نيران اشتباكات «أذرع الدبيبة» تعطّل مصفاة الزاوية النفطية

قتلى وجرحى في صفوف المدنيين... ودعوات للتحقيق

قوات تابعة للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)
قوات تابعة للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)
TT

نيران اشتباكات «أذرع الدبيبة» تعطّل مصفاة الزاوية النفطية

قوات تابعة للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)
قوات تابعة للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)

اندلعت اشتباكات مسلحة عنيفة في مدينة الزاوية (غرب ليبيا)، بين تشكيلات بعضها يتبع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، طالت مصفاة تكرير النفط، وتسببت في تضرّر عديد البنايات، وأوقعت قتلى وجرحى.

ووقعت الاشتباكات فجر الجمعة، بين عناصر تابعة لمحمد كشلاف، الملقب بـ«القصب»، ومحمد بحرون، الملقب بـ«الفار»، آمر كتيبة «الإسناد الأولى»، بمساندة تشكيلات أخرى لدعمه لكلا الطرفين، على خلفية عملية أمنية تستهدف «تطهير المدينة من المخالفين».

الدبيبة يتوسط وكيل وزارة الدفاع عبدالسلام الزوبي (إلى اليسار) ورئيس الأركان العامة صلاح النمروش أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)

وتقع الزاوية على بُعد 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، وتضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً.

ساحة حرب مفتوحة

هذا الاقتتال العنيف الذي حوّل شوارع بالزاوية إلى ساحة حرب مفتوحة، هو أحدث فصل في دوامة العنف التي تعيشها مناطق بغرب ليبيا، وتعاني من توسّع نفوذ الميليشيات.

ووسط حالة من الفوضى الأمنية بالمدينة التي تعجّ بالميليشيات المسلحة، وتعدّ بعضها «أذرعاً مسلحة» لرئيس حكومة «الوحدة»، وتصاعد الاقتتال، أعلنت شركة «الزاوية» لتكرير النفط «توقف مصفاة الزاوية عن العمل نتيجة سقوط قذائف من العيار الثقيل بمحيطها».

وعبرت الشركة ومستخدموها، الجمعة، عن «بالغ القلق والأسف والخوف، نتيجة الأحداث الأمنية التي شهدتها المنطقة المحيطة بالمجمع النفطي الذي اندلعت بالقرب منه اشتباكات مسلحة وتبادل لإطلاق النار، وتصاعدت حدته بشكل متسارع».

جانب من «مصفاة الزاوية» في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

قذائف من العيار الثقيل

أسفر الاقتتال، بحسب الشركة، عن «سقوط كثير من القذائف من العيار الثقيل في مواقع عدة داخل الشركة، ووصلت إلى مناطق التشغيل»، وقالت: «استوجب الأمر اتخاذ إجراءات عاجلة طارئة بإيقاف المصفاة بالكامل، وإخلاء الميناء من الناقلات، حفاظاً على سلامة أرواح المستخدمين والمنشآت والمحافظة على البيئة المحيطة».

وناشدت شركة «الزاوية» لتكرير النفط «الأطراف المتقاتلة كافة، ضرورة وقف إطلاق النار فوراً، كما تدعو الجهات الرسمية بالدولة بضرورة التدخل السريع، وإبعاد الصراعات المسلحة عن المناطق الحيوية، حفاظاً على سلامة العاملين وسكان المناطق المجاورة».

ولفتت إلى أن «مصفاة الزاوية يرتبط نشاطها بالصالح العام وأمن الوطن والمواطن، وأن أي تهديد لأمن وسلامة هذه المنشآت الحيوية إنما هو تهديد لمقدرات الشعب الليبي».

«القصب» و«الفار»

«القصب» مدرج على قوائم العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، أما «الفار» فسبق واتُّهم بقتل ميليشياوي آخر قبل أن تبرئه محكمة بغرب ليبيا، والاثنان مواليان للدبيبة، وعادة ما يحضران موائد الإفطار السنوي التي يعدّها الدبيبة.

الدبيبة مستقبلاً أعيان ومشايخ وقادة ميليشيات من الزاوية في رمضان الماضي (مكتب الدبيبة)

وهذه ليست المرة الأولى التي تصل فيها نيران اشتباكات الميليشيات إلى مصفاة الزاوية، فضلاً عن ملاحظة وجود تحشيدات مسلحة واسعة منذ أيام، في مناطق عدة بالزاوية من بينها الحرشة والصابرية.

ويرصد شهود عيان أن ميليشيات «الفار» بادرت بإطلاق النار على ميليشيات «سالم اللطيف»، وهي تشكيلات مسلحة أخرى تتبع «القصب» و«الكابوات» و«فرحات» تدخلت لدعم اللطيف.

واندلعت نيران في أحد المنازل بمنطقة قريبة من المصفاة، ورصد شهود عيان صعوبة وصول سيارات الإسعاف لإنقاذ جرحى، بسبب شدة إطلاق النار، وتحدثوا عن إصابة محمد الزيتوني الملقب بـ«الشلفوح»، ومقتل مواطن يُرجّح أن يكون اسمه مالك الميساوي.

وأمام تسعّر الاقتتال الذي استخدمت فيه أسلحة ثقيلة، أهاب «مركز طب الطوارئ والدعم» بالزاوية، بسكان المدينة، عدم الخروج من منازلهم إلا للضرورة القصوى، وفيما طالبهم بتوخي الحيطة والحذر، خصص رقمين للطوارئ كي يسهل على المواطنين العالقين الاستغاثة.

وتحدث محمد القرج الإعلامي الليبي، عن وجود سكان عالقين وسط إطلاق النار، متسائلاً: «أين الحكومة والمجلس الرئاسي من هذه الفوضى؟».

دورية تابعة لقوات المنطقة العسكرية بالساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)

وأعلنت مديرية أمن الزاوية و«الغرفة الأمنية المشتركة» والأجهزة الأمنية المشاركة، الجمعة، عن انطلاق عملية أمنية واسعة النطاق تستهدف أوكار المجرمين والمطلوبين والخارجين عن القانون، «وكل من تورط في أعمال تهدد الأمن العام والسلم الاجتماعي».

وتؤكد الغرفة الأمنية أن هذه العملية «تأتي ضمن خطة أمنية شاملة تهدف إلى فرض سلطة الدولة، وتجفيف منابع الجريمة، وإنهاء حالة الفوضى والانفلات الأمني»، وتوعدت بأنه «لن يكون هناك أي تهاون مع كل من يثبت تورطه في أعمال إجرامية، أو محاولات لعرقلة عمل الأجهزة الأمنية».

ودعت الغرفة المواطنين كافة إلى التعاون مع القوات الأمنية، و«الإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة أو أماكن تُستخدم أوكاراً للعناصر المطلوبة»، لافتة إلى أن «سلامة المواطنين وممتلكاتهم تمثل أولوية قصوى، وأن الإجراءات كلها ستتم وفق القانون، وتحت إشراف النيابة العامة».

وانتهت الغرفة التي يترأسها اللواء علي خليفة اللافي، محذرة «المطلوبين والخارجين عن القانون كافة من مقاومة القوات المكلفة بتنفيذ هذه العملية... كل من يسلم نفسه طواعية سيُعامل وفق الإجراءات القانونية».

قوات تابعة للمنطقة العسكرية في الساحل الغربي (المكتب الإعلامي للمنطقة)

ونفت المنطقة العسكرية بالساحل الغربي ما تم تداوله بشأن مشاركتها في العملية الأمنية التي أعلنت عنها مديرية أمن الزاوية، مؤكدة أن «مثل هذه العمليات تتطلب التريث والترتيب والتنسيق على أعلى المستويات، بما يضمن حماية المدنيين والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة».

كما تشدد المنطقة في بيان أصدرته الجمعة، على أنها «بعيدة كل البعد عن أي أعمال أو تحركات قد تُفهم على أنها تصفية حسابات، وأن موقفها ثابت في دعم الأمن والاستقرار وسيادة القانون بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن».

«حرب عبثية»

عدّ محمد قشوط الناشط السياسي الليبي، ما يحدث في الزاوية، «حرباً عبثية مدمرة تم التحشيد لها منذ أسابيع»، وقال في تصريح صحافي: «يراد للزاوية أن تعيش على هذه الحال، حتى يضمن من يصل إلى السلطة في طرابلس بقاءه واستمراره».

ومنذ مساء الخميس، نزحت عائلات عدة من مناطق التحشيد المسلح بالزاوية، خصوصاً القاطنين بمحيط المصفاة، في ظل شهود عيان يتحدثون عن سيطرة لعناصر «القصب» على بنايات مطلة على الساحات التي شهدت الاقتتال.

ورصدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، وقوع قتيلين و5 جرحى من المدنيين، جراء تساقط القذائف والرصاص العشوائي على منازلهم، مشيرة إلى أضرار مادية لحقت بالسكان المدنيين.

وحملت المؤسسة الوطنية، وزارة الداخلية ورئاسة الأركان بغرب ليبيا، المسؤولية القانونية الكاملة «حيال فشلهم في حماية أمن وسلامة السكان وممتلكاتهم، وتعريض حياتهم وسلامتهم للخطر».

كما دعت النائب العام، والمدعي العام العسكري، والمجلس الرئاسي الليبي، إلى فتح «تحقيق جاد وشامل في أسباب اندلاع العنف والاشتباكات التي تشهدها الزاوية».

وترتبط مصفاة الزاوية بحقل الشرارة النفطي الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 300 ألف برميل يومياً.


مقالات ذات صلة

المجالس الاجتماعية في ليبيا... وساطة أهلية أم بديل عن الدولة؟

شمال افريقيا فائز السراج (إلى الوسط) خلال إشهار المجلس الاجتماعي طرابلس الأسبوع الماضي (الصفحة الرسمية للمجلس)

المجالس الاجتماعية في ليبيا... وساطة أهلية أم بديل عن الدولة؟

أعاد تدشين مجلس اجتماعي بطرابلس طرح التساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه المجالس مرشحة للتحول إلى شريك فعلي في رسم مستقبل ليبيا، أم أنها انعكاس لحالة ضعف مؤسسي.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صورة عامة لحقل الشرارة النفطي في ليبيا (رويترز - أرشيفية)

اشتباكات في الزاوية الليبية... وإعلان الطوارئ في مصفاة النفط بالمدينة

قال مهندسان لوكالة «رويترز» للأنباء، الجمعة، إنه تم إعلان حالة الطوارئ في مصفاة الزاوية الليبية وسط اشتباكات قرب المنشأة.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال نظيره الجزائري عبد المجيد تبون في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

إردوغان وتبون ترأسا أول اجتماع لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» بين تركيا والجزائر

ترأس الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والجزائري عبد المجيد تبون الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي بمشاركة وزراء من البلدين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا تكالة يتوسط المنفي (إلى اليمين) والدبيبة في لقاء سابق بطرابلس (المجلس الأعلى للدولة)

تباينات بين أطراف الأزمة الليبية بشأن «مسارات الحل»

تتقاطع الرؤى المتعلقة بإنهاء الأزمة السياسية في ليبيا، في وقت اتسعت فيه الفجوة بين أفرقاء الصراع في طرابلس، تزامناً مع تحركات البعثة الأممية.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا ميلوني والدبيبة خلال مراسم الاستقبال في روما يوم 7 مايو (مكتب الدبيبة)

الدبيبة وميلوني يبحثان في روما ملفات «الهجرة» والطاقة والسجناء الليبيين

شدد عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» الليبية على أهمية تعزيز التنسيق العملياتي، ودعم قدرات بلاده في مراقبة الحدود والسواحل، ومكافحة شبكات التهريب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ماكرون إلى مصر... تعزيز الشراكة وبحث أزمات المنطقة

محادثات بين الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي بالقاهرة في أبريل 2025 (الرئاسة المصرية)
محادثات بين الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي بالقاهرة في أبريل 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

ماكرون إلى مصر... تعزيز الشراكة وبحث أزمات المنطقة

محادثات بين الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي بالقاهرة في أبريل 2025 (الرئاسة المصرية)
محادثات بين الرئيس السيسي ونظيره الفرنسي بالقاهرة في أبريل 2025 (الرئاسة المصرية)

يبدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة إلى مصر، السبت، تتضمن محادثات مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، وافتتاح المقر الجديد لجامعة «سنجور» في الإسكندرية.

ووفق خبراء، فإن افتتاح المقر الجديد للجامعة الفرنسية «يشكل نموذجاً للتعاون الثلاثي بين مصر وفرنسا مع الدول الأفريقية»، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقات الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وباريس يمكن أن تتطور إلى شراكات ناجحة مع أفريقيا».

ومن المقرر أن «يبحث السيسي وماكرون التعاون الثنائي، وتطورات الأوضاع الإقليمية، خاصة أزمات الشرق الأوسط، والتوترات الحالية في المنطقة»، حسب وكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية.

وتُوِّج التقارب بين القاهرة وباريس بإعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، العام الماضي، ما أسهم في تعزيز العلاقات الثنائية بمختلف المجالات.

وقام ماكرون بزيارة إلى القاهرة في أبريل (نيسان) من العام الماضي، شهدت محادثات مع السيسي حول عديد من الملفات الثنائية والقضايا الإقليمية، إلى جانب توقيع عدد ﻣﻦ اﺗﻔﺎﻗﻴﺎت اﻟﺘﻌﺎون اﻟﺜﻨﺎﺋﻲ، وخصوصاً الاﺗﻔﺎق على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وجامعة «سنجور» تحمل اسم الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد سنجور، وتم تأسيسها لخدمة قضايا التنمية الأفريقية عام 1989، استناداً لاتفاقية بين مصر و«المنظمة الدولية للفرنكوفونية»؛ بهدف تأهيل الكوادر الأفريقية على مستوى متميز ليكونوا رواداً للتنمية في دولهم.

مقر جامعة «سنجور» في الإسكندرية (الجامعة)

وبحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، «تشكل زيارة ماكرون لمصر ومشاركته مع السيسي في افتتاح المقر الجديد لجامعة (سنجور)، نموذجاً للشراكة الثلاثية بين القاهرة وباريس ودول أفريقيا».

ويقول إن «الشراكة الاستراتيجية بين مصر وفرنسا تشكل نقطة انطلاق لشراكات مع دول أفريقيا، خصوصاً في مجال بناء القدرات والتنمية الاقتصادية». ويضيف: «يعكس حضور ماكرون مستوى التطور في العلاقات الثنائية بين القاهرة وباريس»، ويوضح أن «هناك تعاوناً ثقافياً وتعليمياً بين البلدين».

وتضم «سنجور» أربعة أقسام رئيسية، هي: الثقافة، والبيئة، والإدارة، والصحة، وتشمل ثمانية تخصصات مرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، من بينها: «إدارة التراث الثقافي، وإدارة المؤسسات الثقافية، والمحميات الطبيعية والتنوع البيولوجي، والحوكمة وإدارة المنشآت العامة، وإدارة المشاريع، والصحة العامة».

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أن «الجامعة تشكل إحدى أدوات القوى الناعمة للتعاون المصري - الفرنسي في الساحة الأفريقية»، ويشير إلى أنها «تشكل منصة مهمة في بناء القدرات والكوادر الأفريقية بمختلف التخصصات».

وتشكل زيارة ماكرون محطة جديدة في مسار الشراكة بين القاهرة وباريس بتدشين المقر الجديد لجامعة «سنجور» التابعة لـ«المنظمة الدولية للفرنكوفونية»، والذي خصصته الحكومة المصرية دعماً لتأهيل الكوادر الأفريقية.

طلاب وطالبات في جامعة «سنجور» بالإسكندرية (الجامعة)

وساهمت مصر في تطوير جامعة «سنجور»، مع الجانب الفرنسي، بتخصيص مقر جديد لها وإعادة صياغة دورها التعليمي والتأهيلي، بحسب رئيس «جمعية المصريين الأفارقة»، يسري الشرقاوي، ويقول إن «الحكومة المصرية تعوّل على هذه الجامعة لتعزيز القدرات البشرية الأفريقية لا سيما للطلاب الدارسين باللغة الفرنسية». ويشير إلى أن «غالبية الدارسين في الجامعة من الكوادر التنفيذية في الدول الأفريقية، ويأتي دور الجامعة لصقل قدراتهم في مجال الإدارة والتنمية البشرية والإدارية».

ويعتقد رئيس «جمعية المصريين الأفارقة» أن «الاهتمام المصري بتعليم وتدريب الكوادر الأفريقية يحقق مكاسب اقتصادية، من بينها دعم ونشر المنتجات المصرية في الأسواق الأفريقية».


دعم مالي جديد لمصر لتخفيف تداعيات «حرب إيران»

خلال استقبال الرئيس المصري رئيس مجموعة البنك الدولي في مارس 2026 (الرئاسة المصرية)
خلال استقبال الرئيس المصري رئيس مجموعة البنك الدولي في مارس 2026 (الرئاسة المصرية)
TT

دعم مالي جديد لمصر لتخفيف تداعيات «حرب إيران»

خلال استقبال الرئيس المصري رئيس مجموعة البنك الدولي في مارس 2026 (الرئاسة المصرية)
خلال استقبال الرئيس المصري رئيس مجموعة البنك الدولي في مارس 2026 (الرئاسة المصرية)

يعزِّز دعم مالي جديد من البنك الدولي إلى مصر، الجمعة، بقيمة مليار دولار (نحو 53 مليار جنيه)، صمود الاقتصاد المصري في مواجهة تداعيات الحرب الإيرانية، التي تسبَّبت في ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وأدت إلى تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، في وقت تطمح فيه الحكومة المصرية للحصول على مزيد من الدعم، خصوصاً من الاتحاد الأوربي؛ لمساعدتها في تجاوز هذه المرحلة.

وتأثر الاقتصاد المصري بالحرب الإيرانية، بينما كان في مرحلة يحاول فيها التعافي من آثار أزمة اقتصادية ممتدة، إذ ارتفعت أسعار السلع والخدمات بمجرد رفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 و30 في المائة، وهو القرار الذي اتخذته الحكومة بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب، كما ازدادت مؤشرات التضخم، وتراجعت مؤشرات نمو الاقتصاد الكلي.

ووافقت مجموعة البنك الدولي، الجمعة، على منح مصر تمويلاً بقيمة مليار دولار؛ لـ«تعزيز خلق فرص العمل بقيادة القطاع الخاص، ودعم الاقتصاد الكلي والمالية العامة، وتسريع التحوُّل نحو الاقتصاد الأخضر»، وفق بيان للبنك الدولي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال استقباله كايا كالاس بالقاهرة في يناير الماضي (الخارجية المصرية)

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قد استقبل رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، في مطلع مارس (آذار) الماضي، مستعرضاً جهود بلاده لتعزيز أداء الاقتصاد في مواجهة الأزمات الدولية والإقليمية، ومعبِّراً عن تطلع مصر لمواصلة التعاون الإنمائي المثمر مع البنك الدولي في مختلف المجالات التي تستهدف دعم جهود الدولة للارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين.

قيمة مصر الجيوسياسية

وثمَّن خبراء هذا الدعم وتوقيته، وعدّه الكاتب الاقتصادي والباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، انعكاساً لقيمة مصر الجيوسياسية الكبيرة، والتي تدفع الجهات المانحة إلى دعمها في ظلِّ أزمة يعاني منها العالم أجمع، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ «صمود مصر في مواجهة أزمات الاقتصاد أمر مهم لتحقيق توازن إقليمي، خصوصاً أنَّ القاهرة تتحكَّم في شريان اقتصادي عالمي مثل قناة السويس».

ويعدُّ التمويل الأخير من نوعية «القروض الميسرة بفوائد ضئيلة للغاية، قد يُسدُّ على مدار 20 أو 30 عاماً» حسب عبد النبي، وهو ما لم يُشير إليه البيان الأخير الذي نوه إلى أنَّ التمويل «يشمل ضماناً ائتمانياً بقيمة 200 مليون دولار مقدماً من المملكة المتحدة». ولفت الباحث في أسواق المال، إلى الدور الذي تلعبه دول الخليج في دعم مصر للحصول على هذا الدعم وغيره.

وكانت مصر قد طلبت من الاتحاد الأوروبي، تسريع حصولها على الشريحة الثانية من حزمة الدعم الكلي لتحصل عليها منتصف العام الحالي، بدلاً من نهايته؛ لمساعدتها في احتواء تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك خلال اتصالين أجراهما وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في مارس الماضي. وتبلغ قيمة هذه الشريحة 4 مليارات دولار.

حزمة أوروبية

وتعود حزمة المساعدات الأوربية إلى عام 2024، حين أعلن «الاتحاد» عن تمويل لمصر بقيمة 7.4 مليار يورو، تتضمَّن 5 مليارات يورو في صورة قروض ميسّرة، حيث حصلت مصر بالفعل على الشريحة الأولى البالغة مليار يورو في يناير (كانون الثاني) من عام 2025، وتشمل الحزمة الأوروبية أيضاً استثمارات ومنحاً.

مصر تحاول احتواء تداعيات الحرب الإيرانية على اقتصادها (الشرق الأوسط)

وقلّل مراقبون من فرص تقديم موعد صرف الشريحة الثانية من الدعم الأوروبي، خصوصاً أن الاتفاقية الخاصة بالدعم الأوروبي تشترط الرجوع إلى تقرير صندوق النقد الدولي بشأن مصر، ومدى التزامها ببرنامج الإصلاح الاقتصادي.

ومن المنتظر أن يجري الصندوق مراجعةً جديدةً خلال الأيام المقبلة، قبل صرف الشريحتين السابعة والثامنة من القرض، لكن مراقبين يرون أن «عدم التزام القاهرة بعدد من مطالب الصندوق، من بينها التخارج من بعض الأنشطة الاقتصادية وطرح شركات في البورصة، لا يبشِّر بأن تكون نتائج المراجعة إيجابية».

وسبق وحرَّرت مصر قيمة الجنيه أمام الدولار، وقلصت دعم المحروقات، في إطار شروط صندوق النقد الدولي، ضمن خطة الإصلاح الاقتصادي، وتتضمَّن الخطة أيضاً تحويل الدعم العيني إلى نقدي، وطرح شركات القطاع العام والهيئات الخاصة في البورصة.

وفي ذلك الإطار، يرى اقتصاديون أهمية الدعم الأخير من البنك الدولي لما سيحقِّقه من دعم للجنيه أمام الدولار، حتى لو كان في شكل دعم المجال البيئي أو التوظيف بقيادة القطاع الخاص.

ومن شأن دعم المجال البيئي والتحوُّل للطاقة النظيفة أن يُقلل فاتورة الطاقة التي سترتفع على مصر بشكل كبير مع وصول برميل النفط عالمياً لـ100 دولار أو أكثر، في حين أنَّه مُسعر في الموازنة على 75 دولاراً.


استضافة قناة السويس قمة «السياحة العالمية» لتعزيز حركة الملاحة

السفينة السياحية التي استضافت «قمة قادة السفر والسياحة» الخميس (هيئة قناة السويس)
السفينة السياحية التي استضافت «قمة قادة السفر والسياحة» الخميس (هيئة قناة السويس)
TT

استضافة قناة السويس قمة «السياحة العالمية» لتعزيز حركة الملاحة

السفينة السياحية التي استضافت «قمة قادة السفر والسياحة» الخميس (هيئة قناة السويس)
السفينة السياحية التي استضافت «قمة قادة السفر والسياحة» الخميس (هيئة قناة السويس)

تعزز استضافة هيئة قناة السويس المصرية «قمة قادة المجلس العالمي للسفر والسياحة» حركة الملاحة، في ظل تراجع العائدات بسبب تداعيات الحرب الإيرانية. وقال خبراء لـ«الشرق الأوسط» إن «الفعالية سيكون لها تأثيرات دولية وملاحية خلال الفترة المقبلة»، لكنهم «رهنوا تعافي الملاحة بانتهاء الحرب في المنطقة».

وبحسب رئيس الهيئة الفريق أسامة ربيع، فإن «استضافة القمة تبرهن على الثقة المتزايدة في قدرة القناة وجاهزيتها على استقبال أنواع السفن السياحية كافة». وتحدث عن «جهود الهيئة خلال السنوات الأخيرة في استحداث حزمة من الخدمات الرامية إلى تلبية احتياجات ومتطلبات السفن العابرة، فضلاً عن مواصلة مشروعات تطوير المجرى الملاحي، وانتهاج سياسات تسويقية مرنة لجذب سفن الركاب السياحية للعبور عبر القناة والتوقف في الموانئ المصرية».

وأفادت هيئة قناة السويس في يناير (كانون الثاني) الماضي بأن إحصاءات الملاحة في المجرى المائي «شهدت تحسناً ملموساً خلال النصف الأول من العام المالي 2025-2026». وسجّلت إيرادات القناة في عام 2024 تراجعاً حاداً بلغت نسبته 61 في المائة، لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023.

جانب من السفينة السياحية «Crystal Serenity» الخميس (هيئة قناة السويس)

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، الاثنين الماضي، إن «مصر فقدت نحو عشرة مليارات دولار من عائدات قناة السويس، نتيجة الاعتداءات على السفن في مضيق باب المندب بسبب الحرب في قطاع غزة».

وعبرت القناة، الخميس، السفينة السياحية «Crystal Serenity» التي استضافت على متنها «قمة قادة السفر والسياحة» بمشاركة 270 من كبار رؤساء وممثلي شركات السياحة والسفر العالمية.

وأوضح ربيع في إفادة، مساء الخميس، أن «اختيار قناة السويس كمحطة رئيسية ضمن رحلة قادة (المجلس العالمي للسفر والسياحة)، رسالة واضحة بتنامي أهمية القناة في دعم حركة السفر والسياحة العالمية، فضلاً عن دورها الرئيسي في دعم مجتمع التجارة الدولي وتأمين سلاسل الإمداد العالمية».

أيضاً أكد رئيس مجلس إدارة «المجلس العالمي للسفر والسياحة»، مانفريدي ليفيبفر دوفيديو، مساء الخميس، أن «القناة تحظى بأهمية كبرى كممر حيوي عالمي يربط بين أوروبا وآسيا، فضلاً عن كونها مشروعاً هندسياً عبقرياً».

ويرى الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية، اللواء عصام الدين بدوي، أن «استضافة قناة السويس للقمة ومثل هذه الفعاليات، تعزز حركة الملاحة، وسيكون لها تأثيرات في الوسط الملاحي الفترة المقبلة».

ويشير إلى أن «الاستضافة تعطي انطباعاً للشركات بشأن أمان الملاحة في القناة، والخدمات اللوجستية التي تقدم مثل التزود بالوقود والإصلاح والإسعاف والإنقاذ البحري». ويلفت إلى أن «هذه الخدمات تمنح قيمة مضافة لعبور السفن في القناة».

طاقم السفينة السياحية «Crystal Serenity» (هيئة قناة السويس)

كما لفت كابتن السفينة، الربان بيرجير جي فورلاند، إلى أن «هيئة قناة السويس لا تدخر جهداً للارتقاء بخدمات العبور المقدمة للسفن العابرة، وضمان العبور الآمن بتعيين مرشدين ذوي خبرة وكفاءة، بما يمكنهم من التعاون لتحقيق هدف واحد ورئيسي، وهو العبور الآمن».

وجدير بالذكر أن طول السفينة السياحية «Crystal Serenity» يبلغ 250 متراً، وعرضها 34 متراً، وترفع علم جزر البهاما.

وعدّ أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق والمؤسس لكلية النقل الدولي، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن استضافة القمة «تشجع السفن السياحية للمرور من القناة وتعزز الملاحة». ويوضح أن «هذا النشاط يشير إلى أهمية القناة كممر دولي، ويُحفز السفن الأخرى والتجارية على المرور».

وكان السيسي قد أكد خلال لقاء وفد مجلس إدارة «المجلس العالمي للسفر والسياحة»، الأربعاء، في القاهرة، حرص بلاده على «مواصلة تطوير قطاع السياحة للوصول إلى هدف استقبال 30 مليون سائح سنوياً».

وأعلنت مصر، الثلاثاء، تحقيق نمو شهري في مجال السياحة بنسبة 20 في المائة منذ بداية العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي 2025.

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقاء وفد «المجلس العالمي للسفر والسياحة» الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وبحسب رئيس هيئة قناة السويس، مساء الخميس، فإن «القناة قطعت شوطاً كبيراً نحو تطوير الأصول المخصصة للأنشطة السياحية لتعزيز مكانتها كمركز محوري للسياحة البحرية والخدمات اللوجستية». كما قال في تصريحات منتصف أبريل (نيسان) الماضي إن «التحديات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة تتطلّب تضافر الجهود كافّة، وتوحيد الرؤى، والعمل المشترك، لضمان استدامة سلاسل الإمداد العالمية».

وأوضح أن «القناة تأثرت سلباً من التحديات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب». لكنه قال إن «الهيئة لم تتوانَ رغم ذلك عن وضع مصالح عملائها في صدارة أولوياتها، عبر تثبيت رسوم عبور السفن، وتبني سياسات تسويقية مرنة لتحقيق التوازن المطلوب للعملاء في ظل متغيرات السوق، وارتفاع أسعار نوالين الشحن».

السفينة السياحية «Crystal Serenity» التي استضافت على متنها «قمة قادة السفر والسياحة» الخميس (هيئة قناة السويس)

وكانت مصر تأمل انتعاش عائدات القناة خلال 2026؛ إذ عادت شركات كبرى لاستخدام طريق قناة السويس المختصر بين آسيا وأوروبا، بعدما تجنّبته بشكل كبير منذ أواخر 2023، غير أن الآمال تراجعت بعد اندلاع «الحرب الإيرانية».

ورهن الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية «عودة الملاحة في القناة إلى طبيعتها باستقرار الأوضاع بالمنطقة». لكنه أشار إلى أن «التعافي يحتاج لمدة لا تقل عن 6 أشهر بعد انتهاء الحرب وحدوث الاستقرار».

في حين قال أستاذ الاقتصاد إن «المجرى الملاحي في القناة آمن، لكن الأزمة في استمرار التوترات الجيوسياسية بالمنطقة، وعدم وصول السفن إلى قناة السويس».