مقتل عسكريين خلال ملاحقة مطلوب في بعلبك يكشف عن تحديات الجيش اللبناني

عون: الحملات المشبوهة لن تثنيه عن أداء دوره الوطني

من مراسم تشييع الرقيب أول بلال البرادعي والعريف علي حيدر في بعلبك شرق لبنان (المركزية)
من مراسم تشييع الرقيب أول بلال البرادعي والعريف علي حيدر في بعلبك شرق لبنان (المركزية)
TT

مقتل عسكريين خلال ملاحقة مطلوب في بعلبك يكشف عن تحديات الجيش اللبناني

من مراسم تشييع الرقيب أول بلال البرادعي والعريف علي حيدر في بعلبك شرق لبنان (المركزية)
من مراسم تشييع الرقيب أول بلال البرادعي والعريف علي حيدر في بعلبك شرق لبنان (المركزية)

عكس إطلاق النار على دورية للجيش اللبناني في بعلبك، شرق لبنان، مساء الثلاثاء، حجم التحديات التي يواجهها الجيش في الداخل اللبناني، حيث يلاحق المطلوبين ويفرض الاستقرار بحزم، بالتزامن مع ضغوط خارجية وحملات إسرائيلية ضده، في وقت تمضي فيه المؤسسة العسكرية في تنفيذ مهامها بمعزل عن كل المعوقات والتحديات، وفق ما تؤكد مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط».

وقُتل عسكريان لبنانيان، وأصيب 3 بجروح، مساء الثلاثاء، نتيجة اشتباكات مع مطلوبين خلال تنفيذ مديرية المخابرات سلسلة عمليات دهم بمؤازرة وحدة من الجيش بمنطقة الشراونة - بعلبك. وقالت قيادة الجيش، في بيان، إنه خلال الاشتباكات «أصيب المواطن المطلوب (ح.ع.ج) الذي كان من بين مطلقي النار على الجيش، وما لبث أن فارق الحياة، وهو من أخطر المطلوبين بجرائم مختلفة؛ منها إطلاق النار على دوريات للجيش بتواريخ مختلفة، والتسبب في استشهاد 4 عسكريين وإصابة ضابط، إضافة إلى الخطف والسرقة والسلب بقوة السلاح والاتجار بالمخدرات».

وأشارت إلى أن الوحدات العسكرية «ضبطت خلال عملية الدهم كمية كبيرة من المخدرات والأسلحة والذخائر الحربية، وسُلمت المضبوطات، وتجري المتابعة لتوقيف بقية المتورطين».

ويعدّ «ح.ج» من أبرز المطلوبين للدولة اللبنانية، وأطلق النار على الجيش في سوق مكتظة بالمدنيين داخل مدينة بعلبك، قبل أن يُقتل خلال رد الجيش على مصادر النيران، وفقاً لمعلومات «الشرق الأوسط».

ثمن تطبيق القانون

وشيع الجيش العنصرين في مراسم عسكرية، فيما أجرى رئيس الجمهورية، جوزيف عون، اتصالاً هاتفياً بقائد الجيش العماد رودولف هيكل، وقدم له التعازي. وقال عون: «مرة جديدة يدفع الجيش من دم رجاله ثمن حماية المجتمع اللبناني من آفة المخدرات من جهة؛ وتطبيق القانون من جهة أخرى».

وتابع: «انضم شهيدا الأمس (الثلاثاء) إلى قافلة طويلة من رفاقهما الذين ضحوا بأغلى ما عندهم وفاء بقسمهم، وتأكيداً على تصميم المؤسسة العسكرية، بالتعاون مع القوى الأمنية الأخرى، على المضي في تطبيق القوانين، وملاحقة المرتكبين، والحد من الجريمة على مختلف أنواعها، بالتزامن مع حماية الحدود، وبسط سلطة الدولة، ولن يثني شيء الجيش عن القيام بدوره الوطني؛ لا الحملات المشبوهة، ولا التحريض، ولا التشكيك، من أي جهة أتى؛ سواء من الداخل أو الخارج».

«لا يخضع للضغوط»

وتزامنت الاشتباكات في بعلبك ضد تجار المخدرات، مع حملات سياسية إسرائيلية انخرطت فيها شخصيات بالكونغرس الأميركي، أدت إلى تأجيل قائد الجيش زيارته إلى واشنطن؛ مما يعكس حجم التحديات أمام الجيش.

وأكد مصدر أمني لبناني أن تضافر التحديات «يمثل دليلاً إضافياً على أن الجيش لن تثنيه الحملات والمعوقات السياسية، حيث ينفذ مهامه ويقوم بما عليه من واجبات بشفافية وحرفية عسكرية في التنفيذ»، في إشارة إلى مهام حماية الأمن في الداخل، ومواجهة المخلين، وتنفيذ الانتشار على الحدود مع سوريا وإسرائيل، وتنفيذ حصرية السلاح، وضبط الاستقرار وحمايته.

ونفذ الجيش العملية في سوق بعلبك بعد رصد التهديد، وقال المصدر الأمني: «رصد الجيش المطلوب، ونفذ عملية الملاحقة»، وشدد على أن الجيش في تنفيذ مهامه «لا يخضع لأي ضغوط، ولا توقفه أي خطوط حُمر، ولا يفكر في مراعاة القوى السياسية، كما لا ينظر إلى الارتدادات السياسية عندما ينفّذ المهام؛ لأن حماية الاستقرار والحفاظ على الأمن وتأمين المواطنين أولوية لا يوقفها شيء». وشدد المصدر على أن الجيش «نفذ العملية، ويواصل تنفيذ العمليات الأخرى على امتداد مساحة البلاد، رغم كل المعوقات التي نعانيها داخلياً وعلى كل المستويات».

ردع المتورطين وإبعادهم

وأشار المصدر إلى أن الحزم الذي تعامل به الجيش مع تجار المخدرات والمتورطين في إطلاق النار والأعمال الجرمية، «أثمر، إلى حد كبير، ردعاً للمتورطين، ومنعهم من أنشطتهم الجرمية»، موضحاً أن قسماً كبيراً من المطلوبين «أخذوا حذرهم وتواروا عن الأنظار، وبعضهم لجأ إلى المغاور هرباً من ملاحقات الجيش»، مشدداً على أن الجيش «ماضٍ في استكمال مهمته وملاحقة المطلوبين ومنعهم من استئناف النشاطات الجرمية».

وقضى الجيش على عدد كبير من كبار المطلوبين خلال الأشهر الماضية؛ مما دفع بمطلوبين آخرين إلى اتخاذ تدابير خوفاً من الهجمة الأمنية الكبيرة. وشدد المصدر على أن الجيش «لن يسمح باستئناف النشاط الجرمي، ولا شيء سيوقفنا عن مواصلة ما بدأناه»، مشيراً إلى «التفاف شعبي وتأييد كبير من المواطنين لإجراءات الجيش».

حملات إسرائيلية

وتأتي هذه الإجراءات المشددة في ظل حملات إسرائيلية ضد الجيش، وهي حملات يصفها المصدر الأمني بـ«الظالمة»، مشدداً على أن الجيش «لا يتأثر بالحملات والافتراءات، وهو يواصل تنفيذ مهامه في كل مكان، وينفذ ما فوضه إياه مجلس الوزراء»، مضيفاً: «إذا كان هناك من خلاف في المسائل السياسية، فهذا الأمر من اختصاص الحكومة، وليس الجيش الذي ينفذ ما عليه تطبيقاً للقرار السياسي»، في إشارة إلى انتشاره في جنوب الليطاني وتفكيك منشآت «حزب الله» وتطهير المنطقة من السلاح.

ويشير المصدر إلى إشادة «القيادة الوسطى» في الجيش الأميركي بالدور الذي يؤديه الجيش، وكذلك إلى إشادة «اللجنة الخماسية لمراقبة وقف إطلاق النار (الميكانيزم)»، والموفدَين الأميركيين توماس برّاك ومورغان أورتاغوس، بدور الجيش أيضاً. ويقول المصدر: «خط الجيش واضح، وهو لا يتقاعس عن تنفيذ أي قرار تتخذه السلطة السياسية».


مقالات ذات صلة

قائد الجيش الباكستاني ونظيره اللبناني يتفقان على «تعزيز التعاون العسكري»

آسيا منير وهيكل خلال لقائهما في باكستان اليوم (أ.ف.ب)

قائد الجيش الباكستاني ونظيره اللبناني يتفقان على «تعزيز التعاون العسكري»

التقى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الثلاثاء، نظيره اللبناني رودولف هيكل الذي بدأ السبت زيارة إلى باكستان، واتفقا على تعزيز التعاون العسكري بين بلديهما.

«الشرق الأوسط» ( إسلام آباد)
المشرق العربي النيران تشتعل في سيارة عسكرية لبنانية تعرضت لاستهداف إسرائيلي في بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان (الجيش اللبناني)

إسرائيل تدرج الجيش اللبناني ضمن أهدافها في الجنوب… وتحقق بالاستهداف

شكّل استهداف إسرائيل للجيش اللبناني مجدداً منعطفاً خطيراً في مسار التصعيد المتواصل جنوب لبنان.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي صورة وزعها الجيش اللبناني للمركبة العسكرية التي استهدفتها غارة إسرائيلية في جنوب لبنان وقضى فيها ضابطان وجندي (أ.ب)

مقتل ضابطيَن وجندي في الجيش اللبناني بغارة إسرائيلية

قُتل عسكريون لبنانيون، بينهم ضابطان، في غارة إسرائيلية، اليوم (السبت)، على مركبة للجيش بجنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دورية مؤللة للجيش اللبناني في ضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - مديرية التوجيه)

اشتباكات في بيروت تحيي مطلب تحويل العاصمة منزوعة السلاح

أعاد الاشتباك المسلح الذي شهدته منطقة عائشة بكار في قلب العاصمة بيروت، ليل الخميس، تسليط الضوء مجدداً على إشكالية السلاح المتفلت داخل الأحياء السكنية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يقرّ حزمة دعم للجيش اللبناني بقيمة 100 مليون يورو

وافق الاتحاد الأوروبي، الخميس، على حزمة دعم جديدة للجيش اللبناني بقيمة 100 مليون يورو (116 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

تقدّم إسرائيلي بمحيط مدينتي النبطية وصور بجنوب لبنان

لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)
لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)
TT

تقدّم إسرائيلي بمحيط مدينتي النبطية وصور بجنوب لبنان

لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)
لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)

أحرز الجيش الإسرائيلي، السبت، تقدماً جديداً على المحورين الغربي والشرقي، خارج «الخط الأصفر»، حيث تقدم باتجاه أطراف بلدة مجدل زون بعد أربعة أيام من تمهيد مدفعي وقصف جوي، فيما توغل في بلدة كفرتبنيت، ووصل إلى أطراف مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية المطلة على مدينة النبطية.

وقالت مصادر ميدانية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الإسرائيلية تقدمت باتجاه أطراف بلدة مجدل زون الواقعة في القطاع الغربي، وتفصلها عن الساحل اللبناني بلدة واحدة فقط، وذلك بعد أربعة أيام من توغلات محدودة انطلاقاً من بلدة طيرحرفا. وقالت المصادر إن هذا التوغل «هو الأول من نوعه، بعدما كان يقتصر على عمليات جس نبض في وادي حسن وأطراف الوادي».

وأشارت المصادر إلى أن التقدم باتجاه البلدة «تم بعد تمهيد ناري واسع، استهدف البلدة ومحيطها بالغارات الجوية المتكررة، وقصف مدفعي مكثف»، لافتة إلى أن هذا التقدم «هو أول اندفاعة خارج الخط الأصفر في القطاع الغربي»، وهو المحور المشرف على مدينة صور الساحلية.

تقدم في القطاع الشرقي

جاء هذا التوغل بالتوازي مع تقدم مماثل في بلدة كفرتبنيت، باتجاه مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية الواقعة شرق مدينة النبطية، فيما انسحب الجيش اللبناني من مركز عسكري في البلدة بالتزامن مع هذا التوغل.

الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية (رويترز)

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الآليات الإسرائيلية بدأت ليل الجمعة - السبت توغلاً من أرنون باتجاه كفرتبنيت على مسلكين؛ أولهما من الجهة الشرقية باتجاه موقع الزفاتة، في محاولة للصعود باتجاه علي الطاهر، والثاني من قلب بلدة كفرتبنيت بعد تمهيد ناري واسع. وقالت المصادر إن القوات الإسرائيلية لم تحكم قبضتها على المرتفع الاستراتيجي، حيث تواظب على قصفه بالمدفعية.

وأعلن «حزب الله» عن استهداف تجمع لجنود إسرائيليين في أطراف كفرتبنيت، واستهداف تجمعات أخرى وجرافة في محيط مجدل زون.

قصف بلدات مشرفة على محوري التوغل

وكثفت القوات الإسرائيلية قصف البلدات المشرفة على محوري التوغل الجديدين، إذ أفاد الإعلام الرسمي اللبناني بأن إسرائيل شنت السبت سلسلة غارات على جنوب لبنان بعدما وجه جيشها إنذار إخلاء لسكان عشرين بلدة بينها مدينة النبطية.

وذكرت الوكالة الوطنية للاعلام أن الغارات استهدفت بلدات عدة بينها كفرحونة والريحان وسجد، علماً بأن البلدتين الأخيرتين تقعان على مسافة غير بعيدة من النبطية، فضلاً عن مناطق غير مدرجة في إنذار الإخلاء.

وأسفرت الغارة على الريحان في قضاء جزين عن مقتل رئيس بلديتها، حسب الوكالة الوطنية للإعلام.

وقال وكالة الصحافة الفرنسية إن مدينة النبطية شبه مقفرة، وأفادت بوقوع قصف مدفعي عليها وعلى المناطق المجاورة لها خلال الليل وحتى اليوم السبت. وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي وجه في منشور على منصة «إكس»، «إنذاراً عاجلاً» إلى سكان 20 قرية وبلدة بالإجلاء والاتجاه إلى شمال الزهراني الواقع على بعد نحو 40 كيلومتراً من الحدود.

وصنف الجيش الإسرائيلي الشهر الفائت المنطقة الواقعة جنوب نهر الزهراني «منطقة قتال»، وبات منذ ذلك الحين يستهدفها.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته الجوية اعترضت السبت «هدفاً جوياً مشبوهاً عبر من لبنان إلى الأراضي الإسرائيلية».

وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام، الجمعة، بأن إسرائيل شنّت «غارة على بلدة كفرصير، فيما تعرض حرج علي الطاهر على أطراف النبطية الفوقا لقصف مدفعي متقطع».


جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
TT

جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)

اصطدمت الجهود اللبنانية الرامية إلى فصل مفاوضات إنهاء الحرب عن المسار الإيراني بإصرار «حزب الله» على ربط المسارين، ورفضه التعاون مع الدولة اللبنانية، رغم مطالبة رئيس الحكومة الحزب بدعم مفاوضات بيروت مع تل أبيب في واشنطن، في وقت تتكثف فيه الجهود لحماية السلم الأهلي.

وقال الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي يقود المفاوضات مع إسرائيل: «نحن في لحظة لا تحتمل الترف الطائفي، ولا التجاذب المناطقي. الوحدة الوطنية اليوم ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي ضرورة وجودية تُبنى بالمصارحة، وتُعزَّز بالعدالة، وتتجذّر بالإنصاف لكل مكوّنات هذا الشعب دون استثناء».

ويقفز لبنان فوق الانقسامات السياسية الداخلية، باتجاه وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب مع إسرائيل، في ظل تجاذب دولي، وتباينات حول المسارات التفاوضية في المنطقة.

ولا يخفي لبنان أن أي تفاهمات أميركية - إيرانية من شأنها أن تنعكس على الواقع اللبناني، إلا أنه يمضي بمسار تفاوضي مستقل مع إسرائيل، عبر محادثات مباشرة عُقدت 4 جولات منها حتى الآن في مقر «الخارجية الأميركية»، وستُعقد الجولة الخامسة في 22 و23 و24 يونيو (حزيران) الحالي عبر جلسات دبلوماسية وعسكرية.

ويبرز اعتقاد لبناني واسع بأن أي تفاهمات إقليمية «يمكن أن تُساعد على وقف لإطلاق النار في لبنان»، لكنها «لا يمكن أن تُستكمل من دون المسار التفاوضي الذي يسلكه لبنان لجهة الوصول إلى ترتيبات على الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الحدود ووقف الخروقات وإعادة السكان والإعمار وإعادة الأسرى»، حسبما تقول مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط». وتؤكد أن الحزب «لا يتعاون مع الدولة اللبنانية» بدعم مسارها.

دعم أميركي للمسار اللبناني

ويواظب الحزب على انتقاد المسار الذي اتبعته الحكومة، ويكرر رفضه للمفاوضات المباشرة التي يؤكد المسؤولون اللبنانيون أنها تجسيد «لموقف سيادي»، في وقت تدعم الولايات المتحدة بيروت باستكمال هذا المسار.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر دبلوماسية قولها إن «لبنان الرسمي هو من له الحق في التفاوض بعيداً عن أي تداخلات موازية». وقالت المصادر إن واشنطن «تنظر بقلق للإيحاءات التي يسوقها البعض، والتي تقول إن مسارات تفاوضية أخرى تحظى بموافقة أميركية وقادرة على إنتاج تفاهمات أو اتفاقات». ورأت المصادر أن «هذه الإيحاءات تهدف إلى التشويش على المفاوضات الرسمية اللبنانية، وهي تتقصد ذلك بهدف إضعاف موقع الدولة».

لبناني يراقب الدخان المنبعث من موقع غارة إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية بجنوب لبنان (رويترز)

وأشارت المصادر إلى أن الولايات المتحدة «تتعامل حصراً مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية»، وأن الوفد اللبناني الرسمي المفاوض في واشنطن هو «الجهة الوحيدة المخولة بإدارة هذا الملف». ولفتت إلى أن واشنطن «تُمارس ضغوطاً على إسرائيل من أجل تحقيق اختراقات ملموسة في مسار التفاوض، إلا أن التدخلات الإيرانية تُسهم في تعطيل فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار».

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت عن مصدر لبناني مطلع على المحادثات أن طهران «غضبت من قرار بيروت التفاوض بشكل مستقل مع إسرائيل»، وعدّته «حرماناً لإيران من ورقة تفاوضية رئيسية في مواجهتها مع واشنطن».

دعوة سلام لـ«حزب الله»

من هذا المنطلق، تأتي دعوة رئيس الحكومة نواف سلام لـ«حزب الله»، وأن يكون على مسار واحد مع الحكومة لتأمين الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. وقال في حديث لوكالة «رويترز»: «على (حزب الله) أن يكون أسرع منا، أو ​ليكن على السرعة نفسها، وليعلن دعمه للمفاوضات التي نجريها في واشنطن».

ولم يخفِ سلام تأثر لبنان ​بمفاوضات ‌إسلام آباد، لكنه ​أعاد تأكيد الإصرار على التفاوض بوصفه دولة مستقلة، «لا يفاوض باسمها أحد». وأضاف: «نحن طبعاً نتأثر بمسار التفاوض في إسلام آباد... فكيف بحرب ونتائجها تخاض على أرضنا؟ نحن نتأثر بالحرب وبالسلم وبالتهدئة في المنطقة. وإسلام آباد، أو أي مكان آخر، من شأنه أن يترك أثره علينا». وتابع: «إذا كان هذا المسار يؤدي لوقف (إطلاق) النار وتهدئة بالمنطقة، فأكيد نحن نستفيد منه».

مناصرة لـ«حزب الله» تبكي أحد مقاتليه خلال تشييعه في مدفن مؤقت في بلدة حارة صيدا بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وعدّ سلام أن لبنان اختار الطريق الأقل تكلفة، ورفض اعتبار نزع سلاح «حزب الله» شرطاً إسرائيلياً، وقال «فلنخلص من هذه التجليطة (الكذبة). لقد اتفق اللبنانيون في اتفاق الطائف عام ⁠1989 على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ونحن أكدنا هذا الأمر في بياننا الوزاري، وشددنا على حصرية السلاح ‌واستعادة قرار الحرب والسلم بيد الدولة. فهل إسرائيل جلست ​معنا على الطاولة وأسهمت في صياغة بياننا ‌الوزاري؟ بالطبع لا».

وأضاف سلام: «نحن على تواصل دائم مع (حزب الله)، وكل المطلوب منه أن ‌ينفذ التزاماته. فالجنوب من المفترض أن يكون منطقة خالية من السلاح، و(حزب الله) أعطى الثقة بالحكومة مرتين، والتي يشدد بيانها الوزاري على حصرية السلاح، ومن غير المطلوب منه أكثر من ذلك».

وخاطب سلام «حزب الله» قائلاً: «إذا أنت حريص فعلاً على ما يسمى بيئتك، ومآسي بيئتك، فالمطلوب منك أن تفي بالتزاماتك» لجهة التعاون في تنفيذ حصرية السلاح.

ولم تُقدم واشنطن أي ضمانات حول مستقبل التفاوض اللبناني مع إسرائيل، لكن سلام قال: «من الأفضل أن نعطي صافرة الحكم للوسيط الأميركي، وعدم الإصغاء إلى الثرثرة السياسية». وقال سلام: «مشكلتنا مع (حزب الله) هي سلاحه، ونعدّ الحزب قوة سياسية لبنانية، ونريد منه أن يفي بالتزاماته اللبنانية».


سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
TT

سوريا: مئات المطلوبين في قبضة العدالة خلال 3 أشهر

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)
العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق بالنظام السوري داخل المحكمة الجنائية بدمشق يحضر جلسة محاكمته الأولى في أبريل الماضي (إ.ب.أ)

في إطار تطبيق مبدأ «عدم ‏الإفلات من العقاب، وتحقيق العدالة ‏الانتقالية، وضمان حقوق ذوي الضحايا»، تكثف وزارة الداخلية السورية والجهات المعنية من جهودها، ‏في ملاحقة ومحاسبة ‏المتورطين بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب ‏السوري، خلال حكم بشار الأسد. ولا يكاد يمر يوم إلا وتعلن فيه عن إلقاء القبض على مطلوب أو اثنين أو ثلاثة، لضلوعهم في تلك الجرائم.

وتُعدُّ الاعتقالات المعلنة المتكررة، حسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»: «أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب».

رأفت أنور العامودي (سانا)

وفي سياق سيل المنشورات التي تعلن عنها الوزارة، قالت في بيان السبت: «إن قوى الأمن الداخلي، بالتنسيق مع إدارة مكافحة الإرهاب، أوقفت المدعو رأفت أنور العامودي، أحد أبرز المطلوبين، لضلوعه في العمل لصالح ميليشيا اللجان الشعبية التابعة للنظام السابق في محافظة درعا»، الواقعة جنوب البلاد.

وأضافت أن التحقيقات الأولية تشير إلى «تورط الموقوف في عمليات اعتقال وتغييب قسري، طالت عدداً من أبناء المحافظة، وذلك بالتنسيق المباشر مع الأجهزة الأمنية»، مشيرة إلى أن سجلات التحقيق بيَّنت أن العامودي عمل لصالح رئيس فرع الأمن العسكري السابق، العميد وفيق الناصر، كما نشط تحت إشراف المساعد أسامة أبو جعفر.

ووفق الوزارة، أظهرت الأدلة تعاونه الوثيق مع فرع المخابرات الجوية بقيادة العقيد قصي ميهوب؛ حيث تمثَّل دوره في تسليم مطلوبين للأجهزة الأمنية، ثم ابتزاز ذويهم مالياً عبر التفاوض معهم على مبالغ طائلة لقاء وعود كاذبة بالإفراج عنهم.

وجاء ذلك بعد يوم واحد من إلقاء القبض على اللواء قيس حسان العبد الرجب، معاون مدير إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) في زمن نظام بشار الأسد. وهو يُعد «من أبرز المسؤولين المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الأهالي في حي الحجر الأسود، ومدينتي داريا ومعضمية الشام بريف دمشق، إضافة إلى عدد من القرى والبلدات في محافظة درعا».

اللواء قيس حسان العبد الرجب (سانا)

كما تم في السابع من يونيو (حزيران) الحالي القبض على غسان عساف، الذي شغل منصب مدير مكتب اللواء سهيل الحسن برتبة مساعد أول في أجهزة النظام، في حين لا يزال الحسن الذي اشتُهر بلقب «النمر»، وكان من أبرز القادة العسكريين الميدانيين الموالين للنظام، الذين استخدموا ما يُعرف بـ«البراميل المتفجِّرة»، هارباً مع كثير من رؤوس النظام.

ويُعد عساف «من المتورطين في ارتكاب مجازر مروعة بحق المدنيين في ريف حلب الغربي، فضلاً عن استمراره بعد تحرير البلاد في العمل التخريبي ضد الدولة، عبر تجنيد الخلايا الإرهابية، وبث التحريض، والوقوف خلف تفجيرات استهدفت الأمن العام ومؤسساته»، على ما أفيد به رسمياً.

آنذاك، كان عساف رابع مطلوب من النظام ‏البائد تقبض عليه الوزارة ‏خلال 24 ساعة، بعد شعيب محمود إبراهيم ومحمد حساني، وآخر ‏لم تكشف هويته، وجميعهم متهمون بارتكاب جرائم حرب، ‏والانخراط في أنشطة ‏ميليشيات طائفية وأعمال تخريبية.‏

في السياق ذاته، أعلنت الوزارة أواخر مايو (أيار) الماضي، أن قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة، ألقت القبض على تركي البوحمد الذي يعد أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المتهمين في المحافظة بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري»، و«حزب الله» اللبناني.

جمهرة خارج «قصر العدل» يوم محاكمة عاطف نجيب (رويترز)

وشهد النصف الأول من مايو وأبريل (نيسان)، منعطفاً دراماتيكياً في ملف اعتقال كبار مسؤولي النظام السابق، ومنهم عدنان عبود حلوة، وهو جنرال متهم بتدبير هجوم غاز «السارين» عام 2013 على الغوطة الشرقية، وجايز الموسى رئيس أركان القوات الجوية للأسد الخاضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي المرتبطة بهجمات الأسلحة الكيميائية، واللواء وجيه علي العبد الله، الذي أدار مكتب الشؤون العسكرية للأسد لمدة 13 عاماً، وأمجد يوسف، صف الضابط في المخابرات العسكرية المتهم بارتكاب مجزرة التضامن عام 2013، والتي تمَّ فيها اقتياد ما لا يقل عن 41 مدنياً إلى حفرة وإطلاق النار عليهم.

وأعلنت الوزارة في الرابع من يونيو الجاري، أن إدارة مكافحة الإرهاب أوقفت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة 331 مطلوباً، وضبطت 34 شخصية أمنية «من المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري في حقبة النظام السابق».

سورية تحمل الجمعة الماضي صور أقارب لها قُتلوا في «مجزرة التضامن» بالحي جنوب دمشق (إ.ب.أ)

ويأتي نشاط وزارة الداخلية السورية المتواصل في ملاحقة منتسبي أجهزة النظام السابق، وعناصر التشكيلات المسلحة الموالية له، ضمن سياق متعدد الدوافع لا يمكن اختزاله في عامل واحد، حسب رئيس «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فضل عبد الغني، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: إن «المحركات الهيكلية الرئيسية لهذا النشاط، هي أولاً: بناء شرعية مؤسسية؛ إذ تواجه الحكومة الانتقالية ضغطاً داخلياً حاداً من الضحايا وأسر المعتقلين والمغيَّبين الذين ينتظرون المحاسبة منذ أكثر من 14 عاماً. وثانياً: أن الاعتقالات المعلنة المتكررة تُعدُّ أداة لتأسيس سردية مؤسسية، تؤكد أن الدولة الجديدة قطعت مع ثقافة الإفلات من العقاب.

ويتسق هذا التوجه -حسب عبد الغني- مع ما أعلنته الحكومة من جعل «المساءلة أولوية في مرحلة إعادة البناء».

وأوضح عبد الغني أن «من المحركات الهيكلية الرئيسية أيضاً، سياق محاكمة العميد عاطف نجيب رئيس الأمن السياسي السابق في درعا، في 26 أبريل الماضي؛ حيث أحدث انعقاد المحاكمة تسارعاً في ملفات المرتبطين به، ما يفسر جزئياً تكثيف الاعتقالات في المحافظة ذاتها».

فحص ما يُعتقد أنها مقبرة جماعية في حي التضامن بدمشق بعد بلاغ من الأهالي يوم 4 فبراير الماضي (الهيئة الوطنية للمفقودين)

كما أن إلقاء القبض على أمجد يوسف، وضباط رفيعي المستوى مثل عدنان الحلوة: «شكَّل -بما يحمله يوسف من رمزية مرتبطة بانتهاكات جسيمة- محطة مفصلية في مسار الملاحقات؛ إذ لم يقتصر أثره على محاسبته الفردية؛ بل امتد إلى فتح خيوط تحقيقية ساعدت في تحديد أماكن وجود متورطين آخرين، وكشف أدوار ضباط وعناصر شاركوا في الانتهاكات أو سهَّلوا ارتكابها أو تستَّروا عليها، وهذا يعني انتقال التحقيقات من ملاحقة أسماء منفردة إلى تفكيك شبكات المسؤولية داخل الأجهزة الأمنية والتشكيلات الرديفة للنظام السابق».