كيف ترى مصر مقترح «الميناء العائم في غزة»؟

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: مخاوف من تكريس الواقع المؤقت والإبقاء على المعابر مغلقة

شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية تعبر من معبر رفح إلى بلدة دير البلح جنوب قطاع غزة 8 مارس (إ.ب.أ)
شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية تعبر من معبر رفح إلى بلدة دير البلح جنوب قطاع غزة 8 مارس (إ.ب.أ)
TT

كيف ترى مصر مقترح «الميناء العائم في غزة»؟

شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية تعبر من معبر رفح إلى بلدة دير البلح جنوب قطاع غزة 8 مارس (إ.ب.أ)
شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية تعبر من معبر رفح إلى بلدة دير البلح جنوب قطاع غزة 8 مارس (إ.ب.أ)

أثارت تصريحات مصرية وعربية وأميركية التساؤلات بشأن موقف مصر من «الميناء العائم» الذي تعتزم الولايات المتحدة إقامته في قطاع غزة لنقل المساعدات إلى داخل القطاع، حيث عدّ محافظ شمال سيناء، محمد عبد الفضيل شوشة، الخميس، «الميناء غير مُجدٍ»، وقال بحسب ما أوردت «وكالة أنباء العالم العربي» إن «الميناء لا يمكن أن يحل محل معبر رفح الحدودي بين مصر والقطاع».

تزامن ذلك مع صدور بيان أميركي - أوروبي - عربي مشترك يؤكد أنه «لا يوجد بديل للطرق البرية عبر مصر والأردن ونقاط الدخول من إسرائيل إلى غزة لإيصال المساعدات على نطاق واسع»، حسب إفادة رسمية لوزارة الخارجية الأميركية، نقلتها وكالة الأنباء الألمانية.

وتعمل الولايات المتحدة ودول عدة على إقامة ممر مائي من قبرص إلى غزة وإنشاء ميناء عائم لنقل المساعدات الإنسانية في ظل نقص الإمدادات الذي يواجهه أهالي القطاع.

استقبال شحنات المساعدات بالعريش المصرية تمهيداً لنقلها من خلال معبر رفح إلى غزة (الهلال الأحمر المصري)

وأكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة كان لديها تحفظات على الميناء؛ لكنها لم تثرها مع الأطراف المعنية؛ لأنها مهمومة في الأساس بإنفاذ أكبر قدر من المساعدات إلى قطاع غزة».

وأوضح المصدر أن «هناك ستة معابر بين إسرائيل وقطاع غزة، لا بد من إعادة تشغيلها»، مشيراً إلى أن «التحفظ المصري منبعه مخاوف من تكريس الواقع المؤقت والإبقاء على هذه المعابر مغلقة بدلاً من إعادتها للعمل، وتعديل الاتفاقية الخاصة بتشغيلها».

وكان محافظ شمال سيناء قد أكد أن «فكرة إقامة أميركا ميناءً عائماً على سواحل غزة تعتمد على قيام سفن صغيرة بنقل المساعدات من سفن كبيرة إلى سواحل القطاع، وهذا يتطلب جهداً كبيراً ومساعدة من منظمات دولية لتوزيع المساعدات». وأضاف «حالياً لا توجد منظمات دولية تقوم بهذا الدور في قطاع غزة سوى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وهي تواجه صعوبات في القطاع».

«إنزال جوي» من القوات الجوية المصرية المساعدات على قطاع غزة (المتحدث العسكري المصري)

وقال محافظ شمال سيناء إن «مصر لم تدخر جهداً في دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر ثلاث طرق؛ من البر عبر معبر رفح، ومن البحر باستقبال سفن المساعدات الإنسانية في ميناء العريش، إضافة إلى عمليات الإسقاط الجوي التي تقوم بها مصر يومياً وبالمشاركة في تحالف دولي»، متهماً «إسرائيل بتعطيل دخول المساعدات الإنسانية»، مطالباً «أميركا بالضغط عليها لزيادة حجم دخول المساعدات عن طريق معبر رفح البري بوصفه أفضل الحلول».

وكانت هيئة البث الإسرائيلية، قد ذكرت الخميس، أن «المسؤولين في مصر يشعرون بالغضب من مشروع إقامة ميناء عائم في قطاع غزة نظراً لوجود بدائل قائمة وجاهزة للاستخدام مثل معبر رفح البري والموانئ الإسرائيلية».

ونقلت الهيئة عن مسؤول مصري تحذيره من «إنهاء عمل معبر رئيسي للمساعدات الدولية مثل معبر رفح». وعلّقت هيئة البث الإسرائيلية على الأمر، قائلة إنه «لم ينتقد كبار المسؤولين في الحكومة المصرية خطوة الميناء العائم، لكنهم لم يباركوها ولم يشاركوا فيها».

شاحنات مساعدات دخلت غزة في انتظار تفريغها على الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي مع مصر (أ.ف.ب)

رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، ضياء رشوان، قد قال في تصريحات متلفزة، مساء الثلاثاء، إن «مصر مدركة أن تقديم المساعدات الإنسانية لقطاع غزة أفضل إذا كان برياً».

وخلال الأيام الماضية بحث وزير الخارجية المصري، سامح شكري، مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن، هاتفياً، «الممر البحري الإنساني، بكونه جهداً مكمّلاً لمعبر رفح الذي سيظل المعبر الرئيسي لنقل المساعدات».

من جانبه، قال مدير إدارة إسرائيل في وزارة الخارجية المصرية، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين هريدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القضية الأهم بالنسبة لمصر، هي دخول المساعدات اللازمة لقطاع غزة بأكبر كمية ممكنة وضمان توزيعها على سكان القطاع»، مشيراً إلى أن «مقترحات إدخال المساعدات عبر البحر والجو، هي مكملة لدور معبر رفح الذي تدخل منه المساعدات بعد تعقيدات كبيرة من جانب إسرائيل».

ولفت إلى أن «هناك مقترحات عدة لإنفاذ المساعدات، من بينها تحالف دولي من 12 دولة يشارك في الإسقاط الجوي، والرصيف البحري المؤقت الذي اقترحته الولايات المتحدة، والذي يستغرق بناؤه 6 أشهر، إضافة إلى الممر المائي من قبرص إلى غزة بمشاركة تحالف يضم الولايات المتحدة وأوروبا».

مبانٍ مدمرة في شمال غزة بعد قصف إسرائيلي في وقت سابق (أ.ف.ب)

وأوضح هريدي أن «فكرة الممر البحري مع قبرص كانت مطروحة من قبل الحرب على غزة، ليكون للقطاع ميناء متقدم في قبرص». وقال إن «المشكلة فيمن سيتولى توزيع هذه المساعدات داخل قطاع غزة».

واتفق معه خبير الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، سعيد عكاشة، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل الوضع الإنساني المتفاقم فإن مصر تستهدف إدخال أكبر كم من المساعدات إلى غزة أياً كانت الطريقة»، مشيراً إلى أنه «من المهم حل المشكلات الفنية المرتبطة بآلية توزيع المساعدات في غزة».

وفي بيان مشترك اتفق وزراء حكومات الدول المشاركة في الاجتماع الوزاري حول مبادرة الممر البحري لإيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، الخميس، أنه «لا بديل للطرق البرية عبر مصر والأردن والمعابر الأخرى لإيصال المساعدات على نطاق واسع»، وأشاروا إلى أن «فتح ميناء أسدود أمام المساعدات الإنسانية سيكون موضع ترحيب ومكملاً مهماً.


مقالات ذات صلة

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

المشرق العربي مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

منذ «إعلان نيويورك»، الذي صدر قبل عام وحظي بتبنّي 142 دولة وطرح خطة طريق متكاملة لتنفيذ «حل الدولتين»، شهدت جهود تأسيس دولة فلسطينية جموداً جرّاء التطورات

ميشال أبونجم ( باريس)
المشرق العربي اهتمام عالمي بطفل فلسطيني يعاني من ضعف البصر بكى حزناً على نظارته المكسورة

اهتمام عالمي بطفل فلسطيني يعاني من ضعف البصر بكى حزناً على نظارته المكسورة

أثار مقطع فيديو لطفل فلسطيني في غزة يبلغ من العمر سبع سنوات، ويعاني من ضعف شديد في البصر، اهتماماً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الدولية

«الشرق الأوسط» (لندن )
رياضة سعودية رند الحلواني (الاتحاد الفلسطيني)

الشرطة الإسرائيلية تفرج عن لاعبة في المنتخب الفلسطيني لكرة القدم

أفرجت السلطات الإسرائيلية عن رند الحلواني اللاعبة في المنتخب الفلسطيني للسيدات لكرة القدم بعد احتجازها منذ الثلاثاء الماضي، حسب ما أفادت والدتها.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

محكمة إسرائيلية تلغي حظر زيارات «الصليب الأحمر» للمعتقلين الفلسطينيين

ألغت المحكمةُ العليا الإسرائيلية قراراً كان يحظر على ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون معظمهم من النساء والأطفال في طريقهم للخروج من منازلهم بقرية الطنطورة في مايو 1948 بعد جرائم «تطهير عرقي» ارتكبتها عصابات صهيونية بحق رجال القرية (موقع فلسطين في الذاكرة)

حملة لوقف مخطط إسرائيلي لإقامة مشروع سياحي فوق «مقابر جماعية» للفلسطينيين

أطلق نشطاء فلسطينيون حملة ضد تجاهل إسرائيل أدلة متعلقة بمقابر جماعية في قرية الطنطورة، التي احتلتها عصابات صهيونية عام 1948، وارتكبت جرائم بحقّ سكانها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
TT

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)

تتجه «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تعد أكبر تجمع لأحزاب وشخصيات عامة معارضة في مصر، نحو اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيكلة تنظيمها، بعد انتقادات لاذعة طالتها مؤخراً على خلفية دفاعها عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر قام ببنائه على النيل بالمخالفة للقوانين الحكومية.

وتحاول «الحركة المدنية» إنعاش حضورها السياسي في أعقاب الأزمة الأخيرة. وبحسب قيادات داخلها تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماعاً انعقد، مساء الجمعة، قررت فيه الحركة تشكيل لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة من داخل وخارج الحركة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي، مشيرين إلى أن تلك الإجراءات بمنزلة مقدمة لـ«تصحيح المسار».

وأصدر التكتل المعارض الذي تشكل في عام 2017، بياناً نهاية الشهر الماضي، أعلن فيه رفضه قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، حيث ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة؛ ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

ولم تكن هذه هي الأزمة التي مرت بها «الحركة المدنية» خلال العامين الماضيين؛ حيث شهدت تباينات وخلافات في أثناء الإعداد للمشاركة في اقتراعات سياسية مهمة في مقدمتها انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة في عام 2024، وانتخابات البرلمان (مجلسي النواب والشيوخ) العام الماضي، وبدت غير قادرة على أن تكون متماسكة داخلياً.

اجتماع سابق لمجلس أمناء الحركة المدنية (صفحة الحركة على فيسبوك)

وأكد المتحدث الإعلامي باسم «الحركة المدنية» وليد العماري، أن اللجنة التي تم إسناد رئاستها إلى منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» (أحد أحزاب الحركة) أكرم إسماعيل، سترسل نتائجها والرؤية التي ستضعها خلال أسبوعين إلى جميع الأحزاب المكونة للحركة لدراستها، واستطلاع رأي قواعدها الحزبية، تمهيداً لاتخاذ القرارات النهائية خلال اجتماع سيُعقد بعد 3 أسابيع.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط» إن «المحاور العامة لعمل اللجنة، تتلخص في التوسع لضم شخصيات عامة جديدة من أجيال مختلفة، وإفساح المجال للقيادات الشابة، واستعادة التواصل مع الجماهيىر ليس فقط في العاصمة، بل من خلال أنشطة متنوعة بالمحافظات».

وبحسب العماري، تجري الحركة «نقداً ذاتياً لتقييم أدائها خلال المرحلة الماضية، وتدارك الأخطاء وإجراء مراجعة شاملة»، مؤكداً أنه «من بين المقترحات التي سوف تناقشها اللجنة ما يتعلق بدور مجلس الأمناء (أعلى سلطة تنظيمية بالحركة)، حيث يوجد اقتراح بإلغائه، والبحث عن تشكيل تنظيمي مختلف، بينما يذهب رأي آخر إلى الإبقاء عليه على أن يكون رأيه استشارياً».

وتضم «الحركة المدنية» عدداً من الشخصيات العامة البارزة إلى جانب أحزاب (الدستور، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمحافظين، والعربي الديمقراطي الناصري، والعيش والحرية «تحت التأسيس») وشهدت المرحلة الماضية خلافات داخلية، أعقبها إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل» تجميد عضويتها بالحركة، وعقب أزمة «قصر قرطام» أعلن حزب «العدل» انسحابه الكامل من الحركة.

وأكد منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» أكرم إسماعيل، أن هدف اللجنة «تصحيح مسار الحركة، وإعادة تجديد الدماء»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة بدأت تلقي المقترحات من داخل وخارج الحركة لبلورة رؤية للمرحلة المقبلة، تنطلق من عدة محاور، منها تصعيد القيادات الشبابية لضخ دماء جديدة، والبحث عن ضم شخصيات جديدة مرتبطة بالحركة الاجتماعية والنقابية، والنزول للجماهير لاستعادة دور الحركة بالشارع للتعبير عن القضايا المجتمعية التي تهم الناس».

وتحدث إسماعيل عن موقف الأحزاب المنسحبة من الحركة، مؤكداً أن «الرؤية الجديدة لتطوير أداء الحركة لن تتضمن أي محاولات لإعادة التواصل مع الأحزاب المنسحبة».

جانب من المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحركة المدنية مطلع الشهر الماضي (صفحة الحركة على فيسبوك)

لكن الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، لا يتفاءل بشأن مستقبل الحركة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «ما دامت الوجوه نفسها موجودة فلن يكون هناك جديد، وستتم إعادة إنتاج الأفكار نفسها، فإعادة الهيكلة لن تكفي»، حسب رأيه.

واستطرد قائلاً: «ربما ضخ دماء شبابية جديدة يمكن أن يؤدي إلى استعادة الحركة لدورها السياسي وتطويره، وسيظل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الرؤى، والتركيز على قضايا سياسية نوعية، مثل ملف حقوق الإنسان، وإذا حدث ذلك فربما تستعيد الحركة زخمها السياسي».

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، القيادي بالحركة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أكد أن «المرجعات التي تقوم بها الحركة هدفها تدارك الأخطاء السابقة والاستفادة منها مستقبلاً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الحركة سابقاً، فكرة المركزية الديمقراطية، حيث من المفترض أنه عندما يتم اتخاذ قرارات بالتصويت عقب نقاشات بين الأحزاب أن يلتزم الجميع برأي الأغلبية، لكن هذا لم يكن يحدث».

وبحسب السيد، تحتاج الحركة إلى «البحث عن آليات جديدة، وابتكار أساليب مختلفة للتواصل مع الجماهير، مثل الأنشطة الفنية والعلمية، فالعمل السياسي ليس مجرد بيانات».


حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
TT

حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

بالقرب من القيادة العامة للجيش في العاصمة السودانية الخرطوم، تقبع ملايين الوثائق التي تؤرخ لأكثر من 5 قرون من تاريخ السودان داخل مبنى «دار الوثائق القومية»، وسط ظروف قاسية فرضتها الحرب، بعدما أحاطت بها أكوام الركام والغبار، وأصبحت مهددة بالتلف نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالمبنى.

وكانت «دار الوثائق القومية» قد وقّعت تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، وشهد محيطها مواجهات عسكرية عنيفة تركت آثاراً واضحة على المبنى المؤلف من 4 طوابق، من حريق ودمار وأضرار هيكلية لا تزال شاهدة على حجم المعارك التي دارت في المنطقة.

وتضم الدار أكثر من 30 مليون وثيقة تاريخية، جرى جمعها منذ عام 1505، وتُمثل سجلاً متكاملاً لتاريخ السودان السياسي والإداري والاجتماعي. وعلى الرغم من نجاة الجزء الأكبر من هذه الوثائق من النيران التي طالت أجزاء واسعة من المبنى، فإن بقاءها داخل بيئة متضررة وغير مهيأة للحفظ يُهدد سلامتها على المدى الطويل.

أرشيف الصحافة السودانية في «دار الوثائق» عليه آثار الغبار (الشرق الأوسط)

وقالت مديرة دار الوثائق القومية، الدكتورة نجوى محمود، لـ«الشرق الأوسط»، إن غالبية محتويات الدار نجت من الحرائق التي صاحبت الحرب، إلا أن استمرار وجودها داخل مبنى متضرر قد يؤدي إلى إتلاف الوثائق والمخطوطات القديمة، لا سيما تلك التي تعاني أصلاً الهشاشة والتقادم.

وأشارت إلى أن الأرشيف الإلكتروني للدار تعرّض للفقدان، موضحة أن الإدارة أعدّت خطة للتحول الرقمي تبدأ فور الانتهاء من عمليات تنظيم وترتيب الوثائق، وأضافت: «خاطبنا وزارة الاتصالات والجهات الحكومية ذات الصلة لتقديم الدعم اللازم لتنفيذ الخطة، بما يضمن حماية هذا الإرث الوطني من المخاطر المستقبلية».

وبعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على ولاية الخرطوم في مارس (آذار) 2025، أصدرت الحكومة قراراً يقضي بنقل عدد من المؤسسات الحكومية من وسط العاصمة، وشمل القرار دار الوثائق القومية.

وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة نجوى محمود أن إدارة الدار تقدّمت بطلب إلى مجلس الوزراء لاستثنائها من قرار النقل، مؤكدة أن المبنى الحالي شُيّد وفق مواصفات ومعايير خاصة لحفظ الوثائق التاريخية والأرشيف الوطني. وقالت إن نقل أكثر من 30 مليون وثيقة يمثل تحدياً لوجستياً كبيراً، ويتطلب توفير مقر بديل يتمتع بالمواصفات الفنية نفسها التي تضمن الحفاظ على الوثائق من التلف والعوامل البيئية المختلفة.

مدير الإدارة العامة للتوثيق بالدار محمد يوسف متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

من جانبه، أعرب مدير الإدارة العامة للتوثيق بالدار، محمد يوسف، عن مخاوفه من الأضرار التي قد تتعرض لها الوثائق مع اقتراب موسم الأمطار، مشيراً إلى أن القذائف التي أصابت المبنى خلّفت فتحات واسعة في الأسقف، ما قد يسمح بتسرب مياه الأمطار إلى القاعات وغرف الحفظ.

وقال إن الدار ترتبط بمذكرات تفاهم مع مؤسسات أرشيفية في عدد من الدول العربية والأفريقية، لافتاً إلى وجود وثائق سودانية مهمة محفوظة في «دار الوثائق المصرية»، إضافة إلى أرشيفات أخرى لدى جامعة الدول العربية، خصوصاً في أقسام التوثيق والأرشفة.

وثائق على الأرض

وفي جولة داخل المبنى، تبدو آثار الحرب حاضرة في كل زاوية، فالمخطوطات القديمة المبعثرة على الأرض توثق مراحل مختلفة من تاريخ السودان، في حين تنتشر صور لزعماء تعاقبوا على حكم البلاد منذ الاستقلال، إلى جانب وثائق تعود إلى حقبة الدولة المهدية وفترة الحكم الثنائي البريطاني - المصري، فضلاً عن أرشيف ضخم للصحافة السودانية يمتد لعقود طويلة. أما الطابق الأرضي، الذي كان يضم معامل متخصصة وعشرات أجهزة الحاسوب، فقد تعرض للنهب الكامل، حسب مسؤولين في الدار. ومع ذلك، ما زال آخر كتاب خضع لعملية الرقمنة قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب محفوظاً في مكانه، في مشهد يُجسد المفارقة بين ما نجا وما فُقد من ذاكرة البلاد.

ورغم حجم التحديات التي تواجه المؤسسة، فإن المسؤولين فيها يتمسكون بالأمل في الحصول على موافقة حكومية تسمح ببقائها في مقرها الحالي، والعمل على تنفيذ خطط لإعادة تأهيل المبنى، واستعادة دوره في حفظ الذاكرة الوطنية للسودان.

آخر كتاب تمت أرشفته إلكترونياً قبل اندلاع الحرب بأيام قليلة (الشرق الأوسط)

وتعود جذور «دار الوثائق القومية» إلى عام 1916، حين كانت إدارة الوثائق الرسمية تتم عبر مكتب الحاكم العام للسودان، بمشاركة السكرتيرين المالي والقضائي والإداري، الذين تولوا حفظ الوثائق الصادرة عن مؤسسات الدولة آنذاك.

وفي عام 1965، صدر قانون «دار الوثائق القومية»، الذي منحها صفة قومية واعتبارية مستقلة، وأسند إليها مسؤولية حفظ وإدارة الوثائق الرسمية التي تنتجها مؤسسات الدولة، إلى جانب الوثائق الأهلية والخاصة ذات القيمة التاريخية، لتصبح الحارس الرسمي للذاكرة الوطنية السودانية.