داخل النفق الذي قُتل فيه محمد السنوار

تقرير «نيويورك تايمز» رصد عدم وجود أي فلسطينيين في الطريق إلى خان يونس بعد أوامر الإخلاء الإسرائيلية

الغرفة التي عثر فيها على جثة محمد السنوار داخل النفق (خدمة نيويورك تايمز)
الغرفة التي عثر فيها على جثة محمد السنوار داخل النفق (خدمة نيويورك تايمز)
TT

داخل النفق الذي قُتل فيه محمد السنوار

الغرفة التي عثر فيها على جثة محمد السنوار داخل النفق (خدمة نيويورك تايمز)
الغرفة التي عثر فيها على جثة محمد السنوار داخل النفق (خدمة نيويورك تايمز)

بعرض قدمين وارتفاع أقل من 6 أقدام، امتد النفق عميقاً تحت أحد المستشفيات الكبرى في جنوب قطاع غزة. حمل الهواء تحت الأرض رائحة كريهة تشبه رائحة الجثث. بعد السير نحو 40 ياردة داخل النفق، وجدنا السبب المحتمل.

في غرفة صغيرة يؤدي إليها النفق، كانت الأرض ملطخة بالدماء. هنا، وفقاً للجيش الإسرائيلي، قُتل محمد السنوار -أحد كبار قادة حركة «حماس» العسكريين (الشقيق الأصغر لقائد الحركة الراحل يحيى السنوار)- الشهر الماضي بعد سلسلة ضربات إسرائيلية قريبة.

ما شاهدناه في ذلك النفق المظلم والضيق هو أحد أكبر اختبارات «رورشاخ»، (أداة للتحليل النفسي عبر مشاهدة بطاقات عليها بقع حبر) في الحرب، تجسيداً لمعركة أوسع بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول كيفية تصوير الصراع.

نفق بالقرب من مستشفى كبير جنوب غزة يؤدي إلى غرفة صغيرة يقول الجيش الإسرائيلي إن أحد كبار قادة «حماس» قُتل فيها (خدمة نيويورك تايمز)

رافق الجيش، مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» إلى النفق ظُهر الأحد، كجزء من زيارة قصيرة نظَّمها الإسرائيليون لإطلاع الصحافيين الدوليين على ما يرون أنه يثبت أن «حماس» تستخدم البنية التحتية المدنية درعاً للأنشطة العسكرية.

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن هجوم إسرائيل على مجمع المستشفى واستيلاءها عليه لاحقاً سلَّطا الضوء على تجاهلها للأنشطة المدنية.

جثة محمد السنوار

الشهر الماضي، أمر الجيش طاقم المستشفى والمرضى بمغادرة المجمع، جنباً إلى جنب مع سكان الأحياء المحيطة. ثم، كما قال المسؤولون، حفروا حفرة كبيرة بعمق نحو 10 ياردات في فناء داخل أرض المستشفى. استخدم الجنود هذه الحفرة للوصول إلى النفق واستعادة جثة (محمد) السنوار، ورافقوا الصحافيين لاحقاً إلى هناك حتى نتمكن من رؤية ما أطلقوا عليه «ملجأه الأخير».

جنود إسرائيليون يقفون في حفرة تُستخدم للوصول إلى النفق (خدمة نيويورك تايمز)

لا توجد مداخل معروفة للنفق داخل المستشفى نفسه، لذلك نزلنا إلى التجويف الذي صنعته إسرائيل باستخدام حبل. للمشاركة في هذه الجولة المراقبة، وافقت «نيويورك تايمز» على عدم تصوير وجوه معظم الجنود أو نشر تفاصيل جغرافية قد تعرِّضهم لخطر جسدي فوري.

بالنسبة إلى الإسرائيليين الذين اصطحبونا إلى هناك، فإن هذا الملجأ -الموجود مباشرةً تحت قسم الطوارئ في مستشفى غزة الأوروبي- يرمز إلى كيف أن «حماس» تُعرِّض المدنيين للخطر باستمرار، وتنتهك القانون الدولي، من خلال توجيه عملياتها العسكرية من تحت غطاء المستشفيات والمدارس. كما حفرت «حماس» أنفاقاً تحت مستشفى الشفاء في مدينة غزة، ومجمع تابع للأمم المتحدة في مكان آخر من المدينة.

قال العميد إيفي ديفرين، المتحدث العسكري الإسرائيلي الرئيسي، في المستشفى ظهر الأحد: «جرَّتنا (حماس) إلى هذه النقطة. إذا لم يكونوا يبنون بنيتهم التحتية تحت المستشفيات، لَمَا كنا هنا، لَمَا هاجمنا هذا المستشفى».

وأضاف ديفرين أن إسرائيل حاولت تقليل الضرر بالمستشفى من خلال استهداف المنطقة المحيطة بمبانيها، دون ضرب مباشر للمرافق الطبية نفسها. وقال: «الهدف لم يكن إتلاف المستشفى، وتجنبنا قدر الإمكان الأضرار الجانبية».

أولوية تدمير «حماس»

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين أُجبروا على المغادرة، فإن الهجوم الإسرائيلي على السنوار يجسد استعداد إسرائيل لإعطاء أولوية لتدمير «حماس» على حساب حماية المدنيين والبنية التحتية، خصوصاً النظام الصحي.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، نفَّذت إسرائيل ما لا يقل عن 686 هجوماً على المرافق الصحية في غزة منذ بداية الحرب بين إسرائيل و«حماس»، مما ألحق أضراراً بـ33 على الأقل من أصل 36 مستشفى في غزة، كثير منها، مثل مستشفى غزة الأوروبي، أصبح الآن خارج الخدمة، مما زاد من اتهامات جماعات حقوقية وحكومات أجنبية -التي تنفيها إسرائيل بشدة- بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، جزئياً من خلال تدمير النظام الصحي الفلسطيني.

قال الدكتور صالح الهمص، المتحدث باسم المستشفى، في مقابلة هاتفية من منطقة أخرى في جنوب غزة: «هذا غير مقبول أخلاقياً وقانونياً، لكنَّ إسرائيل تعتقد أنها فوق القانون».

على الرغم من أن إسرائيل استهدفت محيط موقع المستشفى، تاركةً مباني المستشفى قائمة، قال الهمص إن الضربات أصابت 10 أشخاص داخل المجمع، وألحقت أضراراً بأنظمة المياه والصرف الصحي، ودمَّرت جزءاً من السقف. وقتلت 23 شخصاً في مبانٍ خارج محيطه، أي أكثر بـ17 شخصاً مما تم الإبلاغ عنه يوم الهجوم.

قال الهمص إن الاهتزازات الناتجة عن الضربات كانت مثل «زلزال». وأضاف أنه لم يكن على علم بأي أنفاق تحت المستشفى.

وحتى لو كانت موجودة، قال: «هذا لا يبرر الهجوم. كان على إسرائيل أن تجد طرقاً أخرى للقضاء على أي قائد مطلوب. كانت هناك ألف طريقة أخرى لفعل ذلك».

أكوام من الأنقاض

كشفت رحلتنا إلى المستشفى الكثير عن ديناميكيات الحرب الحالية في غزة.

في رحلة استغرقت نحو 20 دقيقة من الحدود الإسرائيلية، لم نرَ أي فلسطينيين -نتيجة قرار إسرائيل إجبار سكان جنوب غزة على مغادرة منازلهم والتوجه غرباً نحو البحر. كان كثير من المباني مجرد أكوام من الأنقاض، دمَّرتْها إما الضربات والتفجيرات الإسرائيلية، وإما ألغام «حماس» المفخخة. هنا وهناك، نجا بعض المباني، إلى حد ما. في إحدى الشرفات، ترك شخص ما صفاً مرتباً من نباتات الصبار في أصص.

سافرنا في سيارات جيب مكشوفة، وهي علامة على أن الجيش الإسرائيلي لم يعد يخشى الوقوع في كمين لمقاتلي «حماس» عبر هذا الجزء من جنوب شرقي غزة. حتى طريق صلاح الدين على الأقل، الشريان الرئيسي شمال-جنوب في القطاع، بدا أن الجيش الإسرائيلي يسيطر عليه تماماً بعد توسيع حملته البرية في مارس (آذار).

كما يبدو أن مستشفى غزة الأوروبي والنفق تحته أصبحا الآن تحت السيطرة الإسرائيلية حصراً.

وفقاً لقوانين الحرب، يعد المرفق الصحي موقعاً محمياً لا يمكن مهاجمته إلا في حالات نادرة جداً. إذا استخدم أحد الأطراف الموقع لأغراض عسكرية، فقد يجعله هدفاً مشروعاً، ولكن فقط إذا كان الخطر على المدنيين متناسباً مع المكسب العسكري الناتج عن الهجوم.

فلسطينيون بموقع غارة جوية للجيش الإسرائيلي على المستشفى الأوروبي في خان يونس (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي إنه حاول الحد من الأذى الذي يلحق بالمدنيين من خلال استهداف أطراف مجمع المستشفى فقط. لكنَّ خبراء قانونيين دوليين قالوا إن أي تقييم لشرعية الضربة يجب أن يأخذ في الاعتبار أيضاً تأثيرها على النظام الصحي الأوسع في جنوب غزة.

قال الخبراء إنه في إقليم أصبح فيه كثير من المستشفيات غير قابلة للعمل بالفعل، يصعب العثور على مبرر قانوني لضربات تعطّل المستشفيات المتبقية، حتى لو اختبأ المسلحون تحتها.

السنوار و4 مقاتلين

عندما دخلنا النفق يوم الأحد، وجدناه سليماً بالكامل تقريباً. كانت الغرفة الضيقة التي قيل إن السنوار وأربعة من رفاقه المقاتلين لقوا حتفهم فيها ملطخة بالدماء، لكن الجدران بدت سليمة. لم يبدُ أن الفراش والملابس والشراشف قد تحركت بسبب الانفجارات، وكانت بندقية إسرائيلية -سُرقت سابقاً في الحرب، كما قال الجنود- معلقة على خطاف في الزاوية.

لم يتضح على الفور كيف قُتل السنوار، وقال ديفرين إنه لا يستطيع تقديم إجابة قاطعة. وأشار إلى أن السنوار وحلفاءه ربما اختنقوا في أعقاب الضربات أو سقطوا بسبب موجة صادمة ناتجة عن الانفجارات.

قال خبراء في القانون الدولي إنه إذا تم تسميم السنوار عمداً بغازات ناتجة عن مثل هذه الانفجارات، فسيثير ذلك أسئلة قانونية.

قالت سارة هاريسون، المحامية السابقة في وزارة الدفاع الأميركية ومحللة في مجموعة الأزمات الدولية: «سيكون استخداماً غير قانوني لقنبلة تقليدية -سلاح مشروع عموماً- إذا كان القصد هو القتل بالغازات الخانقة المنبعثة من تلك القنبلة».

نفى ديفرين أي نية من هذا القبيل. وقال: «هذا شيء يجب أن أؤكده هنا، كيهودي أولاً ثم كإنسان: نحن لا نستخدم الغازات أسلحةً».

في أنفاق أخرى اكتشفها الجيش الإسرائيلي، استخدم الجنود فلسطينيين دروعاً بشرية، حيث أرسلوهم أمامهم للبحث عن ألغام.

نفى ديفرين هذه الممارسة. وقال إن النفق حفره الإسرائيليون.

* خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في مدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز) p-circle

«حماس» تكثف لقاء الوسطاء... وملادينوف يربط مشاركته بـ«تقدم إيجابي»

تكثف حركة «حماس» اللقاءات مع وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من مصر وقطر وتركيا، لإيجاد مقاربات بشأن القضايا العالقة باتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي إلى جوار جثمان قريبها في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في غزة بنيران إسرائيلية

قال مسؤولون بقطاع الصحة في غزة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 3 فلسطينيين في وقائع منفصلة في أنحاء القطاع، اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يقفون قرب موقع سقوط شظايا غارة إسرائيلية في ميناء مدينة غزة يوم الأحد (أ.ب)

إسرائيل تدمر مربعات سكنية نجت من ذروة الحرب على غزة

أظهرت غارات إسرائيلية متلاحقة في وسط غزة خلال الأسابيع الماضية، نمطاً متكرراً لتدمير مربعات سكنية نجت من الدمار الكبير خلال ذروة الحرب على القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب) p-circle

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

أفادت مصادر مطلعة على مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأن وفداً مفاوضاً من حركة «حماس» سيعقد جولة مباحثات جديدة مع الوسطاء في مصر، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول مقهى على شاطئ البحر في غزة تعرض لقصف إسرائيلي (رويترز) p-circle

مسعفون: مقتل 2 على الأقل في غارة إسرائيلية على مقهى بغزة

‌قال مسؤولون في مجال الصحة إن غارة جوية إسرائيلية أودت بحياة ​فلسطينيين اثنين على الأقل، وأصابت 12 آخرين في مقهى بغزة كان مكتظاً بالمواطنين.

«الشرق الأوسط» (غزة)

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
TT

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)

أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي، اليوم (الثلاثاء)، أن الحزب لن يوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، ولا سيما «معادلة» امتناع إسرائيل عن قصف ضاحية بيروت الجنوبية مقابل امتناعه عن استهداف شمال إسرائيل.

وقال قماطي في تصريح مكتوب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «المقاومة والثنائي الوطني (أي حزب الله وحليفته حركة أمل) لم ولن يوافقوا على معادلة الضاحية مقابل المستوطنات».

وأضاف: «جوابنا كان واضحاً للمعنيين وبالاتفاق مع الرئيس (نبيه) بري أننا نلتزم بوقف شامل وكامل وجدي لوقف إطلاق النار دون العودة إلى ما قبل 2 مارس (آذار)، ولن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار».

وتابع بأن «أي عدوان على الضاحية يمكن أن يؤدي إلى رد أعمق وأقوى» من الحزب.

وحال تدخُّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب دون مضي إسرائيل قدماً في تنفيذ هجوم على «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية أمر به رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعها يسرائيل كاتس.

وجاءت هذه التهدئة بعد اتصال بين ترمب ونتنياهو، أمس. وقال الرئيس الأميركي في منشور على حسابه على «تروث سوشيال»: «أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأكدنا أنه لن يتم إرسال أي قوات إلى بيروت، وأن أي قوات كانت في طريقها قد أُعيدت. وبالمثل، أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع (حزب الله) عبر ممثلين رفيعي المستوى، واتفقوا على وقف إطلاق النار تماماً، وأن إسرائيل لن تهاجمهم، ولن يهاجموا إسرائيل». وأضاف أن «المحادثات مستمرة، وبوتيرة سريعة، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

وأكد لبنان رسمياً ليلاً أن ​«(حزب الله) وافق ‌على ‌المقترح ​الأميركي ‌بشأن ‌وقف ‌متبادل للهجمات يشمل ​جميع ​الأراضي ​اللبنانية». وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي قد دعا سكان ضاحية بيروت إلى إخلائها؛ ما تسبب في موجة نزوح.


عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

أكد كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام التمسك بخيار التفاوض بوصفه «المسار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، في حين شدد عون على أولوية الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الفتنة، وعَدَّ أن وحدة اللبنانيين تبقى عنصر القوة الأساسي في مواجهة التحديات.

وأكد الرئيس عون أن «قوتنا في وحدتنا، والسلم الأهلي لا يمكن المساس به؛ لأن اللبنانيين باتوا على اقتناع تام بأنه لا عودة إلى الوراء»، مشدداً على أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع الفتنة يشكلان أولوية وطنية مطلقة، مجدداً حرصه على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في لبنان ومنع الفتنة التي من شأنها أن تهدد بقاء لبنان، وعَدَّ أن «كل من يُغذيها يقدم خدمة لإسرائيل».

التفاوض هو الخيار الأقل كلفة

وأكد عون أنه يتحمل مسؤولية الخيارات التي اتخذها، والانتقادات التي تطوله بسبب اعتماده مسار التفاوض، وعَدَّ أنه «الخيار الأقل كلفة على البلد»، مشيراً إلى أن الحروب على مر التاريخ تنتهي «بمنتصر ومنهزم، أو بالتفاوض لحل النزاع»، وهو ما اعتمدته دول عدة، كما هي حال النزاعات والحروب الجارية في العالم.

وقال عون: «سقط للبنان أكثر من 3 آلاف شهيد، وأكثر من مليون نازح، وآلاف المنازل المهدّمة، ولا أُفق لانتهاء هذا الوضع، لذلك كان لزاماً عليّ رئيساً للجمهورية القيام بما يفرضه عليّ ضميري وواجبي تجاه بلدي وشعبي، ومن واجب الدولة الاهتمام بمواطنيها وعدم الوقوف دون أن نحرك ساكناً». وأضاف: «لا خيار آخر غير التفاوض، ولا يجب عدُّه استسلاماً أو تنازلاً أو هزيمة؛ لأن القوة ليست في خوض الحرب، بل في تمتع المرء بالشجاعة والحكمة لإنهائها بالتفاوض لمصلحة بلده التي تبقى هي الأساس فوق كل اعتبار». وشدد عون على أن «الدولة تعمل على معالجة الأوضاع الحالية قدر الإمكان، وأن الحكومة ومجلس النواب يعملان على إقرار القوانين الكفيلة بتحسين الظروف الحياتية والمعيشية للمواطنين والعمال».

الجيش هو العمود الفقري لمنع الفتنة

وعَدَّ الرئيس عون أن «العمود الفقري والأساس لمنع الفتنة هو الجيش والأجهزة الأمنية»، لافتاً إلى أنهم «يتعرضون، في بعض الأحيان، للانتقاد والتهجم فيما يواصلون تقديم أعلى درجات التضحيات والشهداء على مذبح الوطن، ويقومون بواجبهم على أكمل وجه، على الرغم من الأزمة الاقتصادية القاسية التي يمر بها لبنان، ومكافحة كل ما يمس أمن الناس وهم موجودون في كل المناطق اللبنانية».

سلام: المطلوب تثبيت وقف النار وتوحيد الجهود تحت سقف الدولة

من جهته، علّق رئيس الحكومة نواف سلام على استئناف المفاوضات، مؤكداً أن «المطلوب يبقى تثبيت وقف إطلاق النار في كل لبنان». وشدد سلام على أن «المفاوضات هي الخيار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، مضيفاً أن «طريقنا فيها أقصر إلى إنهاء الاحتلال وعودة أهلنا في الجنوب إلى مُدنهم وقُراهم، كلما توحدت كل الجهود تحت سقف الدولة».

أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حيث أقفلت المحالّ أبوابها وغادرها السكان على أثر التهديد الإسرائيلي بقصفها الاثنين (أ.ف.ب)


سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
TT

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)

تعول الحكومة السورية على إزالة تصنيفها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، المفروض عليها من واشنطن منذ عام 1979، بوصفه العقبة السياسية والقانونية الكبرى أمام تعافيها الاقتصادي مع ما بقي من عقوبات حالت دون ظهور أي نتائج ملموسة لرفع شبه شامل للعقوبات الدولية منذ نحو العام.

ورأت مصادر في دمشق أن التمهل الأميركي مرتبط بموقف إسرائيل المعارض لرفع العقوبات، بينما تحدثت مصادر أخرى عن جملة عوامل إقليمية ودولية وداخلية.

وفي مكالمة هاتفية جرت مؤخراً بيت الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب الرئيس السوري رفع ما تبقى من عقوبات بوصفها خطوة أساسية لتمكين الاقتصاد السوري، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتشجيع الاستثمارات.

ولا تزال سوريا تخضع لشبكة معقدة من العقوبات على الرغم من الرفع الجزئي المحدود الذي حصل في الأشهر المنصرمة (وشملت الرئيس السوري نفسه، وزير الداخلية، البنك المركزي، الخطوط الجوية السورية، ميناءي اللاذقية وطرطوس، وشركة النفط السورية).

مبادرة فردية من شبان قرية القاسمية بإصلاح التكسرات على طريق قريتهم شرق القامشلي (مرصد الحسكة)

وبحسب الباحث والخبير الاقتصادي زياد عربش لـ«الشرق الأوسط»، فإن العقوبات المتبقية التي شكا منها الشرع، تشمل قانون قيصر (Caesar Act) الذي رغم تعليقه بشكل متكرر ومؤقت لمدة 180 يوماً فقط وليس رفعه نهائياً، يخلق حالة من عدم اليقين للمستثمرين. وأيضاً تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب» (SST)، إضافة إلى عقوبات ثانوية واسعة منها مئات العقوبات المفروضة على أفراد وكيانات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، لا تزال مستمرة.

وهناك قيود التصدير التكنولوجية، أهمها القيود الأميركية الصارمة على تصدير التقنيات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري)، وكذلك العقوبات شخصية المفروضة على الرئيس السابق الفار ومحيطه القريب.

ورأى الخبير الاقتصادي أن من شأن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحفيز الاستثمار الأميركي المباشر الذي كان محظوراً تماماً، وإعادة الإدماج المالي بربط المصارف السورية بالنظام المالي الدولي، وتسهيل التحويلات البنكية، وتعزيز الثقة الدولية.

تقول واشنطن إن العقوبات ستظل تستهدف أشخاصاً تتهمهم بانتهاك حقوق الإنسان ‌ومهربي ⁠حبوب الكبتاغون وجهات أخرى تعدها الولايات المتحدة مزعزعة للاستقرار في المنطقة. وذلك بينما ترتكز سياسية الرئيس الأميركي في منطقة الشرق الأوسط على أن «توازن القوى المتمحورة حول الولايات المتحدة، يعمل بأفضل صورة عندما يُشجَّع الحلفاء على أن يصبحوا أكثر اعتماداً على أنفسهم، وأن يتقاسموا الأعباء من خلال ترابطهم وتكامل بعضهم مع بعض»، وفق ما قاله توم براك في أول تعليق له بعد تسلم مهامه الجديدة مبعوثاً رئاسياً خاصاً لسوريا والعراق.

ولعل سياسة ترمب تلك تصطدم مع واقع سوريا الخارجة من الحرب؛ إذ يرى الباحث في العلاقات الدولية عباس شريفة في بقاء سوريا على قوائم الدول الراعية للإرهاب «إشكالات جوهرية» تتناقض مع الموقف الأميركي الذي يعد سوريا شريكاً في الحرب على الإرهاب، خصوصاً أن الولايات المتحدة رتبت انسحابها من سوريا على أساس أن «الدولة السورية باتت قادرة على مواجهة خطر الإرهاب»، كما أن الواقع يدحض هذا التصنيف لأن «سوريا اليوم تقوم بدور مهم في ملاحقة تنظيم (داعش)، ولا تقيم أي علاقة مع الميليشيات الإيرانية، ولا تقدم أي دعم لأي من الجماعات التي تعدها واشنطن جماعة إرهابية».

بدء أول مشروع تنقيب عن النفط والغاز في السواحل السورية مايو الماضي مع «شيفرون» ضمن المساعي لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة (رويترز)

ورجح الباحث شريفة تأخر رفع ما تبقى من عقوبات «لارتباطه بمواقف سياسية لبعض أعضاء الكونغرس الداعمين لإسرائيل»، خصوصاً أن سياسة ترمب في سوريا كانت على الدوام متعارضة مع الرؤية الإسرائيلية، لكن يبدو أن «ثمة ضغطاً إسرائيلياً في بعض دوائر صنع القرار من أجل عرقلة هذا الإجراء، وربطه بتوقيع الاتفاق الأمني مع إسرائيل الذي تعثر بسبب التعنت الإسرائيلي»، مستبعداً أن تكون العلاقة التجارية والعسكرية بين سوريا وروسيا عائقاً أمام رفع ما تبقى من عقوبات؛ «لأن الإدارة الأميركية نفسها منحت استثناءات لتصدير النفط الروسي».

في هذه الأثناء، تسود الأوساط السورية عموماً حالة من الإحباط بعد موجة من التفاؤل أثار الرفع الجزئي للعقوبات، ورغم مرور عام على ذلك إلا أن الواقع الاقتصادي ما زال بعيداً عن التعافي الفعلي، كما أن الأثر المباشر على حياة الناس محدود جداً. بحسب أستاذ الاقتصاد زياد عربش، وذلك بسبب عوامل معقدة، منها أن العقوبات المتبقية تمنع المصارف والشركات الغربية من الانخراط بحرية في السوق السورية. والولايات المتحدة والدول الأوروبية لن تصل إلى الرفع الكامل للعقوبات إلا مع تنفيذ القرار 2254، وتحسين ملف حقوق الإنسان، وضمان عودة آمنة للاجئين. وبالإضافة إلى أن إلغاء قانون قيصر بشكل كامل يتطلب موافقة الكونغرس الأميركي، وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً، وتواجه عراقيل سياسية.

تدعيم أحد الجسور المؤقتة على نهر الفرات شرق سوريا لصعوبة بناء جسور جديدة (محافظة دير الزور)

وبحسب عربش، «حتى لو رُفعت العقوبات تماماً اليوم، فإن الآثار الإيجابية (مثل تدفق الاستثمارات) تحتاج إلى أشهر أو سنوات لتظهر على أرض الواقع»، مشيراً إلى قلق دولي من أن أي مساعدات أو استثمارات «قد تمول الفساد ما لم تكن هناك آليات شفافة تضمن وصولها إلى الشعب السوري».

ومن العوامل المؤثرة أيضاً، الانقسام الداخلي؛ إذ لا تزال هناك مناطق خارج سيطرة الدولة المركزية؛ ما يعوق تطبيق أي قرارات اقتصادية موحدة. يضاف إلى كل تلك العوامل وجود معارضة إقليمية «إسرائيلية» لرفع العقوبات.