جدّد الاتحاد الأوروبي تمسكه بموقفه الداعم لمسار الأمم المتحدة لحلحلة الأزمة الليبية، مؤكداً مساندته للقاءات الجارية بين الفاعلين الرئيسيين في معسكري الشرق والغرب، في محاولة لدفع العملية السياسية قدماً، وإنهاء حالة الانقسام السياسي والعسكري المستمرة في البلاد منذ أكثر من عقد.
وبرز هذا الموقف الأوروبي بوضوح في تصريحات سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا، نيكولا أورلاندو، عقب اجتماع رؤساء البعثات الأوروبية مع مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيتيه، الثلاثاء، حيث جرى التأكيد مجدداً على «الدعم القوي لجهود التيسير التي تبذلها البعثة الأممية»، مع التشديد على ضرورة انخراط جميع الأطراف الليبية بجدية في خارطة الطريق، التي ترعاها الأمم المتحدة، بما يدعم سيادة ليبيا ووحدتها واستقرارها وازدهارها.
وقال أورلاندو، في تدوينة عبر منصة «إكس»، إن الاجتماع شهد تجديد الالتزام الأوروبي بدفع العملية السياسية، وآخر مستجدات تفعيل الحوار السياسي، عبر آلية الحوار المنظم والاجتماعات المصغرة، المعروفة بصيغة «4+4».
وجاء اجتماعا روما وتونس بين ممثلين عن حكومة «الوحدة» المؤقتة في غرب ليبيا و«الجيش الوطني» في شرقها، ضمن صيغة «4+4»، في إطار تحركات أممية لكسر الجمود السياسي، حيث ناقش اجتماع روما، نهاية أبريل (نيسان) الماضي، ملف تشكيل المفوضية الانتخابية، بينما ركز لقاء تونس المنعقد خلال مايو (أيار) الحالي على تقريب وجهات النظر بشأن القوانين الانتخابية.
ويُنظر إلى الدعم الأوروبي لخارطة تيتيه بوصفها دعماً سياسياً واضحاً لمسار الأمم المتحدة، وإن جاء ضمن اللغة الدبلوماسية المعتادة للاتحاد الأوروبي، إذ يواصل التكتل الأوروبي التمسك بالمسار الأممي، بوصفه الإطار الوحيد المقبول لتسوية الأزمة، مع الترحيب بجهود المبعوثة الأممية، والدفع باتجاه إجراء الانتخابات، من دون طرح أي بدائل سياسية موازية.
وحسب بيان البعثة الأممية، فقد حرصت تيتيه خلال اللقاء على إطلاع رؤساء بعثات دول الاتحاد الأوروبي على الجهود المبذولة للمضي قدماً في تنفيذ خارطة الطريق السياسية، وعلى ما وصفته بتقدم العمل في المسارات الأربعة للحوار، الذي تشرف عليه الأمم المتحدة.
وخلال الأيام الماضية، بدا دعم الوساطة الأممية قاسماً مشتركاً في لقاءات المسؤول الأول في بعثة الاتحاد الأوروبي مع السفير الصيني لدى ليبيا، ما شوليانغ، وكذلك مع القائم بأعمال السفارة السعودية لدى ليبيا عبد الله السلمي، في مؤشر على وجود توافق دولي واسع لدعم التحركات الأممية الهادفة إلى كسر الجمود السياسي.
ومنذ إعلان تيتيه خارطتها السياسية لحل الأزمة الليبية في أغسطس (آب) الماضي، سارعت بعثة الاتحاد الأوروبي والبعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء إلى الترحيب بها، ووصفتها بأنها «إطار قانوني ودستوري قابل للتطبيق» لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، إلى جانب المساعدة في توحيد مؤسسات الدولة الليبية.
ويلاحظ متابعون أن الاتحاد الأوروبي يربط بصورة دائمة بين الاستقرار السياسي في ليبيا، والاعتبارات الأمنية المرتبطة بمصالحه المباشرة، خصوصاً ما يتعلق بملفات الهجرة غير النظامية، وضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح.
وينعكس ذلك عملياً عبر أدوات ميدانية عدة، من بينها عملية «إيريني» الخاصة بمراقبة تنفيذ حظر السلاح، وبعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية في ليبيا، اللتان شكلتا حضورهما على طاولة لقاء تيتيه مع السفراء الأوروبيين، مما يعكس رؤية أوروبية تعد خارطة تيتيه جزءاً من مقاربة شاملة لتحقيق الاستقرار في ليبيا.
ولم يغب الملف الاقتصادي عن محاور الانشغالات الأوروبية بالملف الليبي، إذ ناقش أورلاندو مع وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية، راشد أبو غفة، الثلاثاء، قضايا الاستقرار المالي والإصلاح الاقتصادي، بما في ذلك «الجهود الرامية إلى توحيد الميزانية العامة وضمان استدامة الإنفاق الحكومي».
ورأى المسؤول الأوروبي أن هذه الخطوات تمثل ضرورة لحماية الاستقرار المالي، وضمان مصالح الأسر وقطاع الأعمال في ليبيا، مشدداً على أهمية تعزيز التنسيق مع الأجهزة الرقابية لضمان أعلى مستويات الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة. كما شدد على ضرورة الحفاظ على الدور الحيوي للمؤسسة الوطنية للنفط وتعزيز استقلاليتها، بما يضمن استقرار العائدات النفطية الحيوية للبلاد.
وأكد أورلاندو التزام الاتحاد الأوروبي بمواصلة دعم ليبيا في مواجهة التحديات الاقتصادية، ودفع الإصلاحات الهيكلية، مشيراً إلى تفعيل برامج دعم متخصصة، من بينها برنامج «الاستثمار لصالح ليبيا»، الذي ينفذه خبراء فرنسيون بالتعاون مع السلطات الليبية.