«إنه جنون»... ممرضة أميركية توثق انهيار المنظومة الصحية في مدينة غزة

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)
الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)
TT

«إنه جنون»... ممرضة أميركية توثق انهيار المنظومة الصحية في مدينة غزة

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)
الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل جريح في مستشفى القدس بمدينة غزة - 10 أغسطس (أ.ب)

مع تقدّم القوات الإسرائيلية، يتعرض نظام الرعاية الصحية في مدينة غزة لإطلاق النار، ويتجه نحو الانهيار، في الوقت الذي وثقت فيه ممرضة أميركية لحظات انهيار النظام الصحي وسط الحرب.

وبعد مرور ما يقرب من أسبوعين على الهجوم البري الإسرائيلي الأخير على أكبر مدينة في غزة، دُمرت عيادتان جراء الغارات الجوية، وأُغلق مستشفيان بعد تضررهما، بينما تعمل مستشفيات أخرى بالكاد، في ظل نقص الأدوية والمعدات والغذاء والوقود.

واضطر كثير من المرضى والموظفين إلى الفرار من المستشفيات، تاركين وراءهم عدداً قليلاً من الأطباء والممرضات لرعاية الأطفال في الحاضنات، أو غيرهم من المرضى الذين لا يستطيعون الحركة. ويهز القصف الخارجي جدران المستشفيات، وتحوم الطائرات الإسرائيلية المسيرة في الجوار، وغالباً ما تطلق النار في مكان قريب، مما يجعل من الخطر الدخول والخروج، وفقاً للعاملين في مجال الصحة.

وأجلى مستشفى القدس، الواقع على الطرف الجنوبي لمدينة غزة، معظم مرضاه على عجل خلال الأسبوع الماضي، مع اقتراب القوات الإسرائيلية.

وأنزل المسعفون أحد المرضى في حقل من الأنقاض، وغُطِّيَ جسده بالشاش لعلاج حروق بالغة في 40 في المائة من جسده، وطلبوا منه التوجه إلى عيادة لتلقي العلاج، وفقاً لأندي فوغان، الممرضة الأميركية التي كانت من بين المسعفين، وتقول لوكالة «أسوشييتد برس» يوم إجلائها: «إنه جنون. هذه حال نظام الرعاية الصحية»، الذي تقول إن إسرائيل تُفككه عمداً.

الممرضة الأميركية أندي فوغان تحمل طفلاً مصاباً بمرض تنفسي في مستشفى القدس بمدينة غزة - 27 يوليو (أ.ب)

وكان مستشفى القدس يتسع في السابق لـ120 مريضاً. أما الآن، فلا يزال هناك نحو 20 مريضاً، من بينهم رضيعان في العناية المركزة. ويؤوي المستشفى نحو 60 طبيباً وممرضاً وعائلات المرضى.

تطوع في غزة... ويوميات الحرب

وتطوعت فوغان من مدينة سياتل الأميركية من خلال الجمعية الطبية الفلسطينية - الأسترالية - النيوزيلندية منذ يوليو (تموز)، واحتفظت فوغان بمذكرات فيديو عن فترة عملها بمستشفى القدس، ونشرتها من حين لآخر على وسائل التواصل الاجتماعي. وشاركت عشرات الفيديوهات مع وكالة «أسوشييتد برس»، التي تحققت منها. وأصبح المتطوعون في غزة، مثلها، مصدراً حيوياً للمعلومات، حيث منعت إسرائيل وسائل الإعلام الأجنبية.

وصوّرت فوغان فيديو بهاتفها الجوال لطائرات حربية ومقذوفات تهبط على المدينة ومحيط المستشفى. وفي أحد المشاهد، تهتز غرفتها، وتحجب أعمدة الدخان الكثيفة الرؤية من نافذتها.

وفي مشهد آخر، من أحد الطوابق السفلية للمستشفى، يتوقف طفل يحمل وعاء ماء بحجمه بينما يهز انفجار الجدران. وليلة السبت، قالت فوغان إن قافلة كانت تسير بالقرب من المستشفى تعرضت لإطلاق نار. وأضافت أن مراهقاً أصيب بجرح سطحي في الرأس، وربما كان هذا آخر مريض يُدخَل إلى مستشفى القدس.

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل يعاني من حروق شديدة بعد غارة للجيش الإسرائيلي على منزله في مستشفى القدس (أ.ب)

وكما هي الحال في المستشفيات الأخرى، يعاني مستشفى القدس من نقص حاد في المياه والكهرباء والأكسجين، وقد تعرضت محطة الأكسجين في المستشفى لإطلاق نار إسرائيلي.

«زملائي خائفون من الموت»

وتقول إسرائيل إن حملتها على مدينة غزة تهدف إلى تدمير البنية التحتية لـ«حماس»، وتحرير الرهائن الذين أُخذوا خلال هجومها على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وقد أمر الجيش جميع السكان بالمغادرة والتوجه جنوباً، قائلاً إن ذلك حفاظاً على سلامتهم. وقالت نبال فرسخ، المتحدثة باسم الهلال الأحمر الفلسطيني الذي يدير مستشفى القدس، إن المركبات الإسرائيلية حاصرت المستشفى، «مما أدى إلى تقييد حركة الموظفين والمرضى المتبقين بشكل كامل»، بينما أطلقت طائرات من دون طيار النار على المستشفى والمباني القريبة.

وتم إجلاء فوغان يوم الثلاثاء مع طبيب آخر وتوجها جنوباً. وقالت فوغان، متحدثة من دار ضيافة في دير البلح بعد إجلائها: «أتلقى رسائل من زملائي في العمل هناك يسألونني عن سبب مغادرتي. يقولون لي إنهم سيموتون».

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني بطفل يعاني من حروق شديدة بعد غارة للجيش الإسرائيلي على منزله في مستشفى القدس بمدينة غزة - 24 يوليو2025 (أ.ب)

وتتعرض المستشفيات لإطلاق النار على الرغم من الأوامر الإسرائيلية بالمغادرة، ولا تزال مئات الآلاف من الفلسطينيين في مدينة غزة، التي كان عدد سكانها يقارب مليون نسمة قبل الهجوم المستمر. ويقول خبراء دوليون إن المدينة تعاني من مجاعة.

وأغلقت إسرائيل المعبر الحدودي إلى شمال غزة منذ 12 سبتمبر (أيلول)، مما منع وصول شحنات المساعدات المباشرة إلى المدينة. وسارعت منظمات الإغاثة إلى إيصال الإمدادات من الجنوب، عابرةً طرقاً محفوفة بالمخاطر في ظل القيود الإسرائيلية المزدادة على حركتها، وفقاً للأمم المتحدة. وخلال الأسبوع الماضي، دمرت الغارات الإسرائيلية عيادتين على الأقل في طرفي مدينة غزة، وأجبرت عيادتين أخريين على الإغلاق، بما في ذلك مستشفى للأطفال ومركز متخصص في طب العيون، وفقاً للأمم المتحدة. وأعلنت الحكومة الأردنية إخلاء مستشفى ميداني كانت تديره مع اقتراب القوات الإسرائيلية.

«الخوف حقيقي»

وتقول الأمم المتحدة إن 27 مركزاً طبياً ومركزاً للرعاية الصحية الأولية في مدينة غزة، وكثير منها بالغ الأهمية في علاج سوء التغذية، أُجبرت على تعليق خدماتها أو إغلاقها في سبتمبر. وفرّ ما يقرب من 100 مريض يومي الأربعاء والخميس من مستشفى الشفاء، المستشفى الرئيسي في مدينة غزة، مع اقتراب الدبابات الإسرائيلية. وخوفاً من الوقوع في غارة، توقف كثير من الموظفين عن الحضور إلى العمل.

وقال حسن الشاعر، المدير الطبي في مستشفى الشفاء: «الخوف حقيقي».

الممرضة الأميركية أندي فوغان وهي تعتني برجل مصاب بمتفجرات في مستشفى القدس بمدينة غزة - 21 يوليو (أ.ب)

ووفقاً لمنظمات حقوقية، قُدّر عدد العاملين الطبيين من غزة رهن الاحتجاز الإسرائيلي حتى فبراير (شباط)، بأكثر من 160 عاملاً. وقالت إسرائيل إن الاعتقالات تتم وفقاً للقانون، قائلة إن بعضهم متورط في «أنشطة إرهابية».

ويوم الأربعاء، ادعى الجيش الإسرائيلي على وسائل التواصل الاجتماعي، أن مسلحين كانوا يعملون داخل مستشفى الشفاء. وأرفق الجيش مقطع فيديو غير واضح قال إنه يُظهر مسلحين يطلقون النار. ونفى أطباء مستشفى الشفاء هذا الادعاء، واصفين إياه بأنه ذريعة لمداهمة المستشفى. وتُفرَغ المستشفيات مع تقدم القوات الإسرائيلية، فيما داهمت القوات الإسرائيلية مستشفى القدس لمدة أسبوع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، ما أدى إلى إغلاقه مؤقتاً. وصرح الهلال الأحمر آنذاك بأن أجزاءً منه دُمرت، وقُتل مدني واحد على الأقل.

الأمم المتحدة: الاستهداف الإسرائيلي ممنهج

وتُشير الأمم المتحدة وبعض منظمات حقوق الإنسان إلى أن إسرائيل استهدفت المستشفيات بشكل ممنهج، باستخدام الضربات المباشرة وأساليب الحصار والغارات.

وصرحت عزرا زيادة، وهي محللة أنظمة صحية مقيمة في المملكة المتحدة وتعمل من كثب مع الفرق الطبية في غزة، بأنه بمجرد خروج مستشفى عن الخدمة، عادةً ما ينتقل السكان المجاورون إليه.

وقبل الهجوم الأخير على مدينة غزة، بدأ طاقم مستشفى القدس بتسريح المرضى غير المصابين بأمراض خطيرة، خوفاً على سلامتهم، على حد قول فوغان. وأضافت أنهم حوّلوا حركة المرور بعيداً عن المستشفى، بينما أطلقت طائرات إسرائيلية من دون طيار النار على المباني المحيطة.

وفي الأسبوع الماضي، فرت مئات العائلات الفلسطينية التي لجأت إلى المستشفى ومحيطه، بعد أن فرّ كثير منها سابقاً من القوات الإسرائيلية المتقدمة من الشمال.

رضيعة تحت القصف

بعد يوم، رافقت فوغان ممرضات وحدة حديثي الولادة. ضمت إحدى الرضيعتين المتبقيتين - وعمرها 13 يوماً فقط - إلى جسدها محاولةً تهدئتها. وقالت فوغان إن معدل ضربات قلب الرضيعة انخفض بشكل خطير مع وقوع انفجارات قريبة. ومن نافذة غرفتها في الطابق الخامس، سجّلت فوغان ضربات قريبة.

وقالت فوغان في مقطع فيديو: «لقد قصفوا المستشفى مرة أخرى». وسجّلت فوغان غارة جوية لطائرة «أباتشي» من بعيد. وفي الطابق الرابع، كانت هناك شظايا زجاج على بعض الأسرّة من النوافذ المحطمة. ولطخت دماء جديدة فراشاً مهجوراً. وصوّرت فوغان أرضية مستشفى فارغة تم تنظيفها.

وقالت في مقطع الفيديو الذي صُوّر يوم الاثنين: «كانت الأرضية تعجّ بالمرضى في الممرات، والآن أصبحت مهجورة لأن الجميع اضطر إلى الفرار»، وحرصاً على سلامتها، انتقلت فوغان في ذلك اليوم إلى القبو.

وفي اليوم التالي، بعد مغادرة فوغان بوقت قصير، أبلغها زملاؤها بأن مركبات عسكرية إسرائيلية اقتربت من البوابة الجنوبية للمستشفى.


مقالات ذات صلة

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز) p-circle

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

تكثف حركة «حماس» اللقاءات مع وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من مصر وقطر وتركيا، لإيجاد مقاربات بشأن القضايا العالقة باتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي إلى جوار جثمان قريبها في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في غزة بنيران إسرائيلية

قال مسؤولون بقطاع الصحة في غزة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 3 فلسطينيين في وقائع منفصلة في أنحاء القطاع، اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يقفون قرب موقع سقوط شظايا غارة إسرائيلية في ميناء مدينة غزة يوم الأحد (أ.ب)

إسرائيل تدمر مربعات سكنية نجت من ذروة الحرب على غزة

أظهرت غارات إسرائيلية متلاحقة في وسط غزة خلال الأسابيع الماضية، نمطاً متكرراً لتدمير مربعات سكنية نجت من الدمار الكبير خلال ذروة الحرب على القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب) p-circle

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

أفادت مصادر مطلعة على مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأن وفداً مفاوضاً من حركة «حماس» سيعقد جولة مباحثات جديدة مع الوسطاء في مصر، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول مقهى على شاطئ البحر في غزة تعرض لقصف إسرائيلي (رويترز) p-circle

مسعفون: مقتل 2 على الأقل في غارة إسرائيلية على مقهى بغزة

‌قال مسؤولون في مجال الصحة إن غارة جوية إسرائيلية أودت بحياة ​فلسطينيين اثنين على الأقل، وأصابت 12 آخرين في مقهى بغزة كان مكتظاً بالمواطنين.

«الشرق الأوسط» (غزة)

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
TT

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)

أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي، اليوم (الثلاثاء)، أن الحزب لن يوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، ولا سيما «معادلة» امتناع إسرائيل عن قصف ضاحية بيروت الجنوبية مقابل امتناعه عن استهداف شمال إسرائيل.

وقال قماطي في تصريح مكتوب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «المقاومة والثنائي الوطني (أي حزب الله وحليفته حركة أمل) لم ولن يوافقوا على معادلة الضاحية مقابل المستوطنات».

وأضاف: «جوابنا كان واضحاً للمعنيين وبالاتفاق مع الرئيس (نبيه) بري أننا نلتزم بوقف شامل وكامل وجدي لوقف إطلاق النار دون العودة إلى ما قبل 2 مارس (آذار)، ولن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار».

وتابع بأن «أي عدوان على الضاحية يمكن أن يؤدي إلى رد أعمق وأقوى» من الحزب.

وحال تدخُّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب دون مضي إسرائيل قدماً في تنفيذ هجوم على «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية أمر به رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعها يسرائيل كاتس.

وجاءت هذه التهدئة بعد اتصال بين ترمب ونتنياهو، أمس. وقال الرئيس الأميركي في منشور على حسابه على «تروث سوشيال»: «أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأكدنا أنه لن يتم إرسال أي قوات إلى بيروت، وأن أي قوات كانت في طريقها قد أُعيدت. وبالمثل، أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع (حزب الله) عبر ممثلين رفيعي المستوى، واتفقوا على وقف إطلاق النار تماماً، وأن إسرائيل لن تهاجمهم، ولن يهاجموا إسرائيل». وأضاف أن «المحادثات مستمرة، وبوتيرة سريعة، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

وأكد لبنان رسمياً ليلاً أن ​«(حزب الله) وافق ‌على ‌المقترح ​الأميركي ‌بشأن ‌وقف ‌متبادل للهجمات يشمل ​جميع ​الأراضي ​اللبنانية». وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي قد دعا سكان ضاحية بيروت إلى إخلائها؛ ما تسبب في موجة نزوح.


عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

أكد كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام التمسك بخيار التفاوض بوصفه «المسار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، في حين شدد عون على أولوية الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الفتنة، وعَدَّ أن وحدة اللبنانيين تبقى عنصر القوة الأساسي في مواجهة التحديات.

وأكد الرئيس عون أن «قوتنا في وحدتنا، والسلم الأهلي لا يمكن المساس به؛ لأن اللبنانيين باتوا على اقتناع تام بأنه لا عودة إلى الوراء»، مشدداً على أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع الفتنة يشكلان أولوية وطنية مطلقة، مجدداً حرصه على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في لبنان ومنع الفتنة التي من شأنها أن تهدد بقاء لبنان، وعَدَّ أن «كل من يُغذيها يقدم خدمة لإسرائيل».

التفاوض هو الخيار الأقل كلفة

وأكد عون أنه يتحمل مسؤولية الخيارات التي اتخذها، والانتقادات التي تطوله بسبب اعتماده مسار التفاوض، وعَدَّ أنه «الخيار الأقل كلفة على البلد»، مشيراً إلى أن الحروب على مر التاريخ تنتهي «بمنتصر ومنهزم، أو بالتفاوض لحل النزاع»، وهو ما اعتمدته دول عدة، كما هي حال النزاعات والحروب الجارية في العالم.

وقال عون: «سقط للبنان أكثر من 3 آلاف شهيد، وأكثر من مليون نازح، وآلاف المنازل المهدّمة، ولا أُفق لانتهاء هذا الوضع، لذلك كان لزاماً عليّ رئيساً للجمهورية القيام بما يفرضه عليّ ضميري وواجبي تجاه بلدي وشعبي، ومن واجب الدولة الاهتمام بمواطنيها وعدم الوقوف دون أن نحرك ساكناً». وأضاف: «لا خيار آخر غير التفاوض، ولا يجب عدُّه استسلاماً أو تنازلاً أو هزيمة؛ لأن القوة ليست في خوض الحرب، بل في تمتع المرء بالشجاعة والحكمة لإنهائها بالتفاوض لمصلحة بلده التي تبقى هي الأساس فوق كل اعتبار». وشدد عون على أن «الدولة تعمل على معالجة الأوضاع الحالية قدر الإمكان، وأن الحكومة ومجلس النواب يعملان على إقرار القوانين الكفيلة بتحسين الظروف الحياتية والمعيشية للمواطنين والعمال».

الجيش هو العمود الفقري لمنع الفتنة

وعَدَّ الرئيس عون أن «العمود الفقري والأساس لمنع الفتنة هو الجيش والأجهزة الأمنية»، لافتاً إلى أنهم «يتعرضون، في بعض الأحيان، للانتقاد والتهجم فيما يواصلون تقديم أعلى درجات التضحيات والشهداء على مذبح الوطن، ويقومون بواجبهم على أكمل وجه، على الرغم من الأزمة الاقتصادية القاسية التي يمر بها لبنان، ومكافحة كل ما يمس أمن الناس وهم موجودون في كل المناطق اللبنانية».

سلام: المطلوب تثبيت وقف النار وتوحيد الجهود تحت سقف الدولة

من جهته، علّق رئيس الحكومة نواف سلام على استئناف المفاوضات، مؤكداً أن «المطلوب يبقى تثبيت وقف إطلاق النار في كل لبنان». وشدد سلام على أن «المفاوضات هي الخيار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، مضيفاً أن «طريقنا فيها أقصر إلى إنهاء الاحتلال وعودة أهلنا في الجنوب إلى مُدنهم وقُراهم، كلما توحدت كل الجهود تحت سقف الدولة».

أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حيث أقفلت المحالّ أبوابها وغادرها السكان على أثر التهديد الإسرائيلي بقصفها الاثنين (أ.ف.ب)


سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
TT

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)

تعول الحكومة السورية على إزالة تصنيفها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، المفروض عليها من واشنطن منذ عام 1979، بوصفه العقبة السياسية والقانونية الكبرى أمام تعافيها الاقتصادي مع ما بقي من عقوبات حالت دون ظهور أي نتائج ملموسة لرفع شبه شامل للعقوبات الدولية منذ نحو العام.

ورأت مصادر في دمشق أن التمهل الأميركي مرتبط بموقف إسرائيل المعارض لرفع العقوبات، بينما تحدثت مصادر أخرى عن جملة عوامل إقليمية ودولية وداخلية.

وفي مكالمة هاتفية جرت مؤخراً بيت الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب الرئيس السوري رفع ما تبقى من عقوبات بوصفها خطوة أساسية لتمكين الاقتصاد السوري، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتشجيع الاستثمارات.

ولا تزال سوريا تخضع لشبكة معقدة من العقوبات على الرغم من الرفع الجزئي المحدود الذي حصل في الأشهر المنصرمة (وشملت الرئيس السوري نفسه، وزير الداخلية، البنك المركزي، الخطوط الجوية السورية، ميناءي اللاذقية وطرطوس، وشركة النفط السورية).

مبادرة فردية من شبان قرية القاسمية بإصلاح التكسرات على طريق قريتهم شرق القامشلي (مرصد الحسكة)

وبحسب الباحث والخبير الاقتصادي زياد عربش لـ«الشرق الأوسط»، فإن العقوبات المتبقية التي شكا منها الشرع، تشمل قانون قيصر (Caesar Act) الذي رغم تعليقه بشكل متكرر ومؤقت لمدة 180 يوماً فقط وليس رفعه نهائياً، يخلق حالة من عدم اليقين للمستثمرين. وأيضاً تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب» (SST)، إضافة إلى عقوبات ثانوية واسعة منها مئات العقوبات المفروضة على أفراد وكيانات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، لا تزال مستمرة.

وهناك قيود التصدير التكنولوجية، أهمها القيود الأميركية الصارمة على تصدير التقنيات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري)، وكذلك العقوبات شخصية المفروضة على الرئيس السابق الفار ومحيطه القريب.

ورأى الخبير الاقتصادي أن من شأن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحفيز الاستثمار الأميركي المباشر الذي كان محظوراً تماماً، وإعادة الإدماج المالي بربط المصارف السورية بالنظام المالي الدولي، وتسهيل التحويلات البنكية، وتعزيز الثقة الدولية.

تقول واشنطن إن العقوبات ستظل تستهدف أشخاصاً تتهمهم بانتهاك حقوق الإنسان ‌ومهربي ⁠حبوب الكبتاغون وجهات أخرى تعدها الولايات المتحدة مزعزعة للاستقرار في المنطقة. وذلك بينما ترتكز سياسية الرئيس الأميركي في منطقة الشرق الأوسط على أن «توازن القوى المتمحورة حول الولايات المتحدة، يعمل بأفضل صورة عندما يُشجَّع الحلفاء على أن يصبحوا أكثر اعتماداً على أنفسهم، وأن يتقاسموا الأعباء من خلال ترابطهم وتكامل بعضهم مع بعض»، وفق ما قاله توم براك في أول تعليق له بعد تسلم مهامه الجديدة مبعوثاً رئاسياً خاصاً لسوريا والعراق.

ولعل سياسة ترمب تلك تصطدم مع واقع سوريا الخارجة من الحرب؛ إذ يرى الباحث في العلاقات الدولية عباس شريفة في بقاء سوريا على قوائم الدول الراعية للإرهاب «إشكالات جوهرية» تتناقض مع الموقف الأميركي الذي يعد سوريا شريكاً في الحرب على الإرهاب، خصوصاً أن الولايات المتحدة رتبت انسحابها من سوريا على أساس أن «الدولة السورية باتت قادرة على مواجهة خطر الإرهاب»، كما أن الواقع يدحض هذا التصنيف لأن «سوريا اليوم تقوم بدور مهم في ملاحقة تنظيم (داعش)، ولا تقيم أي علاقة مع الميليشيات الإيرانية، ولا تقدم أي دعم لأي من الجماعات التي تعدها واشنطن جماعة إرهابية».

بدء أول مشروع تنقيب عن النفط والغاز في السواحل السورية مايو الماضي مع «شيفرون» ضمن المساعي لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة (رويترز)

ورجح الباحث شريفة تأخر رفع ما تبقى من عقوبات «لارتباطه بمواقف سياسية لبعض أعضاء الكونغرس الداعمين لإسرائيل»، خصوصاً أن سياسة ترمب في سوريا كانت على الدوام متعارضة مع الرؤية الإسرائيلية، لكن يبدو أن «ثمة ضغطاً إسرائيلياً في بعض دوائر صنع القرار من أجل عرقلة هذا الإجراء، وربطه بتوقيع الاتفاق الأمني مع إسرائيل الذي تعثر بسبب التعنت الإسرائيلي»، مستبعداً أن تكون العلاقة التجارية والعسكرية بين سوريا وروسيا عائقاً أمام رفع ما تبقى من عقوبات؛ «لأن الإدارة الأميركية نفسها منحت استثناءات لتصدير النفط الروسي».

في هذه الأثناء، تسود الأوساط السورية عموماً حالة من الإحباط بعد موجة من التفاؤل أثار الرفع الجزئي للعقوبات، ورغم مرور عام على ذلك إلا أن الواقع الاقتصادي ما زال بعيداً عن التعافي الفعلي، كما أن الأثر المباشر على حياة الناس محدود جداً. بحسب أستاذ الاقتصاد زياد عربش، وذلك بسبب عوامل معقدة، منها أن العقوبات المتبقية تمنع المصارف والشركات الغربية من الانخراط بحرية في السوق السورية. والولايات المتحدة والدول الأوروبية لن تصل إلى الرفع الكامل للعقوبات إلا مع تنفيذ القرار 2254، وتحسين ملف حقوق الإنسان، وضمان عودة آمنة للاجئين. وبالإضافة إلى أن إلغاء قانون قيصر بشكل كامل يتطلب موافقة الكونغرس الأميركي، وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً، وتواجه عراقيل سياسية.

تدعيم أحد الجسور المؤقتة على نهر الفرات شرق سوريا لصعوبة بناء جسور جديدة (محافظة دير الزور)

وبحسب عربش، «حتى لو رُفعت العقوبات تماماً اليوم، فإن الآثار الإيجابية (مثل تدفق الاستثمارات) تحتاج إلى أشهر أو سنوات لتظهر على أرض الواقع»، مشيراً إلى قلق دولي من أن أي مساعدات أو استثمارات «قد تمول الفساد ما لم تكن هناك آليات شفافة تضمن وصولها إلى الشعب السوري».

ومن العوامل المؤثرة أيضاً، الانقسام الداخلي؛ إذ لا تزال هناك مناطق خارج سيطرة الدولة المركزية؛ ما يعوق تطبيق أي قرارات اقتصادية موحدة. يضاف إلى كل تلك العوامل وجود معارضة إقليمية «إسرائيلية» لرفع العقوبات.