الحوار الوطني في الصومال... «إخفاق» لجولة مقديشو وسط تصاعد الأزمة السياسية

المعارضة وصفت شيخ محمود بـ«الرئيس السابق» والحكومة تؤكد «التمديد عاماً»

حسن شيخ محمود خلال إحياء الذكرى الـ83 لرابطة وحدة الشباب الصومالي (SYL) واليوم الوطني للشباب السبت (وكالة الأنباء الصومالية)
حسن شيخ محمود خلال إحياء الذكرى الـ83 لرابطة وحدة الشباب الصومالي (SYL) واليوم الوطني للشباب السبت (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الحوار الوطني في الصومال... «إخفاق» لجولة مقديشو وسط تصاعد الأزمة السياسية

حسن شيخ محمود خلال إحياء الذكرى الـ83 لرابطة وحدة الشباب الصومالي (SYL) واليوم الوطني للشباب السبت (وكالة الأنباء الصومالية)
حسن شيخ محمود خلال إحياء الذكرى الـ83 لرابطة وحدة الشباب الصومالي (SYL) واليوم الوطني للشباب السبت (وكالة الأنباء الصومالية)

تتجه الأزمة السياسية في الصومال نحو مزيد من التصعيد مع عدم توصل جولة الحوار الوطني بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة إلى تفاهمات بشأن الخلافات حول تطبيق الدستور الجديد الذي يقضي بالتمديد عاماً لرئيس البلاد أو إجراء انتخابات مباشرة التي تُعقد بعد عقود من التنافس القبلي.

ذلك الإخفاق في جولة مقديشو، تلاه وصف المعارضة للرئيس حسن شيخ محمود بأنه «رئيس سابق»، واعتبرت أنه تم انقضاء مدته الرئاسية في 15 مايو (أيار) الحالي، مقابل تأكيد رسمي ببدء التمديد عاماً لرئيس البلاد، وهذه تطورات يرى خبير في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنها لا تؤدي إلى إغلاق باب الحوار بشكل كامل حال ممارسة ضغوط دولية أكبر على مقديشو، لكنها في الوقت ذاته من الممكن أن تؤدي إلى صدامات وأزمة سياسية غير مسبوقة تشمل توقيفات للمعارضين.

وأعلن رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، أنه «تم البدء في تطبيق الدستور بشكل رسمي»، حسب ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية للبلاد السبت، وهذا يعني تمديد ولاية الرئيس عاماً جديداً انتقالياً بعد تطبيق الدستور.

وعقب إقرار التعديل الدستوري في مارس (آذار) الماضي، قال رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، إن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه شيخ محمود، وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع سنوات.

ورفضت المعارضة الدستور آنذاك، وقال ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان آنذاك، إن ولاية الرئيس تنتهي في 15 مايو (أيار) 2026، وإنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

ولم تنجح جولة حوار استمرت ثلاثة أيام بين الحكومة الفيدرالية برئاسة حسن شيخ محمود والمعارضة، في التوصل إلى اتفاق.

وأوضح «مجلس مستقبل الصومال»، في بيان الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية الصومالية والمعارضة في مقديشو بين 13 و15 مايو «انتهت دون التوصل إلى نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات والدستور وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن الرئيس حسن شيخ يعتبر «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه، مشيراً إلى أن البلاد «دخلت مرحلة سياسية حساسة تتطلب مشاورات وطنية وعملية شرعية لإدارة عملية الانتقال».

نواب بالبرلمان الصومالي خلال المصادقة على دستور البلاد في مارس الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

في المقابل، أكدت الحكومة الفيدرالية الصومالية في بيان الجمعة، التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، وأن البلاد دخلت مرحلة انتقالية نحو نظام ديمقراطي قائم على المشاركة الشعبية المباشرة.

ورغم هذا التصعيد السياسي، يرى الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، أن «باب الحوار ما زال مفتوحاً لحل الأزمة السياسية، ولن تغير توصيفات المعارضة شيئاً سوى بالحوار».

وكشفت الحكومة الفيدرالية، في بيان الجمعة، عن أنها عقدت خلال الأيام الثلاثة الماضية لقاءات ومناقشات مع بعض أعضاء المعارضة، تناولت عدداً من القضايا المتعلقة بالعملية الانتخابية.

ولم تذهب الحكومة للإقرار بفشل جولة مقديشو ولكن أكدت «استمرار انفتاحها على الحوار والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

ولذا يرى عبد الله أحمد إبراهيم أهمية الإسراع في التحركات الغربية والعربية لممارسة ضغوط لوقف ذلك التصعيد غير المبرر، لا سيما من المعارضة التي لا يستبعد أن تلجأ إلى الصدام مع الحكومة التي ستواجه ذلك بالتوقيفات.



«الرئاسي» الليبي لاحتواء فوضى العاصمة بعد حرق مقر حكومة «الوحدة»

محمد المنفي خلال اجتماع مع آمر قوة إسناد مديرية أمن طرابلس الجمعة في طرابلس (المجلس الرئاسي)
محمد المنفي خلال اجتماع مع آمر قوة إسناد مديرية أمن طرابلس الجمعة في طرابلس (المجلس الرئاسي)
TT

«الرئاسي» الليبي لاحتواء فوضى العاصمة بعد حرق مقر حكومة «الوحدة»

محمد المنفي خلال اجتماع مع آمر قوة إسناد مديرية أمن طرابلس الجمعة في طرابلس (المجلس الرئاسي)
محمد المنفي خلال اجتماع مع آمر قوة إسناد مديرية أمن طرابلس الجمعة في طرابلس (المجلس الرئاسي)

كثّف رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، تحركاته الأمنية والعسكرية لاحتواء تداعيات أعمال الشغب العنيفة التي شهدتها طرابلس وترهونة، عقب مباراة ضمن الدوري الليبي الممتاز، وانتهت باقتحام وإحراق أجزاء من مقر رئاسة حكومة «الوحدة» المؤقتة في العاصمة طرابلس.

ووسط حالة قلق بالغ، سادت العاصمة أجواء من مظاهر الفوضى التي واكبت الحادث، وقال المجلس الرئاسي إن «المنفي تابع مساء الجمعة التطورات الميدانية المرتبطة بالأحداث، التي اندلعت عقب مباراة لكرة القدم، بعدما تحولت الاحتجاجات إلى أعمال عنف وتخريب، طالت مؤسسات وممتلكات عامة وخاصة».

وشملت تحركات المنفي اجتماعات مع مدير إدارة الاستخبارات العسكرية، وآمر اللواء «444 قتال»، ومدير أمن طرابلس، إلى جانب مسؤولي قوة إسناد مديرية أمن العاصمة، حيث أصدر تعليمات مشددة برفع الجاهزية الأمنية، وضبط استخدام القوة، وتأمين المقرات السيادية والحيوية، ومنع انزلاق العاصمة إلى حالة انفلات أمني.

وأكد المنفي خلال لقائه مع مدير أمن طرابلس، خليل وهيبة، ضرورة التعامل «بحزم» مع أي محاولات لاستهداف المؤسسات الحكومية أو إثارة الفتنة، داعياً الجماهير الرياضية إلى اللجوء إلى الأطر القانونية لمعالجة أي مطالب أو احتجاجات.

كما استمع المنفي إلى إحاطة من مدير إدارة الاستخبارات العسكرية بوزارة الدفاع، وآمر اللواء «444 قتال» حول الوضع الميداني في طرابلس وترهونة، بعد التوترات التي أسفرت عن سقوط ضحايا وخسائر مادية.

وسبق أن ذكر المجلس الرئاسي في بيان أنه أصدر تعليمات عاجلة لدعم تحقيقات مكتب النائب العام، بهدف تحديد المسؤولين عن الإخفاق في تأمين المقرات الحكومية، وملاحقة المتورطين في أعمال التخريب وترويع السكان.

ودعا «المجلس»، الاتحاد الليبي لكرة القدم والمؤسسات الرياضية إلى «تحمل مسؤولياتها لاحتواء التوتر»، مطالباً روابط المشجعين بضبط النفس وتغليب المصلحة الوطنية.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة «رويترز»

في المقابل، اكتفى رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، بالتعليق بصورة غير مباشرة على الأحداث، من خلال منشور عبر «فيسبوك»، تزامناً مع انطلاق المرحلة الأولى لانتخابات المجالس المحلية للشباب في ثلاثين بلدية.

وقال الدبيبة إن «الرهان على وعي الشباب وطاقاتهم في البناء لا في الهدم، وفي حماية مؤسسات دولتهم لا في التعدي عليها»، معتبراً أن الانتخابات تمثل «تعبيراً حضارياً» يبرهن على أن الشباب الليبي «حماة الاستقرار وقادة المستقبل».

بدورها، أعلنت «قوة حماية مجلس الوزراء»، التابعة لكتيبة شهداء المحجوب، القبض على عدد من المتورطين في اقتحام وإحراق مقر الحكومة، مؤكدة تسليمهم إلى جهاز الأمن الداخلي لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وقالت القوة، في بيان مساء الجمعة، إن المنطقة المحيطة بالمقر الحكومي شهدت توترات رافقت مباراة فريقي «الاتحاد» و«السويحلي»، قبل أن تتطور إلى أعمال شغب واعتداءات على المبنى الحكومي.

وأضافت أن «عناصر مندسة» أطلقت أعيرة نارية وسط المحتجين، الأمر الذي استدعى التعامل بحذر «لتجنب وقوع خسائر بشرية»، مؤكدة التزامها بضبط النفس في أثناء تنفيذ مهامها الأمنية.

ودعت القوة سكان العاصمة إلى تجنب الانجرار وراء دعوات الفوضى والتحريض، حفاظاً على الأمن العام وسلامة الممتلكات.

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي خلال زيارته لموسكو الأسبوع الماضي (إعلام القيادة العامة)

وفي شرق البلاد، أجرى نجل القائد العام لـ«الجيش الوطني»، صدام حفتر، جولة ميدانية على غرف العمليات ومواقع تمركز «الفرقة 309»، المشاركة في المناورة العسكرية «درع الكرامة 2»، للاطلاع على مستوى الجاهزية قبل انطلاق التدريبات العسكرية الواسعة النطاق.

و«درع الكرامة 2» هي مناورة عسكرية من المقرر أن ينفذها «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، ويصفها بأنها في تاريخ الجيش بمشاركة وحدات برية وجوية وأمنية مختلفة.

وتحمل التسمية ارتباطاً بعملية «الكرامة»، التي أطلقها حفتر قبل 12 عاماً، وتحديداً في 16 مايو (أيار) عام 2014 ضد جماعات مسلحة في شرق ليبيا، وتحولت لاحقاً إلى الإطار العسكري والسياسي الذي تأسست عليه قواته.


مصر تنشد تمويلاً دولياً لدعم أمنها المائي

بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)
بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)
TT

مصر تنشد تمويلاً دولياً لدعم أمنها المائي

بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)
بنايات على نهر النيل في مصر (رويترز)

وسط التوسُّع في مشروعات معالجة وتحلية المياه لتعزيز كفاءة استخدامها، تنشد مصر تمويلاً دولياً لدعم أمنها المائي.

وأكد وزير الموارد المائية والري، هاني سويلم «أهمية تعزيز الشراكات الدولية والإقليمية، والاستفادة من الخبرات والتمويلات والدعم الفني المُقدَّم من شركاء التنمية بما يُسهم في تحقيق الإدارة المستدامة للموارد المائية، وتعزيز القدرة على التكيُّف مع التغيُّرات المناخية».

كلام وزير الموارد المائية والري جاء خلال لقاء، السبت، مع شركاء التنمية الدوليين، بمشاركة واسعة من ممثلي البنوك الإنمائية، وسفارات عدد من الدول والمنظمات الأممية، برئاسة مشتركة بين الاتحاد الأوروبي والسفارة الألمانية بالقاهرة.

وتقول مصر إنَّ نصيب الفرد من المياه «يقترب حالياً من مستوى الندرة المطلقة». وأكدت وزارة الموارد المائية والري في مارس (آذار) الماضي أنَّ «مصر تُعدُّ من أكثر دول العالم جفافاً».

وبحسب سويلم فإنَّ «الوزارة انتهت من إعداد محفظة متكاملة من المشروعات ذات الأولوية، من خلال ورشة عمل رفيعة المستوى عُقدت بمشاركة قيادات الوزارة وممثلي مختلف الجهات التابعة لها؛ بهدف تحديد الاحتياجات والمشروعات المستقبلية المتوافقة مع محاور (الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0)، وبما يعزِّز جاهزية هذه المشروعات للتمويل من ميزانية الدولة أو من خلال شركاء التنمية والجهات التمويلية».

وزير الموارد المائية والري المصري يؤكد أهمية تعزيز الشراكات الدولية والإقليمية في مجال المياه (وزارة الموارد المائية والري)

وأوضح الوزير أن «إعداد هذه المحفظة استند إلى منهجية واضحة شملت توحيد نماذج إعداد المشروعات، وتجميع وتحليل الأولويات القطاعية، واستكمال البيانات الفنية، وترتيب المشروعات وفقاً للأولويات الاستراتيجية، مع مراعاة توافقها مع محاور (منظومة المياه 2.0) وعلى رأسها التحول الرقمي، والإدارة الذكية للمياه، والبنية التحتية المرنة، وتعزيز الدورَين الإقليمي والدولي لمصر في مجال المياه».

وتضع مصر «خطة قومية لإدارة الموارد المائية 2037» وتُنفَّذ باستثمارات تتجاوز 50 مليار دولار، وتهدف إلى «ترشيد استهلاك المياه، وتحسين كفاءة الري، وإنشاء محطات معالجة إعادة استخدام المياه في استصلاح ملايين الأفدنة الزراعية، وكذا التوسُّع في محطات تحلية المياه».

يأتي هذا بينما تواجه مصر خلافاً مع إثيوبيا؛ بسبب النزاع الممتد حول «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، وتخشى القاهرة من أن يؤثر على حصتها المائية.

جانب من لقاء وزير الموارد المائية والري المصري السبت مع شركاء التنمية الدوليين (وزارة الموارد المائية والري)

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء»، السبت، استعرض الوزير سويلم رؤية وزارته لتطوير آلية عمل «مجموعة شركاء التنمية لقطاع المياه»، بحيث تتحول إلى منصة تنسيقية فاعلة قائمة على النتائج، من خلال عقد اجتماعات دورية، مع استمرار التنسيق الفني بين مختلف الأطراف خلال الفترات البينية، بما يضمن المتابعة المستمرة ودفع معدلات التنفيذ.

وأشار الوزير إلى أنَّ «الآلية الجديدة تستهدف تحقيق التوافق بين أولويات الحكومة المصرية وبرامج ومساهمات شركاء التنمية، بما يربط الاحتياجات الفعلية للقطاع بأدوات التمويل والدعم الفني المتاحة، ويعزِّز التكامل بين المشروعات والبرامج الجاري تنفيذها، ويتجنب التداخل أو الازدواجية، مع الإسراع في التعامل مع أي تحديات أو معوقات تنفيذية من خلال الحوار والتنسيق المشترك».

وتشكو القاهرة من تحديات مائية، حيث يبلغ عجز المياه نحو 55 في المائة، وتعتمد على نهر النيل مصدراً رئيسياً للمياه بنسبة 98 في المائة، وبحصة سنوية مقدارها 55.5 مليار متر مكعب، وفقاً لبيانات حكومية.

ممثلو «شركاء التنمية» تحدثوا السبت عن مشروعات وزارة الموارد المائية والري المصرية ذات الأولوية (وزارة الموارد المائية والري)

وتحدَّث ممثلو «شركاء التنمية»، السبت، عن أن «قيام وزارة الموارد المائية والري بإعداد قائمة واضحة بالمشروعات ذات الأولوية يمثل خطوة مهمة»، حيث تتيح هذه المحفظة لشركاء التنمية رؤية أكثر وضوحاً لاحتياجات قطاع المياه، وتُمكِّنهم من اختيار المشروعات والبرامج التي يمكن تقديم الدعم التمويلي أو الفني لها بصورة أكثر تنظيماً وفاعلية.

وأكدوا أن «ربط هذه المشروعات بمحاور (الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0) وبما يخدم أهداف التنمية المستدامة والالتزامات المناخية، يعكس رؤية متكاملة لوزارة الموارد المائية والري، ويسهم في تعزيز الترابط بين أولويات الدولة المصرية وأجندات التنمية الدولية، بما يسهّل عمل الجهات المانحة في توجيه دعمها نحو المشروعات الأكثر أولوية».


الاعتداء على أطباء بمصر... وقائع متكررة تجدد أزمات «إجراءات التأمين»

مسؤولون في وزارة الصحة يتفقدون أحد مستشفيات صعيد مصر الأسبوع الماضي (وزارة الصحة المصرية)
مسؤولون في وزارة الصحة يتفقدون أحد مستشفيات صعيد مصر الأسبوع الماضي (وزارة الصحة المصرية)
TT

الاعتداء على أطباء بمصر... وقائع متكررة تجدد أزمات «إجراءات التأمين»

مسؤولون في وزارة الصحة يتفقدون أحد مستشفيات صعيد مصر الأسبوع الماضي (وزارة الصحة المصرية)
مسؤولون في وزارة الصحة يتفقدون أحد مستشفيات صعيد مصر الأسبوع الماضي (وزارة الصحة المصرية)

جددت وقائع اعتداءات متكررة على أطباء في مصر، الحديث عن أزمات «إجراءات التأمين» وسط مطالبات بـ«تغليظ العقوبات ضد مرتكبيها»، وذلك على خلفية حادثة جديدة داخل مستشفى حكومي.

وكانت «طبيبة امتياز» تدعى مي أحمد قد استغاثت عبر حسابها على «فيسبوك»، الخميس الماضي، قائلة إنها «محتجزة داخل غرفة الأطباء بمستشفى أبو الريش الياباني في القاهرة، وتتعرض لتهديدات ومحاولات اقتحام الغرفة من قبل عدد من الأشخاص».

وتفاعلت السلطات مع الاستغاثة، وأكدت وزارة الداخلية -عبر صفحتها على «فيسبوك»- الجمعة، أنها سعت لكشف ملابسات «منشور تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي، تضمَّن استغاثة طبيبة قامت بحجز نفسها داخل إحدى الغرف بأحد المستشفيات بمنطقة السيدة زينب بالقاهرة، عقب قيام الأمن الإداري بتهديدها بالإيذاء».

وحسب «الداخلية» تبيَّن «نشوب مشادة كلامية بين طبيبة تحت التدريب (القائمة على النشر) وإحدى الممرضات بالمستشفى ذاته، لخلافات بينهما حول إنهاء بعض الإجراءات. وحال حضور الأمن الإداري للفض بينهما، قامت الأولى بالدخول إلى إحدى الغرف وإغلاقها، ونشر المنشور المشار إليه، وأبدى الطرفان رغبتهما في التصالح».

وعلى الرغم من تأكيدات أطباء أن واقعة استغاثة الطبيبة «مجرد خلافات شخصية» مع ممرضة، وليست لها علاقة بوقائع الاعتداء على الأطباء، فإن الواقعة جددت مطالبات بحماية الأطباء، وإعادة تقييم منظومة الأمن داخل المستشفيات.

وقبل استغاثة الطبيبة بساعات، قضت محكمة مصرية برفض الاستئناف المقدم من متهم بالاعتداء على إحدى الطبيبات، وتأييد الحكم المستأنف بحبسه لمدة 6 أشهر مع النفاذ. وحسب بيان نقابة الأطباء، الخميس: «تعود تفاصيل الواقعة إلى قيام أحد الأشخاص بالاعتداء على طبيبة مقيمة بمستشفى معهد ناصر في مارس (آذار) الماضي، وسرقة هاتفها المحمول، عقب انتهاء موعد عملها».

وعقب صدور الحكم، جدد نقيب الأطباء، الدكتور أسامة عبد الحي، التأكيد على أن «تأمين المستشفيات والمرافق الملحقة بها، بما في ذلك سكن الأطباء والطواقم الطبية، يُعد التزاماً أساسياً لاستمرار تقديم الخدمة الطبية».

وشدد عبد الحي في إفادة، الخميس، على «ضرورة إعادة تقييم منظومة الأمن داخل المستشفيات الجامعية والعامة، وضمان وجود فعَّال للأمن على مدار الساعة، وتفعيل أنظمة المراقبة والاستجابة السريعة لأي طارئ، حفاظاً على سلامة الأطباء والعاملين داخل المنظومة الصحية».

وقائع اعتداء متكررة على أطباء تجدد الحديث عن أزمات إجراءات التأمين (وزارة الصحة المصرية)

المقرِّر المساعد لـ«لجنة الصحة» في «الحوار الوطني»، الدكتور محمد حسن خليل، يرى أن تكرار وقائع الاعتداء على الأطباء يرجع إلى أسباب عدة، ويعكس «عدم الرضا عن الخدمة الصحية المقدمة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عدم وعي المريض بأسباب عدم جودة الخدمة الطبيبة، يدفعه إلى توجيه غضبه إلى الطبيب؛ حيث تعاني المنظومة الصحية من مشكلات، بينها ضعف إمكانات المستشفيات الحكومية، وهجرة الأطباء بسبب تدني الرواتب».

وأقر مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) قانون «المسؤولية الطبية» الذي ينظم العلاقة بين الطبيب والمريض في مارس 2025، وسط جدل مجتمعي واسع، ورفض من نقابة الأطباء لبعض مواده.

ودخل القانون حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعدما قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال تصديقه على القانون في أبريل (نيسان) 2025 وضع مدة انتقالية لتنفيذه خلال 6 أشهر.

وينظم القانون الجديد العلاقة بين الطبيب والمريض، سواء فيما يتعلق بمسؤولية الطبيب عن المضاعفات التي قد يتعرض لها المريض، أو بالتعدي على الأطباء والمنشآت الطبية.

وألقت الأجهزة الأمنية بالجيزة، السبت، القبض على شخص، لـ«قيامه بالاعتداء على طبيب داخل أحد المستشفيات بمنطقة البدرشين» على خلفية خلاف نشب بينهما في أثناء توقيع الكشف الطبي على شقيق المتهم.

وفي مارس 2025، تعرَّض مدير عيادة النصر للتأمين الصحي بحلوان (جنوب القاهرة) لـ«اعتداء» من أحد المرضى المترددين على العيادة، بعد تدخله لفض مشادة كلامية بين المريض وموظفة الأرشيف، ما أدَّى إلى إصابته.

الأمينة العامة السابقة لنقابة الأطباء، الدكتورة منى مينا، تشير إلى أنه مع تعدد تكرار وقائع الاعتداء على الأطباء تظل هناك حاجة إلى «تغليظ العقوبات بتعديلات تشريعية». وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المواد التي تضمنها قانون (المسؤولية الطبية) لا تشدد العقوبات، وليست رادعة بشكل كافٍ، وسبق أن طالبنا باعتبار الاعتداء على الطواقم الطبية اعتداء على المجتمع، لا يجوز التصالح فيه».

مطالبات بتغليظ العقوبات بعد استغاثة طبيبة بمستشفى حكومي (وزارة الصحة المصرية)

ووفق الدكتورة منى مينا، فإنه «على الرغم من أن واقعة استغاثة الطبيبة التي أثارت جدلاً لا تقع في إطار الاعتداء على الأطباء، فإنها تثير قضية الحاجة إلى إعادة النظر في منظومة تأمين المنشآت الطبية».

وينص قانون «المسؤولية الطبية» في إحدى مواده على أنه «يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على 6 أشهر أو بغرامة لا تجاوز 10 آلاف جنيه، كل من أهان بالإشارة أو القول أو التهديد أحد مقدمي الخدمة في أثناء تأدية مهنته أو بسبب تأديتها، وتزيد العقوبة للحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تجاوز 50 ألف جنيه، لكل من أتلف عمداً شيئاً من المنشآت أو محتوياتها، أو تعدى على أحد مقدمي الخدمة»، (الدولار يساوي 52.80 جنيه في البنوك المصرية).

كما ينص على أنه «إذا حصل الإتلاف أو التعدي باستعمال أي أسلحة أو عصي أو آلات أو أدوات أخرى، تكون العقوبة الحبس الذي لا تقل مدته عن سنة».

الأمين العام لنقابة الأطباء، الدكتور أبو بكر القاضي، حذَّر من أن «الاعتداءات على الطواقم الطبية تؤدي إلى فقدان الثقة في مقدم الخدمة»، وقال في تصريحات صحافية، الجمعة، إن «الاعتداءات تتجاوز كونها اعتداء على أشخاص لتصل إلى تهديد حياة المرضى؛ حيث تتسبب هذه الوقائع في فقدان الثقة، وضياع فرص علاج المرضى؛ خصوصاً في أقسام الطوارئ»، مؤكداً أن «النقابة تطالب بضرورة تغليظ العقوبات، لتكون رادعاً لكل من يتجاوز في حق المنشآت الطبية».