المخيمات الفلسطينية في لبنان... نفوذ متشعب بين السياسة والسلاح

«عين الحلوة» أكبرها وأكثرها خطورة من أصل 12 مخيماً

TT

المخيمات الفلسطينية في لبنان... نفوذ متشعب بين السياسة والسلاح

جنود ومواطنون يقفون بجوار شاحنة تحمل أسلحة خلال عملية تسليمها من مخيم برج البراجنة جنوب بيروت (إ.ب.أ)
جنود ومواطنون يقفون بجوار شاحنة تحمل أسلحة خلال عملية تسليمها من مخيم برج البراجنة جنوب بيروت (إ.ب.أ)

بعد خمسة عشر عاماً على بدء النقاش حول مصير السلاح الفلسطيني في لبنان، عاد الملف إلى الواجهة بعد أن بدأت رحلة تسليم سلاح المخيمات إلى الجيش اللبناني.

فهذا الإجراء، أعاد إحياء واحد من أعقد ملفات العلاقة اللبنانية - الفلسطينية، وألقى الضوء مجدداً على واقع المخيمات الممتدة من طرابلس شمالاً إلى صور جنوباً. مخيمات لم تعد منذ زمن مجرد مساكن للاجئين، بل تحولت إلى ساحات سياسية وأمنية متشابكة، تتقاسمها الفصائل، وتدار بشبكات نفوذ موازية للدولة اللبنانية. وبين ضيق الجغرافيا وضغط الفقر، يتجلى نفوذ حركة «فتح» التقليدي، وصعود حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، إلى جانب بقايا الفصائل المرتبطة بدمشق، في لوحة معقدة يصعب فصلها عن الصراع الفلسطيني والإقليمي الأوسع.

عباس: لا دور للسلاح

وفي هذا السياق، خرج الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الاثنين، ليحسم الموقف، قائلاً في مقابلة تلفزيونية إن «سلاح المخيمات أدى غرضه عام 1969، ولا دور له الآن»، مشيراً إلى اتفاق مع الرئيس اللبناني جوزيف عون يقضي بسحب كل السلاح من المخيمات وتسليمه للدولة اللبنانية. وأضاف: «مصممون على سحب كل السلاح الفلسطيني من لبنان، ولن أكون سبباً في تعطيل مشروع الدولة اللبنانية».

وبدأت في 21 أغسطس (آب) عملية تسليم سلاح المخيمات الفلسطينية إلى الجيش اللبناني بعدما أقرها الجانبان اللبناني والفلسطيني خلال زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس لبيروت في مايو (أيار)، وتركزت عملية التسليم على مخيمات في بيروت والجنوب، على أن تستكمل العملية في مراحل لاحقة.

12 مخيماً في لبنان

يضم لبنان 12 مخيماً رسمياً معترفاً بها من وكالة «الأونروا»، تتمثل في «نهر البارد»، و«البداوي» في الشمال، و«برج البراجنة»، و«شاتيلا»، و«مار إلياس»، و«ضبيّة» في بيروت وضواحيها، و«عين الحلوة»، و«المية ومية» في صيدا، و«الرشيدية»، و«البرج الشمالي»، و«البص» في صور، إضافة إلى «مخيم ويفل» (الجليل) في بعلبك.

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين السوريين خلال عملية تسليم الأسلحة الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

ووفق الإحصاء اللبناني - الفلسطيني المشترك عام 2017، يعيش نحو 174 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، نصفهم تقريباً داخل المخيمات.

ويؤكد الباحث صخر أبو فخر لـ«الشرق الأوسط» أن «الصورة ليست واحدة في كل المخيمات. فهناك مخيمات عملياً من دون سلاح، مثل ضبيّة (شرق بيروت) الذي يقطنه فلسطينيون مسيحيون، ونهر البارد (شمال لبنان) الذي دُمّر ثم أعيد بناؤه تحت إشراف الجيش اللبناني، ويخضع لرقابة صارمة، ومار إلياس (غرب بيروت) الذي تحوّل إلى مكاتب للفصائل. ففي هذه المخيمات لا يتعدى السلاح بعض البنادق الفردية لحراسة المقرات».

القوة الأقوى

شكّلت حركة «فتح» لعقود العمود الفقري للفصائل الفلسطينية في لبنان، إذ سيطرت على اللجان الشعبية، وأدارت قوات «الأمن الوطني الفلسطيني». فنفوذها كان واضحاً في عين الحلوة والرشيدية والبداوي، لكنها واجهت تراجعاً بفعل الانقسامات وصعود الإسلاميين. ومع ذلك تبقى المرجع الأول للدولة اللبنانية والجهات الدولية.

ويقول أبو فخر إن «حركة (فتح) تبقى القوّة الأقوى في مخيمات، مثل برج البراجنة وشاتيلا، لكن المشهد معقد بسبب انتشار شبكات تهريب ومخدرات تتقاطع فيها قوى فلسطينية ولبنانية. هذه الشبكات تفرض نفسها بالسلاح، وتحدّ من قدرة (فتح) على الإمساك الكلي بالأرض».

«حماس» و«الجهاد»

في العقدين الأخيرين، صعد نفوذ حركة «حماس»، خصوصاً في مخيمات الجنوب، بفضل عملها الاجتماعي وشبكة مؤسساتها. كما برزت حركة «الجهاد الإسلامي» مع انتقال قيادتها إلى بيروت، وظهر جناحها العسكري «سرايا القدس» لاعباً فاعلاً بعد إطلاق صواريخ من الجنوب. هذا الصعود فرض معادلة جديدة ضعّفت سيطرة «فتح» المنفردة.

لكن أبو فخر يُشدّد على أن «سلاح (حماس) و(الجهاد الإسلامي) لا يمكن نزعه بالقوة، بل بالحوار والضغط القانوني. فعدد كبير من عناصر هذين التنظيمين ليسوا أصلاً من فلسطينيي لبنان، ويمكن ضبطهم أو ترحيلهم إذا لم يلتزموا بالقانون».

حضور رمزي

رغم تراجع نفوذها الشعبي، ما زالت الجبهة الشعبية - القيادة العامة، وفتح الانتفاضة، والصاعقة، تحتفظ بوجود في الشمال والبقاع، بشكل يذكّر اللبنانيين بتاريخ الوصاية السورية ودورها في المخيمات. ويصف أبو فخر هذا الحضور بـ«الرمزي أكثر مما هو فعلي».

مرآة الانقسام

يُعد مخيم «عين الحلوة» أكبر المخيمات وأكثرها خطورة. داخله تتوزع السيطرة بين «فتح»، و«حماس»، و«الجهاد»، ومجموعات سلفية، مثل «عصبة الأنصار» و«جند الشام». وأبرزت الاشتباكات الأخيرة عام 2023 هشاشة التوازن فيه.

ويقول أبو فخر: «عين الحلوة هو الأصعب، لأنه يضم مربعات مختلفة لقوى متناقضة، وأي محاولة لانتزاع السلاح بالقوة ستشعل انفجاراً دموياً»، ويرى أن المعالجة لا تكون بالقوة، بل بحوار سياسي وأمني حكيم، يراعي حساسية السكان وارتباط بعض القوى بالخارج».

مراكز نفوذ متداخلة

في صور، ما زالت «فتح» هي المرجعية في مخيمي الرشيدية والبص، لكنّ «حماس» عززت حضورها خصوصاً في البرج الشمالي. وفي صيدا، هناك امتداد لـ«عين الحلوة» لكنه أقل توتراً. وفي بيروت، يمثّل «برج البراجنة» أكبر المخيمات وأكثرها ازدحاماً، وتسيطر عليه «فتح» مع نفوذ اجتماعي زائد لـ«حماس».

أما شاتيلا، فيلفت أبو فخر إلى أنه «لم يعد مخيماً بالمعنى التقليدي، بل أصبح ضاحية فقيرة يقطنها لبنانيون وسوريون وآسيويون إلى جانب الفلسطينيين». ويشير إلى أن «مشاكله مرتبطة أكثر بتجارة المخدرات والفقر منها بالسلاح الفصائلي».

نحو عقلنة الحل

تؤكد الفصائل أن سلاحها موجه ضد إسرائيل، لكن الواقع يكشف أنه أداة صراع داخلي. أبو فخر يوضح أن «السلاح المتوسط والثقيل لم يعد له معنى، بل صار عبئاً يجب أن يُسلَّم فوراً للدولة اللبنانية. أما السلاح الفردي، فيمكن تنظيمه مثل حراسة السفارات، حيث تُسجّل أسماء الحراس وعددهم، ويخضعون لرقابة الدولة».

تظهر خريطة المخيمات الفلسطينية في لبنان شبكة نفوذ متشابكة، بين حركة «فتح» بوصفها قوة تقليدية تواجه تحدي الإسلاميين، وفصائل موالية لدمشق تراجعت إلى حضور رمزي، وجماعات سلفية تفرض مربعات أمنية في عين الحلوة. ومع بدء خطة نزع السلاح في أغسطس 2025، يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح الدولة في تحويل هذه الجزر الأمنية إلى فضاءات مدنية، أم تبقى رهينة التوازنات الداخلية والتجاذبات الإقليمية؟

عناصر من الجيش اللبناني ومديرية المخابرات ينتشرون عند مدخل مخيم برج البراجنة (أ.ف.ب)

وفيما يعد أبو فخر أنّ «المطلوب اليوم التحلي بالعقلانية»، يرى أن «الفلسطيني يحتاج اليوم إلى طمأنة أنه ليس عارياً أمام أي تهديد، والدولة تحتاج إلى ضبط السلاح. وهذا لن ينجح من دون منح الفلسطينيين حقوقاً مدنية أساسية، مثل التملك والعمل والرعاية».


مقالات ذات صلة

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيجدد خلال لقائه رئيس الحكومة اللبنانية، تأكيد التزام فرنسا الكامل بوقف إطلاق النار في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

تفرض الهدنة المؤقتة في لبنان واقعاً ضاغطاً على السكان؛ إذ تدفعهم إلى العودة الخاطفة من دون أن تمنحهم شعوراً فعلياً بالأمان أو الاستقرار.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)

«حزب الله» يهدّد بإسقاط المفاوضات مع إسرائيل باستعادة سيناريو 1983

يواصل «حزب الله» هجومه على السلطة في لبنان اعتراضاً على قرار خوضها مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ويصر على وجوب تراجعها عن هذا المسار

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حرص فرنسي على مواكبة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة

حرص فرنسي على مواكبة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المرتقبة ورهان لبناني على الدور الأميركي، لكنه يحتاج لمساندة عربية - أوروبية حتى لا يكون وحيداً.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي طائرة مسيّرة تحلّق فوق إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 17 أبريل 2026 (رويترز)

مسيّرة إسرائيلية تهاجم محيط مجرى الليطاني في جنوب لبنان

شنّت إسرائيل، الاثنين، هجوماً بمسيّرة في جنوب لبنان، على الرغم من وقف إطلاق النار المعلن لمدة عشرة أيام بين الدولة العبرية و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تدريب الدفعة الأولى من المنتسبات إلى «معهد الشرطة النسائية» في سوريا

داخل فصل دراسي في دورة التأهيل والتدريب الأولى بمعهد الشرطة النسائية السورية (وزارة الداخلية)
داخل فصل دراسي في دورة التأهيل والتدريب الأولى بمعهد الشرطة النسائية السورية (وزارة الداخلية)
TT

تدريب الدفعة الأولى من المنتسبات إلى «معهد الشرطة النسائية» في سوريا

داخل فصل دراسي في دورة التأهيل والتدريب الأولى بمعهد الشرطة النسائية السورية (وزارة الداخلية)
داخل فصل دراسي في دورة التأهيل والتدريب الأولى بمعهد الشرطة النسائية السورية (وزارة الداخلية)

بدأ «معهد الشرطة النسائية» التابع لوزارة الداخلية السورية تنفيذ الخطة التدريبية المقررة للمنتسبات لدورة أفراد الشرطة بالمعهد، والتي تشمل برامج مكثفة في التأهيل العسكري والبدني.

وهذه الدفعة هي الأولى من المنتسبات لدورة أفراد الشرطة النسائية، وسط إجراءات تنظيمية متكاملة، وأجواء مفعمة بالانضباط والالتزام.

وأوضحت وزارة الداخلية أن الخطة التدريبية المقررة تشمل برامج مكثفة في التأهيل العسكري والبدني، لرفع مستوى اللياقة والجاهزية الميدانية، توازيها حزمة من العلوم القانونية والشرطية، لضمان أداء المهام وفق الأطر القانونية والمهنية، مع التركيز على مهارات التعامل والضبط المسلكي «بما ينسجم مع خصوصية العمل الأمني النسائي»، حسب بيان الوزارة.

برامج مكثفة في التأهيل العسكري والبدني بدورة أفراد الشرطة الأولى في معهد الشرطة النسائية (الداخلية السورية)

ويأتي رفد سلك قوى الأمن الداخلي بهذه الدفعة الجديدة، تجسيداً لاستراتيجية وزارة الداخلية في تعزيز دور المرأة السورية في المنظومة الأمنية، ورفد مختلف الوحدات والقطاعات بكوادر نسائية مؤهَّلة، قادرة على تحمل المسؤولية، والمساهمة بفاعلية في حفظ الأمن والنظام العام، بما يواكب متطلبات العمل الميداني؛ حسب بيان الداخلية السورية.

افتتاح «معهد الشرطة النسائية» في ريف دمشق منتصف مارس بحضور وزير الداخلية وقيادات المعهد (الداخلية السورية)

​وكان وزير الداخلية، أنس خطاب، قد افتتح معهد الشرطة النسائية في مدينة التل بريف دمشق، منتصف مارس (آذار) الماضي، في خطوة تهدف إلى تعزيز دور المرأة في العمل الشرطي والأمني، وتوسيع مشاركتها في مختلف الاختصاصات.

وقال خطاب في كلمة خلال الافتتاح، إن تجهيز المعهد وإعداد مناهجه استغرقا نحو عام من العمل المتواصل، بذل خلاله فريق متخصص جهوداً كبيرة لتأمين بيئة تدريبية حديثة تواكب متطلبات العمل الشرطي، وتوفر للمنتسبات مقومات التعلم والتأهيل المهني.

العميد هدى محمود سرجاوي مديرة «معهد الشرطة النسائية» (الداخلية السورية)

وأكدت مديرة المعهد، العميد هدى محمود سرجاوي، في كلمة الافتتاح، أن إنشاء المعهد يأتي ضمن رؤية وطنية لتطوير العمل الشرطي وتحديثه بما ينسجم مع متطلبات المرحلة، وليكون منصة تدريبية متخصصة لإعداد كوادر شرطية نسائية قادرة على التعامل مع مختلف القضايا المجتمعية.

وأشارت هدى سرجاوي إلى أن المعهد يمثل خطوة نحو بناء نموذج مؤسسي، يعكس إيمان الدولة بقدرات المرأة ودورها في حماية المجتمع وتعزيز الاستقرار.

نموذج من التعليمات التي تتعلمها المنتسبة لمعهد الشرطة النسائية في سوريا

يهدف المعهد إلى تأهيل المنتسبات من خلال برامج تدريبية متخصصة، تشمل العلوم الشرطية والقانونية والمهارات الميدانية، إضافة إلى التدريب على آليات التعامل مع القضايا المجتمعية التي تتطلب حضوراً نسائياً ضمن العمل الشرطي.

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عن فتح باب القبول للالتحاق بالمعهد، داعية الراغبات في الانتساب إلى تقديم طلباتهن استناداً إلى شروط محددة.

واشترطت الوزارة على المتقدمة أن يكون عمرها بين 18 و26 عاماً، وأن تكون حاصلة على الشهادة الثانوية، كحد أدنى، كما يشترط أن تكون حسنة السيرة والسلوك، وغير محكوم عليها بأي جناية أو جُرم شائن.


إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)
إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُحيي «ذكرى الاستقلال» بمهرجانين متناقضين

إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)
إسرائيليون في مقبرة جبل هرتزل خلال احتفالات بذكرى القتلى العسكريين الثلاثاء (رويترز)

تشهد إسرائيل، بداية من الثلاثاء وحتى الأربعاء، مجموعة كبيرة من المهرجانات والطقوس في الذكرى السنوية الـ78 لما تسميه بـ«يوم الاستقلال»، لكن المناسبة باتت مساحة لخطابين ومهرجانين متناقضين بين جمهور وحكومة يمينيين يدعون إلى «حرب أبدية» في مقابل دعاة «سلام» وعائلات قتلى الحروب الذين يطالبون بوقف المعارك.

وبدأ المسار «الاحتفالي» ليلة الاثنين - الثلاثاء، بـ«إحياء ذكرى ضحايا معارك إسرائيل»، وذلك حتى مساء الثلاثاء، ويختتم بيوم كامل من الاحتفالات والمهرجانات بـ«ذكرى التأسيس».

ويتضمن جدول النشاطات حفلاً في باحة حائط البراك (المبكى في السردية الإسرائيلية) بالقدس الشرقية المحتلة، وآخر في مقابر «عظماء الأمة» على جبل هرتزل في القدس الغربية، وثالث في باحة الكنيست.

أفراد من الجيش الإسرائيلي يستخدمون هواتفهم الذكية في مقبرة بتل أبيب يوم الثلاثاء (رويترز)

وصار المهرجان مهرجانين؛ أحدهما يخلّد الخوف والحروب، والثاني يدعو لفتح «آفاق سلام» تنهي الحروب، وبات الاختلاف بين الطرفين عداءً واعتداءات.

وأظهرت خطابات قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين في هذه النشاطات، تغيراً كبيراً على مستويات رسمية وشعبية، وبعد هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، برزت مفاهيم سياسية واستراتيجية بقوة، وخرجت أسوأ صورة لإسرائيل في تاريخها منذ النكبة التي فرضتها على الشعب الفلسطيني.

وعلى مستوى الحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو والقادة العسكريين، فإنهم يتعهدون بدورهم بالعيش على الحراب إلى الأبد.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضع إكليلاً من الزهور في المقبرة العسكرية بجبل هرتزل في القدس الثلاثاء (إ.ب.أ)

لقد أصبح عدد قتلى الحروب في إسرائيل 25.648 جندياً ورجل أمن، بينهم 174 جندياً إسرائيلياً قتلوا فقط في حروب السنة الأخيرة، هذا عدا عن 79 مدنياً.

وارتفع عدد أفراد العائلات الثكلى إلى 59 ألفاً و583 شخصاً، هم الآباء والأمهات والأرامل والأيتام. ومع ذلك، فقد أكد نتنياهو ورئيس أركان الجيش، إيال زامير، في خطاباتهما العديدة في هذه المناسبة، أنه «كُتب على إسرائيل أن تعيش على الحرب إلى الأبد». أي أنهما يبشران شعبهما بمزيد من القتل واليتم.

اعتداءات من الميليشيات

وفي ليلة الاثنين - الثلاثاء، حاولت مجموعة من المواطنين طرح خطاب سياسي مختلف عن التحشيد؛ وهم جزء لا يتجزأ من عائلات الثكلى (نحو ألف شخص من عائلات إسرائيلية وفلسطينية فقدت أبناء) اجتمعوا بشكل سري في ساحة في تل أبيب، وقرروا إحياء ذكراهم معاً، على أمل أن يشعر كل طرف بألم الآخر، ويتوقف القتل.

وهكذا كانوا يفعلون منذ 21 عاماً في كل سنة؛ في البداية كان المجتمع الإسرائيلي يحترم مشاعرهم، حيث إنهم عائلات ثكلى، إلا أنهم في السنوات الأخيرة باتوا يتعرضون لاعتداءات فظة.

نشطاء سلام إسرائيليون وفلسطينيون يرفعون لافتات خلال مظاهرة ضد إخلاء الفلسطينيين من منازلهم في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

ومنعت الحكومة وصول الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، وباتوا يخاطبون الشركاء من الإسرائيليين بالفيديو. وفي السنة الماضية، اعتدى عدد من ميليشيات اليمين المتطرف المسلحة على المحتفلين جسدياً، في كنيس يهودي.

وفي رسالة واضحة لهم، قررت الشرطة، الأحد، إغلاق ملف التحقيق ضد هؤلاء المعتدين، من دون توجيه أي لائحة اتهام ضد المتورطين، رغم وجود توثيقات عديدة ومقاطع فيديو من زوايا مختلفة، ولقطات بث مباشر نشرها المهاجمون أنفسهم، زعمت الشرطة أنها «لم تتمكن من تحديد هوية المشتبه بهم».

والتقطت الميليشيات رسالة الشرطة لكي يعيدوا الاعتداء هذه السنة... وبالفعل، عرف هؤلاء بمكان المهرجان السري وقدم نحو 100 ميليشياوي منهم وحاولوا الاعتداء الجسدي على المشاركين في إحياء ذكرى أولادهم، وشتموهم: «خونة» و«يسار قذر». وبالطبع هتافهم التقليدي: «الموت للعرب».

«دولة مُختطفة»

ومقابل الاحتفالات الرسمية بـ«الاستقلال»، يقيم عدد من كبار المسؤولين والوزراء السابقين والجنرالات المتقاعدين، مهرجاناً مستقلاً للمناسبة في تل أبيب.

ويقود النشاط السابق، رئيس الأركان ووزير الدفاع الأسبق، موشيه يعلون، ورئيس الأركان الذي خلفه، دان حالوتس. وقد أصدرا بياناً جاء فيه: «عشية الذكرى الـ78 لـ(الاستقلال) نحن نضطر، بكل ألم، إلى الإعلان (ليس للمرة الأولى) بأن إسرائيل دولة تم اختطافها. اختطفها أناس يعتبرون مواردها ملكاً خاصاً لهم، وقيمها التأسيسية عائقاً سياسياً (...) يتم استخدام الاحتفال كمنصة لتمجيد حكومة فقدت الحياء، هم يحاولون هندسة الوعي ومحو الإخفاقات، ومن أجل تحقيق ذلك هم يحولون رموز الأمة إلى زينة شخصية».

«سخرية من الاستقلال»

وقد امتلأت الصحافة الإسرائيلية، الثلاثاء، بالمقالات التي تسخر لأول مرة من استخدام كلمة «استقلال». وقال رئيس الوزراء الأسبق، إيهود باراك، إنه «ما زال يوجد لدينا عيد وطني، أما الاستقلال فأقل بقليل». وأضاف: «إسرائيل أصبحت خلال الحرب محمية للولايات المتحدة، التي تفرض عليها قرارات عملياتية ودبلوماسية حاسمة بأوامر قاسية، بل مهينة أحياناً».

متظاهر إسرائيلي في تل أبيب مساء السبت يرتدى قناعاً لوجه يشبه الرئيس الأميركي يحمل دمية طفل تحمل وجه نتنياهو (أ.ب)

وأنشأت صحيفة «هآرتس» مقالاً افتتاحياً، الثلاثاء، جاء فيه: «إسرائيل نتنياهو هي دولة مكسورة، منقسمة ومنبوذة، لكن لا شيء من هذا يجعل قيادتها تجري حساباً للنفس. العكس هو الصحيح».

وقالت الصحيفة: «إسرائيل بحاجة ماسة إلى تغيير جذري. بحاجة إلى قيادة جديدة تفهم أن لا أمل في الحفاظ على استقلالها وتجسيده بكامله ما دامت هي تواظب على رفضها العمل على حل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، وتبادر إلى خطوة سياسية تحرر الفلسطينيين من سيطرتها. هي بحاجة لقيادة تبحث عن حل وسط، تدفع قدماً بالسلام مع أعدائها والسلام في داخلها، تسعى لأن تكون دولة يعيش عموم مواطنيها - اليهود والعرب - بأمان في حدود معترف بها وتهجر أحلامها المسيحانية عن دولة شريعة في حدود الوعد، فقط قيادة جديدة يمكنها أن تسمح بمستقبل حقيقي ويوم استقلال سعيد».


ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)

أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيجدد، خلال لقائه اليوم الثلاثاء، في العاصمة باريس مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، تأكيد التزام فرنسا الكامل بوقف إطلاق النار في لبنان ودعمها لسيادته ووحدة أراضيه، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وفي وقت تتأهب فيه باكستان لاستضافة جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران مع اقتراب موعد انتهاء الهدنة غد الأربعاء، ينتظر أن يعقد لبنان وإسرائيل اجتماعاً جديداً في واشنطن خلال الأسبوع الجاري.

وأوضح المكتب الرئاسي الفرنسي أن «ماكرون وسلام سيبحثان أيضاً الدعم الإنساني للنازحين، ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لتعزيز سيادة لبنان، وإعادة إعماره، واستعادة ازدهاره».

ويأتي اللقاء الذي سيعقد في قصر الإليزيه، بعد أيام من استهداف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان «يونيفيل»، بنيران أسلحة خفيفة، السبت الماضي، ما أدى إلى مقتل جندي فرنسي من القوة الدولية وإصابة ثلاثة آخرين، اثنان منهم بجروح خطيرة.

واتهم كل من ماكرون و«يونيفيل»، «حزب الله» اللبناني في الهجوم، لكن الحزب نفى أي علاقة له به.

وكان سلام توقف صباح اليوم الثلاثاء، في لوكسمبورغ لحضور اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المخصص لبحث الأوضاع في الشرق الأوسط.