكثف عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي حوَّلت الارتفاع المفاجئ في أسعار الطماطم إلى قضية عامة رغم تراجع أسعارها مؤخراً، وثانياً التوقيت، فنحن نقترب من عيد الأضحى، وهو موسم يرتبط في الثقافة المصرية بطقوس غذائية تعتمد بشكل رئيسي على الطماطم، كالفتة والصلصات المصاحبة للحوم».

وتدعو خبيرة الاقتصاد المنزلي ربات البيوت إلى استبدال الأصناف التقليدية والاستعانة بأخرى لا تعتمد على الطماطم، أو تقليل الكميات المستخدمة.