واشنطن تضيف عبئاً على العلاقة «المتوترة» بين بغداد وأربيل

روبيو مستقبلاً برزاني في واشنطن (إكس)
روبيو مستقبلاً برزاني في واشنطن (إكس)
TT

واشنطن تضيف عبئاً على العلاقة «المتوترة» بين بغداد وأربيل

روبيو مستقبلاً برزاني في واشنطن (إكس)
روبيو مستقبلاً برزاني في واشنطن (إكس)

في وقت تنظر إحدى المحاكم في العاصمة العراقية بغداد في الدعوى القضائية التي رفعتها وزارة النفط الاتحادية ضد حكومة إقليم كردستان إثر إبرام أربيل عقوداً مع شركتين نفطيتين أميركيتين من دون موافقتها، أضافت واشنطن عبئاً جديداً على العلاقة «المتوترة» بين حكومتي بغداد وأربيل.

وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، في تصريح، إن الولايات المتحدة تدعم العقود التي تم أبرمتها شركة طاقة أميركية مع إقليم كردستان.

وكان رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني وقَّع في واشنطن الأسبوع الماضي عقوداً نفطية جديدة مع شركات نفط أميركية. لكن الحكومة العراقية عبَّرت عن رفضها مثل هذا الإجراء «المخالف للدستور».

وأعلنت وزارة النفط في بغداد «بطلان هذه العقود استناداً إلى الدستور العراقي وقرارات المحكمة الاتحادية»، مؤكدةً أن «استثمار الثروات النفطية يجب أن يمر عبر الحكومة الاتحادية». ولم تكتف بغداد بالتصريحات الرافضة، بل رفعت وزارة النفط الاتحادية دعوى قضائية أمام المحكمة التجارية في الكرخ ضد حكومة الإقليم لإبرامها هذه العقود.

علاقة متوترة

وجاء تصريح بروس ليضيف عبئاً على العلاقة المتوترة بين المركز والإقليم نتيجة فشل الطرفين في تشريع قانون النفط والغاز الذي لا يزال مجرد مشروع في أدراج رئاسات البرلمان العراقي منذ عام 2007.

الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية تامي بروس (إكس)

وأكدت المسؤولة الأميركية أن بلادها «تشجع بغداد وأربيل على العمل معاً لتوسيع إنتاج الغاز المحلي في أقرب وقت ممكن»، مبينة أن «هذا النوع من الشراكات الاقتصادية سيفيد كلاً من الشعبين الأميركي والعراقي، وسيساعد العراق في التقدم نحو تحقيق الاستقلال في مجال الطاقة».

وأشارت إلى أن «شركات النفط الأميركية استثمرت بمليارات الدولارات في قطاع النفط بإقليم كردستان، ونأمل أن نرى مزيداً من الاستثمارات من شركات النفط الأميركية في عموم العراق».

وتطرقت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية إلى لقاء وزير الخارجية ماركو روبيو، برئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، في واشنطن في الأسبوع الماضي، مبينة أن «روبيو أشاد بمسرور بارزاني على استكمال الاتفاق مع الشركات الأميركية لتوسيع إنتاج الغاز الطبيعي في الإقليم؛ وهو ما سيساعد العراق على تحقيق استقلاله في مجال الطاقة».

من جهتها، أكدت حكومة الإقليم في بيان، أن الاتفاقيتين ليستا جديدتين وسبق للمحاكم العراقية أن أقرَّت بمشروعيتهما وقانونيتهما. وأضافت أن «الشركتين الأميركيتين من المنتجين الرئيسين للنفط في إقليم كردستان، وليستا من المستثمرين الجدد».

وفي الوقت الذي حاولت فيه الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 رسم علاقة متوازنة بين المركز والإقليم، لا تزال هناك إشكاليتان كبيرتان تواجهان هذه العلاقة هما قضية النفط والغاز، ورواتب موظفي الإقليم.

وهاتنا الإشكاليتان مترابطتان؛ إذ يتسبب عدم تشريع قانون النفط والغاز وعدم الاتفاق على آلية توزيع الموارد بين الطرفين بما في ذلك المنافذ والجمارك، تبقي فقرة رواتب موظفي الأقليم موضع خلاف بين بغداد وأربيل.

من هنا، فإن العلاقة بينهما تشهد صعوداً وهبوطاً منذ عقدين، لا سيما فيما يتعلق بأسلوب التعامل مع الدستور. وفي حين ترى أربيل أن بغداد تسعى إلى وضع يدها على ثروات الإقليم النفطية، تطالب بغداد بأن تكون الكلمة لها في إدارة الموارد النفطية التي تُستخرج من إقليم كردستان.

قرار الاتحادية

ومما أضاف تعقيدات جديدة للعلاقة بين بغداد وأربيل هو إصدار المحكمة الاتحادية العليا في فبراير (شباط) 2022 حُكماً قضى بعدم دستورية قانون النفط والغاز الخاص بحكومة الإقليم لعام 2007 والذي ينظم صناعة النفط واستخراجه في الإقليم.

لكن حكومة الإقليم أعلنت رفضها هذا الحكم وواصلت إبرام العقود مع الشركات النفطية الأجنبية وآخرها العقدان اللذان وقعهما في واشنطن الأسبوع الماضي رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني.

وطبقاً للخبير القانوني علي التميمي، فإن إلغاء المحكمة الاتحادية لهذا القانون جاء لكونه مخالفاً للمواد «110 و111و112و115 و122 و130 من الدستور؛ إذ أوجب القانون على حكومة الإقليم تسليم واردات النفط بأثر رجعي من تاريخ إبرام العقود والسماح لوزارة النفط وديوان الرقابة المالية بالاطلاع على هذه العقود وفي حالة الأحجام سيتم استقطاع هذه الأموال من نسبة الـ17في المائة المخصصة للإقليم».

وقال التميمي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «المحكمة الاتحادية ارتكزت على المادة 111 من الدستور بأن النفط والغاز ملك الشعب العراقي، وبالتالي فإن إدارة النفط والغاز هو من التجارة الخارجية وهو من اختصاص الحكومة العراقية المركزية وفق المادة 110 من الدستور».

وأوضح أن «مفهوم الحقول الحالية الوارد في المادة 112 فهو يعني أنها الحقول المنتجة والمستكشفة والمطورة وفق التفسير الكثر قبولاً وليس فقط المنتجة كما يرى إقليم كردستان».


مقالات ذات صلة

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

المشرق العربي تدعيم أحد الجسور المؤقتة على نهر الفرات شرق سوريا لصعوبة بناء جسور جديدة (محافظة دير الزور)

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

تعول الحكومة السورية على إزالة تصنيفها من قائمة الدول الراعية للإرهاب بوصفه العقبة السياسية والقانونية الكبرى أمام تعافيها الاقتصادي.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقي لحصر السلاح (إكس)

العراق: وتيرة «حصر السلاح» تتسارع وسط ارتياح أميركي

تتسارع في العراق وتيرة الإجراءات المتعلقة بتفكيك الأجنحة الشيعية المسلحة التي عملت لسنوات خارج سيطرة القائد العام للقوات المسلحة والمؤسسات الأمنية الرسمية.

فاضل النشمي (بغداد)
شؤون إقليمية محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​

عضو في «حزب الله» العراقي يدفع ببراءته أمام محكمة أميركية

دفع عضو في جماعة «كتائب حزب الله» العراقية ببراءته من التُّهم الموجهة إليه بالتورط في هجمات على مصالح أميركية بأوروبا، أمام قاضية في محكمة أميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الزيدي خلال لقائه الأحد القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)

هل ينجح الزيدي في تعميم نموذج «سرايا السلام» على بقية الفصائل؟

رغم التصريحات المتكررة التي يطلقها رئيس الوزراء علي الزيدي، والردود المقابلة التي تطلقها بعض الفصائل بشأن إمكانية نزع أسلحتها، فإن الخطوات ما زالت غير واضحة.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد صورة جوية تُظهر جانباً من مدينة بغداد بالعراق (رويترز)

«طلعت مصطفى» المصرية تنال إجازة لمشروع في بغداد بمبيعات متوقعة 18.8 مليار دولار

قالت مجموعة طلعت مصطفى القابضة المصرية، يوم الاثنين، إنها حصلت على إجازة الاستثمار لمشروع متكامل في بغداد بمبيعات متوقعة 18.8 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
TT

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)

أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي، اليوم (الثلاثاء)، أن الحزب لن يوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، ولا سيما «معادلة» امتناع إسرائيل عن قصف ضاحية بيروت الجنوبية مقابل امتناعه عن استهداف شمال إسرائيل.

وقال قماطي في تصريح مكتوب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «المقاومة والثنائي الوطني (أي حزب الله وحليفته حركة أمل) لم ولن يوافقوا على معادلة الضاحية مقابل المستوطنات».

وأضاف: «جوابنا كان واضحاً للمعنيين وبالاتفاق مع الرئيس (نبيه) بري أننا نلتزم بوقف شامل وكامل وجدي لوقف إطلاق النار دون العودة إلى ما قبل 2 مارس (آذار)، ولن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار».

وتابع بأن «أي عدوان على الضاحية يمكن أن يؤدي إلى رد أعمق وأقوى» من الحزب.

وحال تدخُّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب دون مضي إسرائيل قدماً في تنفيذ هجوم على «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية أمر به رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعها يسرائيل كاتس.

وجاءت هذه التهدئة بعد اتصال بين ترمب ونتنياهو، أمس. وقال الرئيس الأميركي في منشور على حسابه على «تروث سوشيال»: «أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأكدنا أنه لن يتم إرسال أي قوات إلى بيروت، وأن أي قوات كانت في طريقها قد أُعيدت. وبالمثل، أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع (حزب الله) عبر ممثلين رفيعي المستوى، واتفقوا على وقف إطلاق النار تماماً، وأن إسرائيل لن تهاجمهم، ولن يهاجموا إسرائيل». وأضاف أن «المحادثات مستمرة، وبوتيرة سريعة، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

وأكد لبنان رسمياً ليلاً أن ​«(حزب الله) وافق ‌على ‌المقترح ​الأميركي ‌بشأن ‌وقف ‌متبادل للهجمات يشمل ​جميع ​الأراضي ​اللبنانية». وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي قد دعا سكان ضاحية بيروت إلى إخلائها؛ ما تسبب في موجة نزوح.


عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

أكد كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام التمسك بخيار التفاوض بوصفه «المسار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، في حين شدد عون على أولوية الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الفتنة، وعَدَّ أن وحدة اللبنانيين تبقى عنصر القوة الأساسي في مواجهة التحديات.

وأكد الرئيس عون أن «قوتنا في وحدتنا، والسلم الأهلي لا يمكن المساس به؛ لأن اللبنانيين باتوا على اقتناع تام بأنه لا عودة إلى الوراء»، مشدداً على أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع الفتنة يشكلان أولوية وطنية مطلقة، مجدداً حرصه على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في لبنان ومنع الفتنة التي من شأنها أن تهدد بقاء لبنان، وعَدَّ أن «كل من يُغذيها يقدم خدمة لإسرائيل».

التفاوض هو الخيار الأقل كلفة

وأكد عون أنه يتحمل مسؤولية الخيارات التي اتخذها، والانتقادات التي تطوله بسبب اعتماده مسار التفاوض، وعَدَّ أنه «الخيار الأقل كلفة على البلد»، مشيراً إلى أن الحروب على مر التاريخ تنتهي «بمنتصر ومنهزم، أو بالتفاوض لحل النزاع»، وهو ما اعتمدته دول عدة، كما هي حال النزاعات والحروب الجارية في العالم.

وقال عون: «سقط للبنان أكثر من 3 آلاف شهيد، وأكثر من مليون نازح، وآلاف المنازل المهدّمة، ولا أُفق لانتهاء هذا الوضع، لذلك كان لزاماً عليّ رئيساً للجمهورية القيام بما يفرضه عليّ ضميري وواجبي تجاه بلدي وشعبي، ومن واجب الدولة الاهتمام بمواطنيها وعدم الوقوف دون أن نحرك ساكناً». وأضاف: «لا خيار آخر غير التفاوض، ولا يجب عدُّه استسلاماً أو تنازلاً أو هزيمة؛ لأن القوة ليست في خوض الحرب، بل في تمتع المرء بالشجاعة والحكمة لإنهائها بالتفاوض لمصلحة بلده التي تبقى هي الأساس فوق كل اعتبار». وشدد عون على أن «الدولة تعمل على معالجة الأوضاع الحالية قدر الإمكان، وأن الحكومة ومجلس النواب يعملان على إقرار القوانين الكفيلة بتحسين الظروف الحياتية والمعيشية للمواطنين والعمال».

الجيش هو العمود الفقري لمنع الفتنة

وعَدَّ الرئيس عون أن «العمود الفقري والأساس لمنع الفتنة هو الجيش والأجهزة الأمنية»، لافتاً إلى أنهم «يتعرضون، في بعض الأحيان، للانتقاد والتهجم فيما يواصلون تقديم أعلى درجات التضحيات والشهداء على مذبح الوطن، ويقومون بواجبهم على أكمل وجه، على الرغم من الأزمة الاقتصادية القاسية التي يمر بها لبنان، ومكافحة كل ما يمس أمن الناس وهم موجودون في كل المناطق اللبنانية».

سلام: المطلوب تثبيت وقف النار وتوحيد الجهود تحت سقف الدولة

من جهته، علّق رئيس الحكومة نواف سلام على استئناف المفاوضات، مؤكداً أن «المطلوب يبقى تثبيت وقف إطلاق النار في كل لبنان». وشدد سلام على أن «المفاوضات هي الخيار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، مضيفاً أن «طريقنا فيها أقصر إلى إنهاء الاحتلال وعودة أهلنا في الجنوب إلى مُدنهم وقُراهم، كلما توحدت كل الجهود تحت سقف الدولة».

أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حيث أقفلت المحالّ أبوابها وغادرها السكان على أثر التهديد الإسرائيلي بقصفها الاثنين (أ.ف.ب)


سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
TT

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)

تعول الحكومة السورية على إزالة تصنيفها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، المفروض عليها من واشنطن منذ عام 1979، بوصفه العقبة السياسية والقانونية الكبرى أمام تعافيها الاقتصادي مع ما بقي من عقوبات حالت دون ظهور أي نتائج ملموسة لرفع شبه شامل للعقوبات الدولية منذ نحو العام.

ورأت مصادر في دمشق أن التمهل الأميركي مرتبط بموقف إسرائيل المعارض لرفع العقوبات، بينما تحدثت مصادر أخرى عن جملة عوامل إقليمية ودولية وداخلية.

وفي مكالمة هاتفية جرت مؤخراً بيت الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب الرئيس السوري رفع ما تبقى من عقوبات بوصفها خطوة أساسية لتمكين الاقتصاد السوري، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتشجيع الاستثمارات.

ولا تزال سوريا تخضع لشبكة معقدة من العقوبات على الرغم من الرفع الجزئي المحدود الذي حصل في الأشهر المنصرمة (وشملت الرئيس السوري نفسه، وزير الداخلية، البنك المركزي، الخطوط الجوية السورية، ميناءي اللاذقية وطرطوس، وشركة النفط السورية).

مبادرة فردية من شبان قرية القاسمية بإصلاح التكسرات على طريق قريتهم شرق القامشلي (مرصد الحسكة)

وبحسب الباحث والخبير الاقتصادي زياد عربش لـ«الشرق الأوسط»، فإن العقوبات المتبقية التي شكا منها الشرع، تشمل قانون قيصر (Caesar Act) الذي رغم تعليقه بشكل متكرر ومؤقت لمدة 180 يوماً فقط وليس رفعه نهائياً، يخلق حالة من عدم اليقين للمستثمرين. وأيضاً تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب» (SST)، إضافة إلى عقوبات ثانوية واسعة منها مئات العقوبات المفروضة على أفراد وكيانات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، لا تزال مستمرة.

وهناك قيود التصدير التكنولوجية، أهمها القيود الأميركية الصارمة على تصدير التقنيات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري)، وكذلك العقوبات شخصية المفروضة على الرئيس السابق الفار ومحيطه القريب.

ورأى الخبير الاقتصادي أن من شأن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحفيز الاستثمار الأميركي المباشر الذي كان محظوراً تماماً، وإعادة الإدماج المالي بربط المصارف السورية بالنظام المالي الدولي، وتسهيل التحويلات البنكية، وتعزيز الثقة الدولية.

تقول واشنطن إن العقوبات ستظل تستهدف أشخاصاً تتهمهم بانتهاك حقوق الإنسان ‌ومهربي ⁠حبوب الكبتاغون وجهات أخرى تعدها الولايات المتحدة مزعزعة للاستقرار في المنطقة. وذلك بينما ترتكز سياسية الرئيس الأميركي في منطقة الشرق الأوسط على أن «توازن القوى المتمحورة حول الولايات المتحدة، يعمل بأفضل صورة عندما يُشجَّع الحلفاء على أن يصبحوا أكثر اعتماداً على أنفسهم، وأن يتقاسموا الأعباء من خلال ترابطهم وتكامل بعضهم مع بعض»، وفق ما قاله توم براك في أول تعليق له بعد تسلم مهامه الجديدة مبعوثاً رئاسياً خاصاً لسوريا والعراق.

ولعل سياسة ترمب تلك تصطدم مع واقع سوريا الخارجة من الحرب؛ إذ يرى الباحث في العلاقات الدولية عباس شريفة في بقاء سوريا على قوائم الدول الراعية للإرهاب «إشكالات جوهرية» تتناقض مع الموقف الأميركي الذي يعد سوريا شريكاً في الحرب على الإرهاب، خصوصاً أن الولايات المتحدة رتبت انسحابها من سوريا على أساس أن «الدولة السورية باتت قادرة على مواجهة خطر الإرهاب»، كما أن الواقع يدحض هذا التصنيف لأن «سوريا اليوم تقوم بدور مهم في ملاحقة تنظيم (داعش)، ولا تقيم أي علاقة مع الميليشيات الإيرانية، ولا تقدم أي دعم لأي من الجماعات التي تعدها واشنطن جماعة إرهابية».

بدء أول مشروع تنقيب عن النفط والغاز في السواحل السورية مايو الماضي مع «شيفرون» ضمن المساعي لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة (رويترز)

ورجح الباحث شريفة تأخر رفع ما تبقى من عقوبات «لارتباطه بمواقف سياسية لبعض أعضاء الكونغرس الداعمين لإسرائيل»، خصوصاً أن سياسة ترمب في سوريا كانت على الدوام متعارضة مع الرؤية الإسرائيلية، لكن يبدو أن «ثمة ضغطاً إسرائيلياً في بعض دوائر صنع القرار من أجل عرقلة هذا الإجراء، وربطه بتوقيع الاتفاق الأمني مع إسرائيل الذي تعثر بسبب التعنت الإسرائيلي»، مستبعداً أن تكون العلاقة التجارية والعسكرية بين سوريا وروسيا عائقاً أمام رفع ما تبقى من عقوبات؛ «لأن الإدارة الأميركية نفسها منحت استثناءات لتصدير النفط الروسي».

في هذه الأثناء، تسود الأوساط السورية عموماً حالة من الإحباط بعد موجة من التفاؤل أثار الرفع الجزئي للعقوبات، ورغم مرور عام على ذلك إلا أن الواقع الاقتصادي ما زال بعيداً عن التعافي الفعلي، كما أن الأثر المباشر على حياة الناس محدود جداً. بحسب أستاذ الاقتصاد زياد عربش، وذلك بسبب عوامل معقدة، منها أن العقوبات المتبقية تمنع المصارف والشركات الغربية من الانخراط بحرية في السوق السورية. والولايات المتحدة والدول الأوروبية لن تصل إلى الرفع الكامل للعقوبات إلا مع تنفيذ القرار 2254، وتحسين ملف حقوق الإنسان، وضمان عودة آمنة للاجئين. وبالإضافة إلى أن إلغاء قانون قيصر بشكل كامل يتطلب موافقة الكونغرس الأميركي، وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً، وتواجه عراقيل سياسية.

تدعيم أحد الجسور المؤقتة على نهر الفرات شرق سوريا لصعوبة بناء جسور جديدة (محافظة دير الزور)

وبحسب عربش، «حتى لو رُفعت العقوبات تماماً اليوم، فإن الآثار الإيجابية (مثل تدفق الاستثمارات) تحتاج إلى أشهر أو سنوات لتظهر على أرض الواقع»، مشيراً إلى قلق دولي من أن أي مساعدات أو استثمارات «قد تمول الفساد ما لم تكن هناك آليات شفافة تضمن وصولها إلى الشعب السوري».

ومن العوامل المؤثرة أيضاً، الانقسام الداخلي؛ إذ لا تزال هناك مناطق خارج سيطرة الدولة المركزية؛ ما يعوق تطبيق أي قرارات اقتصادية موحدة. يضاف إلى كل تلك العوامل وجود معارضة إقليمية «إسرائيلية» لرفع العقوبات.