مؤتمر دولي في الجزائر يناقش «تجريم الاستعمار» في أفريقيا

وزراء وخبراء يبحثون على مدى يومين تحديد آليات لجبر الضرر

مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)
مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)
TT

مؤتمر دولي في الجزائر يناقش «تجريم الاستعمار» في أفريقيا

مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)
مشاركون في «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)

أفاد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، الأحد، بأن بلاده تعرضت خلال الاستعمار الفرنسي (1830 - 1962) إلى «إبادات ومجازر وحملات تهجير قسري»، تراوح عدد ضحاياها ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص، أي ما يمثل ثلث السكان آنذاك، لافتاً إلى أن صحراء الجزائر «ما زالت تحمل إلى اليوم ندوب التجارب النووية الفرنسية، التي خلّفت آثاراً مدمرة على الإنسان والبيئة».

 

وزير الخارجية أحمد عطاف في افتتاح المؤتمر الأحد (الخارجية الجزائرية)

 

وكان عطاف يتحدث بمناسبة افتتاح مؤتمر دولي حول «جرائم الاستعمار في القارة الأفريقية»، يستمر يومين في العاصمة الجزائر، ويجمع وزراء ومحامين ومؤرخين وخبراء أفارقة ومن منطقة الكاريبي، وآخرين من مختلف مناطق العالم، لإدانة جرائم الاستعمار، في محاكمة رمزية للدول الاستعمارية (فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا) التي احتلت القارة في القرنين التاسع عشر والعشرين.

«تصفية رواسب الاستعمار»

وقال عطاف إن «الوقت قد حان لتصفية رواسب الاستعمار بكل تجلياتها، كما حان وقت تصفية الاستعمار ذاته تصفية نهائية»، لافتاً إلى الصحراء وفلسطين. وأكد أن «لأفريقيا الحق في المطالبة بالاعتراف الصريح بجرائم الاستعمار، لأن الاعتراف هو أول خطوات معالجة رواسب حقبة دفعت الشعوب الأفريقية ثمناً باهظاً لها. ولأفريقيا الحق في تجريم الاستعمار تجريماً قانونياً دولياً لا لبس فيه». وأضاف: «كما جرّمت المجموعة الدولية العبودية والفصل العنصري، فقد حان الوقت لتجريم الاستعمار ذاته. ولأفريقيا الحق في التعويض العادل واستعادة الممتلكات المنهوبة، فالتعويض ليس مِنّة ولا صدقة، بل حق تكفله القوانين والأعراف الدولية».

وتابع عطاف أن «ما يجمعنا اليوم ليس مجرد شعار مرفوع، بل أمانة في أعناقنا جميعاً؛ أمانة لا بد من أدائها كاملة غير منقوصة.

 

صورة لأحد التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر عام 1961 (أرشيفية)

 

وشدد الوزير الجزائري على أن «الذاكرة الأفريقية ترفض النسيان. كيف تنسى ما خلّفه الاستعمار في الكونغو من إبادة واستعباد؟ وكيف تنسى إبادة شعب الباميليكي في الكاميرون وجرائم حرق القرى وقطع الرؤوس والتجارب بالغازات السامة؟ وكيف تنسى إبادة شعبي الهيريرو والناما في ناميبيا؟ وكيف تنسى القمع والقتل والتهجير في أنغولا وموزمبيق ومدغشقر وغيرها من ربوع أفريقيا التي طالتها يد المستعمِر الآثمة، أو بالأحرى يد (المستَدمِر) المتجبر؟».

«إحلال شعب محل شعب»

وأبرز عطاف أن «محنة الجزائر نموذج نادر في التاريخ؛ فالاستعمار الفرنسي في الجزائر لم يكن استعماراً استغلالياً، بل كان استعماراً استيطانياً كامل المعنى: استعمار أراد ضم وطنٍ إلى وطن، وإحلال شعب محل شعب، ومحو أمة بأكملها في مكوناتها ومؤسساتها وهويتها وثقافتها ودينها ولغتها. لقد كان أطول وأعنف مشروع استعماري استيطاني في التاريخ الحديث: مائة واثنان وثلاثون عاماً من الاستعمار، ومائة واثنان وثلاثون عاماً من المقاومة دون انقطاع، ومائة واثنان وثلاثون عاماً من الجرائم الاستعمارية بلا هدنة ولا رحمة».

وجاء قرار تنظيم «مؤتمر محاكمة الاستعمار» عقب مصادقة الجمعية العامة للاتحاد الأفريقي، في فبراير (شباط) الماضي، استجابة للمبادرة التي تقدّمت بها الجزائر لاحتضان مؤتمر يُعنى بتحقيق العدالة للأفارقة وللأشخاص المنحدرين من أصل أفريقي، من خلال وضع وتحديد آليات عملية وفعّالة لجبر الضرر الناجم عن الحقبة الاستعمارية.

ومعروف أن الجزائر تضع «الاعتراف بجرائم الاستعمار ودفع التعويض»، أحدَ شروط إقامة علاقات طبيعية مع فرنسا، خصوصاً ما تعلق بمخلفات التجارب النووية التي أجرتها في صحراء الجزائر بين 1962 و1966. ويُطلَق على هذا الملف «الذاكرة».

جانب من جلسات «مؤتمر جرائم الاستعمار في أفريقيا» في الجزائر الأحد (الخارجية الجزائرية)

"التحدث بصوت واحد"

ومن خلال احتضان هذا المؤتمر، الأول من نوعه في القارّة، تسعى الجزائر إلى الإسهام في تعزيز البنية الأفريقية للعدالة التاريخية، عبر توفير منصة حوار رفيعة المستوى ترمي إلى ترسيخ الاعتراف الدولي بالجرائم الاستعمارية، وتعزيز آليات ملموسة لجبر الضرر. وتتمثل أهداف مؤتمر الجزائر، حسبما جاء في الأوراق التي يبحثها الخبراء، في توحيد الموقف الأفريقي حول العدالة التاريخية والتعويضات واسترجاع الممتلكات الثقافية، وصون الذاكرة الجماعية. كما ستتناول الجلسات مختلف أبعاد الجرائم الاستعمارية: الإنسانية والثقافية والاقتصادية والبيئية والقانونية. ويرتكز النقاش على الصدمات العابرة للأجيال، ونهب وتدمير التراث الثقافي الأفريقي، واستغلال الموارد، والنماذج الاقتصادية غير العادلة الموروثة عن الاستعمار، إضافة إلى الآثار البيئية مثل التجارب النووية التي أُجريت على السكان المدنيين.

ومن المتوقَّع أيضاً أن يبحث المشاركون السبل القانونية لتعزيز تجريم الاستعمار، وإنشاء آلية أفريقية دائمة للتعويضات واسترجاع الممتلكات. ويُنتظر بالخصوص أن يعتمد المشاركون «إعلان الجزائر»، الذي سيُعرض على قمة الاتحاد الأفريقي في فبراير (شباط) 2026 لدراسته والمصادقة عليه. ومن المفترض أن تشكّل هذا الوثيقة مرجعاً قارياً بشأن الجرائم الاستعمارية والاعتراف بآثارها، ووضع استراتيجية أفريقية للعدالة وجبر الضرر.



انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
TT

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

لقي 23 مهاجراً غير نظامي مصرعهم في حادثتين منفصلتين قبالة السواحل الليبية، في مأساة جديدة تسلط الضوء على استمرار مخاطر الهجرة غير النظامية وسط البحر المتوسط.

ففي الحادثة الأولى، غرق قارب يقل مهاجرين غير نظاميين، مساء السبت، قبالة سواحل مدينة طبرق شرق البلاد. وقال الهلال الأحمر الليبي، الأحد، إنه تم إنقاذ 4 أشخاص وانتشال 6 جثامين يعتقد أنها لمهاجرين غير نظاميين، ولا يزال البحث مستمراً عن بقية المفقودين.

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

أما في الغرب الليبي، فقد أعلن مركز طب الطوارئ والدعم، التابع لوزارة الصحة بحكومة «الوحدة» المؤقتة، انتشال 17 جثماناً لمهاجرين جرفتها الأمواج إلى شواطئ مدينة زوارة والمناطق المجاورة خلال الأيام الماضية.

وأوضح المركز أنه استكمل إجراءات دفن 14 جثماناً وفق الضوابط القانونية والإنسانية، فيما نقل جثماناً واحداً إلى طرابلس بعد التعرف على هويته، وهو مهاجر من بنغلاديش، وتسليمه إلى أسرته، بينما تتواصل الإجراءات للحالتين المتبقيتين.

وأعربت السلطات الليبية عن أسفها لهذه الحوادث، مؤكدة استمرار جهود خفر السواحل والفرق الطبية في عمليات البحث والإنقاذ والتعامل مع الجثامين باحترام.

ولم تصدر وزارة الداخلية أو حكومة الوحدة بياناً رسمياً مفصلاً حتى الآن.

انتشال جثامين لمهاجرين في زوارة بغرب ليبيا (مركز الطوارئ والدعم)

وسبق ودعت منظمة الهجرة الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مراراً إلى تعزيز آليات البحث والإنقاذ في المتوسط، وتوفير طرق هجرة آمنة وقانونية، مشيرة إلى ارتفاع حاد في عدد الضحايا؛ حيث اقترب إجمالي الوفيات والمفقودين في البحر المتوسط خلال عام 2026 من ألف شخص، مع تركز معظمها في الطريق الليبي - الإيطالي.

ويُعد الطريق الليبي نحو أوروبا أحد أخطر طرق الهجرة في العالم؛ بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في ليبيا، وضعف قدرات خفر السواحل، واستغلال شبكات التهريب للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا.

وتتكرر مثل هذه الحوادث بشكل شبه يومي، مما يحول البحر المتوسط إلى «مقبرة مفتوحة»، ويثير انتقادات دولية متزايدة حول مسؤولية الدول الأوروبية وليبيا معاً في مواجهة هذه الظاهرة.

وتشير التقارير إلى أن آلاف المهاجرين يحاولون عبور المتوسط شهرياً انطلاقاً من سواحل زوارة وطبرق ومناطق أخرى، رغم المخاطر الشديدة، والتعامل القاسي أحياناً من قبل السلطات، والظروف الإنسانية الصعبة في مراكز الاحتجاز الليبية.

Your Premium trial has ended


البرهان يستقبل اللواء النور القبة المنشق من «الدعم السريع»

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

البرهان يستقبل اللواء النور القبة المنشق من «الدعم السريع»

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً الأحد اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

استقبل رئيس «مجلس السيادة» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأحد، اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع»، مرحباً بانضمامه للقوات المسلحة، وفق بيان مجلس السيادة.

وأكد البرهان، في بيان، أن الأبواب «مشرعة أمام كل من يريد إلقاء السلاح والانضمام لمسيرة البناء الوطني».

وكان اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، قد وصل، الأحد، إلى مناطق سيطرة الجيش بعد نحو أسبوع من اختفائه، إثر تداول أنباء مكثفة عن انضمامه إلى الجيش. وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً يصور القائد المنشق وهو يُلقي التحايا على أفراد يرتدون زي الجيش في منطقة لا تبدو واضحة المعالم.

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مجتمعاً الأحد مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

وقبل استقبال البرهان له، أعلن «مجلس الصحوة الثوري» وصول القائد المنشق والقوى المرافقة له بسلام إلى مواقع سيطرة الجيش.

و«مجلس الصحوة الثوري» ميليشيا قبلية يقودها مؤسس «الجنجويد» موسى هلال؛ وهو زعيم أهلي معقله الرئيسي بلدة مستريحة في ولاية شمال دارفور بغرب السودان، وكان قد أعلن من وقت باكر ولاءه للجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع».

وقال «مجلس الصحوة» في بيان، يوم الأحد، إن ثلاثة من ضباط «الصحوة» وعشرات الجنود، رافقوا الضابط المنشق من المناطق الواقعة في شمال إقليم دارفور إلى مواقع سيطرة الجيش.

ومنذ قرابة أسبوع على تداول أنباء انشقاقه، انقطعت الأخبار عنه في وقت راج فيه الحديث عن معارك عنيفة دارت في مناطق صحراوية بشمال دارفور، لقطع الطريق أمامه والقوة المرافقة له ومنعهم من الوصول إلى مناطق تقع تحت سيطرة الجيش.

وبثت منصات موالية لـ«الدعم السريع» مقاطع فيديو تزعم أنها لأسرى وسيارات قتالية تم الاستيلاء عليها بعد اشتباكات جرت مع قوات الضابط المنشق، النور القبة، في طريق فراره من دارفور.

وفي وقت سابق، أشارت مصادر عسكرية إلى أن «قوات الدعم السريع» كانت قد دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة لمحاصرة القائد المنشق للقبض عليه، بينما نفت خروجه بقوات كبيرة على متن عشرات السيارات القتالية بحسب ما تردد.

ويُرجح على نحو واسع أن انشقاق النور القبة يرتبط ارتباطاً وثيقاً باجتياح «الدعم السريع» بلدة مستريحة في فبراير (شباط) الماضي، وأفادت تقارير وقتها بأنه تم تأمين ممر آمن لخروج موسى هلال من المنطقة تحت حماية أفراد من عشيرته في «قوات الدعم السريع».

نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية في مخيم للاجئين السودانيين بشرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

يذكر أن النور القبة، ثاني قائد عسكري رفيع ينشق من «قوات الدعم السريع» بعد أبو عاقلة كيكل الذي مُنح «عفواً عاماً» من البرهان. ولاحقاً أسس كيكل ميليشيا تحت مسمى «قوات درع السودان» يتحدر غالبية مقاتليها من مجموعة سكانية واحدة يتركز ثقلها في مناطق البطانة وشرق الجزيرة بوسط السودان، وتخضع حالياً للجيش.

ويُعدّ القبة من كبار القادة العسكريين في «قوات الدعم السريع»، ويصفه البعض بأنه الثالث في الهرم القيادي العسكري، وقاد الكثير من المعارك في الخرطوم والجزيرة وكردفان إلى حصار مدينة الفاشر وسقوطها.

ويسود شعور متزايد من الاستياء في الأوساط الشعبية من استقبال الجيش للمنشقين من «قوات الدعم السريع» الذين يُتهمون بالاشتراك في المسؤولية الجنائية عن ارتكاب انتهاكات وفظائع ضد المدنيين، بينما تتواصل محاكمة المدنيين بمزاعم التعاون مع «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على ولايات الخرطوم والجزيرة.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، أعلن رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مراراً العفو العام عن كل من يلقي السلاح، وعلى وجه الخصوص من «قوات الدعم السريع».


ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
TT

ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)

في تصعيد جديد لصراع الصلاحيات في ليبيا بين رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، طلب المنفي إيقاف وزير الخارجية المُكلّف في حكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، عن العمل؛ في وقت باركت فيه الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي التوقيع على أول «ميزانية وطنية موحّدة» لهذا العام، بوصفها «نقطة تحوّل» نحو إنهاء الانقسام.

وقال المنفي في بيان أصدره، الأحد، إنه قرر «إيقاف الباعور عن مباشرة أي مهام تتعلق بالتمثيل الخارجي أو الاتصالات الدبلوماسية».

كما طلب المنفي من حكومة الدبيبة «عرض مرشح رسمي لتولي منصب وزير الخارجية وفق الأصول القانونية المقررة»، محذراً من أن «أي إجراء منفرد يؤدي إلى إرباك القنوات الدبلوماسية، وتعريض الموقف السيادي للدولة للالتباس». وأضاف أن وزارة الخارجية «حقيبة سيادية»، وأن أي تكليف أو ترتيب إداري يتعلق بها «يتطلب التشاور الإلزامي».

وتصاعدت حدة الخلافات بين المنفي والدبيبة مؤخراً بسبب محاولات التعديل الوزاري الأخير في حكومة «الوحدة»، والتي عدّها «المجلس الرئاسي» مخالِفة، لكونها «حكومة تصريف أعمال» وتتطلب تشاوراً وطنياً واسعاً، خصوصاً في الحقائب السيادية.

وسبق للمنفي و«المجلس الرئاسي»، الذي يحتفظ بصلاحيات سيادية، مثل التمثيل الخارجي والدفاع، أن حذّرا الدبيبة من أي تعديلات وزارية أحادية الجانب.

ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا التصعيد إلى تعميق الانقسام المؤسسي، وإرباك الجهود الدولية للخروج من الأزمة، خصوصاً مع استمرار وجود حكومتين موازيتين في الشرق والغرب، وتأثير ذلك على الاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد.

ولم يصدر ردّ رسمي فوري من حكومة «الوحدة» أو وزارة خارجيتها على بيان المنفي.

وكان الباعور قد زار الخميس الماضي النيجر، وبحث مع رئيس حكومتها علي الأمين العلاقات الثنائية، ونقل رسالة شفهية من الدبيبة.

في المقابل، أعلن الدبيبة «نجاح حكومته في بناء جيش منظم»، معرباً عن أمله في الوصول إلى جيش موحد بدعم من تركيا وباقي الدول الإقليمية. وقال في مقابلة تلفزيونية على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» مساء السبت: «نجحنا في تكوين جيش منظم، ونريد دعم تركيا»، وأكد السعي من خلال الجهود الدولية والمحلية لتوحيد الجيش، لافتاً إلى نجاح الحكومة أيضاً لأول مرة، منذ 13 عاماً، في إنجاز ميزانية تنموية موحدة لكل ليبيا.

ووسط تفاؤل دولي، رحّبت الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي، في بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية الأميركية مساء السبت، بتوقيع ليبيا على «ميزانية وطنية موحدة» للعام الحالي، واصفة الخطوة بأنها «نقطة تحول حاسمة» لإنهاء الانقسام الاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وأثنى بيان لحكومات السعودية ومصر وقطر والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وترکیا وبريطانيا وأميركا على «النهج البنّاء» للقادة الليبيين في الوصول إلى هذا الاتفاق الذي وُقّع الأسبوع الماضي، مؤكداً أنه سيُعزز الوحدة والاستقرار.

وعدّ البيان أن هذه الخطوة تُمثل ركيزة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القادة في شرق البلاد وغربها، كما أشاد بـ«النهج البنّاء الذي سلكته الأطراف الليبية للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للوحدة والاستقرار والازدهار».

وتعهد المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في بيان مساء السبت، بمواصلة هذه الدول، مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، دعم الجهود الليبية الرامية لتعزيز الوحدة.

وكان بولس قد أعلن عقب لقائه الدبيبة على هامش «أنطاليا الدبلوماسي» عن ترحيب بلاده بالخطوات الأخيرة نحو التكامل الاقتصادي والعسكري في ليبيا، وأكد الأهمية الاستراتيجية لخطوة التوقيع على «ميزانية وطنية موحدة»، معتبراً إياها ركيزة أساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

كما أشاد بولس بافتتاح الجانب الليبي من تدريبات «فلينتلوك» بمشاركة لافتة لقوة مشتركة تضم عناصر من القوات الخاصة لشرق وغرب ليبيا، في خطوة تعكس تقدماً ملموساً نحو العمل العسكري الموحد.

بدورها، قالت ستيفاني خوري، نائبة رئيسة البعثة الأممية، إنها أطلعت مساء السبت، في مدينة بنغازي بشرق البلاد، رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، على التقدم المحرز في «الحوار المهيكل»، خصوصاً المسار الأمني الذي يهدف إلى اقتراح أطر لتوحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، مشيرة إلى تقديرها دعم القيادة العامة لخريطة طريق الأمم المتحدة، الهادفة إلى الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات الوطنية.

اجتماع ستيفاني خوري مع خالد حفتر رئيس أركان «الجيش الوطني» (البعثة الأممية)

وأكد من جانبه، الفريق خالد، أهمية الدفع بالمسار العسكري نحو التوحيد، من خلال آليات وطنية ومهنية، مشيداً بالجهود القائمة في إطار لجان «5+5» و«3+3»، بما يُعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على أداء مهامها في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية.

كما شدد على ضرورة أن تجري جميع المسارات في إطار وطني جامع، مرحباً بدور البعثة الأممية بوصفها جهة داعمة وميسرة وفقاً لتفويضها، بما يخدم استقرار ليبيا ووحدتها. وعدّ أن تحقيق الاستقرار الأمني يُشكل أساساً لدفع عجلة الإعمار والبناء في أنحاء البلاد.