سوريون في المخيمات يطالبون الحكومة بأن تضعهم فوق كل اعتبار

الوقت لا يصب في مصلحة الحكومة؛ فمنظمات الإغاثة الإنسانية تواصل تقليص حجم مساعداتها

صبحية الصالح نازحة من حماة إلى إدلب أمام خيمتها في مخيم الكرامة قرب أطمة شمال سوريا (أ.ب)
صبحية الصالح نازحة من حماة إلى إدلب أمام خيمتها في مخيم الكرامة قرب أطمة شمال سوريا (أ.ب)
TT

سوريون في المخيمات يطالبون الحكومة بأن تضعهم فوق كل اعتبار

صبحية الصالح نازحة من حماة إلى إدلب أمام خيمتها في مخيم الكرامة قرب أطمة شمال سوريا (أ.ب)
صبحية الصالح نازحة من حماة إلى إدلب أمام خيمتها في مخيم الكرامة قرب أطمة شمال سوريا (أ.ب)

اعتقدت صبحية الصالح أنها ستغادر خيمتها أخيراً وتعود إلى منزلها لحظة إطاحة هجوم للمعارضة أواخر عام 2024 بالرئيس بشار الأسد، منهياً بذلك أكثر من عقد من الصراع.

لكنها لا تزال تعيش في مخيم الكرامة، وهو مخيم يقع في بلدة أطمة شمال غربي محافظة إدلب قرب الحدود التركية، مع زوجها وأبنائها السبعة وبناتها الأربع. وقالت لـ«وكالة أسوشييتد برس» عن منزلها في اللطامنة على الجانب الآخر من محافظة إدلب والذي غادرته في ذروة الصراع: «ذهبت ورأيت منزلي فوجدته قد سُوّي بالأرض تماماً».

ورغم أن أكثر من نصف سكان المخيمات قد غادروها، فإنها، كغيرها من السوريين الذين يعيشون في فقر مدقع، لا تستطيع تحمل تكاليف إعادة بناء منزلها والعودة.

لذا، في هذه الأثناء، تستمر في العيش في بؤس، ففي كل عام تتسرب مياه الأمطار عبر الخيمة، وفي كل صيف، تُعاني هي وما يُقدّر بنحو 40 ألف شخص آخرين في ذلك المخيم المترامي الأطراف من حرارة خانقة وذباب كثيف.

طفلة تسير في مخيم الكرامة بالقرب من قرية أطمة بمحافظة إدلب (إ.ب)

ألحقت الانتفاضة السورية التي تحولت إلى حرب أهلية استمرت من عام 2011 حتى أواخر عام 2024، دماراً هائلاً بالبلاد، وأغرقت أكثر من 90 في المائة من سكانها البالغ عددهم نحو 26 مليون نسمة في براثن الفقر. وستُكلّف إعادة إعمارها مئات المليارات من الدولارات، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة.

وأسفرت الحرب عن مقتل 500 ألف شخص (على الأقل)، وإصابة أكثر من مليون، وتشريد أكثر من نصف سكان سوريا قبل الحرب والبالغ عددهم 23 مليون نسمة. وقد حققت الحكومة برئاسة الرئيس المؤقت أحمد الشرع تقدماً ملحوظاً في إعادة العلاقات بين سوريا والمجتمع الدولي، حيث رفعت العقوبات المُرهِقة، ووعدت بإصلاحات شاملة.

وبعد مرور أكثر من عام على انتهاء الحرب، لا يزال أكثر من 7 ملايين سوري نازح داخل البلاد غير قادرين على العودة إلى ديارهم، بحسب الأمم المتحدة، ولا يزال مليون نازح سوري يعيشون في خيام، كما هي حال الصالح. وقد تعهدت الحكومة السورية، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بتوفير مساكن بديلة للنازحين بحلول نهاية عام 2027، وتعهدت السعودية بدعم هذه المبادرة بمبلغ 1.5 مليار دولار.

صورة ملتقطة من الجو لمخيم الكرامة بالقرب من قرية أطمة محافظة إدلب شمال سوريا (أ.ب)

لكن على الرغم من التزامات المستثمرين الكبار، وتوقيع اتفاقيات شراكة لجلب فرص عمل وأموال إلى البلاد، فإن حجم الدمار الهائل يعني أن تخفيف حدة الفقر وإعادة الناس إلى ديارهم سيستغرق وقتاً طويلاً.

ويقدر البنك الدولي أن تكلفة إعادة الإعمار بعد الحرب ستبلغ نحو 216 مليار دولار. وبعد مرور ما يقارب 18 شهراً على سقوط حكم عائلة الأسد الذي دام 5 عقود، لا تزال أجزاء كبيرة من المدن السورية الرئيسية، مثل حلب والرقة شمالاً، وحمص وسطاً، فضلاً عن أجزاء من دمشق، مدمرة.

وفي الوقت نفسه، لا يصب الوقت في مصلحة الحكومة؛ فمنظمات الإغاثة الإنسانية، التي عانت سنوات من تخفيضات كبيرة في ميزانياتها، تواصل تقليص حجم برامجها التي لا يزال ملايين السوريين يعتمدون عليها.

قالت الصالح: «من أين لنا بالمال لإعادة البناء؟ نستطيع بصعوبة توفير الخبز والماء لأنفسنا. لم تصل أي مساعدات إلى المخيم منذ التحرير».

وفد أممي خلال زيارة أخيرة لمخيم في منطقة معرة مصرين بإدلب (الأمم المتحدة)

وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن في 13 مايو (أيار) الحالي عن خفض برنامج مساعداته الغذائية للفئات الأكثر ضعفاً إلى النصف، بعد أن كان يدعم 1.3 مليون شخص، كما ألغى البرنامج دعم الخبز الذي يعتمد عليه الملايين. في الوقت نفسه، ارتفع التضخم بشكل حاد في سوريا، ما يصعّب على الناس الادخار بشكل كافٍ لإعادة البناء.

يقول عبد الحميد أبو علاء، الذي يعيش مع عائلته في نفس المخيم: «ارتفعت أسعار مواد البناء بشكل جنوني. أستطيع بصعوبة شراء أدويتي». وأضاف أنه وكثيرين غيره ما زالوا يسددون ديوناً اقترضوها لتغطية نفقاتهم الأساسية.

أطفال نازحون يلهون في دروب مخيم الكرامة شمال سوريا (أ.ب)

وقال أبو علاء إنه على الرغم من الإنجازات الدبلوماسية والاقتصادية الكبيرة التي حققتها سوريا، فإنه يحث الحكومة على الاستجابة السريعة لأشدّ الناس فقراً في البلاد الذين ما زالوا يعيشون في ظروف مزرية، وأضاف: «يجب أن تتغير أولويات الحكومة، وأن تضع احتياجات أشدّ الناس فقراً فوق كل اعتبار».

ولا تزال الأمم المتحدة ملتزمة ببذل قصارى جهدها، مستخدمةً مواردها المتاحة، للمساعدة في تخفيف الأعباء المالية عن السوريين ودعم مشروع الشرع لعام 2027. وخلال زيارة لمخيم في منطقة معرة مصرين بإدلب، قالت ناتالي فوستير، المنسقة المقيمة للأمم المتحدة والمنسقة الإنسانية في سوريا، إن القطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية قد يحتاجان إلى مساعدة الشرع على بلوغ الموعد النهائي في أواخر عام 2027.

وأضافت فوستير: «لا أعرف تحديداً كم سيستغرق الأمر. ربما ستبقى بعض المخيمات، لكننا سنواصل العمل مراراً وتكراراً لإنهاء وجودها».


مقالات ذات صلة

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

المشرق العربي جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب المتهم بارتكاب جرائم حرب في 26 أبريل 2026 (رويترز)

هل تنجح سوريا في عقد 500 محاكمة لمجرمي حرب خلال السنوات الـ5 المقبلة؟

الاختبار الأكبر ليس في عدد الجنرالات السابقين الذين سينتهي بهم المطاف في السجن، بل في قدرة الحكومة الجديدة على إرساء عدالة انتقالية شفافة، وتعزيز سيادة القانون.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولون سوريون يؤدون صلاة العيد في جامع عبد الله بن عباس بمدينة حلب (حساب الرئاسة)

​الشرع يؤدي صلاة الأضحى في حلب... والسوريون يزورون قبور أحبتهم

أدى الرئيس أحمد الشرع صلاة العيد صباح اليوم في جامع «عبد الله بن عباس» بمدينة حلب وهي المرة الأولى التي يؤديها بمدينة غير العاصمة دمشق منذ توليه الرئاسة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا فرق الطوارئ تحضر إلى موقع النصب التذكاري للمحرقة بعد تعرض رجل لهجوم في موقع النصب التذكاري في برلين - فبراير 2025 (أ.ب)

ألمانيا تعتقل سورياً يشتبه بتحريضه على هجوم عند نصب تذكاري للمحرقة

قال ممثلو ادعاء إن الشرطة الألمانية ألقت القبض اليوم الأربعاء على مواطن سوري يشتبه في تورطه في هجوم عند نصب تذكاري للمحرقة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي صورة متداولة للعبارة المائية التي غرقت في دير الزور وهي تحمل سيارة

استنفار ونداء لأهالي الرقة ودير الزور بإخلاء المناطق القريبة من نهر الفرات

تشهد محافظتا الرقة ودير الزور على نهر الفرات حالة استنفار كامل بعد فتح 4 بوابات مفيض في سد الفرات لتصريف المياه إثر تدفقات مائية قياسية.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي تأمين طريق السويداء - ولغا لتسهيل عودة الأهالي المهجرين (السويداء 24)

دمشق تعمل على تأمين الطريق بين ريف السويداء الغربي والمدينة

تعتزم الحكومة السورية فتح الطريق بين مدينة السويداء الواقعة تحت نفوذ شيخ العقل حكمت الهجري، وبلدة المزرعة، في ريف المحافظة الغربي.

موفق محمد (دمشق)

بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية. فهو الذي انخرط في العمل التشريعي أولاً، ولم يدخل الحكومات مباشرة إلا في عام 2005، بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان.

ومنذ ذلك الوقت حاول الحزب فرض سيطرته ونفوذه على الحكومات المتعاقبة، فعطّل بعضها، وأطاح ببعضها الآخر بعد ابتداعه مفهوم «الثلث المعطل»، والتوافقية في اتخاذ القرارات، واستحواذه وحليفته حركة «أمل» على كامل الحصة الوزارية الشيعية لاستخدامها ورقة لإسقاط الحكومات، أو منعها من العمل.

لذلك لا يبدو خروج أمين عام الحزب الحالي الشيخ نعيم قاسم، على اعتبار أنه «من حق الناس أن تنزل إلى الشوارع، وتسقط الحكومة، وتسقط المشروع الأميركي–الإسرائيلي»، مفاجئاً لمن تابع عن كثب على مر السنوات أداء «حزب الله» في عمليتي تشكيل وإسقاط الحكومات، كذلك قول عضو المجلس السياسي في «حزب الله» الوزير السابق محمود قماطي «رئيس الجمهورية أو غيره بأغلبية حكومية يريدون ضرب المقاومة في هذا العهد، وبالتالي على هؤلاء أن يعلموا أنهم جهة عابرة تأتي، وتذهب، فيما نحن المتجذّرون في هذا البلد...».

نعيم قاسم الأمين العام لـ«حزب الله»

مسار طويل من محاصرة الحكومات

وتعود أول محاولة لـ«حزب الله» لمحاصرة الحكومة سعياً لإسقاطها للعام 2006 حين سحب وحركة «أمل» وزراءهما من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة احتجاجاً على التصويت لصالح إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري.

ونظم «الثنائي الشيعي» و«التيار الوطني الحر» اعتصاماً طويلاً في وسط بيروت لاعتبارهم الحكومة غير ميثاقية. إلا أنها واصلت أعمالها حتى مايو (أيار) 2008 حين تحرك «حزب الله» عسكرياً في بيروت وبعض مناطق جبل لبنان للتصدي لقرارات اتخذتها الحكومة بخصوص شبكة اتصالاته. وقد أدى ذلك إلى اجتماع القوى اللبنانية في قطر ليخرجوا بما عُرف بـ«اتفاق الدوحة» الذي انتزع الحزب من خلاله «الثلث المعطل»، أي حصوله وحلفائه على ثلث عدد الوزراء، ما يسمح لهم بإسقاط الحكومة.

وهذا ما حصل فعلياً في العام 2011، فأقدم «حزب الله» وحلفاؤه على سحب وزرائهم من حكومة الرئيس سعد الحريري، ما أدى إلى سقوطها.

«تحرر» حكومة سلام

وبعدها توالى تشكيل الحكومات التي يمتلك فيها الحزب وحلفاؤه «الثلث المعطل» الذي سمح لهم بالتحكم بقرارات ومصير مجالس الوزراء المتعاقبة. بحيث تم تشكيل 6 حكومات منذ العام 2011، وصولاً للحكومة الحالية التي يرأسها نواف سلام، والتي تُعتبر أول حكومة من العام 2008 تتحرر من سطوة الحزب عبر «الثلث المعطل». ونتيجة لذلك، فشل في منع الحكومة من اتخاذ قرارات حصرية السلاح، واعتبار جناحه العسكري غير شرعي، وغيرها من القرارات التي رفضها الحزب، وهاجمها، ولم يتمكن من منع صدورها.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتوسط النائبين علي حسن خليل وقاسم هاشم خلال زيارته إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان قبل بدء الحرب الأخيرة (أ.ف.ب)

ابتزاز الحكومات المتعاقبة

ويعتبر الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، أن «حزب الله»، ومنذ «اتفاق الدوحة»، «حاول ابتزاز الحكومات المتعاقبة التي كان يتم تشكيلها، سواء من خلال بدعة (الثلث الضامن)، أو التوافق، أو الميثاقية»، لافتاً إلى أنه «في المرحلة الأخيرة، وبالتحديد في الحكومة الحالية، انقلبت المعادلات تماماً، فتشكلت على قواعد مختلفة عكست التوازنات السياسية الجديدة».

ويرى الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «حتى ولو كان (حزب الله) يعتبر أن إسقاط الحكومة الحالية ممكن في الشارع، ولكنه يدرك أن تشكيل أخرى بشروطه أمر غير متاح، لذلك فإن تهديداته راهناً بإسقاط الحكومة لا تتعدى التهويل، والصراخ، وليس أكثر من تعبير عن المأزق الذي يعيشه الحزب، ويعبر عنه الشيخ نعيم قاسم بخطابه المتناقض. أضف أن الرئيس بري ليس بالوارد ملاقاة الحزب في هذه الخطوة، وبالتالي لا فرصة للحزب إطلاقاً لإسقاط الحكومة، أو تعديل السياسات التي يشكو منها».


التصعيد الإسرائيلي يعيد الاستهدافات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت

تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)
تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)
TT

التصعيد الإسرائيلي يعيد الاستهدافات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت

تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)
تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)

تواصل إسرائيل تصعيدها العسكري في لبنان، موسعة دائرة الاستهدافات من الجنوب إلى محيط الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء واسعة هي الأكبر منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان) الماضي، شملت مناطق تمتد حتى شمال نهر الزهراني. وترافقت التحذيرات مع غارات مكثفة استهدفت مدناً وبلدات جنوبية، مخلفة عشرات الضحايا والجرحى، من خلال مجازر شملت عائلات بأكملها خلال محاولات النزوح أو داخل منازلها، في وقت تتواصل فيه المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

غارة على الشويفات وتصعيد يمتد من بيروت إلى الجنوب

وامتد التصعيد الإسرائيلي، الخميس، إلى محيط الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث استهدفت غارة إسرائيلية شقة سكنية في منطقة الشويفات الواقعة جنوب العاصمة، بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ هجوم «دقيق» في منطقة بيروت. وتعد هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها إسرائيل محيط الضاحية الجنوبية منذ إعلان وقف إطلاق النار في 17 أبريل الماضي.

وأظهرت مشاهد تصاعد الدخان من المكان المستهدف، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن أن الغارة استهدفت علي الحسيني، المسؤول عن المنظومة الصاروخية في «فرقة الإمام الحسين» التابعة لفيلق القدس الإيراني، وسط تضارب في التقديرات الإسرائيلية بشأن نجاح عملية الاغتيال، إذ تحدثت مصادر عسكرية إسرائيلية عن مؤشرات أولية تفيد بإخفاق العملية.

عناصر الدفاع المدني في المبنى الذي استهدف بمنطقة الشويفات بضاحية بيروت (أ.ف.ب)

كما كشفت القناة 13 الإسرائيلية أن تنفيذ الغارة جاء بعد مشاورات مكثفة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مؤشر إلى قرار بتوسيع بنك الأهداف ليشمل مجدداً محيط العاصمة اللبنانية، رغم سريان وقف إطلاق النار الهش منذ أبريل الماضي.

وبالتوازي، شهدت الساعات الماضية تصعيداً واسعاً في الجنوب تمثل بإعلان الجيش الإسرائيلي مناطق واسعة «مناطق قتال»، مع دعوة السكان إلى الانتقال شمال نهر الزهراني، متوعداً بتنفيذ ضربات «بقوة شديدة» ضد «حزب الله». كما أعلن بدء استهداف «بنى تحتية تابعة للحزب» في محيط مدينة صور، عقب إنذارات بإخلاء مبانٍ في المدينة.

وتزامن التصعيد الميداني مع مواقف إسرائيلية تصعيدية، إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توسيع العملية البرية في جنوب لبنان عقب هجمات بالمسيّرات نفذها «حزب الله» ضد قوات إسرائيلية ومستوطنات في شمال إسرائيل. كما قال وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إن «الطريقة الوحيدة لحماية الجنود الإسرائيليين من المسيّرات هي هدم عشرة مبانٍ في الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل كل مسيّرة يطلقها (حزب الله)»، داعياً إلى مواصلة العمليات العسكرية «حتى تحقيق الانتصار».

ضغط تفاوضي ومشكلة المسيّرات

وفي قراءة للتصعيد، يرى العميد المتقاعد والخبير العسكري حسن جوني أن ما يجري يتجاوز البعد الميداني المباشر، ويرتبط أيضاً بالتحضير للمرحلة التفاوضية التي تسبق الاجتماع الأمني المرتقب في واشنطن. وحسب جوني، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى دفع الوفد اللبناني إلى أي مفاوضات مقبلة تحت ضغط عسكري ونفسي كبير يشمل الدولة اللبنانية وبيئة «حزب الله»، عبر توسيع رقعة الاستهدافات ورفع تكلفة المواجهة داخلياً.

ويقول جوني لـ«الشرق الأوسط»: «إسرائيل لا تزال تواجه معضلة حقيقية في التعامل مع المسيّرات التي يطلقها (حزب الله)، بعدما فشلت حتى الآن في الحد من فاعليتها، الأمر الذي دفعها إلى اعتماد سياسة تقوم على تكثيف الإنذارات واستهداف المباني السكنية والقرى الجنوبية بشكل منهجي، بهدف فرض معادلة تربط استمرار المسيّرات باستمرار الضربات المؤلمة التي تصيب المدنيين وتوقع عائلات بأكملها بين قتيل وجريح».

وفي هذا السياق، تواصل مسيّرات «حزب الله» فرض نفسها بوصفها أحد أبرز عناصر المواجهة الميدانية، وسط إقرار إسرائيلي بصعوبة التعامل معها. وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل مجندة إسرائيلية إثر هجوم بمسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إطلاق نحو 15 مسيّرة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، سقط عدد منها داخل الأراضي الإسرائيلية، بالتزامن مع إعلان «حزب الله» تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت تجمعات وآليات ودبابات إسرائيلية في عدد من المحاور الحدودية.

الدخان يتصاعد من مدينة النبطية إثر استهدافها بغارات إسرائيلية (رويترز)

وحسب تقدير جوني، فإن عدم نجاح الضغوط الإسرائيلية في وقف هجمات المسيّرات دفع الجيش الإسرائيلي إلى توسيع عملياته البرية بحثاً عن مطلقيها، حيث تم تسجيل تقدم على محور زوطر الشرقية وصولاً إلى المنطقة، في إطار محاولة التمهيد للسيطرة على محور أرنون - الشقيف، بوصفه جزءاً من «الخط الأصفر»، مشيراً إلى أن مسار التطورات الميدانية خلال الساعات المقبلة سيكون عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة المرحلة التالية والخيارات التي قد يلجأ إليها الطرفان.

مجازر وارتفاع أعداد القتلى

وارتفعت حصيلة الضحايا المدنيين مع استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق مأهولة. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 11 شخصاً على الأقل، الخميس، بينهم طفلان وسيدتان، جراء غارات استهدفت صيدا وعدلون. وأدت غارة على شقة سكنية في منطقة القياعة في صيدا إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة لعائلة كانت تحاول النزوح عبر أوتوستراد عدلون، ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص من العائلة نفسها بينهم أطفال.

جانب من الدمار الذي أصاب مبنى في مدينة صيدا وأدى إلى سقوط قتلى وجرحى (إ.ب.أ)

كما سقطت قتلى وجرحى في غارات استهدفت مدينة صور، حيث تحدثت فرق الإنقاذ عن دمار كبير في الأحياء المستهدفة، فيما تواصلت عمليات رفع الأنقاض وإخماد الحرائق حتى ساعات الصباح. وتقول وزارة الصحة اللبنانية إن الغارات الإسرائيلية أدت منذ مطلع مارس (آذار) إلى مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، في وقت تتواصل فيه التحذيرات من تفاقم الوضع الإنساني مع توسع دائرة النزوح والقصف.


الاجتماع العسكري «اللبناني - الإسرائيلي» بموعده لتبادل الطروحات دون الحسم

سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الاجتماع العسكري «اللبناني - الإسرائيلي» بموعده لتبادل الطروحات دون الحسم

سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيدة تقف على أنقاض منزلها بعد استهدافه بقصف إسرائيلي في منطقة البرج الشمالي جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تتصدر الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مدينتي النبطية وصور وجوارهما، وتعدّ الأعنف والأوسع منذ أسابيع، جدول أعمال أول اجتماع عسكري بين لبنان وإسرائيل سيعقد في الساعات المقبلة في «البنتاغون»، ويشارك فيه ضباط من القيادة الأميركية الوسطى، رغم أن إسرائيل تدخلت لدى واشنطن لإقناعها بتأجيله، لكنها قوبلت بإصرار على انعقاده في موعده، خصوصاً أن توجه الوفد اللبناني إلى واشنطن أدى إلى حشر تل أبيب، وكان وراء تثبيت انعقاده.

الدخان يتصاعد من النبطية إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (رويترز)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر مواكب للاتصالات «اللبنانية - الأميركية» أن واشنطن مارست ضغطاً على إسرائيل للكف عن استهدافها لسد بحيرة القرعون في البقاع الغربي. وقال المصدر إن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون على تواصل دائم بكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، طالباً منهم التدخل لوقف التصعيد الإسرائيلي وتثبيت الهدنة.

ولفت إلى أنه يأمل عدم شمول الضاحية الجنوبية وبيروت بالضربات الإسرائيلية، لأن تفلت الوضع، من وجهة نظر واشنطن، لا يخدم إلا المتضررين من المفاوضات المباشرة بين البلدين برعاية أميركية، وأن «حزب الله» لن يكون منزعجاً في حال توقفها أو تعليق اجتماعاتها تحت الضغط بالنار لتبرير دعوته للتفاوض غير المباشر.

وأكد أن قيام إسرائيل بتوسعة ضرباتها وتكثيف غاراتها كان موضع بحث في اتصالات عون بكبار المسؤولين الأميركيين، خصوصاً أنها لا تستهدف الأمكنة التي يستخدمها «حزب الله» لإطلاق المسيّرات الانقضاضية بل أخذت تطاول عشرات البلدات، وأدت إلى تهجير سكانها وتدمير منازلهم. وقال إن محاولات جرت للتوصل إلى هدنة تسبق الاجتماع العسكري، لكنها اصطدمت كالعادة بموقف «حزب الله» وإسرائيل على خلفية مَنْ يلتزم أولاً بوقف النار؟

ورأى المصدر أن إسرائيل بتوسعة ضرباتها غير المسبوقة التي استهدفت المدنيين والعناصر العاملة في الهيئات الصحية والدفاع المدني، كانت تراهن على تعليق الاجتماع بطلب من لبنان، وهذا ما لم يفعله، ما اضطرها للدخول مباشرة على خط التواصل مع «الخارجية الأميركية» لإقناعها بتأجيله، لكنها لم تلقَ التجاوب، وأُبلغت بأنه قائم في موعده بلا أي تأخير، خصوصاً أن لبنان ليس سبباً في تأجيله.

وقال إن تثبيت الهدنة سيُدرج، بناءً على طلب الوفد العسكري اللبناني برئاسة مدير العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، بنداً أول على جدول أعماله، وأنه يراهن على تدخل الوفد العسكري الأميركي بناءً لاتصالات لبنانية شملت وزير الخارجية ماركو روبيو للضغط على الوفد الإسرائيلي لإلزامه بوقف النار، وفي حال لم يلقَ التجاوب المطلوب فإن البديل يكمن في دعوته لخفض منسوب التصعيد بامتناعه عن توسعة الضربات، بالتلازم مع إصرار الجيش الإسرائيلي على التوغل إلى مثلث بلدات يحمر - أرنون - ميفدون بعد دخوله إلى بلدة زوطر الشرقية.

غارة إسرائيلية على مبنى في الشويفات قالت إسرائيل إنها استهدفت فيها علي الحسيني المسؤول الصاروخي في «فرقة الإمام الحسين» التابعة لـ«فيلق القدس» الإيراني (أ.ف.ب)

وأكد المصدر أن تثبيت الهدنة يُمهّد الطريق أمام انعقاد الاجتماع السياسي بين البلدين يومي 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل بأجواء هادئة لئلا ينعقد تحت ضغط إسرائيل بالنار.

وقال إن الاجتماع العسكري يبقى تحت سقف تبادل الطروحات بين الوفدين دون حسمه كل ما يتعلق بالملف السياسي الذي هو من اختصاص وصلاحية الوفد اللبناني المفاوض، برئاسة السفير السابق سيمون كرم، الذي سيتقدم بتصور لبناني متكامل يتناول سلاح «حزب الله» تطبيقاً لحصريته على مراحل بيد الدولة، في مقابل جدولة الانسحاب الإسرائيلي، كما «إعلان النيات» الذي كان قد طرحه في جلسة المفاوضات السابقة، وطلب رئيس الوفد الإسرائيلي السفير لدى واشنطن يحيئيل ليتر التمهل لمراجعة رئيس حكومته بنيامين نتنياهو للوقوف على رأيه ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه.

ولم يستبعد المصدر أن يفتح تبادل الطروحات الباب أمام تقييم الأسباب التي حالت دون انتشار الجيش حتى الحدود الدولية، باحتفاظ إسرائيل بالنقاط الخمس، في مقابل امتناع «حزب الله» عن التجاوب مع قيادة قطاع جنوب الليطاني، بتزويدها بالخرائط الخاصة بالأنفاق التي شقّها تحت الأرض، ويختزن فيها الصواريخ، إضافة إلى عتاد عسكري متنوع، ما تسبب عند تفكيك بعضها في مقتل 12 جندياً وعشرات الجرحى.

وجدد تأكيده أن الوفد اللبناني للمفاوضات السياسية هو مَن يتخذ القرارات بالتشاور مع عون، وإنما تحت سقف إمكانية التوصل لاتفاق أمني لإنهاء حال الحرب بين البلدين، ولن يكون له من مفاعيل سياسية تؤدي لاتفاق سلام لن ينخرط فيه لبنان وحيداً من دون الدول العربية على قاعدة تمسكه بمبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة المنعقدة في بيروت عام 2002.

مواطنون في موقع المبنى الذي استهدف بغارة إسرائيلية في مدينة صيدا جنوب لبنان (أ.ب)

وفي هذا السياق، سأل مصدر سياسي عمّا إذا كان تعثر المفاوضات «الأميركية - الإيرانية» يُشكّل حافزاً أميركياً للتوصل إلى اتفاق يقضي بتثبيت الهدنة بين لبنان وإسرائيل، على أن تترك الإدارة الأميركية لنفسها اختيار التوقيت المناسب للإعلان عن ولادته، إفساحاً في المجال أمام التوصل إلى وقف لإطلاق النار يُسجَّل في خانة عون، ويأتي استباقاً للاتفاق «الأميركي - الإيراني»، في حال أدت الوساطات المتعددة إلى تذليل المعوقات التي تؤخر الإعلان عنه، بما يدعم وجهة نظر واشنطن في تمرير رسالة إلى «الثنائي الشيعي»، مفادها أنه لا جدوى من ربط المسار اللبناني بإيران، وأن المصلحة تقتضي الفصل بينهما، ما يضع «الثنائي» أمام إعادة النظر في رهانه على أن لبنان سيكون مشمولاً بالاتفاق «الأميركي - الإيراني».