تختبر إسرائيل وقف النار اللبناني من خلال تحركات عسكرية محدودة على تخوم انتشارها في جنوب لبنان الذي شهد حوادث إطلاق نار عدة، أبرزها قرب مدينة النبطية، وأدّت إلى مقتل شخصين على الأقل، في حين بقيت تلة علي الطاهر نقطة توتر مستمرة، حيث أعلنت إسرائيل أن قواتها أطلقت النار على عناصر من الحزب «اقتربوا منها»، وقد عدّها الحزب في بيان «انتهاكاً خطيراً لوقف النار» من دون أن يعلن نيته بالرد على هذه الخروق. من دون أن تستبعد مصادر لبنانية متابعة للمفاوضات قيامه برد ما «لمنع تكريس أمر واقع».
ويتجدّد الجدل حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان مع تمسك حكومة بنيامين نتنياهو بما تسميه «المنطقة الأمنية» واستمرار العمليات العسكرية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تتجه إلى تكريس نسخة جديدة من الشريط الحدودي السابق، أم إلى فرض معادلة أكثر اتساعاً تقوم على حرية العمل العسكري والاستهداف داخل الأراضي اللبنانية؟
وبينما تتحدث تل أبيب عن ترتيبات أمنية دائمة، يرى خبراء لبنانيون أن جوهر الصراع بات يدور حول شكل الوجود الإسرائيلي وقواعد الاشتباك التي تسعى إسرائيل إلى فرضها في مرحلة ما بعد الحرب.
تل أبيب ترفع سقف التمسك بالجنوب
وجدَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير تمسكهم باستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان. وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، في بيان مشترك صدر عقب اجتماع ضم نتنياهو وكاتس وزامير وقائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي اللواء رافي ميلو، إن «الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل بحزم لإحباط أي تهديدات تستهدف الجنود والمواطنين الإسرائيليين، والحفاظ على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان».
وفي مؤشر إضافي إلى تمسك إسرائيل بالترتيبات الأمنية التي تسعى إلى فرضها في جنوب لبنان، أفادت «القناة 12» الإسرائيلية بأن تل أبيب تعتزم طرح تجربة انسحاب محدود من إحدى المناطق الجنوبية، في خطوة توحي بمحاولة اختبار ترتيبات ميدانية جديدة من دون التخلي عن مفهوم «المنطقة الأمنية».
وفي موازاة ذلك، قالت هيئة البث الإسرائيلية إن «حزب الله» أطلق منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي ما لا يقل عن 7285 صاروخاً وطائرة مسيّرة باتجاه إسرائيل، في سياق تبرير استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان.

النار تسبق السياسة في الجنوب
ترافقت المواقف الإسرائيلية مع تسجيل خروق إسرائيلية في جنوب لبنان، حيث استهدفت غارة إسرائيلية حفارة كانت تعمل على رفع أنقاض منزل سبق أن تعرض للقصف في بلدة النبطية الفوقا. كما أطلقت القوات الإسرائيلية النار باتجاه مواطنين في البلدة؛ ما أدى إلى سقوط قتيلين وعدد من الجرحى، في حين استهدفت مسيّرة إسرائيلية بلدة كفرتبنيت، وألقت محلّقات إسرائيلية قنابل صوتية في محيط كفرتبنيت وعيتا الجبل.
من جهته، أعلن «حزب الله» أن «جيش العدوّ الإسرائيلي أقدم على إطلاق النّار بالأسلحة الرشّاشة من بين المنازل باتجاه مجموعة من المدنيّين في حي الدّير بمدينة النبطية كانوا يعملون على فتح الطرقات وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض». وأضاف أن «الاعتداء الغادر الذي نفّذه جيش العدوّ تسبّب باستشهاد مواطنَين مدنيَين، أحدهما موظف بلدي، وإصابة آخرين بجراح»، وفي حين لم يتحدث عن الرد حذّر من أن «ما أقدم عليه العدوّ يُعدّ انتهاكاً فاضحاً لوقف إطلاق النار الذي التزمت المقاومة به حتى الآن».
وفي بلدة حداثا، أطلقت القوات الإسرائيلية النار باتجاه عدد من الأهالي كانوا يتوجهون لإتمام عملية دفن في جبانة البلدة بمواكبة الجيش اللبناني.
وفي موازاة التصعيد الميداني، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن قواتها نفَّذت هجومين منفصلين قرب مرتفعات علي الطاهر استهدفا مسلحين كانوا يقتربون من مواقعها، مشيرة إلى مقتل اثنين منهم. كما أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن الجيش استهدف ما وصفها بـ«خلية مسلحة قرب القوات العاملة في المنطقة الأمنية لإزالة تهديد فوري». بالتزامن، واصل الطيران المسيّر والاستطلاعي الإسرائيلي تحليقه المكثف فوق جنوب لبنان، وسجّل تحليقاً منخفضاً للمسيّرات فوق بيروت والضاحية الجنوبية.
الخطر ليس المنطقة الأمنية... بل حرية الاستهداف
ويرى العميد الركن المتقاعد فادي داود أن النقاش الدائر لا يتعلق فقط بإنشاء منطقة عازلة أو إعادة إحياء الشريط الحدودي بصيغته القديمة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن ما يجري في جنوب لبنان يتجاوز الحديث عن إقامة منطقة عازلة أو إعادة إنتاج الشريط الحدودي بصيغته السابقة»، موضحاً أن «المشاريع المطروحة تتصل أساساً بمفهوم الأمن الإسرائيلي وبالهامش الذي تمنحه الولايات المتحدة لإسرائيل للتحرك ميدانياً».
وأضاف: «بدأنا نسمع عن مشاريع تتعلق بتغيير ديموغرافي وبإنشاء مناطق أمنية، لكن هذه المشاريع لا يمكن فصلها عن الإرادة الأميركية؛ لأن أي ترتيبات مرتبطة بأمن شمال إسرائيل لا يمكن أن تتم من دون موافقة أميركية مباشرة، وليس فقط بالتنسيق مع واشنطن». مشيراً إلى أنه «رغم كل الطروحات المتطرفة الصادرة عن أوساط اليمين الإسرائيلي، لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستفرّط بأمن إسرائيل، لكنها في المقابل لن تمنح الحكومة الإسرائيلية حرية مطلقة لتنفيذ كل ما تريده».

من الشريط الحدودي إلى حرية العمل
وعن الحديث المتزايد حول إعادة إنتاج الشريط الحدودي، قال داود: «الإسرائيليون يتحدثون كثيراً عن حرية العمل العسكري، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن هناك ترتيبات يجري العمل عليها. الانسحابات التي حصلت من بعض المناطق، ومنها كفرتبنيت، تدل على وجود تدابير أمنية وانتشار للجيش اللبناني، وبالتالي لا أرى أن الأمور تتجه إلى بقاء إسرائيلي دائم بالشكل الذي يُطرح أحياناً».
وأضاف: «قد تحتفظ إسرائيل ببعض النقاط أو المواقع المرتفعة ذات الأهمية الاستراتيجية، لكن في النهاية سيكون هناك نوع من التسوية أو الخليط الذي يراعي المطالب الأميركية والإسرائيلية ويمنح الدولة اللبنانية هامشاً يسمح لها بقبول أي اتفاق لاحق».
لكن داود يرى أن الخطر الحقيقي يكمن في مكان آخر، قائلاً: «ما تحاول إسرائيل تكريسه اليوم هو حرية العمل الميداني وحرية الاستهداف. أي أنها تريد الاحتفاظ بحق ضرب أي هدف تعدّه تهديداً لأمنها، سواء عبر المسيّرات أو الطائرات أو أي وسيلة أخرى».
وأضاف: «هي تكرّس مبدأ حرية العمل العسكري أكثر مما تكرّس منطقة عازلة. فالمنطقة العازلة تبقى محددة جغرافياً، أما حرية العمل الميداني فتتجاوز الحدود والمسافات، ويمكن أن تمتد إلى أي منطقة داخل لبنان».
وختم بالقول: «حرية العمل الميداني تجعل الشريط الأمني متحركاً وغير ثابت. لذلك؛ أرى أن تكريس حرية الاستهداف وحرية الحركة العسكرية أخطر بكثير من إقامة منطقة عازلة تقليدية أو شريط أمني ثابت».
المنطقة الأمنية باقية ما دام نتنياهو في السلطة
من جهته، يرى العميد الركن المتقاعد ناجي ملاعب، أن إسرائيل تتجه إلى تكريس «المنطقة الأمنية» ما دام نتنياهو في السلطة. وقال ملاعب لـ«الشرق الأوسط»: «بعد نحو مائة يوم من القتال، تبيّن أن الخسائر الإسرائيلية تتصاعد بشكل مستمر، وأن الدفاع عن أي وجود عسكري داخل الأراضي اللبنانية سيكون مكلفاً على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن نتنياهو يتمسك بفكرة المنطقة الأمنية بوصفها، من وجهة نظره، وسيلة لمنع أي تهديد مباشر لمنطقة الجليل الأعلى».
وأضاف: «نتنياهو يراهن على كسب الوقت من خلال المماطلة في المفاوضات الجارية، وينتظر تعثر المسار الأميركي - الإيراني أو أي تطورات إقليمية تعيد خلط الأوراق. كما يحاول توظيف آليات التنسيق القائمة بطريقة تمنحه أكبر قدر ممكن من الوقت لتأخير الانسحاب».
ورجّح أن ينتهي الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان مع انتهاء عهد نتنياهو السياسي، قائلاً: «أعتقد أن العامل الحاسم في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي سيكون خروج نتنياهو من السلطة».


