«حوارات أطلسية» بمراكش يناقش «انهيار» نظام التعليم و«إخفاق» منظومة الأمم المتحدة

تدارس في ختام أعماله «الاضطرابات العالمية» و«فوائد التقدم التكنولوجي»

من جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)
من جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)
TT

«حوارات أطلسية» بمراكش يناقش «انهيار» نظام التعليم و«إخفاق» منظومة الأمم المتحدة

من جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)
من جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)

تكررت كلمة «انهيار»، ومرادفاتها، كثيراً في آخر يوم من مؤتمر «حوارات أطلسية»، في دورته الـ12، التي تواصلت بمراكش على مدى ثلاثة أيام، وأسدل الستار على أشغالها السبت.

فمن حديث عن «إخفاق» منظومة الأمم المتحدة، إلى «انهيار» المنظومة التعليمية، مروراً بالتداعيات السلبية للتغييرات المناخية، وغيرها من القضايا الشائكة التي تشغل العالم، ينتهي المتتبع إلى أن الوضع العالمي يوجد في أسوأ حالاته، الشيء الذي يستدعي حلولاً مستعجلة، لتدارك الوضع من خلال تعاون جماعي متعدد الأطراف، يخدم الصالح العام العالمي.

وانطلقت جلسة «الاضطرابات العالمية: الاستجابة للأزمات والتعاون وبناء القدرة على الصمود» من أسئلة كيف يمكن للدول أن تقيم توازناً بين المصالح الوطنية والقدرة الجماعية على التصدي للتحديات المشتركة، وإلى أي مدى تتماشى وتيرة الإصلاح الحالية داخل المؤسسات متعددة الأطراف، والخطوات الملموسة التي يمكن اقتراحها لتعزيز بيئة دولية أقل صدامية، بخاصة في ضوء المشهد الجيوسياسي الحالي، وما يطرحه من تحديات.

من جلسة «الاضطرابات العالمية» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)

وجاءت وجهات نظر المتحدثين لتؤكد عدداً من القناعات التي طرحت للنقاش خلال جلسات اليومين السابقين، خصوصاً فيما يتعلق بالتوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وجائحة «كورونا»، والصراعات المشتعلة في أكثر من منطقة من العالم، الشيء الذي يدفع إلى تناول الوضع بطريقة نقدية للتأثير المتعدد لهذه الأزمات وآثارها على العلاقات الدولية، وعلى الاقتصاد العالمي والقدرة الجماعية للدول في مواجهة التحديات المشتركة الناجمة عنها، وذلك في استحضار لمعطى أن هذه الأزمات تعيد تشكيل الأجندات الدبلوماسية، وتضع التعاون الدولي أمام محك صعب، فيما تفرض تحديات عبر قضايا كثيرة، بينها تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي.

وتحدث باري سيغوين، مدير «مركز جورج سي مارشال الأوروبي للدراسات الأمنية» من الولايات المتحدة، عن تغير جذري يجري على الساحة الجيوسياسية، مثّل له باحتمال ضم الصين لتايوان، وتخوف الولايات المتحدة من إمكانية أن تعمد الصين، في أفق 2027، إلى السرعة القصوى في تدبير هذا الملف.

ودعا سيغوين، إلى الأخذ بعين الاعتبار جانب الأمن لتنمية الدول. وشدد على ضرورة الاشتغال على قضايا ببعد إقليمي، عبر تعاون متعدد الأطراف.

ورأى السفير عمر هلال، الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، أن المواقف على مستوى الأمم المتحدة متباينة بخصوص الحروب والنزاعات، التي قال عنها إنها كانت حكراً على الجنوب، ثم طالت الشمال أخيراً، مع تشديده على أن التنافس بين القوى العظمى صار اليوم أقل آيديولوجياً، ويعتمد أكثر على التكنولوجيا.

من جلسة «مهارات الغد: كيفية تشكيل نظام التعليم؟» ضمن «حوارات الأطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)

وتحدث هلال، عن غياب الاحترام للأمم المتحدة. ورأى أن التهجم على الجوار وعدم احترام حقوق الإنسان ليسا شيئاً جديداً، سوى أنه كان هناك حد أدنى من احترام القوانين الدولية في السابق. واليوم، يضيف هلال، حتى هذا الحد الأدنى من الاحترام لم يعد متوفراً. ورأى، أن غياب الاحترام للأمم المتحدة وللقوانين الدولية سيفتح الباب أمام تسلط القوي على الضعيف، وعندها ستتوقف آلية المفاوضات لحل الأزمات.

واستحضر هلال حرب غزة، ليتحدث عن إخفاق منظومة الأمم المتحدة في مهامها، مشيراً إلى أن التوظيف المتكرر لحق (الفيتو) أكد أنه لم يعد بإمكان القوى الكبرى الاجتماع حول الطاولة نفسها للتحاور.

وقالت نتالي دي لا بالم (فرنسا) الرئيسة التنفيذية لمؤسسة «مو إبراهيم»، إنه ليس هناك من نظام عالمي الآن، وإن العالم يعيش على وقع الأزمات، التي كانت ترتبط بأفريقيا، قبل أن تشمل البلدان الصناعية، ممثلة لذلك بالأزمات التي طالت فرنسا واليونان، وصولاً إلى الحرب الأوكرانية.

وتحدثت دي لا بالم عن تهميش لأفريقيا وعدم اهتمام بها. وهي وجهة نظر لم يتفق معها باسكال بونيفاس مدير «المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والاستراتيجية» من فرنسا، الذي قال، إنه ليس صحيحاً أن أفريقيا تم تناسيها، قبل أن يستدرك بالحديث عن اهتمام أوروبي بأقاليم أخرى، بعد أن صارت أوروبا تنظر نحو شرقها أكثر من الجنوب.

وتحدث بونيفاس، عن وجود تنافس بين الصين وروسيا والولايات المتحدة وغيرها على أفريقيا. ورأى أنه يبقى من الأفضل أن يكون هناك تنافس بين دول عدة بدل هيمنة دولة واحدة. وأضاف أن أفريقيا تحتاج حوكمة جيدة، تمكنها من الدفاع عن مصالحها. وتحدث بونيفاس عن تداعيات إخفاق الديمقراطية.

تفاعل الحاضرين خلال جلسات «حوارات أطلسية» بمراكش (الجهة المنظمة)

وذكر، أن الانقلابات وتنامي الخطاب المتطرف، مثلاً، هي نتيجة لتنامي الفساد وعدم تحمل النخب السياسية لمسؤولياتها. ودعا إلى عدم توسيع الهوة بين الشرق والغرب، مشيراً إلى أن المشكل يتعلق بتطبيق بعض القيم وليس كلها. وشدد على القول، إن المشكل ليس في القيم بل في تدبير التعاطي معها.

وسعت جلسة «التغير التكنولوجي من أجل انتقال مستدام» إلى الإجابة عن جملة أسئلة، تهم الكيفية التي يمكن بها للمجتمع الدولي أن يوازن بين فوائد التقدم التكنولوجي في تحسين الحياة والمسؤولية عن رعاية النظم الإيكولوجية، فضلاً عن الاستراتيجيات التي يمكن تبنيها لضمان تناغم أكبر بين التقدم التكنولوجي والاستدامة البيئية. كما تساءلت عن التحديات والإمكانات المطروحة أمام تعزيز التعاون بين قطاعات لمعالجة قضايا الاستدامة، وكيف يمكن للعمل الجماعي إنجاح احتضان الابتكار من أجل تحسين المجتمع والبيئة، فضلاً عن الدور الذي تلعبه الشراكات بين القطاعين الخاص والعام، ومنصات الابتكار المفتوحة، في مواجهة تحديات الاستدامة على المستوى العالمي. وقال ريكاردو سانتوس، وزير الشؤون البحرية البرتغالي السابق، إن البحار والمحيطات تتعرض لاستنزاف كبير، بشكل سيؤدي إلى تدهورها وفقدان مصدر للتوازن العالمي.

وتحدث سانتوس، عن سلامة المجال البحري في علاقة باستدامة الحياة على الأرض، داعياً إلى إعطاء الأولوية للابتكار والتكنولوجيا ذات التأثير السلبي الضعيف.

وقال أندرياس كرايمر مؤسس «المعهد البيئي» (ألمانيا)، إن العالم طور عادة الاعتماد على التكنولوجيا السيئة، غير أنه لا يتوفر اليوم على ميكانيزمات لتصحيح الوضع، في ظل الإصرار على مواصلة الاعتماد على الطاقة الأحفورية، وتلويث واستنزاف البحار والمحيطات وتحويلها إلى مكب للنفايات، بشكل تتراجع معه قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون.

مواطنون وسائحون متجمعون بميدان جامع الفنا في مدينة مراكش المغربية (رويترز)

وتحدث سيرين غي ديوب الوزير المستشار لرئيس السنغال، عن أفريقيا ومعاناتها مع التصحر وارتفاع نسبة الملوحة في التربة، بشكل أثر على الإنتاج الزراعي، فيما أثر تراجع كميات الأمطار على الأمن الغذائي، مشيراً، إلى أن التكنولوجيا تبقى حلاً لضمان أفريقيا منها الغذائي، لكن مع الحرص على المحافظة على البيئة. وبعد أن دعا إلى تحقيق إنتاجية زراعية تحقق الأمن الغذائي، شدد ديوب على ضرورة تحقيق التوازن بين الاستدامة والعناصر الإنتاجية.

وركزت جلسة «مهارات الغد: كيفية تشكيل نظام التعليم؟» على الدور الذي يجب أن تلعبه السياسات العامة في دعم وتوجيه أنظمة التعليم، في ظل الثورة الرقمية والتقدم التكنولوجي المستمر، التي صارت تفرض إعادة النظر في أنظمة التعليم وإعادة ضبط النهج التربوي والاستثمار الاستراتيجي في المهارات لمواكبة التطور التكنولوجي.

وربط جاك أتالي، الكاتب ورئيس شركة «أتالي أسوشيتس» (فرنسا)، بين الأبعاد الجيوسياسة والتعليم، مشدداً على وجود تأثير متبادل بينهما. وتحدث، عن فشل على مستوى المنظومات التعليمية، وانهيار آليات تقييم جودة التعليم وما يتم تلقينه في المؤسسات التعليمية.

وتطرق أتالي، إلى جودة المنظومة التعليمية في علاقة بتداعياتها على المجتمعات. كما توقف عند سلبيات الشبكات الاجتماعية التي قال إنها تقتل التعليم، بسبب كل تلك الساعات التي يتم هدرها، بشكل يؤدي إلى النرجسية والفردانية وقتل الذكاء، بدل التركيز على القراءة والتعليم.

وتحدث تشارلز كوبتشان أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج تاون (الولايات المتحدة)، عن مجموعة عناصر لتأمل جودة التعليم، أولاها أن يؤدي التعليم إلى تكريس التماسك والهوية الوطنية في ظل الوسائط الجديدة وغياب مؤسسات تحول الأفراد ذوي الانتماءات العرقية والثقافية، كما هو حال الولايات المتحدة، إلى أميركيين. وثانيها التركيز على روح وقيم المواطنة المسؤولة، وثالثها ضرورة الاستثمار في تعليم الفتيات والنساء لبناء رأسمال اجتماعي، في زمن التحول الرقمي.


مقالات ذات صلة

شاكيرا ونورا فتحي... معركة المشاهدات بين نجمة الحاضر وأيقونة المونديال

يوميات الشرق نورا فتحي وشاكيرا... هل انتزعت نجمة المغرب صدارة أغاني المونديال؟

شاكيرا ونورا فتحي... معركة المشاهدات بين نجمة الحاضر وأيقونة المونديال

نورا فتحي تتفوق بأغنية «سير سير» في مشاهدات مونديال 2026، لكن شاكيرا تحافظ على مكانتها التاريخية أيقونة أغاني كأس العالم.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عالمية هشام حكيمي يتدرب بالدراجة (أ.ف.ب)

هل يفجر المغرب أولى مفاجآت كأس العالم أمام البرازيل؟

تتجه الأنظار إلى ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، حيث يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في واحدة من أكثر مواجهات دور المجموعات إثارة.

The Athletic (لوس أنجليس)
الرياضة من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

هل يقود «تكتيك الحداثة» محمد وهبي إلى محاكاة ملحمة الركراكي المونديالية؟

الكرة المغربية بين واقعية الركراكي الفرنسية وثورة وهبي البلجيكية... صراع تكتيكي يعيد صياغة هجوم الأسود من رأس الحربة التقليدي إلى «المهاجم الشبح».

كوثر وكيل (لندن)
الرياضة نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

كيف يفك المغرب شفرة البرازيل والاندفاع الاسكوتلندي؟

«أسود الأطلس» بمونديال 2026... قراءة تحليلية في مواجهات المغرب ضد البرازيل، واسكوتلندا، وهايتي، ومواعيد وملاعب المباريات بأميركا للتأهل لثمن النهائي.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عالمية محمد وهبي (د.ب.أ)

وهبي مدرب المغرب: لا نخشى البرازيل

قال محمد وهبي مدرب منتخب المغرب إن فريقه لا يشعر بالخوف قبل مواجهة البرازيل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
TT

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)

وجّه وزير الطيران المدني المصري، سامح الحفني بـ«فتح تحقيق فوري وعاجل للوقوف على أسباب وملابسات الحادث الذي تعرضت له، الجمعة، إحدى طائرات التدريب التابعة لـ(الأكاديمية المصرية لعلوم الطيران) بمطار السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة من خلال (الإدارة المركزية لحوادث الطيران التابعة لوزارة الطيران المدني».

وكلف الحفني بـ«إجراء مراجعة شاملة لكافة الإجراءات المرتبطة بالواقعة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية وإدارية في ضوء ما تسفر عنه نتائج التحقيقات»، مؤكداً «عدم التهاون في محاسبة أي مسؤوليات أو أوجه تقصير قد تثبتها التحقيقات».

وقضى طيار مصري، وأصيبت متدربة في حادث سقوط إحدى طائرات التدريب التابعة للأكاديمية المصرية لعلوم الطيران.

وتقدم الحفني، في إفادة مساء الجمعة، بـ«خالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرة الطيار الراحل»، بينما وجّه على الفور بتقديم جميع أوجه الرعاية الطبية اللازمة للمتدربة المصابة، مع المتابعة المستمرة لحالتها الصحية، وتوفير جميع سبل الدعم اللازم لها.

وأكدت وزارة الطيران المدني في بيان «التزامها الكامل بتطبيق أعلى معايير السلامة والأمان، واتخاذ الإجراءات اللازمة كافة وفقاً لما تسفر عنه نتائج التحقيقات، بما يعزز منظومة السلامة الجوية، ويضمن الحفاظ على أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية».


التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

تراهن مصر على تعزيز «التصنيع العسكري المحلي» للحد من الإنفاق على التسليح، مع إعلان القاهرة عن إنتاج متنوع من مدرعات وطائرات وأنظمة دفاع جوي محلياً، بالتوازي مع استراتيجية تنويع مصادر استيراد السلاح من الخارج، وكذلك تعدد التعاون مع دول أخرى في مجال التصنيع المشترك.

وسجلت مصر النسبة الأدنى بين الدول العربية في الإنفاق العسكري العام الماضي، بنسبة 0.61 في المائة، حسب تقرير صادر أخيراً عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

ويساعد الإنتاج المحلي للسلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية المخصصة للاستيراد من الخارج، وفقاً لخبراء عسكريين أشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «نمط الحروب الحديثة قائم على استهلاك كم كبير من الأسلحة والذخيرة، ما يفرض ضرورة توفير إمداد مستمر من التسليح»، وقالوا إن «الإنتاج المحلي يعزز من قدرات الإمداد الآمن حال اندلاع أي مواجهات».

ويتبنى الجيش المصري خطة تطوير شاملة لكل الأفرع والتخصصات في السنوات الأخيرة، من بينها تنويع مصادر التسليح الجديد، إلى جانب إبرام شراكات مع كبرى الدول في مجال التصنيع العسكري، حسب تقرير للهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

وتتحرك الحكومة بقوة لزيادة الاعتماد على الإنتاج الحربي المحلي، وفق وزير الدولة للإنتاج الحربي صلاح سليمان جمبلاط، الذي أشار إلى أن «المرحلة الحالية تعتمد على توطين أحدث التكنولوجيات الصناعية داخل مصر، بما يضمن رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق تنافسية للمنتجات المصرية»، وقال إن «خطة الإنتاج المحلي تستهدف الدخول في شراكات جديدة مع القطاع الخاص، لتقليل الفاتورة الاستيرادية ودعم الاقتصاد الوطني»، حسب إفادة للوزارة في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

ذخائر محلية الصنع في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

وأظهرت بيانات صادرة عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» (سيبري) انخفاض الإنفاق العسكري بمصر عام 2025، وأشار التقرير إلى أن «مصر سجلت النسبة الأدنى بين الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 0.61 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي».

وحسب تقرير «معهد استوكهولم»، فإن «الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2887 مليار دولار في عام 2025، مسجلاً زيادة قدرها 2.9 في المائة، مقارنة بعام 2024»، في حين تصدرت الجزائر قائمة الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 8.83 في المائة من الناتج المحلي.

وأعلنت الحكومة المصرية إنتاج أسلحة متطورة محلياً، من بينها مدرعات وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، شاركت بها في معرض «إيديكس 2025» الذي عُقد بالقاهرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن بين هذه المنتجات المدرعة «ردع 300»، وهي راجمة صواريخ موجهة متعددة الأعيرة، وتهاجم أهدافاً على مسافات حتى مدى 300 كم، إلى جانب الطائرة من دون طيار «جبار 150»، التي تتمتع بقدرات هجومية عالية.

وأثار الإعلان عن الطائرة «جبار 150» قلقاً إسرائيلياً؛ إذ أشار تقرير لمنصة «ناتسف نت» الإسرائيلية، في 8 يونيو (حزيران) الحالي، إلى أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تراقب التطور التكنولوجي في التسليح المصري، وتدرس تداعياته الاستراتيجية».

وتستهدف الحكومة المصرية تعميق الإنتاج المحلي من السلاح لتأمين إمدادات الجيش المصري، وتقليل فاتورة الإنفاق للاستيراد من الخارج، وفق الخبير العسكري المصري اللواء نصر سالم، الذي قال إن «جزءاً من خطة تنويع مصادر تسليح الجيش المصري قائمة على توطين الصناعات العسكرية محلياً».

ويرى سالم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «طبيعة الحروب الحديثة التي تستمر لفترات طويلة، تعتمد على استهلاك كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة»، مشيراً إلى أن «هذا يفرض على الجيش المصري الاستعداد لهذا النمط من الحروب بتوفير إمداد مستمر من الأسلحة، وخصوصاً أن التقديرات العسكرية تشير إلى أن إنفاق قتال يوم واحد يساوي ميزانية تسليح جيش في عام كامل»، وعادّاً أن الخيار الأفضل للدول «أن تقوم بإنتاج سلاحها».

راجمة الصواريخ «ردع 300» إحدى القطع المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

لكن سالم شدد على أن تكلفة توطين صناعة السلاح مرتفعة أيضاً، وتتطلب تكنولوجيات حديثة تتيح قدرات تنافسية مع غيرها من الأسلحة، معتبراً أن مزايا التصنيع المحلي أيضاً تتمثل في إنتاج أسلحة تلائم مسرح العمليات العسكرية، وتتماشى مع المستخدم نفسه.

ويساعد التوسع في الإنتاج المحلي من السلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية، وفق الخبير العسكري سمير راغب، الذي أشار إلى أنه «لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تحقق الاكتفاء الذاتي من التسليح؛ ذلك لأن هناك أنماطاً محددة يتم استيرادها من الدول التي تمتلك تكنولوجيات تصنيع متطورة».

ويرى راغب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «امتلاك القاهرة قدرات إنتاج محلي من السلاح يسهم في تعزيز قدرات الجيش المصري العسكرية، ويُمكّن من توفير قاعدة متطورة من الإنتاج، ما يعزز من خصوصية التسليح الخاص بالجيش المصري».


مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
TT

مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)

تحتاط الحكومة المصرية من أزمات الإمدادات في ملف الأدوية، تجنباً لتكرار أزمة سابقة شهدتها السوق قبل عدة أعوام؛ إذ وجه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، «بسرعة تسديد مستحقات شركات الأدوية لضمان التزاماتها بتوفير الحصص المقررة للجهات الحكومية»، بينما أكد رئيس هيئة الدواء الدكتور علي الغمري، «جاهزية السوق الدوائية لمواجهة أي اضطرابات في سلاسل الإمداد لمدة 3 شهور».

وسبق أن شهدت سوق الدواء المصري أزمة متشعبة خلال عامي 2022 و2023، تمثلت في نقص شديد في العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية بما في ذلك «البنج»؛ ما أثر في العديد من الخدمات، بالتزامن مع أزمة في توفير العملة الصعبة، لم تنفرج إلا بقرار تحرير سعر الصرف (التعويم) في مارس (آذار) من عام 2023، والذي قلص الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف في البنوك والسوق السوداء، وأسهم في توفير العملة الصعبة لهذا القطاع الحيوي.

وعاد القلق إلى المشهد مؤخراً، مع اندلاع الحرب الإيرانية، وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه من نحو 47 جنيهاً للدولار، إلى نحو 53 جنيهاً قبل أن يستقر حالياً عند حدود 52 جنيهاً.

غير أن مساعد محافظ البنك المركزي، محمد أبو موسي، أكد خلال مشاركته في اجتماع مدبولي مع مسؤولين عن الدواء، مساء الخميس، أن «القطاع المصرفي جاهز لتوفير العملة الصعبة لمختلف المؤسسات الحكومية، أو مؤسسات القطاع الخاص لاستيراد أي أدوية، أو مستلزمات، أو مواد خام طبية، وأنه لا يوجد أي طلبات عملة صعبة متأخرة في أي بنك لهذا القطاع».

خلال اجتماع مدبولي مع مسؤولي ملف الدواء في مصر 11 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

وثمّن المدير التنفيذي لـ«المركز المصري للحق في الدواء»، محمود فؤاد، عناية الحكومة المصرية اللافتة بملف الأدوية، منذ نحو 10 أعوام، بعدما كان الملف مقتصراً فقط على وزارة الصحة، مضيفاً: «الآن توجد هيئة مستقلة للدواء، وهيئة أخرى للشراء الموحد تتبع الحكومة، تم تأسيسهما في عام 2018، ويعملان على توفير الأدوية والعمل على توطين صناعتها».

لكنه أشار إلى أنه رغم هذه الجهود، فإن «توفر الأدوية لمرضي الأمراض المزمنة ممن يشكلون نحو من 8 إلى 10 في المائة من الشعب المصري، ما زالت تحتاج إلى مزيد من الجهود، لمواجهة أزمات الإمداد فيها والتي تظهر من وقت لآخر».

وأوضح فؤاد لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة الشراء الموحد كان لديها أزمة كبيرة في سداد مستحقات الأدوية للشركات؛ ما دفع بعض الشركات لوقف الإمدادات، وذلك خلال أزمة الدواء قبل عدة أعوام، وظهرت في ظل الفجوة الكبيرة بين تكلفة الدواء الحقيقة وسعره الجبري، مع أزمة العملة الصعبة وقتها، والحكومة تدخلت أكثر من مرة لسد الفجوة، لكن تكرارها وارد خصوصاً في أدوية الأمراض المزمنة»، لافتاً إلى أن «سوق الدواء تشهد حالياً نقصاً في أدوية (الروماتيد) و(الذئبة الحمراء) وبعض أمراض الأورام».

وأكد رئيس الوزراء المصري، حرص الدولة على المتابعة المستمرة لموقف توافر مخزون من الأدوية والمستحضرات الطبية بمختلف أنواعها، والعمل على ضمان استدامة توفيرها للمواطنين بالكميات المطلوبة، بما يدعم جهود الدولة في الارتقاء بالمنظومة الصحية، وتحقيق الأمن الدوائي، حسب بيان رسمي عقب الاجتماع أمس.

كما شدد مدبولي على «أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لمتابعة المخزون الاستراتيجي من الأدوية والخامات الدوائية، ورصد احتياجات السوق المحلية بصورة دورية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان انتظام عمليات الإنتاج والتوريد، فضلاً عن دعم جهود توطين صناعة الدواء وزيادة نسب المكون المحلي، بما يسهم في تعزيز قدرة هذا القطاع الحيوي على تلبية احتياجات المواطنين، ومواجهة مختلف التحديات والمتغيرات».

حرص مصري على عدم تكرار أزمة الأدوية (هيئة الدواء المصرية)

وتسعى مصر إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للدواء بتوطين صناعته، وتصديره إلى دول أخرى، لا سيما السوق الأفريقية. وتبلغ نسبة التصنيع المحلي من احتياجات مصر من الدواء أكثر من 75 في المائة بالقيمة المالية، وأكثر من 90 في المائة من عدد الوحدات، وفق تقرير للهيئة العامة للاستعلامات في سبتمبر (أيلول) 2025.

ويشيد فؤاد بجهود توطين صناعة الأدوية، والمزايا الكبيرة التي تمنحها مصر للمستثمرين لجذب الاستثمارات فيه، مثل الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة، وإعفاءات جمركية وغيرها، لكنه أكد أن ذلك «لا يحد من الأزمة الأساسية التي تواجه هذا القطاع والمتعلق باعتماده على خامات مستوردة بنسبة 95 في المائة، فضلاً عن زيادة التكلفة والتي حدثت مؤخراً بعد زيادة أسعار البنزين قبل شهرين»، مشدداً أن «الحل يجب ألا يكون بتحريك سعر الدواء، في ظل تحريكه مرات عدة السنوات الماضية».

واستعرض رئيس هيئة الدواء المصرية، جهود «تعزيز الأمن الدوائي»، مشيراً إلى الموافقة على المبادرة التمويلية لتأمين مخزون استراتيجي من المستحضرات الدوائية والخامات ذات الأولوية، وإتاحة تمويل دولاري لتأمين 216 مستحضراً من المستحضرات التي ليس لها مثائل، و484 مادة خام من الخامات الفعالة، كما تناول موقف الأدوية الاستراتيجية والهامة وخاماتها، مشيراً إلى أن 80 في المائة من تلك الأدوية تصل معدلات التغطية الخاصة بها إلى نحو 6 أشهر.

ورأى الخبير الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الحكومة تعمل على طمأنة سوق الدواء بشأن قدرتها على سداد المستحقات بعد سداد مستحقات الشركات الاستثمارية الأجنبية العاملة في قطاع البترول مؤخراً، مستبعداً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تتكرر أزمة الأدوية في مصر، مع استقرار الدولار نسبياً وصعوده وهبوطه في حدود بسيطة.