«حماس» تختار قائدها الأحد وسط مساعٍ لعقد حوار وطني شامل

التنافس محصور بين خالد مشعل وخليل الحية الأوفر حظاً

مخيم للنازحين وسط ركام مبانٍ دمَّرتها إسرائيل خلال الحرب بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)
مخيم للنازحين وسط ركام مبانٍ دمَّرتها إسرائيل خلال الحرب بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)
TT

«حماس» تختار قائدها الأحد وسط مساعٍ لعقد حوار وطني شامل

مخيم للنازحين وسط ركام مبانٍ دمَّرتها إسرائيل خلال الحرب بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)
مخيم للنازحين وسط ركام مبانٍ دمَّرتها إسرائيل خلال الحرب بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

أعربت حركة «حماس»، عن أملها في أن يُعقَد لقاء مباشر بين قيادتها وقيادة حركة «فتح» بعد الانتهاء من أعمال المؤتمر العام الثامن للأخيرة، المنعقد لليوم الثاني على التوالي في رام الله وقطاع غزة والقاهرة وبيروت.

ومن المقرر أن ينتهي المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» السبت، بانتخاب أعضاء جدد للمجلس الثوري، واللجنة المركزية، بينما أُعيد الخميس، انتخاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، قائداً عاماً للحركة بإجماع أعضاء المؤتمر.

قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس»)

وحضر الجلسة الافتتاحية، ممثلون عن بعض الفصائل، سواء في داخل أو خارج الأراضي الفلسطينية، بينما لوحظ حضور ممثل عن حركة «حماس» في قطاع غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط»، أنه يوم الأحد، أنَّه من المفترض أن تُحسم، الأحد، هوية رئيس المكتب السياسي الجديد لـ«حماس»، حيث تنحصر المنافسة بين خالد مشعل، وخليل الحية صاحب الفرصة الأكبر، ليكون رئيساً عاماً للحركة.

وقال رئيس مكتب العلاقات الوطنية وعضو المكتب السياسي لـ«حماس»، حسام بدران، إن مؤتمر «فتح» فرصة لتحقيق نقلة في العلاقات الوطنية الداخلية، وزيادة الجاهزية والاستعداد لمواجهة مخططات الاحتلال، الذي يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، مستغلاً الظروف الدولية والإقليمية.

القيادي بحركة «حماس» خالد مشعل خلال كلمة له في الدوحة (أرشيفية - رويترز)

ودعا بدران في تصريح صحافي وزَّعته «حماس»، حركة «فتح» إلى اللقاء المباشر بعد انتهاء مؤتمرها الحالي من أجل الاتفاق على استراتيجية وطنية فلسطينية في كل القضايا التي تهم الفلسطينيين في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها قضيتهم.

وقال: «آن الأوان للتعالي على الخلافات، وعلى تبعات الماضي، والنظر للحاضر والمستقبل على قاعدة الشراكة الوطنية وتحمل المسؤولية الجمعية، والتحرك ميدانياً وسياسياً بما يتناسب مع تضحيات شعبنا الذي ينتظر منا عملاً واضحاً ومباشراً يغيِّر من واقعه الصعب في كل المجالات».

وعلمت «الشرق الأوسط»، أن فصائل فلسطينية ولجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية في قطاع غزة، وجَّهت مؤخراً رسائل للرئيس عباس، عبر قيادات في «فتح»، تدعوه للدعوة إلى عقد لقاء وطني شامل يُعقَد في العاصمة المصرية، القاهرة.

وقال مصدران من الفصائل الفلسطينية، إنَّها لم تتلقَ إجابة عن الرسائل التي وُجِّهت للرئيس عباس، لكن القيادات الفتحاوية التي نقلت الرسائل عبرها أكدت أنَّه ستكون هناك تحركات قريباً في هذا الشأن بعد الانتهاء من الترتيبات الداخلية للحركة.

قوة من شرطة «حماس» تتولى حراسة مكان انعقاد مؤتمر حركة «فتح» في جامعة الأزهر بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

ولفت المصدران إلى أنَّ مصر تدعم كثيراً من الجهود التي بُذلت في هذا الصدد، وأنَّها نقلت رسائل في الآونة الأخيرة من الفصائل الموجودة في القاهرة، ومن بينها وفد «حماس» الذي كان بالعاصمة المصرية، إلى السلطة الفلسطينية وقيادة «فتح»، وهناك رسائل أيضاً نُقلت من جانب تركيا في المضمار ذاته خلال زيارة نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، إلى أنقرة، ولقاء كبار المسؤولين هناك بمَن فيهم الرئيس رجب طيب إردوغان.

وأدت هذه الرسائل المتبادلة إلى توفير شرطة «حماس» الحماية الأمنية للانتخابات المحلية التي جرت في دير البلح حصراً بقطاع غزة دون باقي المناطق؛ بسبب الحرب، كما وفرت الشرطة الأمن خارج مقر جامعة الأزهر لمؤتمر حركة «فتح».

قوة من شرطة «حماس» تتولى حراسة مكان انعقاد مؤتمر حركة «فتح» في جامعة الأزهر بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

وأكد المصدران، أنَّ دولاً عربية وإسلامية تدعم جهود محاولات إعادة تشكيل الوضع الوطني الفلسطيني من جديد، وهو ما تسعى إليه الفصائل التي اجتمعت مؤخراً في سلسلة لقاءات عُقدت بينها بشكل جماعي وثنائي بالقاهرة؛ من أجل دعم خطط ترمي إلى استعادة الوحدة الوطنية.

ورفضت «فتح» مراراً وتكراراً المشارَكة في لقاءات بالقاهرة مع «حماس»، بينما اجتمع قيادات فيها مع وفود من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، مثل الجبهتين «الشعبية» و«الديمقراطية».

وقال مصدر قيادي في «حماس» لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل في أن تكون هناك تحركات جديدة بشأن إنهاء الانقسام، وعقد اجتماع وطني شامل سواء على صعيد الأمناء العامين أو مجمل القيادات الفلسطينية؛ بهدف وضع خريطة طريق للتطلعات الوطنية، ومواجهة التحديات التي تواجه قضيتنا».

ولا يُعرَف كيف سيكون موقف عباس بشأن إمكانية اتخاذ مثل هذا القرار في ظلِّ أن هناك جهات قيادية في «فتح» والسلطة الفلسطينية، ترى أن «حماس» لم يعد لها مكان لوضع اشتراطات لتكون جزءاً من أي منظومة، ما لم تلتزم بقرارات الشرعية الدولية، وهو أمر يبدو أن عباس يدعمه سواء علناً أو سراً، الأمر الذي قد يشير إلى أنَّ الامتناع عن لقاء «حماس» في مصر كان ضمن هذا النهج والسياسة.

فلسطينية تلوّح بعلم «فتح» خلال مشاركتها بمؤتمر الحركة في جامعة الأزهر بمدينة غزة الخميس (رويترز)

وقال عباس في كلمة له بافتتاح مؤتمر «فتح»، مساء الخميس: «إنَّ قطاع غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وإنَّ أي ترتيبات انتقالية يجب أن تكون مؤقتة، ولا يجوز أن تمس بوحدة الأرض الفلسطينية أو وحدانية التمثيل أو الشرعية أو نظاميها السياسي والقانوني».

وأضاف عباس: «وحدتنا الوطنية تبقى الأساس الصلب لمواجهة التحديات، وإنهاء الانقسام، وفق أسس اتفقنا جميعاً عليها، ترتكز على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً، والالتزام ببرنامجها السياسي والتزاماتها الدولية ومبدأ النظام الواحد والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد، والالتزام بالمقاومة الشعبية السلمية... دعونا الجميع إلى الالتزام بهذه المبادئ، التي ستفتح الطريق للوحدة الوطنية، وتُسهم في تعزيز صمود شعبنا، وتحقيق تطلعاته إلى الحرية والاستقلال، وتجسيد دولتنا الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية».

وكثيراً ما كانت «حماس» تتمسَّك برفضها قرارات الشرعية الدولية، التي تتضمَّن الاعتراف بإسرائيل، الأمر الذي أفشل سابقاً قدرة أطراف عربية ودولية للدفع باتجاه انضمامها لمنظمة التحرير، وحتى الاقتراب أكثر من حركة «فتح» ونهجها السياسي، الأمر الذي أفشل أيضاً جسر الهوة معها، وإنهاء الانقسام المستمر منذ سنوات طويلة.

ولوحظ أنَّ حركة «حماس» لم تعلق على خطاب الرئيس عباس، الذي حضره ممثل عن الحركة بغزة، رغم انتقاده الواضح لنهجها وسياساتها، خصوصاً هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما تبعه من ويلات حرب مُدمِّرة ضد سكان قطاع غزة.


مقالات ذات صلة

إسرائيل لمقاضاة «نيويورك تايمز» على خلفية تحقيق العنف الجنسي بحق معتقلين فلسطينيين

شؤون إقليمية معتقلون فلسطينيون داخل أحد السجون الإسرائيلية (وكالة الانباء والمعلومات الفلسطينية)

إسرائيل لمقاضاة «نيويورك تايمز» على خلفية تحقيق العنف الجنسي بحق معتقلين فلسطينيين

أوعز نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر بـ«الشروع في إقامة دعوى تشهير على صحيفة نيويورك تايمز»، بحسب بيان مشترك صادر عن مكتبيهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
العالم مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك (إ.ب.أ) p-circle

المفوض الأممي لحقوق الإنسان يدعو إسرائيل لإلغاء محكمة خاصة بهجوم 7 أكتوبر

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إسرائيل إلى إلغاء المحكمة العسكرية الخاصة المنشأة حديثاً لمحاكمة الفلسطينيين المتهمين بالمشاركة في هجمات «حماس».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
تحليل إخباري منظر عام لكتلة خرسانية تمثل الخط الأصفر الذي رسمه الجيش الإسرائيلي في البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

تحليل إخباري «اتفاق غزة»: «الخط البرتقالي» عقبة جديدة أمام مسار الوسطاء

وسّعت إسرائيل نطاق سيطرتها عند «الخط الأصفر» الذي يعادل ما يقرب من 53 في المائة من مساحة قطاع غزة ليبلغ حالياً 64 في المائة من القطاع.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي الممثل السامي لمجلس السلام الدولي في غزة  نيكولاي ملادينوف (أ.ف.ب)

مبعوث مجلس السلام: وقف النار في غزة فشل في تلبية توقعات الفلسطينيين والإسرائيليين

اعترف نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام الدولي، الذي يشرف على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة «حماس»، أمس الثلاثاء، بأنه لم يتم إحراز تقدم يذكر.

«الشرق الأوسط» (القدس)
خاص اجتماع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وممثل غزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف الأربعاء (مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية) p-circle

خاص ملادينوف يدرس إدخال «لجنة غزة» إلى مناطق ستنسحب منها إسرائيل

كشفت مصادر فلسطينية وغربية أن الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، يدرس «السماح بإدخال (لجنة إدارة غزة) إلى مناطق ستنسحب منها إسرائيل داخل غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

المالكي يشتكي من «الغدر»... وعقد السوداني يقترب من الانفراط

صورة وزعها المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تُظهر علي الزيدي وهو يتابع جانباً من التصويت على الحكومة الجديدة
صورة وزعها المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تُظهر علي الزيدي وهو يتابع جانباً من التصويت على الحكومة الجديدة
TT

المالكي يشتكي من «الغدر»... وعقد السوداني يقترب من الانفراط

صورة وزعها المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تُظهر علي الزيدي وهو يتابع جانباً من التصويت على الحكومة الجديدة
صورة وزعها المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تُظهر علي الزيدي وهو يتابع جانباً من التصويت على الحكومة الجديدة

برزت في العراق بوادر تفكك داخل «الإطار التنسيقي» الذي يضم أبرز القوى الشيعية الحاكمة، عقب جلسة منح الثقة لحكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، والتي كشفت عن تباينات حادة في إدارة توزيع الحقائب الوزارية، وتصدعات في التفاهمات التي سبقت التصويت البرلماني.

وجاءت هذه التطورات بعد أن صوّت مجلس النواب على منح الثقة لـ14 وزيراً فقط من أصل تشكيلة حكومية يُفترض أن تضم 23 حقيبة، في حين أُجّل البت في تسع وزارات، بينها الداخلية والدفاع والتعليم العالي والتخطيط، بسبب خلافات سياسية واسعة داخل الكتل المنضوية في التحالفات الشيعية والسنية والكردية.

وكلّف الزيدي، وهو رجل أعمال وشخصية مصرفية لم تكن معروفة على نطاق واسع في الوسط السياسي، تشكيل الحكومة الجديدة في أواخر أبريل (نيسان)، بعد سحب ترشيح نوري المالكي إثر تهديد أميركي مباشر بوقف دعم العراق في حال عودته إلى منصب شغله ثمانية أعوام، في حين يشاع على نطاق واسع أن هجمات الفصائل المسلحة على مصالح أميركية في العراق، خلال الحرب مع إيران، أضرت بفرص التجديد لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.

ويأتي تولي الزيدي رئاسة الحكومة رسمياً في ظرف بالغ الحساسية للعراق الذي اضطر على مدى الأعوام الماضية إلى إيجاد توازن دقيق في علاقته بكل من طهران وواشنطن، وتزداد حاجته إلى ذلك راهناً في ظل تأثره المباشر بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

تصدعات «الإطار»

وأظهرت جلسة البرلمان، التي عُقدت مساء الخميس، وفق نواب ومصادر سياسية، تبايناً واضحاً داخل «الإطار التنسيقي» الذي يضم قوى رئيسية، بينها «ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، وكتل شيعية نافذة أخرى، بشأن توزيع الوزارات السيادية، خصوصاً الداخلية والتعليم العالي.

وقالت النائبة عن «ائتلاف دولة القانون» ابتسام الهلالي، في تصريحات صحافية، إن عدم تمرير مرشحي كتلتها يمثل «غدراً بالاتفاقات السياسية»، متهمة أطرافاً داخل البرلمان بمخالفة التفاهمات التي سبقت الجلسة، وهو ما أدى إلى تعطيل حسم عدد من الوزارات المخصصة ضمن ما يُعرف بنظام «المحاصصة».

وتشير هذه الخلافات إلى اهتزاز التفاهمات داخل «الإطار» الذي كان قد رشّح رئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي لتشكيل الحكومة، بعد سحب ترشيحات سابقة، ومخاض سياسي طويل.

وفي السياق نفسه، تحدث العضو في «الإطار التنسيقي» عبد الرحمن الجزائري عن وجود «مؤامرة سياسية» حالت دون تمرير بعض المرشحين، في إشارة إلى تصاعد الانقسام بين مكونات التحالف.

صورة وزعها المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تُظهر علي الزيدي (في الوسط) جالساً قبل تقديم حكومته إلى البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026

انسحابات تعمّق الانقسام

وفي تطور يعكس اتساع دائرة التباين، أعلنت كتلة «العقد الوطني» وحركة «سومريون» انسحابهما من «ائتلاف الإعمار والتنمية» الذي كان يقوده رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، متهمتين القيادة السياسية داخل الائتلاف بممارسة الإقصاء والتهميش والإخلال بالاتفاقات.

وقال بيان مشترك للكتلتين إن ما جرى خلال جلسة البرلمان يمثل «التفافاً على التفاهمات السياسية» و«تغليباً للمصالح الفردية على المصلحة الوطنية»، معلناً التوجه لتشكيل تكتل جديد يضم نواباً من اتجاهات متعددة، في خطوة قد تعيد رسم خريطة التحالفات داخل البرلمان.

وفي وقت لاحق، أعلن النائب عمار يوسف، يوم الجمعة، انسحابه أيضاً من ائتلاف السوداني، مؤكداً في الوقت ذاته استمراره ضمن تحالف «العقد الوطني» برئاسة فالح الفياض.

ويُنظر إلى هذه الانسحابات على أنها مؤشر إضافي على إعادة تشكّل الاصطفافات السياسية داخل المعسكر الشيعي، الذي يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية متزايدة.

وكان السوداني قد وجّه انتقادات حادة لحلفائه في «الإطار التنسيقي». وقال في خطاب بُث قبل ساعات من جلسة منح الثقة للزيدي، إن «حكومته تحملت كماً كبيراً من الاتهامات الكاذبة والمضللة ومحاولات تزييف الحقائق»، مشيراً إلى أن «أي حكومة سابقة لم تشهد مثل هذه الحملات الممنهجة التي تقودها زعامات الفشل»، على حد تعبيره.

نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة إقليم كردستان العراق يصل إلى مبنى البرلمان قبل جلسة التصويت على منح الثقة للحكومة التي شكّلها الزيدي (د.ب.أ)

حكومة جزئية

وجاءت حكومة الزيدي، وهي أول تجربة تنفيذية له، في ظرف سياسي حساس يتسم بتداخل النفوذ بين قوى داخلية وإقليمية ودولية، وبخاصة في ما يتعلق بملف الفصائل المسلحة والعلاقة مع الولايات المتحدة وإيران.

وأعلن الزيدي في برنامج حكومته أن أولوياته تشمل «حصر السلاح بيد الدولة» وإصلاح الأجهزة الأمنية، إلى جانب ملفات الاقتصاد والخدمات، في وقت تربط فيه واشنطن استمرار دعمها لبغداد بإجراءات ملموسة في هذا الملف.

وتضم الحكومة الحالية عدداً من الوزارات التي لم تُحسم بعد، أبرزها الداخلية والدفاع، وسط استمرار التنافس بين الكتل السياسية على المواقع السيادية.

ودعا رئيس تحالف قوى «الدولة الوطنية» عمار الحكيم إلى تسريع استكمال تشكيل الحكومة، محذراً من أن «الحكومة غير المكتملة لا يمكن أن تؤدي مهامها بشكل كامل»، في إشارة إلى خطورة استمرار الفراغ الوزاري.

من جهته، هنّأ رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان القوى السياسية على إتمام الاستحقاقات الدستورية، معرباً عن أمله في أن تسهم الحكومة الجديدة في تعزيز الاستقرار وتحسين الأداء المؤسسي.

كما هنّأ رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، الزيدي على نيل حكومته الثقة، داعياً إلى التكاتف لدعم مسار الدولة في هذا «المنعطف الحاسم»، واعتبر أن التحديات الراهنة تفرض مسؤولية تاريخية لتعويض ما فات، وطي صفحة «التركة المريرة» الناتجة عن سنوات غياب الرؤية، وسوء الإدارة التي أنهكت البلاد.

بدوره، أكد رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، استعدادهم «التام» للعمل مع الحكومة الاتحادية «على أساس الدستور والشراكة والتوازن»، مشيراً إلى أن «التعاون المشترك بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية يأتي بهدف حل جميع المشاكل العالقة، وضمان وحماية الحقوق الدستورية لجميع المكونات».

رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي (في الوسط) يصل إلى مبنى البرلمان قبل جلسة التصويت على منح الثقة للحكومة التي شكّلها الزيدي (د.ب.أ)

أبعاد إقليمية ودولية

وتلقت الحكومة العراقية الجديدة رسائل تهنئة من موسكو وطهران؛ إذ أعرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تطلع بلاده لتعزيز التعاون الثنائي، في حين أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعم طهران لمسار التعاون الاستراتيجي مع بغداد.

كما قدم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التهنئة للزيدي بعد نيله ثقة البرلمان، وأعرب في بيان صحافي عن سعادته بـ«بقاء أخي فؤاد حسين في منصب وزير خارجية العراق».

وكان الدبلوماسي الأميركي توم برّاك قد هنّأ الزيدي على نيله الثقة. وكتب على «إكس» أن حكومته مستعدة للعمل مع رئيس الوزراء لـ«الدفع قدماً بأهدافنا المشتركة من أجل ازدهار الشعب العراقي والقضاء على الإرهاب».

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار التوازن الحساس الذي تحاول بغداد الحفاظ عليه بين واشنطن وطهران، وسط تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط الأميركية المتعلقة بملف السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وقال حسين مؤنس، رئيس كتلة «حقوق» النيابية، المقربة من «كتائب حزب الله» الحليفة لطهران، بعد جلسة البرلمان: «هذه الحكومة شهدت، وللأسف، تأسيس أعراف خطيرة تهدد مستقبل العملية السياسية، في مقدمتها التدخل الأميركي الواضح والمباشر في تشكيل المشهد السياسي». وشدد مؤنس على أن حصر السلاح «لا بد أن يتم من خلال سحب الذرائع وليس... الضغط».

ونقلت وسائل إعلام أميركية عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية أن «العراق لديه خيار يتعين عليه اتخاذه» في ما يتعلق بمشاركة الفصائل المسلحة، مشدداً على أنه «يجب ألا يكون للميليشيات الإرهابية التابعة لإيران أي دور في مؤسسات الدولة، ولا أن تُستخدم أموال الحكومة العراقية لدعمها»، ومحذراً من أن واشنطن «ستعاير نهجها تجاه الحكومة الجديدة على هذا الأساس».

وتفيد تسريبات بأن الولايات المتحدة وضعت «فيتو» على مشاركة ستة فصائل مسلحة تمتلك أجنحة سياسية في الحكومة المقبلة، مشيرة إلى أن هذا «الفيتو» وصل عبر رسالة أُرسلت إلى مجموعة من قادة «الإطار التنسيقي»، دون الكشف عن أسماء الفصائل المعنية.

وتنضوي الفصائل تحت تحالف «الإطار التنسيقي»، وهو يمثل الكتلة البرلمانية الكبرى بنحو 180 نائباً، ما منحه دستورياً حق ترشيح رئيس الحكومة، وهو ما تجلّى في إعلانه بتاريخ 27 أبريل (نيسان) ترشيح علي الزيدي لمنصب رئيس الوزراء، وهو ترشيح قوبل بترحيب من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي تمنى له النجاح.

ولطالما سعى العراق للموازنة في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي الذي أطاح نظام صدام حسين في عام 2003.

صورة وزعها المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تُظهر علي الزيدي وهو يتحدث قبل تقديم حكومته إلى البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026

تحديات الزيدي

تشير مجمل التطورات إلى مرحلة سياسية غير مستقرة تتسم بإعادة تشكيل التحالفات داخل البرلمان، وتزايد التباينات داخل القوى الشيعية الكبرى، بما في ذلك «الإطار التنسيقي»، الذي كان يشكّل حتى وقت قريب مظلة جامعة لتلك القوى.

ومع استمرار الخلافات على استكمال الحقائب الوزارية، يبقى مستقبل الحكومة الجديدة مرهوناً بقدرة الكتل السياسية على إعادة ضبط تفاهماتها، في ظل مشهد إقليمي معقد وضغوط اقتصادية وأمنية متصاعدة.

ويواجه رئيس الوزراء تحديات سياسية أخرى، من أبرزها إصلاح العلاقات مع دول الخليج المتوترة في ظل اتهام الأخيرة للفصائل الحليفة لطهران بشنّ هجمات في إطار الحرب في الشرق الأوسط. كما يواجه الزيدي معضلات اقتصادية، أبرزها خزينة عامة تعاني نقصاً في إيراداتها المستندة على مبيعات النفط، في ظل تقييد حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب الحرب.


«خطوة مقابل خطوة» برعاية أميركية لـ«تفكيك حزب الله» وانسحاب إسرائيل

جنود لبنانيون عند نقطة تفتيش في بيروت (إ.ب.أ)
جنود لبنانيون عند نقطة تفتيش في بيروت (إ.ب.أ)
TT

«خطوة مقابل خطوة» برعاية أميركية لـ«تفكيك حزب الله» وانسحاب إسرائيل

جنود لبنانيون عند نقطة تفتيش في بيروت (إ.ب.أ)
جنود لبنانيون عند نقطة تفتيش في بيروت (إ.ب.أ)

مع انتهاء الجولة الثالثة التي استمرت يومين من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بضيافة وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، حذر خبراء بارزون لدى مراكز الدراسات الأميركية من أن المحادثات لإحلال السلام بين الطرفين تواجه عقبة جوهرية تتمثل بـ«حزب الله»، في ظل تسريبات عن «خطط ملموسة» أعدتها إدارة الرئيس دونالد ترمب لـ«تفكيك» التنظيم الموالي لإيران.

وقال مدير برنامجي الاستراتيجية والأمن القومي لدى مؤسسة «راند» البروفسور رافاييل كوهين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «القضية الأساسية هنا هي (حزب الله)، وهو ليس طرفاً في المفاوضات، بل إنه يعارضها بشدة». ولذلك، فإن المفاوضات تُخاطر بالانفصال عن الواقع الميداني. وأضاف: «لدينا عملية دبلوماسية منفصلة عن العنصر الأساسي في الصراع، وهو المواجهة بين إسرائيل و(حزب الله). ونتيجة لذلك، ليس من المستغرب أن المحادثات لم تُحقق بعد الاستقرار الذي كان الجميع يأمله في جنوب لبنان».

نازحون من الضربات الإسرائيلية في الجنوب يرفعون العلم اللبناني فوق خيامهم في بيروت (أ.ب)

فعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية المتواصلة التي تبذلها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر السفيرين الأميركيين في لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايكل هاكابي، اللذين يعتبران مهندسي عملية السلام المنشودة بين الطرفين، تواصل القتال على نطاق واسع بين إسرائيل و«حزب الله» حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، مما يثير شكوكاً حول إمكان تحقيق المحادثات نتائج ملموسة.

ولذلك، ينظر الزميل الرفيع لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، نيكولاس نصار، إلى هذه العقدة من زاوية مختلفة؛ لأن استمرار الحرب على جانبي الحدود بين لبنان وإسرائيل أظهر «الحاجة الملحة» إلى المفاوضات الجادة، علماً بأن الإسرائيليين واللبنانيين «على حد سواء، يدركون أن هذه الحرب يجب أن تكون الأخيرة، لا مجرد هدنة مؤقتة أخرى تُؤجل الصراع وتُمهد الطريق لحرب أخرى»، على حد قوله لـ«الشرق الأوسط».

شراكة استراتيجية

الزميل الرفيع لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن نيكولاس نصار (أ.ب)

ويقر كوهين بأن للمفاوضات أهمية رمزية. وقال: «للمرة الأولى منذ مدة، نرى حكومة لبنانية تُبدي على الأقل انفتاحاً على إزاحة (حزب الله) سياسياً وعسكرياً. ومن منظور إقليمي، تُعدّ هذه خطوة إيجابية». لكنه حذر من أن هذه الرمزية وحدها لن تُغيّر على الأرجح موازين القوى داخل لبنان. وأضاف: «أما حول إذا كانت الحكومة اللبنانية قادرة فعلاً على إزاحة (حزب الله)، فهذه مسألة أخرى».

ويتفق معه نصار مجادلاً بأن «الدبلوماسية لن تُفلح إلا إذا عالجت تحدِّيين أساسيين في آن: المنطقة الآمنة لإسرائيل في جنوب لبنان، وعجز الدولة اللبنانية عن فرض سيادتها وقراراتها بشأن نزع سلاح (حزب الله)». واعتبر أن «هنا يكمن دور الولايات المتحدة المحوري في توسيع نطاقه ليصير شريكاً استراتيجياً في استعادة السيادة اللبنانية وسلطة الدولة»، مضيفاً أن واشنطن «تتمتع بموقع فريد لا يقتصر على التوسط بين لبنان وإسرائيل، بل يمتد ليشمل توجيه ودعم عملية نزع سلاح جادة بقيادة الدولة تُعزز القوات المسلحة اللبنانية لتصير مؤسسة تُدافع عن سيادة» لبنان.

ويربط البعض هذا الكلام بتصورات وخطط وضعتها إدارة الرئيس ترمب للسماح لإسرائيل بمواصلة عملياتها الحربية، وكذلك لمساعدة السلطات اللبنانية على السيطرة على المنشآت العسكرية لـ«حزب الله» و«تفكيك» أجهزته الأمنية والعسكرية على الأراضي اللبنانية، من دون أن يتضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستضطلع بدور مباشر في هذه العملية.

ولم يشأ مسؤول أميركي الرد على أسئلة «الشرق الأوسط» حول ما إذا كانت الخطط الموضوعة أميركياً من قبل وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» قد نوقشت خلال المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية. غير أن نصار يشير إلى «معادلة واضحة» تختصر بأن «كل خطوة نحو الانسحاب الإسرائيلي يجب أن تُقابلها إجراءات إنفاذ لبنانية ملموسة على أرض الواقع. خطوة بخطوة، يتجه الطرفان نحو الهدف نفسه: لبنان تسيطر فيه الدولة - لا (حزب الله) ولا إيران - على أراضيها وحدودها ومستقبلها».

مساران غير منفصلين

مدير برنامجي الاستراتيجية والأمن القومي لدى مؤسسة «راند» البروفسور رافاييل كوهين (أ.ب)

وكان الرئيس دونالد ترمب أيد في البداية وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، جزئياً بسبب الآمال المعقودة على إحراز تقدم مع إيران. غير أن تضاؤل ​​فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية أوسع مع إيران، خففت أيضاً من استعداد واشنطن للضغط بشدة على إسرائيل.

وفي وقت يسعى فيه الوسطاء الأميركيون إلى أن ترسخ المحادثات في نهاية المطاف «إطاراً لكيفية إدارة إسرائيل ولبنان لعلاقاتهما مستقبلاً، يستبعد كوهين أن تكون الدبلوماسية وحدها قادرة على تغيير موقف «حزب الله». وتساءل: «هل أعتقد أن هذه المحادثات وحدها ستُجبر (حزب الله) على نزع سلاحه أو تغيير موقفه بصورة جذرية؟ كلا». بل جادل بأن مستقبل الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية «لا ينفصل» عن المواجهة الأوسع التي تشمل إيران. ورأى أنه «في نهاية المطاف، سيعتمد موقف (حزب الله) المستقبلي إلى حد كبير على ما سيحدث بين إسرائيل وإيران»، مضيفاً أن النفوذ الإيراني «يُهيمن على كل شيء آخر، بما في ذلك لبنان». ونبه إلى أن الولايات المتحدة تنظر إلى الوضع أيضاً من منظور الملف الإيراني.

ولذلك يبدو أن استعداد واشنطن للضغط على إسرائيل من أجل ضبط النفس مرتبط بآفاق المفاوضات الأوسع نطاقاً مع طهران. وقال: «لا أرى أي تحرك أميركي جاد لكبح جماح العمل العسكري الإسرائيلي بشكل كامل ما لم يُحرز تقدم أكبر من الموجود الآن في الملف الإيراني».

ويؤكد نصار، في هذا السياق، أن «إيران لا تستطيع أن تُحقق مستقبلاً ذا سيادة للبنان؛ لأن طهران لم تُعامل لبنان قط كدولة ذات سيادة، بل كساحة معركة أمامية ضد إسرائيل»، موضحاً أن «هدفها اليوم ليس إنقاذ لبنان، بل إنقاذ ما تبقى من (حزب الله) كمعقل مسلح للقوة الإيرانية، حتى لو كان ذلك يعني إدانة الشعب اللبناني بحرب دائمة ودمار وخراب اقتصادي».

«الفيل الأكبر»

فتاة تبكي فوق نعش خلال تشييع في صيدا لعاملي إنقاذ قُتلا بغارة إسرائيلية في مدينة النبطية (أ.ف.ب)

وعما إذا كانت إيران هي «الفيل الأكبر» أم «حزب الله» أم كلاهما في غرفة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، يعتقد كوهين أن «(حزب الله) عامل رئيسي أيضاً بلا شك. لكن نعم، ما يحدث مع إيران يُلقي بظلاله على كل شيء آخر»، رافضاً فكرة إمكانية فصل المسارين اللبناني والإيراني دبلوماسياً. وينطلق من هذا المنطق ليشدد على أن «إحراز تقدم في الملف الإيراني سيُهيئ الحيز الدبلوماسي اللازم لمعالجة الملف اللبناني بجدية». ويقول: «يصعب عليّ تصور تسوية دائمة في لبنان دون تفاهم أوسع يشمل إيران».

وبينما يعتقد كل من نصار وكوهين أن الدبلوماسية مع إيران لا تزال ممكنة، حذرا من أن أي انفراجة ستستغرق وقتاً طويلاً. وانطلاقاً من ذلك لا يمكن لبنان أن «يبقى مكتوفاً في غرفة الانتظار». ويقول كوهين: «ما دام لم يحدث تقدم في الملف الإيراني، فسيكون من الصعب أيضاً حل الأزمة اللبنانية. لذا أعتقد أننا أمام فترة طويلة من عدم الاستقرار».

ولكن نصار يبدو أكثر إلحاحاً على ضرورة إخراج لبنان من المأزق الحالي. ويكرر أن «ما يريده الشعب اللبناني واضح تماماً: دولة بجيش واحد، وحكومة واحدة، وسلطة سيادية واحدة، وحق غير قابل للتصرف في تقرير مصيره». ويؤكد أنه «بإمكان الولايات المتحدة أن تُساعد في تحقيق ذلك. ليس باختيار مستقبل لبنان نيابة عنها، بل بتمكين الدولة اللبنانية لتكون مستقبل لبنان الوحيد». ويوضح أن «بإمكان واشنطن أن تُقدم ما لن تُقدمه طهران أبداً: السيادة. يجب أن يُحدد مستقبل لبنان في بيروت، لا في طهران».

ويبدو كوهين متشائماً حيال آفاق العلاقات بين لبنان وإسرائيل لأنه «من الصعب التفاؤل في الوقت الراهن».


خطة نتنياهو الانتخابية مبنية على نزع شرعية الأحزاب العربية

محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية-أ.ف.ب)
محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

خطة نتنياهو الانتخابية مبنية على نزع شرعية الأحزاب العربية

محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية-أ.ف.ب)
محتجّون عرب في إسرائيل يحملون لافتات تُحمّل حكومة نتنياهو المسؤولية عن تفشي الجرائم ضدهم خلال مظاهرة بتل أبيب (أرشيفية-أ.ف.ب)

كشفت مصادر مقرَّبة من الائتلاف الحكومي عن خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لقلب نتائج استطلاعات الرأي، التي تشير إلى احتمال كبير لإسقاطه، بأمل الفوز في الانتخابات. وتعتمد هذه الخطة على عدة عناصر؛ بينها نزع شرعية الأحزاب العربية، وشن حملة على الجهاز القضائي ترمي إلى تحطيم هيبته وإدخاله في عملية دفاع عن النفس، ومنع التشرذم في أحزاب اليمين المتطرف وتوحيد صفوفها في تكتلات كبيرة، وإغراق الأحزاب الدينية الحريدية بالمال لإبقائها حليفة.

ومع أن الإعلام المناوئ لنتنياهو يبني على نتائج الاستطلاعات، التي تجمع على أنه سيخسر الحكم، ويصفه بـ«القائد اليائس والمتعب، والشاحب والحائر»، كما جاء في تقرير لصحيفة «هآرتس»، فإن المقرَّبين منه يؤكدون أنه «يخوضها حرباً وجودية يُكرس فيها كل ما اكتسبه من خبرة ودهاء، ويديرها بشراسة مقاتلي الكوماندوز».

ونقل الكاتب والنشيط السياسي أوري مسغاف عن أولئك المقربين أن البند الأول في خطة نتنياهو يتعلق بالناخبين العرب (فلسطينيي 48)، وتقويض شرعيتهم كمواطنين أصحاب حق في الاقتراع، وبث الكراهية والعداء لهم وضرب أحزابهم، واتهام المعارضة، بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد وغادي آيزنكوت، بالاتفاق معهم على الشراكة في الحكم، تحت شعار «بينيت ولبيد وآيزنكوت سيشكلون حكومة مع الإخوان المسلمين».

إحدى جلسات الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) في القدس (أرشيفية-أ.ب)

كما ينوي نتنياهو سن قوانين واتخاذ إجراءات لشطب قسم من الأحزاب العربية وعدد من قادتها بحجة مساندة الإرهاب، وشن حملة ترهيب على الجهاز القضائي؛ لمنعه من تكرار الأحكام التي تُجيز هذه الأحزاب. والتدخل الفظ في عمل لجنة الانتخابات المركزية ضدهم. ولا يستبعد مسغاف أن يعمل نتنياهو على السعي لخفض نسبة المشاركة في الانتخابات بالمجتمع العربي، من خلال استفزازات متعمَّدة لإشعال أعمال عنف ونشر أفلام فيديو مُفبركة في الإنترنت.

ويقول أوري مشغاف إن هذه العملية ستترافق مع إجراءات لنزع الشرعية عن المحكمة العليا، وحتى تقويض مكانة رئيس لجنة الانتخابات نوعم سولبرغ (وهو مستوطن يرتدي قبعة منسوجة). ويؤكد أن هذه المعركة ستستمر عند فرز الأصوات، في ختام يوم الانتخابات، في سيناريو مأخوذ عما ما حدث في «الكابيتول» سنة 2020، عندما رفض أنصار الرئيس دونالد ترمب القبول بالهزيمة ورفضوا رأي الناخب واقتحموا الكونغرس من خلال ممارسة العنف.

وعلى صعيد أحزاب اليمين، يضع نتنياهو خطة لتوحيد الصفوف ومنع الشرذمة، وذلك أولاً بمنع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش من خوض الانتخابات بحزب منفرد، حيث إن الاستطلاعات تشير إلى أنه لن يتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25 في المائة من الأصوات الصحيحة، وهو يضع أمام سموتريتش ثلاثة خيارات مُلزِمة؛ الأول فرض الوحدة من جديد بينه وبين حزب أيتمار بن غفير، لكن هذه المرة بقيادة بن غفير الذي يتمتع بشعبية واسعة بين صفوف اليمين المتطرف (الاستطلاعات تتنبأ له بأن يرتفع من 6 نواب حالياً إلى 9 - 10 نواب). والخيار الثاني أن يقبل ضم القائد العسكري الاستيطاني عوفر فنتر، الأكثر شعبية في أوساط اليمين الاستيطاني، زعيماً لحزب «الصهيونية الدينية»، بحيث يكون سموتريتش ثانياً وراءه، والخيار الثالث هو أن ينضم سموتريتش إلى كتلة مستقلة بقائمة الليكود الانتخابية.

مظاهرة للعرب في إسرائيل بتل أبيب (أرشيفية-رويترز)

كما ينوي نتنياهو إقامة تكتل يميني جديد يمتص أصوات اليمين التي تترك «الليكود» وغيره من الأحزاب اليمينية. وقد يضم هذا التكتل شخصيات تبدو معارِضة ومنشقة لتعود بعد الانتخابات وتنضم إلى نتنياهو، كما حصل مع جدعون ساعر، الذي عاد إلى «الليكود»، وعيّنه نتنياهو وزيراً للخارجية.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه كثيرون بما يُعرَف بالأزمة بين نتنياهو والأحزاب الدينية الحريدية، تؤكد الأحداث والتطورات أن كل ما يجري حالياً هو مسرحية تجري بالتنسيق بينهما. وقد كشفت مصادر سياسية، اليوم الجمعة، أن نتنياهو وسموتريتش يخططان لوضع خطة دعم مالي لهذه الأحزاب، إضافة إلى مليار شيقل (335 مليون دولار) كل سنة. والخطة ستكون غير مسبوقة، بحجمها ومداها، إذ تضمن بالقانون دعماً مالياً لخمس سنوات متواصلة.

يُذكَر أن استطلاع الرأي الأسبوعي لصحيفة «معاريف»، الذي نُشر اليوم، أشار إلى أن 55 في المائة من المستطلعين يؤيدون اعتزال نتنياهو الحياة السياسية، وألا يخوض الانتخابات المقبلة، بينما قال 38 في المائة، وبينهم 91 في المائة من ناخبي أحزاب الائتلاف، إنهم يريدون أن يخوض الانتخابات على رأس حزب الليكود، وأجاب 7 في المائة بأنهم لا يعرفون الإجابة. كما أشار الاستطلاع إلى أن أحزاب المعارضة اليهودية ستفوز بأكثرية 61 مقعداً (من مجموع 120)، فيما لو جرت الانتخابات اليوم، بينما يحصل ائتلاف نتنياهو على 49 مقعداً (يوجد له اليوم 68 مقعداً). ويقول نتنياهو إنه سيثبت أن هذه النتائج غير واقعية، وستصبح هراء عندما يُنفذ خطته الانتخابية المذكورة.