محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

تنديداً بـ«القيود المفروضة على ممارسة المهنة وعلى استقلالية القضاء»

جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
TT

محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

بدأ المحامون في تونس، اليوم (الثلاثاء)، سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم التونسية، للمطالبة بإصلاحات في القطاع، والاحتجاج ضد ما عدُّوه «قيوداً على ممارسة المهنة وعلى استقلالية القضاء».

وحسبما أوردته «وكالة الصحافة الألمانية»، فقد تجمع المحامون ببدلاتهم السوداء في ساحة قصر العدالة في العاصمة، اليوم، للإعلان عن بدء تحركهم الاحتجاجي، بينما ارتدى المحامون في أغلب محاكم البلاد الشارات الحمراء. ولم تسمح السلطات الأمنية بدخول وسائل الإعلام إلى ساحة المحكمة لتغطية الاحتجاج.

وحمل المحامون في وقفتهم لافتة كبيرة تحمل عبارة: «لا لتجاهل مطالب المحاماة... لا لإنكار العدالة»، ولافتات أخرى من بينها «لا للتضييق على حق الدفاع»، و«واجب توفُّر ضمانات المحاكمة العادلة». كما ردد المحامون: «لا سجون لا إيقاف... المحامي لا يخاف»، و«حريات حريات يا قضاء التعليمات».

وقال عميد المحامين بوبكر بالثابت: «ترفض المحاماة التونسية تجاهل مطالبها وإنكار العدالة. نحن اليوم مصرُّون على مطالبنا بكل تصميم ومسؤولية. ومطالبنا لا تكلف الدولة إلا القيام بواجبها. النظر في المطالب والإصلاحات والضمانات التي نطالب بها».

وتسود حالة من التوتر بين المحامين ووزيرة العدل ليلى جفال، بسبب تعطل الحوار حول مطالب مهنية وظروف العمل، وسير جلسات المحاكمات، وما تعتبره هيئة المحامين تضييقاً من قبل السلطة على حق الدفاع، وضرباً لاستقلالية القضاء.

ويحتج محامون، بشكل خاص، ضد تنظيم محاكمات عن بُعد لسياسيين من المعارضة في قضية «التآمر على أمن الدولة»، وملاحقات قضائية ضد محامين بسبب شبهات فساد مالي.

وتشمل تحركات المحامين إضرابات تدريجية في الولايات على مدى الأسابيع المقبلة، وحتى يوم الثامن من يونيو (حزيران) المقبل، قبل الإضراب العام على المستوى الوطني المقرر يوم 18 من الشهر نفسه.


مقالات ذات صلة

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

شمال افريقيا المحكمة الدستورية في العاصمة التونسية (الشرق الأوسط)

محامو تونس يضربون احتجاجاً على تعطل الحوار مع السلطة

أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين في تونس، اليوم (الخميس)، سلسلة إضرابات عامة في المحاكم بولايات الجمهورية كافة، بدءاً من يوم الثلاثاء المقبل.

شمال افريقيا جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)

«اتحاد الشغل» التونسي ينتقد «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم العالمي

ندد اتحاد الشغل التونسي «بالوضع الصعب الذي يعيشه العمّال والمتقاعدون على حدّ سواء، جرّاء الارتفاع الجنوني لتكلفة المعيشة، وتدهور القدرة الشرائية».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا وزارة الخارجية الأميركية بالعاصمة واشنطن (رويترز)

أميركا تقر صفقة محتملة لبيع معدات أمن لتونس

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، اليوم (الاثنين) ‌أنها ‌وافقت ​على ‌صفقة ⁠محتملة ​لبيع معدات إلى ⁠تونس دعماً للمرحلة ⁠الثالثة ‌من مشروع ‌أمن ​الحدود ‌التونسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شمال افريقيا جانب من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح الصحافي مراد الزغيدي (أ.ف.ب)

تونس تعلِّق نشاط «رابطة حقوق الإنسان» الحاصلة على جائزة نوبل للسلام

أكدت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» أنه تم إيقاف نشاطها مدة شهر، في بيان صدر في وقت متأخر، أمس (الجمعة).

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)

تونس: غضب حقوقي إثر تحفظ السلطات على صحافي معارض

قال نافع ‌العريبي، محامي الصحافي التونسي زياد الهاني، إنَّ النيابة العامة أمرت، اليوم (الجمعة)، بالتحفظ على موكله، في خطوة أثارت غضب حقوقيين.

«الشرق الأوسط» (تونس)

«مجزرة غرغور» تعيد إلى الواجهة ملف «الإعدامات المجمَّدة» في ليبيا

سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
TT

«مجزرة غرغور» تعيد إلى الواجهة ملف «الإعدامات المجمَّدة» في ليبيا

سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)
سيدتان من أهالي ضحايا أحداث غرغور الليبية خلال وقفة احتجاجية سابقة (صفحة تجمع أسر ضحايا غرغور)

أعاد حكم قضائي بالإعدام صدر في ليبيا على أحد المُدانين بقتل متظاهرين عام 2013، فيما عُرف وقتها بـ«مجزرة غرغور»، إلى الواجهة، ملف الأحكام المشابهة التي تصدرها محاكم محلية منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في عام 2011؛ لكنها لم تنفَّذ.

وقوبل الحكم الصادر عن محكمة جنايات طرابلس، في 11 مايو (أيار) الجاري، بالإعدام رمياً بالرصاص على عبد المجيد الضراط، لتورطه بقتل متظاهرين خلال احتجاجات طالبت بإخلاء العاصمة من التشكيلات المسلحة، باهتمام شعبي وقانوني واسع، باعتبار أن الحكم يُعد «استعادة لهيبة القانون، وتأكيداً على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم».

أحكام معطلة

يتعطل في ليبيا -حسب قانونيين ومتابعين- تنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2011، رغم استمرار صدورها في قضايا «قتل وإرهاب وانتهاكات جسيمة». وكان النائب العام الليبي المستشار الصديق الصور قد أشار إلى وجود عشرات الأحكام النهائية بالإعدام التي لم تنفَّذ، وهو ما نقلته عنه منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية، في تقرير لها صدر العام الماضي.

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب الصور)

ووسط تخوفات من إفلات الجناة من العقاب، طالبت فتحية البخبخي، شقيقة إحدى ضحايا «مجزرة غرغور»، ورئيسة «الاتحاد النسائي الليبي العام»، بضرورة تنفيذ الحكم وملاحقة بقية المتورطين في الجريمة، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ الحكم وتحقيق العدالة يمثلان «رسالة ردع قوية» تعيد الاعتبار لهيبة القانون ولدماء المغدورين.

وشهدت طرابلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 واحدة من أعنف محطات الفوضى المسلحة بعد سقوط النظام السابق، حين قُتل أكثر من 60 شخصاً، وأصيب نحو 500 آخرين خلال مظاهرة طالبت بخروج الجماعات المسلحة من العاصمة.

ويعكس التقاعس عن تنفيذ أحكام الإعدامات في ليبيا حجم التعقيدات التي تواجه القضاء المحلي. فقد نقلت «هيومن رايتس ووتش» عن النائب العام تأكيده -العام الماضي- وجود نحو 250 شخصاً محكومين بالإعدام حتى سبتمبر (أيلول) 2024، بينهم مدانون في قضايا تعود إلى ما قبل 2011.

وحسب المنظمة الدولية، استنفد 105 متهمين منهم «جميع درجات التقاضي»، بينما لم يكن محتجزاً سوى 19 شخصاً، بينما خُففت أحكام 3 مدانين إلى السجن المؤبد بعد تنازل أولياء الدم.

إجراءات مطولة

إجرائياً، وعلى وقع صدور الحكم الأخير في «مجزرة غرغور»، قال الدكتور مبروك الفاخري، المستشار السابق بالمحكمة العليا الليبية، إن «أحكام الإعدام تمر بسلسلة من الإجراءات القضائية المطوَّلة، بعد صدورها من محاكم الجنايات»، موضحاً أنها «تُحال وجوباً إلى المحكمة العليا لمراجعتها، سواء طعن المحكوم عليه في الحكم أم لم يطعن، وذلك للتحقق من سلامتها القانونية».

أبو رزيزة رئيس المحكمة العليا في ليبيا (الصفحة الرسمية للمحكمة)

وأوضح الفاخري لـ«الشرق الأوسط» أن «المحكمة العليا قد تُقر الحكم أو تنقضه، وتعيد القضية إلى محكمة الجنايات في حال رصد أخطاء قانونية»، مبرزاً أن «القانون الليبي يتيح، قبل تنفيذ الحكم، تنازل أولياء الدم عن حقهم، بما يؤدي إلى استبدال السجن المؤبد مع الدية بعقوبة الإعدام، باعتبار ذلك أحد المسارات القانونية المعمول بها قبل التنفيذ».

وبين عامَي 2023 و2026، واصلت المحاكم الليبية إصدار أحكام بالإعدام في قضايا مرتبطة بـ«الإرهاب والقتل والانتهاكات المسلحة»، من دون إعلان رسمي عن تنفيذ أي منها، كان أبرزها حكم محكمة جنايات مصراتة في مايو 2023 بإعدام 23 متهماً في قضية مرتبطة بتنظيم «داعش».

كما صدرت أحكام مماثلة عن محاكم في طرابلس والزاوية بحق متهمين في قضايا اغتيال وقتل عمد، وانتهاكات نُسبت إلى جماعات مسلحة، بينهم أحد عناصر «الكانيات» المتهمين بارتكاب انتهاكات في ترهونة خلال الحرب على العاصمة بين عامي 2018 و2020.

ويُرجع الدكتور شعبان عكاش، عضو «المجلس العلمي بمركز البحوث الجنائية» بمكتب النائب العام، تأجيل تنفيذ أحكام الإعدام في ليبيا، إلى «الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية، وتغوُّل الميليشيات، وتعدد مراكز السلطة منذ عام 2011». ويرى أن هذه الأجواء «تحُول دون تنفيذ الأحكام بصورة متساوية على كامل الأراضي الليبية، الأمر الذي وضع النائب العام أمام معضلة قانونية، تتعلق بتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين».

دائرة الجنايات بمحكمة استئناف طرابلس (صفحة المحكمة على فيسبوك)

وأشار عكاش لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تنفيذ الأحكام في بعض المناطق مقابل تعذُّر تنفيذها في مناطق أخرى، قد يثير إشكاليات ازدواجية تطبيق العدالة؛ وهو ما دفع السلطات القضائية إلى إرجاء تنفيذ أحكام الإعدام إلى حين تهيؤ ظروف تسمح بتطبيقها بشكل موحَّد في جميع المحاكم الليبية».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومتين متنافستين: الأولى في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية في الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد، مدعومة من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر. وهو انقسام امتد إلى مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء.

وإذ عدَّ عكاش أن «هذا الوضع يظل استثنائياً ومرتبطاً بخصوصية المرحلة التي تمر بها ليبيا»، فإنه رأى أيضاً أن استمرار تعليق تنفيذ أحكام الإعدام يترك آثاراً سلبية على منظومة العدالة الجنائية. واعتبر أن غياب تنفيذ العقوبات يمثل إخلالاً بمبدأ الردع، ويفتح المجال أمام الإفلات من العقاب، كما ينعكس سلباً على فاعلية المواجهة الجنائية في البلاد.

ويعود آخر تنفيذ موثق لعقوبة الإعدام في ليبيا إلى يونيو (حزيران) 2010، حين تحدثت منظمة العفو الدولية عن إعدام 18 شخصاً رمياً بالرصاص، بينهم مواطنون من تشاد ومصر ونيجيريا، عقب إدانتهم بالقتل العمد.


«أبو لولو» القيادي بـ«الدعم السريع» يعود للقتال

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
TT

«أبو لولو» القيادي بـ«الدعم السريع» يعود للقتال

المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)
المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

قالت تسعة مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء إن قائداً في «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية بالسودان، كان قد اعتُقل في أواخر العام الماضي عقب موجة غضب عالمية بسبب مقاطع فيديو تظهره وهو يعدم أشخاصاً عزلاً في الفاشر، أطلق سراحه وعاد إلى القتال.

وقال مصدران، وهما مسؤول في المخابرات السودانية وقائد في «قوات الدعم السريع»، إنهما شاهدا شخصياً العميد في «قوات الدعم السريع» الفاتح عبد الله إدريس، المعروف باسم «أبو لولو»، في ساحة القتال في كردفان في مارس (آذار). وأفاد ضابط بالجيش التشادي لـ«رويترز» بأن ضباطاً في «الدعم السريع» كانوا قد طالبوا بإعادة «أبو لولو» إلى الميدان لتعزيز معنويات القوات التي تخوض معارك عنيفة هناك.

وتحدثت «رويترز» في المجمل مع 13 مصدراً قالوا إنهم على علم بالإفراج عن «أبو لولو»، بينهم ثلاثة قادة في «قوات الدعم السريع»، وضابط في «القوات»، وأحد أقارب «أبو لولو»، وضابط بالجيش التشادي على صلة بقيادة «الدعم السريع»، وسبعة مصادر أخرى لها اتصالات بقيادة «الدعم السريع» أو على اطلاع بمعلومات مخابراتية بشأن عملياتها الميدانية.

ورد متحدث باسم حكومة التحالف الذي تقوده «قوات الدعم السريع» على أسئلة «رويترز» اليوم الاثنين ببيان نفى فيه أن تكون «القوات» قد أفرجت عن «أبو لولو». وبحسب البيان الصادر عن أحمد تقد لسان، المتحدث باسم حكومة «تأسيس» التي تقودها «الدعم السريع»، فإن محكمة خاصة ستحاكمه وآخرين متهمين بارتكاب انتهاكات خلال الهجوم على الفاشر.

وجاء في البيان: «الحديث بأن (أبو لولو) تم إطلاق سراحه حديث غير صحيح ومغرض وعار من الصحة... (أبو لولو) والآخرون المتهمون في انتهاكات عند تحرير الفاشر موجودون قيد التوقيف في السجن منذ القبض عليهم ولم يخرج أبداً من السجن».

ولم يتسن لـ«رويترز» التواصل مع «أبو لولو».

صورة متداولة لـ«سفاح الفاشر» الشهير بلقب «أبو لولو»

عقوبات بسبب جرائم حرب

احتجزت «قوات الدعم السريع» «أبو لولو» في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بعد أيام من سيطرتها الدموية على الفاشر، وهي مدينة كبيرة في ولاية شمال دارفور. وانتشرت عدة مقاطع فيديو تُظهره وهو يعدم أشخاصاً عزلاً خلال الهجوم. وبعد هذه المقاطع أصبح يشتهر بلقب «جزار الفاشر»، وهو اللقب الذي أشار إليه مجلس الأمن الدولي عندما فرض عليه عقوبات في 24 فبراير (شباط) بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان.

والحرب الأهلية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» هي صراع دموي على السلطة بهدف السيطرة على البلاد ومواردها المالية. وأسفرت عما تصفه منظمات الإغاثة بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم. وفي وقت سابق من هذا العام، خلص تحقيق مستقل للأمم المتحدة إلى أن عمليات القتل الجماعي في الفاشر تحمل سمات الإبادة الجماعية. كما خلص تحقيق منفصل أجرته المنظمة الدولية إلى مقتل ما يربو على ستة آلاف على يد مقاتلي «قوات الدعم السريع» من 25 إلى 27 أكتوبر.

وتُظهر أربعة مقاطع فيديو تحققت منها «رويترز» أن «أبو لولو» أطلق النار على ما لا يقل عن 15 أسيراً أعزل في الفاشر يوم 27 أكتوبر، بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على المدينة. وكان جميعهم يرتدون ملابس مدنية. ويُعد قتل أي شخص، حتى لو كان مقاتلاً سابقاً، وهو أعزل ولا يشكل تهديداً، جريمة حرب بموجب القانون الدولي.

وبعد موجة استنكار دولي من قادة الأمم المتحدة وسياسيين أميركيين وآخرين، أقر قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، علناً بوقوع انتهاكات من مقاتليه في الفاشر، وقال إنه سيتم تشكيل لجنة مساءلة للتحقيق في أي تجاوزات. وفي 30 أكتوبر، نشرت «قوات الدعم السريع» مقطع فيديو يظهر نقل «أبو لولو» إلى سجن شالا في جنوب غربي الفاشر. ويظهر في الفيديو «أبو لولو» مكبل اليدين، ويُقتاد من مركبة تحيط بها عناصر مسلحة، ويوضع خلف القضبان. ويقول متحدث باسم «الدعم السريع»، لم تُعرف هويته، وهو يقف أمام السجن، إن «أبو لولو» «سيُقدم إلى محاكمة عادلة وفقاً للقانون».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، نشرت قناة «الجزيرة» تقريراً قالت فيه إن «أبو لولو» أُفرج عنه، مستندة إلى مقاطع فيديو غير محددة المصدر على الإنترنت. لكن في الثاني من ديسمبر (كانون الأول)، قال رئيس لجنة المساءلة التي عينتها «قوات الدعم السريع» لـ«رويترز» إن «أبو لولو» لا يزال محتجزاً لديها، وإن التحقيق جار معه ومع عدد من جنود «الدعم السريع» الآخرين بشأن انتهاكات ارتُكبت في الفاشر. ولم ترد «الجزيرة» على أسئلة «رويترز» بشأن تقريرها.

وقالت أربعة مصادر لـ«رويترز» إن «أبو لولو» أُفرج عنه في ديسمبر (كانون الأول)، لكن لم يتسن لـ«رويترز» التأكد من موعد إطلاق سراحه.

وذكر أحد أقاربه أنه قبل السماح لـ«أبو لولو» بالعودة إلى الخدمة في كردفان، مثل في نوفمبر أمام مجلس تأديبي يضم ستة من كبار الضباط. وكانت الجلسة تتعلق بمقاطع الفيديو التي ظهر فيها وألحقت ضرراً بسمعة «قوات الدعم السريع». ولم يتسن لـ«رويترز» تأكيد انعقاد هذه الجلسة أو معرفة نتائجها.

وينتمي «أبو لولو» إلى القبيلة نفسها التي ينتمي إليها حميدتي، قائد «قوات الدعم السريع». وبحسب ثلاثة مصادر، قائد في «الدعم السريع» وضابط فيها مقربان من قيادتها وباحث لديه صلات باللجنة المكلفة بالتحقيق مع «أبو لولو»، فإن شقيق حميدتي، عبد الرحيم دقلو، نائب قائد «قوات الدعم السريع»، أصدر شخصياً أمراً بالإفراج عنه.

وقال ضابط في «قوات الدعم السريع» إن اللجنة التأديبية لم تفرج رسمياً عن «أبو لولو»، لكن نائب القائد أمر بإطلاق سراحه عبر رسالة لاسلكية.

مسؤولية القيادة

مقاطع الفيديو الخاصة بـ«أبو لولو» من بين نحو 300 مقطع مماثل نُشرت على الإنترنت، وعكفت «رويترز» على تحليلها مع مشروع «سودان ويتنس» التابع لمركز المرونة المعلوماتية.

وكان «أبو لولو» القائد الوحيد الذي حددته «رويترز» في مقاطع فيديو وهو يطلق النار على عزل. غير أن تحقيق «رويترز» ومشروع «سودان ويتنس» وجد أيضاً أن ثلاثة قادة كبار آخرين في «قوات الدعم السريع» كانوا في المنطقة نفسها عندما وقعت عمليات القتل الجماعي.

ويُظهر أحد مقاطع الفيديو التي تحققت منها «رويترز» القائد جدو حمدان أبو نشوك، وهو أعلى قائد في «قوات الدعم السريع» لمنطقة شمال دارفور، يسير إلى جانب «أبو لولو» صباح 27 أكتوبر.

وحددت «رويترز» الموقع الجغرافي لمقاطع الفيديو من هذه المنطقة، ووجدت أن أبو نشوك صُور على بعد 40 متراً من مقطعين آخرين يُظهران «أبو لولو» وهو يُعدم رجالاً عزلاً. ومن خلال قياس الظلال في المقاطع الثلاثة، خلصت «رويترز» إلى أنها صُورت خلال فترة زمنية واحدة امتدت لساعتين.

وبموجب القانون الدولي، قد يُحاسب هؤلاء القادة جنائياً على الجرائم التي يرتكبها مقاتلوهم خلال الصراع، وفقاً لما قالته جيهان هنري، وهي محامية حقوقية والمديرة المسؤولة عن ملف السودان في منظمة «ذا ريكوننج بروجيكت» أو «مشروع المحاسبة»، وهي منظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة توثق جرائم الحرب.

ولم ترد «قوات الدعم السريع» على أسئلة بشأن الأفعال المحددة لأي من القادة الذين كانوا حاضرين خلال الهجوم على الفاشر. وفي 29 أكتوبر، قال حميدتي إن أي جندي أو ضابط يرتكب جريمة سيتم اعتقاله والتحقيق معه، مع الإعلان عن النتائج.

وقال المتحدث تقد لسان إن حكومة «الدعم السريع» تأخرت في محاكمة المتهمين بارتكاب الانتهاكات «بسبب أننا في مرحلة تأسيس هياكل الدولة وفي ظروف صعبة».

وأضاف: «نحن ملتزمون بتحقيق العدالة ومحاسبة كل من يقوم بانتهاكات... كل ما يدور من حديث غير ذلك هذا تضليل متعمد».

أوامر بالتزام الصمت

قال أحد قادة «قوات الدعم السريع» إن القيادة أمرت الضباط الآخرين بالتزام الصمت بشأن عودة «أبو لولو» إلى القتال. وقال قائد آخر في «الدعم السريع» وأحد أقارب «أبو لولو» إنه أُفرج عنه بشرط ألا يقوم بالتصوير أو يتم تصويره في ساحة المعركة. ولم تعثر «رويترز» على أي صور له أثناء مشاركته في العمليات منذ الإفراج عنه.

وقال أحد قادة «الدعم السريع»، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إنه «حر منذ نحو ثلاثة أو أربعة أشهر، وهو في ساحة المعركة مع قواته».

وأشار قريب «أبو لولو» إلى أن «الدعم السريع» بحاجة إلى خدماته لأن القوات تواجه صعوبات. وبعد ترسيخ سيطرتها على الفاشر، نقلت «قوات الدعم السريع» هجومها شرقاً إلى منطقة كردفان، الواقعة بين مناطق سيطرتها والمناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، حيث واجهت قتالاً عنيفاً.

وقال قريب «أبو لولو» إنه «يحظى بشعبية كبيرة في صفوف المقاتلين، وهذا جيد لرفع معنوياتهم».

وفي عدة مقاطع فيديو تحققت منها «رويترز» ومشروع «سودان ويتنس»، أشاد مقاتلون آخرون في «قوات الدعم السريع» بـ«أبو لولو» وبأعمال القتل التي ارتكبها. وفي أحد المقاطع، الذي صوره ونشره على الإنترنت في أول نوفمبر 2025 صلاح عابدين محمد عزالة، وهو مقاتل في «الدعم السريع» يقول عزالة إن كثيراً من المقاتلين مستعدون لأخذ مكان «أبو لولو».

ويقول أمام الكاميرا: «إذا اختفى أبو لولو أو تم اعتقاله أو محاكمته، فنحن جميعاً ألف أبو لولو. أنا أيضاً أبو لولو».


«سد النهضة»... هل تحيي اتصالات واشنطن المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا؟

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي (الخارجية المصرية)
TT

«سد النهضة»... هل تحيي اتصالات واشنطن المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا؟

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق مع مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي (الخارجية المصرية)

تطرق اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، لنزاع «سد النهضة» الإثيوبي، الذي كان نقطة حوار بين واشنطن وأديس أبابا في مشاورات جرت قبل نحو أسبوع ووُصفت بـ«البنّاءة».

وتتواصل الاتصالات الأميركية بعد نحو عامين من توقف مفاوضات مصر وإثيوبيا، ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها قد تسهم في حلحلة الخلافات والعودة لطاولة المفاوضات.

وكانت مصر قد أعلنت توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد عام 2024 بعد جولات استمرت سنوات، مُرجعةً ذلك إلى «غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات سابقة لوزارة الموارد المائية.

وأفادت «الخارجية المصرية»، في بيان صحافي الاثنين، بأن عبد العاطي بحث خلال اتصاله مع بولس قضية السد الإثيوبي والأمن المائي المصري، مؤكداً «الرفض الكامل لأية إجراءات أحادية، وأن قضية المياه تعد قضية وجودية لمصر».

ونقل البيان المصري عن بولس «حرص الإدارة الأميركية على مواصلة تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع مصر، واستمرار التنسيق الوثيق بين البلدين لمواجهة التحديات المشتركة».

وفي 12 مايو (أيار) الحالي، كتب بولس على حسابه بمنصة «إكس» أنه تم عقد «اجتماعات مثمرة وشاملة» مع وفد إثيوبي بقيادة وزير الخارجية جدعون تيموثيوس، وضم مدير عام جهاز الاستخبارات والأمن الوطني رضوان حسين، مضيفاً: «أجرينا محادثات بنّاءة حول نهر النيل و(سد النهضة) الإثيوبي الكبير».

كبير مستشاري ترمب خلال لقاء مع وفد إثيوبي برئاسة وزير الخارجية الأسبوع الماضي (حساب بولس على «إكس»)

ويتوقع البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد، أن تنجح التحركات الأميركية في إعادة إحياء مفاوضات «سد النهضة»، وتقريب وجهات النظر، وإزالة شكوك ومخاوف مصر من إلحاق ضرر بها.

من جانبها، قالت الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية أسماء الحسيني، إن هناك جهوداً أميركية في هذا الصدد منذ فترة، وإن هذه ليست المحاولة الأولى، وأضافت: «كانت هناك محاولة أثناء فترة ترمب الرئاسية الأولى، ووقتها عطّلها التعنت الإثيوبي في آخر لحظة، وقبل توقيع الاتفاق انسحب وفد أديس أبابا». واستدركت في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «لكن أعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تدفع باتجاه إيجابي لحل الأزمة عبر التفاوض، وعبر صيغة تضمن وتراعي مطالب مصر وحقها المشروع في المياه، وفي نفس الوقت تراعي أيضاً الموقف الإثيوبي الذي يعتبر (سد النهضة) أساساً للتنمية».

وأضافت: «الحلول ممكنة، لكن ذلك يتوقف على إرادة الطرف الإثيوبي ورغبته في الوصول لاتفاقات واتفاق عادل وملزم تطالب به مصر والسودان أيضاً».

وتابعت: «التحركات الأميركية فرصة سانحة لكل الأطراف وللمنطقة للخروج من هذا الموقف المتأزم»، داعية الجانب الإثيوبي لـ«التعامل معها بجدية للخروج بصيغ تقنع الطرفين».

وقبل أيام، كشف مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» عن محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» التي وقَّعت عليها القاهرة في فبراير (شباط) 2020 ورفضتها أديس أبابا، لكن بصيغة معدَّلة لإيجاد توافق واسع عليها.

والوثيقة كانت تشمل جدولاً مرحلياً لملء السد، وآليةً للتوافق عند الملء في حالات الجفاف، والجفاف الممتد، وفترات السنوات الجافة الطويلة، وآليةً للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها، وبنوداً لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبِلاً مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي في أبريل الماضي (الرئاسة المصرية)

كما سبق أن صرح بولس لـ«الشرق الأوسط» بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبدى استعداد بلاده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية (سد النهضة)».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية، بعد ثلاثة أحاديث في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2025 أكد فيها أن «واشنطن موَّلت السد، ويجب أن يكون هناك حلٌّ سريع لتلك الأزمة».