التعليم المصري يدخل «مفرزة» سوق العمل

بعد توجيهات رئاسية بإلغاء تخصصات «غير ضرورية»

المجلس الأعلى للجامعات في مصر يشكل لجنة لتنقيح التخصصات الجامعية (وزارة التعليم العالي)
المجلس الأعلى للجامعات في مصر يشكل لجنة لتنقيح التخصصات الجامعية (وزارة التعليم العالي)
TT

التعليم المصري يدخل «مفرزة» سوق العمل

المجلس الأعلى للجامعات في مصر يشكل لجنة لتنقيح التخصصات الجامعية (وزارة التعليم العالي)
المجلس الأعلى للجامعات في مصر يشكل لجنة لتنقيح التخصصات الجامعية (وزارة التعليم العالي)

تحولت توجيهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتنقيح التخصصات الجامعية وإلغاء «غير الضرورية» منها إلى خطوات تنفيذية مع تشكيل لجنة عليا «لمراجعة البرامج والتخصصات الدراسية القائمة، وتقييم مدى توافقها مع احتياجات سوق العمل محلياً وإقليمياً ودولياً».

وتؤشر هذه الخطوة وفق خبراء في مجال التعليم، إلى أن «سوق العمل» سيكون أكثر تحكماً في التخصصات الجامعية المتاحة، ويبرهن ذلك على أن التعليم المصري دخل في مرحلة جديدة يمكن خلالها التركيز على برامج دراسية وزيادة عددها والسماح بقبول أعداد كبيرة من الطلاب بها على حساب أخرى من الممكن أن تأخذ في التراجع.

وأنعش الرئيس عبد الفتاح السيسي جهات تربوية عديدة ثمنت الدعوة لإعادة النظر في تخصصات لا تتماشى مع سوق العمل، وكانت تكليفاته خلال حفل إفطار «الأكاديمية العسكرية» قبل أسبوع تقريباً، دافعاً نحو عقد «المجلس الأعلى للجامعات» (مجلس حكومي) اجتماعاً طارئاً، الجمعة، لمناقشة آليات ربط البرامج الدراسية بسوق العمل.

ووجه السيسي دعوة لمسؤولي التعليم، «لاتخاذ قرارات بشأن التخصصات الجامعية التي لا يجد خريجوها فرصاً في سوق العمل»، وطالب بإلغاء برامج «غير ضرورية» وعدّ الطلاب الملتحقين بتلك التخصصات «يضيعون 4 سنوات من أعمارهم في التعليم دون مستقبل في سوق العمل».

وأكد وزير التعليم العالي المصري، عبد العزيز قنصوة، أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات تنفيذية واضحة لملف ربط البرامج الدراسية بسوق العمل، مشيراً إلى ضرورة إعداد دراسة شاملة لخريطة سوق العمل على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، بالتعاون مع الجهات المعنية.

وأوضح الوزير، خلال اجتماع «المجلس الأعلى للجامعات»، أن الهدف من هذه الخطوة هو تحديد التخصصات الأكثر طلباً في سوق العمل، والعمل على تطوير البرامج الدراسية الحالية، واستحداث برامج جديدة تتواكب مع التطورات الحديثة في مختلف المجالات، وطالب بالانتهاء من الدراسات المطلوبة خلال فترة لا تتجاوز 3 أشهر، تمهيداً لاتخاذ قرارات تنفيذية بشأن تحديث اللوائح الدراسية في الجامعات.

وتضمنت قرارات «مجلس الجامعات» المصري تشكيل لجنة عليا يترأسها وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق السيد عبد الخالق وعضوية عدد من كبار الخبراء في التخصصات العلمية المختلفة، لمراجعة البرامج والتخصصات الدراسية القائمة، وتقييم مدى توافقها مع احتياجات سوق العمل، وتحليل مؤشرات توظيف خريجي الجامعات وتحديد الفجوات بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.

وستكون مهمة اللجنة أيضاً، اقتراح تطوير وتحديث اللوائح والبرامج الدراسية بما يتواكب مع التطورات التكنولوجية والاقتصادية ودراسة استحداث برامج وتخصصات جديدة، ووضع مقترحات بإعادة هيكلة أو دمج البرامج والتخصصات التي لم تعد تلبي احتياجات سوق العمل.

تخصصات جامعية في طريقها لتلقيص أعداد قبول الطلاب لعدم ملاءمتها سوق العمل (وزارة التعليم العالي)

وزير التربية والتعليم المصري الأسبق محب الرافعي، أوضح، أن ربط التخصصات الدراسية بسوق العمل يتطلب أولاً التعرف على احتياجات السوق المصرية من خلال رجال الأعمال والصناعة وغيرها من مجالات التوظيف على أن يمتد ذلك للتعرف على الأسواق العربية والعالمية، على أن تكون الخطوة التالية تحديد التخصصات التي تحتاج إليها تلك الأسواق.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة المشكلة أخيراً ستكون عليها مهمة تحديد مواصفات التوظيف المطلوبة في الخريج لدى أسواق العمل المحلية والعالمية، ثم وضع البرامج التي تلائم هذه المواصفات وبما يتناسب معها، وفي تلك الحالة يمكن تطوير برامج وفتح جديدة أو تقليص القبول في أخرى.

وتشير تقديرات «للمنتدى الاقتصادي العالمي» إلى أن مصر تحتل المركز الأول بين 55 دولة في الحاجة إلى إعادة تشكيل مهارات قوة العمل، حيث من المتوقع تغيير 48 في المائة من مهارات قوة العمل بها خلال الـ5 سنوات المقبلة.

ويتوقع أصحاب العمل، وفقاً للتقرير، أن يصبح النفاذ الرقمي أهم اتجاه تحويلي في جميع القطاعات، حيث يرى 60 في المائة منهم أنه سيعمل على تغيير الشروط الوظيفية والمهارات المطلوبة في أعمالهم. وتشكل مجالات الذكاء الاصطناعي، و«الروبوتكس»، وتخزين الطاقة، وتوليد الطاقة المتجددة، أهم التخصصات المطلوبة من وجهة نظرهم.

ولدى مصر 12 جامعة تكنولوجية من بين 128 جامعة، حكومية وأهلية وخاصة وأجنبية، وفقاً لإحصاءات وزارة التعليم العالي.

ويشير الرافعي، إلى أن أعداداً كبيرة من الطلاب تلتحق بالكليات النظرية مثل الآداب والتجارة والحقوق والإعلام وغيرها... والجامعات التكنولوجية التي تعمل منذ سنوات بحاجة إلى تعريف الطلاب بها وبأهميتها، بما يساهم في زيادة أعداد الملتحقين بها على حساب الكليات النظرية.

وقال أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، الدكتور عاصم حجازي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ربط التعليم بسوق العمل يأتي بوصفه ضرورة تفرضها تحديات التنمية الاقتصادية».

ويرفض حجازي «النظر لمساعي إعادة هيكلة التخصصات على أنها حرب على العلوم النظرية والقضاء عليها لصالح التعليم التطبيقي»، لكنه يشير إلى أن «هذه الإجراءات تهدف في المقام الأول لحماية التخصصات النظرية والملتحقين بها والحفاظ على مكانتها بقصر القبول في هذه التخصصات على المتميزين فيها، الذين يمكنهم تطويرها وربطها بسوق العمل ومهارات المستقبل».


مقالات ذات صلة

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

شمال افريقيا وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

أكدت وزارة الطيران المدني في بيان لها «التزامها الكامل بتطبيق أعلى معايير السلامة والأمان».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
محادثات الرئيس السيسي والشيخ تميم بالدوحة في مارس الماضي لوقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

مصر تؤكد رفض أي تهديد لأمن أو سيادة دول الخليج

أكدت مصر رفضها لأي تهديد لأمن أو سيادة دول الخليج العربي الشقيقة، باعتبار «أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية رئيس الوزراء المصري خلال تفقد موقع إنشاء محطة «الضبعة النووية» في يوليو 2025 (مجلس الوزراء المصري)

تنامي الشراكة المصرية - الروسية يثير مخاوف إسرائيلية

تضم محطة الضبعة النووية، المخططة لإنتاج 4800 ميغاواط من الطاقة الكهربائية، 4 مفاعلات نووية، تتميز بارتفاع معدلات الأمان، وانخفاض التكاليف.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

تراهن مصر على تعزيز «التصنيع العسكري المحلي» للحد من الإنفاق على التسليح، مع إعلان القاهرة عن إنتاج متنوع من مدرعات وطائرات وأنظمة دفاع جوي محلياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)

مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

تحتاط الحكومة المصرية من أزمات الإمدادات في ملف الأدوية، تجنباً لتكرار أزمة سابقة شهدتها السوق قبل عدة أعوام.

رحاب عليوة (القاهرة)

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
TT

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)

وجّه وزير الطيران المدني المصري، سامح الحفني بـ«فتح تحقيق فوري وعاجل للوقوف على أسباب وملابسات الحادث الذي تعرضت له، الجمعة، إحدى طائرات التدريب التابعة لـ(الأكاديمية المصرية لعلوم الطيران) بمطار السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة من خلال (الإدارة المركزية لحوادث الطيران التابعة لوزارة الطيران المدني».

وكلف الحفني بـ«إجراء مراجعة شاملة لكافة الإجراءات المرتبطة بالواقعة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية وإدارية في ضوء ما تسفر عنه نتائج التحقيقات»، مؤكداً «عدم التهاون في محاسبة أي مسؤوليات أو أوجه تقصير قد تثبتها التحقيقات».

وقضى طيار مصري، وأصيبت متدربة في حادث سقوط إحدى طائرات التدريب التابعة للأكاديمية المصرية لعلوم الطيران.

وتقدم الحفني، في إفادة مساء الجمعة، بـ«خالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرة الطيار الراحل»، بينما وجّه على الفور بتقديم جميع أوجه الرعاية الطبية اللازمة للمتدربة المصابة، مع المتابعة المستمرة لحالتها الصحية، وتوفير جميع سبل الدعم اللازم لها.

وأكدت وزارة الطيران المدني في بيان «التزامها الكامل بتطبيق أعلى معايير السلامة والأمان، واتخاذ الإجراءات اللازمة كافة وفقاً لما تسفر عنه نتائج التحقيقات، بما يعزز منظومة السلامة الجوية، ويضمن الحفاظ على أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية».


التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

تراهن مصر على تعزيز «التصنيع العسكري المحلي» للحد من الإنفاق على التسليح، مع إعلان القاهرة عن إنتاج متنوع من مدرعات وطائرات وأنظمة دفاع جوي محلياً، بالتوازي مع استراتيجية تنويع مصادر استيراد السلاح من الخارج، وكذلك تعدد التعاون مع دول أخرى في مجال التصنيع المشترك.

وسجلت مصر النسبة الأدنى بين الدول العربية في الإنفاق العسكري العام الماضي، بنسبة 0.61 في المائة، حسب تقرير صادر أخيراً عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

ويساعد الإنتاج المحلي للسلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية المخصصة للاستيراد من الخارج، وفقاً لخبراء عسكريين أشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «نمط الحروب الحديثة قائم على استهلاك كم كبير من الأسلحة والذخيرة، ما يفرض ضرورة توفير إمداد مستمر من التسليح»، وقالوا إن «الإنتاج المحلي يعزز من قدرات الإمداد الآمن حال اندلاع أي مواجهات».

ويتبنى الجيش المصري خطة تطوير شاملة لكل الأفرع والتخصصات في السنوات الأخيرة، من بينها تنويع مصادر التسليح الجديد، إلى جانب إبرام شراكات مع كبرى الدول في مجال التصنيع العسكري، حسب تقرير للهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

وتتحرك الحكومة بقوة لزيادة الاعتماد على الإنتاج الحربي المحلي، وفق وزير الدولة للإنتاج الحربي صلاح سليمان جمبلاط، الذي أشار إلى أن «المرحلة الحالية تعتمد على توطين أحدث التكنولوجيات الصناعية داخل مصر، بما يضمن رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق تنافسية للمنتجات المصرية»، وقال إن «خطة الإنتاج المحلي تستهدف الدخول في شراكات جديدة مع القطاع الخاص، لتقليل الفاتورة الاستيرادية ودعم الاقتصاد الوطني»، حسب إفادة للوزارة في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

ذخائر محلية الصنع في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

وأظهرت بيانات صادرة عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» (سيبري) انخفاض الإنفاق العسكري بمصر عام 2025، وأشار التقرير إلى أن «مصر سجلت النسبة الأدنى بين الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 0.61 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي».

وحسب تقرير «معهد استوكهولم»، فإن «الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2887 مليار دولار في عام 2025، مسجلاً زيادة قدرها 2.9 في المائة، مقارنة بعام 2024»، في حين تصدرت الجزائر قائمة الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 8.83 في المائة من الناتج المحلي.

وأعلنت الحكومة المصرية إنتاج أسلحة متطورة محلياً، من بينها مدرعات وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، شاركت بها في معرض «إيديكس 2025» الذي عُقد بالقاهرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن بين هذه المنتجات المدرعة «ردع 300»، وهي راجمة صواريخ موجهة متعددة الأعيرة، وتهاجم أهدافاً على مسافات حتى مدى 300 كم، إلى جانب الطائرة من دون طيار «جبار 150»، التي تتمتع بقدرات هجومية عالية.

وأثار الإعلان عن الطائرة «جبار 150» قلقاً إسرائيلياً؛ إذ أشار تقرير لمنصة «ناتسف نت» الإسرائيلية، في 8 يونيو (حزيران) الحالي، إلى أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تراقب التطور التكنولوجي في التسليح المصري، وتدرس تداعياته الاستراتيجية».

وتستهدف الحكومة المصرية تعميق الإنتاج المحلي من السلاح لتأمين إمدادات الجيش المصري، وتقليل فاتورة الإنفاق للاستيراد من الخارج، وفق الخبير العسكري المصري اللواء نصر سالم، الذي قال إن «جزءاً من خطة تنويع مصادر تسليح الجيش المصري قائمة على توطين الصناعات العسكرية محلياً».

ويرى سالم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «طبيعة الحروب الحديثة التي تستمر لفترات طويلة، تعتمد على استهلاك كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة»، مشيراً إلى أن «هذا يفرض على الجيش المصري الاستعداد لهذا النمط من الحروب بتوفير إمداد مستمر من الأسلحة، وخصوصاً أن التقديرات العسكرية تشير إلى أن إنفاق قتال يوم واحد يساوي ميزانية تسليح جيش في عام كامل»، وعادّاً أن الخيار الأفضل للدول «أن تقوم بإنتاج سلاحها».

راجمة الصواريخ «ردع 300» إحدى القطع المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

لكن سالم شدد على أن تكلفة توطين صناعة السلاح مرتفعة أيضاً، وتتطلب تكنولوجيات حديثة تتيح قدرات تنافسية مع غيرها من الأسلحة، معتبراً أن مزايا التصنيع المحلي أيضاً تتمثل في إنتاج أسلحة تلائم مسرح العمليات العسكرية، وتتماشى مع المستخدم نفسه.

ويساعد التوسع في الإنتاج المحلي من السلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية، وفق الخبير العسكري سمير راغب، الذي أشار إلى أنه «لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تحقق الاكتفاء الذاتي من التسليح؛ ذلك لأن هناك أنماطاً محددة يتم استيرادها من الدول التي تمتلك تكنولوجيات تصنيع متطورة».

ويرى راغب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «امتلاك القاهرة قدرات إنتاج محلي من السلاح يسهم في تعزيز قدرات الجيش المصري العسكرية، ويُمكّن من توفير قاعدة متطورة من الإنتاج، ما يعزز من خصوصية التسليح الخاص بالجيش المصري».


مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
TT

مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)

تحتاط الحكومة المصرية من أزمات الإمدادات في ملف الأدوية، تجنباً لتكرار أزمة سابقة شهدتها السوق قبل عدة أعوام؛ إذ وجه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، «بسرعة تسديد مستحقات شركات الأدوية لضمان التزاماتها بتوفير الحصص المقررة للجهات الحكومية»، بينما أكد رئيس هيئة الدواء الدكتور علي الغمري، «جاهزية السوق الدوائية لمواجهة أي اضطرابات في سلاسل الإمداد لمدة 3 شهور».

وسبق أن شهدت سوق الدواء المصري أزمة متشعبة خلال عامي 2022 و2023، تمثلت في نقص شديد في العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية بما في ذلك «البنج»؛ ما أثر في العديد من الخدمات، بالتزامن مع أزمة في توفير العملة الصعبة، لم تنفرج إلا بقرار تحرير سعر الصرف (التعويم) في مارس (آذار) من عام 2023، والذي قلص الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف في البنوك والسوق السوداء، وأسهم في توفير العملة الصعبة لهذا القطاع الحيوي.

وعاد القلق إلى المشهد مؤخراً، مع اندلاع الحرب الإيرانية، وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه من نحو 47 جنيهاً للدولار، إلى نحو 53 جنيهاً قبل أن يستقر حالياً عند حدود 52 جنيهاً.

غير أن مساعد محافظ البنك المركزي، محمد أبو موسي، أكد خلال مشاركته في اجتماع مدبولي مع مسؤولين عن الدواء، مساء الخميس، أن «القطاع المصرفي جاهز لتوفير العملة الصعبة لمختلف المؤسسات الحكومية، أو مؤسسات القطاع الخاص لاستيراد أي أدوية، أو مستلزمات، أو مواد خام طبية، وأنه لا يوجد أي طلبات عملة صعبة متأخرة في أي بنك لهذا القطاع».

خلال اجتماع مدبولي مع مسؤولي ملف الدواء في مصر 11 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

وثمّن المدير التنفيذي لـ«المركز المصري للحق في الدواء»، محمود فؤاد، عناية الحكومة المصرية اللافتة بملف الأدوية، منذ نحو 10 أعوام، بعدما كان الملف مقتصراً فقط على وزارة الصحة، مضيفاً: «الآن توجد هيئة مستقلة للدواء، وهيئة أخرى للشراء الموحد تتبع الحكومة، تم تأسيسهما في عام 2018، ويعملان على توفير الأدوية والعمل على توطين صناعتها».

لكنه أشار إلى أنه رغم هذه الجهود، فإن «توفر الأدوية لمرضي الأمراض المزمنة ممن يشكلون نحو من 8 إلى 10 في المائة من الشعب المصري، ما زالت تحتاج إلى مزيد من الجهود، لمواجهة أزمات الإمداد فيها والتي تظهر من وقت لآخر».

وأوضح فؤاد لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة الشراء الموحد كان لديها أزمة كبيرة في سداد مستحقات الأدوية للشركات؛ ما دفع بعض الشركات لوقف الإمدادات، وذلك خلال أزمة الدواء قبل عدة أعوام، وظهرت في ظل الفجوة الكبيرة بين تكلفة الدواء الحقيقة وسعره الجبري، مع أزمة العملة الصعبة وقتها، والحكومة تدخلت أكثر من مرة لسد الفجوة، لكن تكرارها وارد خصوصاً في أدوية الأمراض المزمنة»، لافتاً إلى أن «سوق الدواء تشهد حالياً نقصاً في أدوية (الروماتيد) و(الذئبة الحمراء) وبعض أمراض الأورام».

وأكد رئيس الوزراء المصري، حرص الدولة على المتابعة المستمرة لموقف توافر مخزون من الأدوية والمستحضرات الطبية بمختلف أنواعها، والعمل على ضمان استدامة توفيرها للمواطنين بالكميات المطلوبة، بما يدعم جهود الدولة في الارتقاء بالمنظومة الصحية، وتحقيق الأمن الدوائي، حسب بيان رسمي عقب الاجتماع أمس.

كما شدد مدبولي على «أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لمتابعة المخزون الاستراتيجي من الأدوية والخامات الدوائية، ورصد احتياجات السوق المحلية بصورة دورية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان انتظام عمليات الإنتاج والتوريد، فضلاً عن دعم جهود توطين صناعة الدواء وزيادة نسب المكون المحلي، بما يسهم في تعزيز قدرة هذا القطاع الحيوي على تلبية احتياجات المواطنين، ومواجهة مختلف التحديات والمتغيرات».

حرص مصري على عدم تكرار أزمة الأدوية (هيئة الدواء المصرية)

وتسعى مصر إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للدواء بتوطين صناعته، وتصديره إلى دول أخرى، لا سيما السوق الأفريقية. وتبلغ نسبة التصنيع المحلي من احتياجات مصر من الدواء أكثر من 75 في المائة بالقيمة المالية، وأكثر من 90 في المائة من عدد الوحدات، وفق تقرير للهيئة العامة للاستعلامات في سبتمبر (أيلول) 2025.

ويشيد فؤاد بجهود توطين صناعة الأدوية، والمزايا الكبيرة التي تمنحها مصر للمستثمرين لجذب الاستثمارات فيه، مثل الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة، وإعفاءات جمركية وغيرها، لكنه أكد أن ذلك «لا يحد من الأزمة الأساسية التي تواجه هذا القطاع والمتعلق باعتماده على خامات مستوردة بنسبة 95 في المائة، فضلاً عن زيادة التكلفة والتي حدثت مؤخراً بعد زيادة أسعار البنزين قبل شهرين»، مشدداً أن «الحل يجب ألا يكون بتحريك سعر الدواء، في ظل تحريكه مرات عدة السنوات الماضية».

واستعرض رئيس هيئة الدواء المصرية، جهود «تعزيز الأمن الدوائي»، مشيراً إلى الموافقة على المبادرة التمويلية لتأمين مخزون استراتيجي من المستحضرات الدوائية والخامات ذات الأولوية، وإتاحة تمويل دولاري لتأمين 216 مستحضراً من المستحضرات التي ليس لها مثائل، و484 مادة خام من الخامات الفعالة، كما تناول موقف الأدوية الاستراتيجية والهامة وخاماتها، مشيراً إلى أن 80 في المائة من تلك الأدوية تصل معدلات التغطية الخاصة بها إلى نحو 6 أشهر.

ورأى الخبير الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الحكومة تعمل على طمأنة سوق الدواء بشأن قدرتها على سداد المستحقات بعد سداد مستحقات الشركات الاستثمارية الأجنبية العاملة في قطاع البترول مؤخراً، مستبعداً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تتكرر أزمة الأدوية في مصر، مع استقرار الدولار نسبياً وصعوده وهبوطه في حدود بسيطة.