أعادت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، للمرة الأولى منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، خلط المشهدين الأمني والسياسي في لبنان، وسط مخاوف متزايدة من انتقال المواجهة مجدداً إلى مرحلة أخرى في حال ردّ «حزب الله» على العملية، بعد ما يزيد عن شهر من محاولات تثبيت قواعد اشتباك غير معلنة حالت دون توسّع العمليات نحو العاصمة اللبنانية.
وشكّل استهداف منطقة حارة حريك، معقل «حزب الله»، وإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن اغتيال القيادي في «قوة الرضوان» أحمد غالب بلوط، الملقب بـ«مالك» مؤشراً إلى تبدّل في طبيعة الرسائل الإسرائيلية، خصوصاً أن العملية جاءت عشية التحضير لجولة ثالثة من المفاوضات المباشرة اللبنانية-الإسرائيلية، وفي توقيت إقليمي بالغ الحساسية يتصل أيضاً بمسار التفاوض الأميركي-الإيراني.
وسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس إلى تبنّي العملية، فيما نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول أمني أن الموقع المستهدف كان يُستخدم لإصدار تعليمات مرتبطة بخرق وقف إطلاق النار.
استهداف بيروت... هل يتغيّر سقف المواجهة؟
وبدا أن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، رغم الضمانات الأميركية التي تلقاها لبنان عن تحييد العاصمة، ومحيطها، لا يمكن فصله عن محاولة إسرائيل إعادة رسم قواعد الاشتباك مع «حزب الله»، بعد فترة من الهدوء النسبي على مستوى العاصمة، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية جنوباً ضمن نمط استنزاف متبادل على طول الحدود.
وبينما لم يصدر «حزب الله» أي موقف بعد 15 ساعة على الاستهداف، اعتبر رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الدكتور هشام جابر أن «حزب الله» «يحاول إظهار قدرته على الرد، لكن من دون الذهاب إلى خطوات دراماتيكية قد تؤدي إلى انفجار شامل»، شارحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الحزب «يركّز في هذه المرحلة على استهداف القوات الإسرائيلية المتوغلة داخل الأراضي اللبنانية أكثر من تركيزه على توسيع نطاق الرد بالصواريخ»، موضحاً أن «همّ الحزب الأساسي حالياً يتمثل بضرب الدبابات، والآليات العسكرية عبر المسيّرات الانقضاضية، والأسلحة الميدانية، في محاولة لإيلام الجيش الإسرائيلي في نقاط الاشتباك المباشر».

وأشار جابر، وهو عميد متقاعد من الجيش اللبناني، إلى أن «إطلاق صواريخ باتجاه الجليل الأعلى، وبعض المواقع الإسرائيلية، يأتي ضمن إطار محسوب، ومدروس».
وعن استهداف الضاحية الجنوبية واغتيال قيادي بحجم قائد في «قوة الرضوان»، رأى جابر أن «الرد المحتمل لن يكون انفعالياً، بل سيكون مدروساً، ومحسوباً بدقة»، مضيفاً: «قد نشهد رداً موضعياً، أو عملية ذات تأثير معنوي وعسكري، لكن لا أعتقد أننا أمام عمل كبير يفتح الباب مباشرة أمام مواجهة واسعة».
وفي قراءته لتداعيات استهداف الضاحية، استبعد جابر اندلاع حرب شاملة في المدى المنظور، قائلاً إن «إسرائيل باتت تتعامل مع الضاحية كما كانت تفعل سابقاً، أي باعتبارها ساحة مفتوحة للاستهداف عند وجود أهداف تعتبرها ذات قيمة أمنية، أو عسكرية».
وأضاف: «إذا توافر هدف تعتبره إسرائيل مهماً، فقد تعود إلى استهداف الضاحية مجدداً، وحتى بيروت نفسها، لأن حكومة بنيامين نتنياهو لا تبدو ملتزمة بأي خطوط حمراء فعلية»، مشيراً إلى أن «الحديث السياسي عن تحييد العاصمة أو الضاحية لم ينعكس عملياً على سلوك الجيش الإسرائيلي في الميدان».
الضربة في سياق التفاوض الأميركي - الإيراني
من جهته، قال العميد الركن المتقاعد بهاء حلال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الضاحية الجنوبية لبيروت كانت قد حُيّدت عملياً خلال الفترة الماضية عبر مسار تفاوضي غير مباشر»، موضحاً أن «النقاش كان يتناول وقف إطلاق النار في إيران، وشمول لبنان بذلك، بينما كانت السلطة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، تؤكد أنها تتفاوض باسم لبنان بصورة مستقلة».
وأضاف حلال أن «هذا التفاهم غير المعلن كان قائماً بعد الهدنة بحيث جرى التعامل مع الضاحية باعتبارها خارج إطار التصعيد المباشر»، معتبراً أن «ما حصل الأربعاء يشكّل خرقاً واضحاً لهذا التفاهم»، مشيراً إلى أن «الهدف الحقيقي كان رمزية المكان والتوقيت لا أكثر».

وقال: «الرسالة مرتبطة مباشرة بمحاولة خلط أوراق المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، لأن الاتفاق كان يقوم على تحييد هذه الساحة عن التصعيد».
«اختبار» لقواعد الاشتباك
واعتبر حلال أن «التوقيت يحمل دلالات سياسية مرتبطة بمسار التفاوض الأميركي–الإيراني، ولا سيما أن واشنطن تحاول تقديم نفسها أمام الرأي العام العالمي على أنها تدفع نحو تسويات، وتخفيف التوترات»، مضيفاً أن «إسرائيل أرادت من خلال ضرب الضاحية توجيه رسالة مضادة، ونسف أجواء التفاوض».
وأشار إلى أن «الضربة تحمل أيضاً بُعداً مرتبطاً بمحاولة استدراج (حزب الله) إلى الرد من أجل تفجير الوضع مجدداً»، لكنه استبعد أن «يذهب الحزب إلى رد واسع»، قائلاً: «(حزب الله) يبدو ملتزماً حتى الآن بسقف الاشتباك القائم، ويدرك أن هناك هدفاً استراتيجياً أكبر مرتبطاً بالمفاوضات الإيرانية–الأميركية».
وأضاف: «أعتقد أن الحزب لن يوسع الرد، لأن الأولوية حالياً مرتبطة بمسار التفاوض، ولأن أي رد قد يؤدي إلى خلط الأوراق بطريقة تخدم إسرائيل».
وشبّه حلال ما جرى باغتيال صالح العاروري في الضاحية الجنوبية خلال «حرب الإسناد»، معتبراً أن «الهدف في الحالتين كان اختبار قواعد الاشتباك، ومحاولة جرّ (حزب الله) إلى مواجهة أوسع».







