معارك القنطرة ودير سريان في جنوب لبنان ترسم مسار المواجهة

خبير عسكري: المعركة تُحسم بالسيطرة على «العُقد» لا بالكيلومترات

آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

معارك القنطرة ودير سريان في جنوب لبنان ترسم مسار المواجهة

آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)

تتقدّم معارك القنطرة ودير سريان في قضاء مرجعيون إلى واجهة المشهد الميداني في جنوب لبنان، مع اشتباكات مباشرة ومحاولات تقدّم متكررة على محاور حساسة قريبة من نهر الليطاني، في وقت تتكثف فيه الغارات الإسرائيلية ويتوسع نطاق الردود، ما يعكس انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيداً ترتكز على السيطرة على النقاط الجغرافية الحاكمة، فيما أعلنت اسرائيل أنها زجت فرقة جديدة هي الفرقة 162 للمشاركة في الحرب البرية.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بتحليق مروحيات «أباتشي» إسرائيلية فوق بلدة الطيبة، بالتزامن مع استهداف تحركات في دير سريان وطريق القنطرة - الطيبة، في مؤشر إلى مواكبة جوية مباشرة لمحاولات التقدم البري على هذا المحور. وأشارت إلى قصف مدفعي فوسفوري شمل القرى المواكبة لتحركات القوات الإسرائيلية، بينها دير سريان والقنطرة والطيبة.

وفي هذا السياق، أعلن «حزب الله» في بيانات متلاحقة أن المواجهات تركزت في دير سريان والقنطرة والطيبة ودبل، حيث دارت اشتباكات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة والقذائف الصاروخية، بالتزامن مع استهداف دبابات «ميركافا» بصواريخ موجهة ومباشرة. وحسب بياناته، بلغ عدد الدبابات المستهدفة - وفق بيانات الحزب - 8 في القنطرة و5 في دير سريان، إضافة إلى 3 دبابات في تلة المحيسبات في الطيبة، فضلاً عن استهداف دبابات أخرى في دبل. كما أعلن استهداف مروحية إسرائيلية بصاروخ دفاع جوي أثناء محاولة إخلاء مصابين قرب القنطرة، «ما أدى إلى تراجعها».

في غضون ذلك، لوّحت إسرائيل بتوسيع العمليات وفرض منطقة عازلة، وتحدثت القناة 14 عن توغّل حتى صور، وإنشاء 18 موقعاً وإبعاد الحدود 8 كلم، ضمن مسار لفرض شريط نفوذ دائم. كما أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف موارد «حزب الله» وتنفيذ أكثر من 2000 غارة أوقعت نحو 700 قتيل، بينهم من «قوة الرضوان»، كما أعلن عن مقتل جندي من«لواء غولاني» وإصابة آخرين.

جسر استهدف في قصف إسرائيلي جنوب لبنان (رويترز)

المعركة على «العُقد» لا المسافات

في هذا السياق، رأى رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد هشام جابر، أن ما يجري «يتجاوز المفهوم الكلاسيكي لحروب العصابات»، ويعيد تعريف قواعد الاشتباك على أساس السيطرة على النقاط الجغرافية الحاكمة.

وفي مقاربته للمعركة في القطاع الشرقي، أشار جابر عبر «الشرق الأوسط» إلى أنّ «محور القنطرة - الطيبة - دير سريان، يكتسب أهمية خاصة لاقترابه من نهر الليطاني». وأوضح أن «دير سريان لا تبعد عن الليطاني سوى نحو 3 كيلومترات، ويمتد هذا المحور باتجاه وادي الحجير، الذي يُعدّ ممرّاً جغرافياً حساساً»، مشيراً إلى أن «هذا القرب يجعل المحور نظرياً أحد المسارات المحتملة للوصول إلى الليطاني».

إلا أنه شدد على أن «الاقتراب الجغرافي لا يعني سهولة الوصول، لأن هذا الوادي يشكّل عائقاً طبيعياً وتكتيكياً، وهو منطقة معقّدة يصعب السيطرة عليها»، مضيفاً أن «التقدم في هذا الاتجاه يتطلب السيطرة على سلسلة مترابطة من النقاط، وليس مجرد قطع مسافة قصيرة». وقال إن «الميدان في الجنوب لا يُقاس بعدد الكيلومترات، بل بالقدرة على السيطرة على العقد الاستراتيجية: تلال، ومفارق طرق، ومحاور ربط»، مؤكداً أن «أي تقدم لا يترافق مع تثبيت في هذه النقاط يبقى مؤقتاً وقابلاً للتراجع».

مبان متضررة نتيجة القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

موقع اللبونة: مرتفع حاكم للساحل... لكنه مكشوف للنيران

وفي تفصيله للقطاع الغربي، أوضح جابر أن «الساحل الممتد من الناقورة يُعدّ من الناحية الجغرافية الأسهل للتقدم، بسبب انفتاحه»، إلا أنه شدد على أن «هذا لا يترجم حُكماً تقدماً حاسماً».

وقال إن «موقع اللبونة يُشكّل نقطة استراتيجية أساسية في هذا القطاع، كونه مرتفعاً يُشرف على الساحل والداخل في آن، ويتيح مراقبة مساحات واسعة تمتد نحو العمق والبحر»، مضيفاً أن «السيطرة عليه تعني نظرياً إمساكاً نارياً ورصدياً بالقطاع الغربي».

لكنه أشار في المقابل إلى أن «أي تمركز في هذا النوع من المرتفعات يبقى هشاً، لأن الموقع مكشوف وقابل للاستهداف من أكثر من اتجاه»، لافتاً إلى أن «القوات الإسرائيلية، رغم تقدمها في هذا القطاع، لم تتمكن من تثبيت سيطرة كاملة حتى في الناقورة، وبقي تقدمها محدوداً».

«صفّ الهوى»: عقدة تفصل بنت جبيل عن تبنين وتفكك الترابط الجغرافي

وفي القطاع الأوسط، ركّز جابر على منطقة «صفّ الهوى»، واصفاً إياها بأنها «نقطة استراتيجية مفصلية عند مدخل بنت جبيل»، موضحاً أنها «تشكل مفرق طرق أساسياً يربط بين بنت جبيل وتبنين والقرى الحدودية».

وقال إن «السيطرة على صفّ الهوى تعني عملياً قطع الطريق بين بنت جبيل وتبنين، وعزل بنت جبيل عن محيطها، إضافة إلى فصل القرى عن بعضها بعضاُ»، عادّاً أن «هذا النوع من السيطرة يغيّر طبيعة المعركة، لأنه لا يقتصر على التقدم، بل يحقق عزلاً جغرافياً». مضيفاً : «أي محاولة للوصول إلى هذه العقدة تُعد هدفاً عسكرياً واضحاً، لكنها تصطدم بعقبة أساسية هي القدرة على التثبيت، إذ يمكن استهداف الموقع من عدة اتجاهات، ما يجعل الاحتفاظ به صعباً».

تصعيد ميداني

وفي سياق التصعيد المستمر على الجبهة الجنوبية، واصلت إسرائيل غاراتها على صديقين وعيناثا وبنت جبيل، مع قصف مدفعي شمل بنت جبيل والخيام وأطراف شقرا ووادي السلوقي والحجير منذ الفجر، في استهداف متزامن للخطوط الأمامية والعمق القريب.

مواطن يقود دراجته النارية في مدينة النبطية التي تعرضت لقصف إسرائيلي جنوب لبنان (رويترز)

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام»، بقصف الحميري والنبطية الفوقا، بالتزامن مع إنذار إسرائيلي بإخلاء جنوب الزهراني.

وصعّد الطيران غاراته، فاستهدف صريفا (بصاروخ لم ينفجر) وكفرا (بأضرار جسيمة)، ونفّذ غارات على مجدل زون وشقرا وبنت جبيل وجبال البطم وصديقين وعيناثا.


مقالات ذات صلة

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد وقف النار مع إسرائيل، أكد فيها أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية».

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار... ومقترح فرنسي لتجاوز عقدة الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح «حزب الله».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره ستبقى على الزناد، بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب: طفح الكيل وسأمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أي ربط بين وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل وإعلان إيران في شأن إعادة فتح مضيق هرمز، خلافاً لما أعلنه وزير الخارجية.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي عائدون إلى كريات شمونة في شمال إسرائيل بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (إ.ب.أ)

حملات إسرائيلية على نتنياهو بعد وقف النار في لبنان

من السابق لأوانه تلخيص الحرب على إيران وغيرها من الجبهات، لكن الإسرائيليين بدأوا في التلخيص.

نظير مجلي (تل أبيب)

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
TT

لبنان يلملم خسائره في ظل «هدنة هشّة»

نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)
نازحون من جنوب لبنان يعبرون جسراً مدمراً للوصول إلى جنوب الليطاني (رويترز)

بدأ لبنان لملمة خسائره بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، في ظل هدنة هشّة، خرقتها إسرائيل بغارة من مسيّرة أدت إلى مقتل شخص، أمس، وفرض منطقة عازلة تضم 55 بلدة، حسبما أعلن الجيش الإسرائيلي، بينها 41 بلدة محتلة، ورفض عودة السكان إليها.

وتقدم الرئيس اللبناني جوزيف عون بالشكر للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية للمساهمة في التوصل إلى الاتفاق، معلناً الانتقال إلى مرحلة «العمل على اتفاقات دائمة». وأكد عون في خطاب وجّهه للبنانيين «نحن اليومَ نفاوضُ عن أنفسِنا، ونقرّرُ عن أنفسِنا. لم نعدْ ورقةً في جيبِ أيٍ كان، ولا ساحةً لحروبِ أيٍ كان، ولن نعودَ ابداً. بل عدنا دولةً تملكُ وحدَها قرارَها، وترفعُه عالياً، وتجسّدُه فعلاً وقولاً، من أجلِ حياةِ شعبِها وخيرِ أبنائِها لا غير».

وأضاف: «أنا مستعد للذهابِ حيثما كان، لتحريرِ أرضي وحمايةِ أهلي وخلاصِ بلدي». وزاد: «أقول لكم بكل صراحة وثقة، هذه المفاوضات ليست ضعفاً، وليست تراجعاً، وليست تنازلاً، بل هي قرار نابع ‌من قوة إيماننا بحقنا، ومن ‌حرصنا على شعبنا».

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده لم تنهِ المهمة بعد في حربها ضد «حزب الله»، قائلاً إن «هناك إجراءات نعتزم اتخاذها بشأن ما تبقى من تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ولن أتطرق إليها هنا».

في المقابل، حَظَرَ ترمب على تل أبيب قصف لبنان، وأكد أن بلاده «ستتعامل مع (حزب الله) بالطريقة المناسبة»، و«ستمنع إسرائيل من قصف لبنان مجدداً»؛ لأن «الكيل قد طفح». ووعد بـ«جعل لبنان عظيماً مرة أخرى».


العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
TT

العراق يترقب مرشحاً لرئاسة الحكومة

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)
التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

تتجه الأنظار، اليوم (السبت)، إلى اجتماع حاسم لقوى «الإطار التنسيقي» في بغداد، وسط انقسامات متصاعدة وضغوط دستورية لتسمية رئيس الوزراء الجديد خلال مهلة محدودة.

ويُعقد اللقاء في منزل عمار الحكيم، أحد قادة التحالف الحاكم، بعد تأجيل سابق، في ظل تنافس بين ثلاثة خيارات: تجديد ولاية محمد شياع السوداني، أو ترشيح نوري المالكي أو من يمثله، أو التوافق على شخصية ثالثة.

وتشير مصادر إلى طرح صيغة تقضي باعتماد مرشح يحظى بدعم ثُلثي قادة التحالف؛ لتفادي الانقسام، رغم تعقيد التوازنات. وقالت المصدر إن هناك صيغة تفاهم أولية قيد النقاش، تقضي بأن المرشح الذي يحصل على دعم ثُلثَي قادة «الإطار التنسيقي» (8 قادة من أصل 12) سيتم اعتماده، على أن تلتحق بقية القوى لاحقاً بالقرار في محاولة لتفادي الانقسام.


الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
TT

الشرع يؤكد العمل على «اتفاق أمني» مع إسرائيل

الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)
الشرع متحدثاً خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي (أ.ب)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة، أن بلاده تعمل حالياً على إبرام «اتفاق أمني» مع إسرائيل، مشدداً على ضرورة انسحابها من مناطق حدودية سيطرت عليها في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

وقال الشرع، خلال جلسة حوارية في إطار الدورة الخامسة لمنتدى أنطاليا الدبلوماسي الذي انطلق في جنوب تركيا، أمس، إن الجولان أرض سورية محتلة من جانب إسرائيل باعتراف المجتمع الدولي، ولا يمكن لأي دولة الاعتراف بأحقية إسرائيل فيها، وسيكون هذا الاعتراف باطلاً. وتابع أن إسرائيل تنتهك اتفاق فض الاشتباك و«نعمل حالياً على الوصول إلى اتفاق أمني» يضمن عودتها إلى خطوط 1974.

في السياق ذاته، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، السفير توم براك، إن سوريا لم تُطلق منذ 8 ديسمبر 2024 رصاصة واحدة على إسرائيل، بل على العكس صرّح الرئيس الشرع، مراراً، بأنهم منفتحون على اتفاق عدم اعتداء وتطبيع العلاقات مع إسرائيل.