الجزائر: استنفار حزبي مبكر لخوض الاستحقاقات التشريعية

سلطة الانتخابات تفرض «الفلترة» القانونية على المترشحين للاقتراع المقبل

اجتماع قيادة حركة «مجتمع السلم» الإسلامية في إطار الاستعدادات للانتخابات (إعلام حزبي)
اجتماع قيادة حركة «مجتمع السلم» الإسلامية في إطار الاستعدادات للانتخابات (إعلام حزبي)
TT

الجزائر: استنفار حزبي مبكر لخوض الاستحقاقات التشريعية

اجتماع قيادة حركة «مجتمع السلم» الإسلامية في إطار الاستعدادات للانتخابات (إعلام حزبي)
اجتماع قيادة حركة «مجتمع السلم» الإسلامية في إطار الاستعدادات للانتخابات (إعلام حزبي)

شهدت الساحة السياسية في الجزائر، نهاية الأسبوع الحالي، حراكاً حزبياً لافتاً يعكس حالة الاستنفار المبكر استعداداً للاستحقاقات التشريعية، المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل، حيث سارعت غالبية القوى السياسية إلى فتح قوائم الترشح أمام دماء ونخب جديدة، خصوصاً من طرف الأحزاب التي أكدت عودتها إلى المعترك الانتخابي، بعد فترة طويلة من المقاطعة والغياب.

أمين عام «جبهة التحرير الوطني» في اجتماع مع كوادر الحزب استعداداً للانتخابات (إعلام حزبي)

وفي غمار التنافس على الريادة البرلمانية، يقود حزب «جبهة التحرير الوطني» تحركات واسعة لاستقطاب مناضلين جدد، في مسعى يهدف إلى القطيعة مع ترسبات المراحل السابقة، التي طارد فيها الحزب اتهامات تتعلق بشرعية نتائج الانتخابات البرلمانية لسنة 2021، غير أن هذا التوجه يواجه تحديات داخلية معقدة في ظل معارضة شديدة، تقودها كوادر داخل الحزب رافعين شعارات «التغيير الجذري».

وأطلق الأمين العام للحزب الواحد سابقاً، عبد الكريم بن مبارك، «اللجنة الوطنية المكلّفة باستراتيجية الانتخابات التشريعية»، ضمت وزراء سابقين، من بينهم وزير العدل رشيد طبي ووزير السكن عبد القادر بونكراف، وبرلمانيين سابقين تم تكليفهم بـ«لجان متخصصة» (تنظيمية، إعلامية، وقانونية)، مع إطلاق منصة رقمية لإيداع الترشيحات «ضماناً للشفافية»، حسب بن مبارك، الذي شدد على «تجند الحزب لتحقيق نتائج ريادية في استحقاق 2 يوليو».

وتفاعلاً مع هذا الحراك في الحزب، أطلقت «هيئة التنسيق الوطنية لإنقاذ جبهة التحرير» نداءً للمناضلين للتصدي لما وصفته بـ«حالة الانحلال السياسي»، وسوء التسيير القيادي. ودعت الهيئة إلى مشاركة قوية في الانتخابات عبر «قوائم ترشيح مستقلة ونزيهة» قصد مواجهة «الانتهازية السياسية، واستعادة مبادئ الحزب، بعيداً عن المصالح الضيقة والقرارات الفوقية»، في إشارة ضمناً إلى أن رئاسة الجمهورية هي من تملي على الحزب القرارات، وأن قيادته تتبناها وتنفذها.

بين طموح الإصلاح ودعوات التغيير

بدوره، كثف حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» (القوة الثانية في البرلمان بعد جبهة التحرير) تحركاته الميدانية استعداداً للسباق التشريعي، حيث يسعى الحزب تحت قيادة أمينه العام، منذر بودن، إلى تعبئة قواعده النضالية، والمراهنة على كوادر شبابية وطنية قادرة على إحداث فارق حقيقي في الاستحقاق.

ملصقة لـ«جبهة التحرير» تخص حملة استقطاب مناضلين جدد (إعلام حزبي)

وخلال لقاء تنظيمي جمعه بأطر ومناضلي الحزب في مدينة النعامة (جنوب غرب) أمس الجمعة، أكد بودن أن تشكيلته السياسية «تطمح لترك بصمة قوية في المشهد السياسي، من خلال معايير صارمة في اختيار المرشحين»، داعياً إلى «رص الصفوف لضمان تمثيل برلماني يعكس ثقل الحزب».

من جهتها، أعلنت «حركة مجتمع السلم» الإسلامية عن فتح باب الترشح للجزائريين المقيمين بالخارج للمشاركة في الانتخابات التشريعية، ضمن خطتها «إدماج الكفاءات الوطنية في التوجهات الكبرى للحزب»، حسب ما جاء في ختام اجتماع لقيادة الحزب، التي أعلنت بأن فترة إيداع الترشيحات تمتد من 08 إلى 18 أبريل (نيسان) الحالي.

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» (إعلام حزبي)

كما أعلن الأمين العام لـ«حركة النهضة» الإسلامية، محمد ذويبي، أمس، بالعاصمة، بمناسبة انعقاد «مجلسها الشوري»، أن حزبه سيخوض الانتخابات التشريعية، بهدف «تعزيز المسار السياسي، وترسيخ قواعد المشاركة والمنافسة المسؤولة».

وشدد ذويبي على «اعتماد موقف سياسي واضح، ورؤية دقيقة تتماشى مع الاستحقاقات المقبلة»، مشيراً إلى أن موعد شهر يوليو المقبل «مرحلة مهمة، تأتي عقب صدور مجموعة من النصوص التشريعية المنظمة للحياة السياسية والعملية الانتخابية»، في إشارة إلى مراجعة قانوني الأحزاب والانتخابات في الأسابيع الماضية.

ووصف ذويبي الانتخابات المقبلة بأنها «فرصة لتعزيز المسار السياسي، وترسيخ مبادئ المنافسة المسؤولة، بما يساهم في بناء مؤسسات منتخبة قوية، تعكس إرادة المواطنين وتستجيب لانشغالاتهم»، داعياً أعضاء «مجلس الشورى» إلى البدء في التحضيرات اللازمة للاستحقاق الانتخابي.

اختبار «الجاهزية»

يمثل شرط جمع التوقيعات الخاصة بالترشح التحدي الأبرز، والمعركة الأولية للعديد من القوى السياسية، لا سيما تلك التي تفتقر للقواعد الانتخابية المكرسة برلمانياً أو محلياً. وهذا القيد القانوني يتجاوز كونه مجرد إجراء إداري، ليتحول ميدانياً إلى اختبار حقيقي للجاهزية، حيث يفرض على الأحزاب استنفاراً تنظيمياً واسعاً، وقدرة فائقة على استقطاب الناخبين، وإقناعهم في حيز زمني ضيق.

وحسب كوادر في الأحزاب المشاركة في الانتخابات، يمثل جمع التوقيعات «المصفاة» الأولى، التي تحدد حجم الوجود الفعلي للتشكيلات السياسية في السباق التشريعي المقبل.

أمين عام «حركة النهضة» أثناء انعقاد مجلس الشورى (إعلام حزبي)

بالتوازي مع هذا الحراك، فرضت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» واقعاً قانونياً جديداً، من خلال ضوابط صارمة لتشكيل القوائم، تهدف بالأساس إلى أخلقة العمل السياسي، عبر منع «الترحال الحزبي»، وإلزام المترشحين بالوفاء لانتماءاتهم الأصلية، إضافة إلى فرض شروط تمثيلية دقيقة، قد تشكل عقبة أمام بعض الأحزاب في استكمال ملفاتها.

وفي هذا السياق، أوضحت السلطة، في بيان، كيفية تأطير عملية اعتماد الترشحات، وفقاً لأحكام القانون العضوي المتعلق بالنظام الانتخابي، بهدف «ضمان سير العملية الانتخابية وفق القواعد المعمول بها، مع تنظيم مشاركة مختلف الفاعلين السياسيين»، مشيرةً إلى أن «المنتخبين الذين ترشحوا وفازوا تحت راية حزب سياسي يظلون محسوبين ضمن عدد المنتخبين، الذي يمتلكه ذلك الحزب في دائرتهم الانتخابية». ويعني ذلك أن هؤلاء المنتخبين يبقون مرتبطين قانونياً بحزبهم الأصلي طوال عهدتهم.

كما شددت «السلطة» على أن المنتخبين الراغبين في الترشح للاستحقاقات المقبلة «مُلزمون بالترشح حصرياً باسم الحزب، الذي انتُخبوا باسمه»، وذكّرت بشروط التمثيل المطلوبة لتقديم القوائم، حيث يمكن للأحزاب التي حصلت على 4 في المائة على الأقل من الأصوات، المعبر عنها في دائرة انتخابية معينة، تقديم مترشحين فيها.

وفي حال عدم استيفاء هذا الشرط، يمكن اللجوء إلى آليات أخرى ينص عليها القانون الانتخابي لاعتماد القوائم. كما يجب أن تستوفي جميع القوائم الشروط القانونية المتعلقة بتقديمها وتشكيلها، ما يفرض على الأحزاب والمترشحين المستقلين بذل جهود كبيرة في التحضير والتعبئة.

وبرزت في هذا الإطار مرونة قانونية استثنائية تتعلق بالإعفاء الجزئي من نسبة تمثيل النساء، المقدرة بـ30 في المائة وفق شروط محددة، وهو ما يعكس استمرار التحديات الميدانية، التي تواجه القوى السياسية في إدماج المرأة فعلياً ضمن المواقع القيادية والمنافسة في القوائم الانتخابية.


مقالات ذات صلة

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أعضاء لجنة الذاكرة خلال اجتماع لهم بالرئيس تبون نهاية 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«قانون استرجاع الممتلكات الثقافية» الفرنسي يعمق «أزمة الذاكرة» مع الجزائر

يرى مراقبون أن أي تقارب محتمل بين الجزائر وفرنسا بات بعيد المنال في ظل التعقيدات القانونية التي استحدثها البرلمان الفرنسي بخصوص «ملف استرداد الممتلكات الثقافية»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)

البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

أكد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، خلال لقائه نزلاء «دار المسنين» في عنابة، أن «رسالة السماء تنحاز دوماً إلى المستضعفين».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً بابا الفاتيكان بالمطار (الرئاسة الجزائرية) p-circle 00:51

في مستهل زيارة تاريخية للجزائر... بابا الفاتيكان ينشر رسالة سلام

انطلاقاً من الجزائر، بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، يوم الاثنين، جولة أفريقية تشمل أربع دول، وتهدف إلى تعزيز حوار الأديان، وقيم التسامح، والتعايش الديني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.