القلق يساور النازحين السوريين ويدفعهم إلى مغادرة مخيماتهم

بعضهم فككوا خيامهم وعادوا إلى بلادهم

النازحون السوريون يتجمعون عند معبر نقطة وادي حميد في عرسال (المركزية)
النازحون السوريون يتجمعون عند معبر نقطة وادي حميد في عرسال (المركزية)
TT

القلق يساور النازحين السوريين ويدفعهم إلى مغادرة مخيماتهم

النازحون السوريون يتجمعون عند معبر نقطة وادي حميد في عرسال (المركزية)
النازحون السوريون يتجمعون عند معبر نقطة وادي حميد في عرسال (المركزية)

حالة من القلق يعيشها النازح السوري كريم في مخيم النزوح السوري في بلدة الطيبة البقاعية في شرق لبنان، دفعته يوم الثلاثاء إلى تفكيك ألواح الطاقة الشمسية عن سطح خيمته، ونقل معها ما تيسر من أمتعة، هي عبارة عن جهاز تلفزيون وبراد وغسالة وبطارية لتخزين الطاقة، ليودعهما في بناء قريب من المخيم، غربي الطريق الدولي، تمهيداً لمغادرة لبنان باتجاه إحدى قرى ريف حلب.

وكريم ليس سوى واحد من عشرات السوريين الذين يعيشون القلق في مخيمات النزوح السوري في قرى قضاء بعلبك في شرق لبنان، مثل قرى الطيبة وبريتال وحِزّين والحمودية وإيعات ومجدلون وطليا، وقام جزء منهم بترحيل عائلاتهم، وهم ينتظرون بيع خيامهم، فارغة أو بأثاثها.

يقول كريم: «يوم الثلاثاء الماضي، قمت بترحيل ستة من أفراد أسرتي، على أمل اللحاق بهم في وقت قريب حين أفرغ من بيع خيمتي وحاجياتي المعروضة للبيع، والسفر إلى حلب».

ويقول سوريون في البقاع لـ«الشرق الأوسط» إن هناك العشرات ممن رحلوا مخلفين وراءهم خياماً فارغة، بعد أن باعوا محتوياتها ورحلوا إلى الرقة، وذلك إثر الحملات الأمنية والتصعيد الرسمي والإجراءات الحكومية ضد النازحين السوريين. وتتراوح أسعار كل خيمة معروضة للبيع، بين 500 و700 دولار أميركي، بما تحتويه من أثاث وأدوات كهربائية ومنزلية وطاقة شمسية، بسبب ارتفاع تكلفة النقل والرسوم الجمركية على الحدود فيما لو أراد إدخال محتويات الخيمة إلى سوريا.

وحذا حذو كريم وعائلته ما بين ثلاثين وأربعين عائلة من مخيمات الطيبة الثلاثة المتلاصقة، من أصل 150 خيمة، أما الباقون فما زالوا ينتظرون مصيرهم. في المخيم نفسه أربع خيام مهجورة، فارغة من محتوياتها بالكامل، أصبحت ملعباً للأطفال المتسربين من المدارس بسبب عدم تمكن عائلاتهم من تأمين بدلات نقل إلى مدرسة دورس الرسمية المختلطة في دوام بعد الظهر.

صعوبات اقتصادية ومساعدات خجولة

تقول أم خليل، التي يعمل زوجها وكيلاً لإحدى الورش، إن زوجها رحل مع أفراد أسرتها إلى الرقة: «بسبب الوضع الاقتصادي الصعب والملاحقات والمضايقات التي نتعرض لها على الطرقات، والتكلفة المرتفعة لتسوية أوضاعنا لدى الأمن العام، والتي تفوق بمستنداتها ورسومها 20 مليون ليرة لبنانية، بما يوازي 223 دولاراً أميركياً، ناهيك عن الوضع الاقتصادي الصعب والمساعدات الخجولة والمقننة من الأمم المتحدة، التي تقتصر على بطاقات التغذية أو مساعدات مادية لا تتعدى المائة وعشرة دولارات للعائلة، مهما كان عدد أفرادها».

أم خليل تنتظر اللحاق بزوجها إلى الرقة بعد مغادرته مخيم الطيبة في بعلبك (الشرق الأوسط)

عناد، نازح سوري آخر من أحد مخيمات الطيبة، قام بترحيل عائلته إلى الرقة الأسبوع الماضي، ويعيش منفرداً في خيمة قريبٍ له، إلى أن تتاح له فرصة بيع خيمته التي قضى فيها 12 سنة، وتحتوي براداً وغسالة وثلاثة ألواح طاقة شمسية وبطاريتين وشاشة تلفزيون، وهي معروضة للبيع بـ700 دولار، ليلتحق بعائلته هو الآخر في إحدى قرى محافظة الرقة الواقعة تحت سلطة المعارضة.

في المقابل، على الخط الموازي غربي الطريق الدولي، ينتظر ثلاثة شبان يعملون في إحدى المؤسسات، تقاضي رواتبهم كي يعودوا من حيث أتوا منذ أربعة أشهر باتجاه الجنوب السوري، إلى درعا التي تقع تحت سيطرة النظام.

ويقول النازح السوري محمد المرعي، الذي يتهيأ للرحيل إلى الرقة إن «الوضع المعيشي في لبنان أصبح لا يطاق. فأجرة العامل الزراعي لخمس ساعات عمل يومياً في قطاف الكرز وجمع ورق العنب وقطاف الفول والبازيلا، هو 200 ألف ليرة لبنانية (2.2 دولار)، بينما سعر قفازات العمل 70 ألف ليرة (0.75 دولار)، ولم يعد باستطاعتنا دفع مبلغ 13 مليون ليرة (145 دولاراً) رسوم سنوية للأمن العام، ناهيك عن رسوم مستندات البلدية والمختار والطوابع وكتاب العدل. لقد أصبحت الرسوم مرهقة لا تطاق، وليس بمقدورنا تأمينها حتى لو اشتغلنا بأكثر من عمل».

أطفال بلا مدارس

وأصبح مئات الأطفال مشردين في أزقة المخيمات، من دون مدارس في دوام بعد الظهر. ويعيد محمد المرعي هذه المشكلة إلى «تخلف الأمم المتحدة عن دفع بدلات النقل إلى المدارس الرسمية التي وُعِدنا بتأمينها مطلع العام». ويضيف: «المحظيون ممن دفعت لهم بدلات النقل عن أولادهم قلة قليلة، من أصل 150 عائلة وُعِدت بتأمين بدلات النقل، لكن ذلك لم يحصل، وصاحب الباص يطالبني بدفع 400 دولار بدلات نقل غير متوفرة لدي. واليوم، ها هم أبنائي الأربعة تسربوا من المدرسة، ويلعبون بين الخيام الفارغة وفي أزقة المخيم، كسائر الأطفال والأولاد».

أما جوهر خليل، البالغة من العمر 36 عاماً، والتي تعيش مع أطفالها الأربعة في خيمة والدتها بعد أن غادر زوجها الثلاثاء الماضي إلى الرقة بهدف ترتيب وضعه هناك على أمل أن تلتحق به زوجته وأطفالهما، فتشكو من الوضع الاقتصادي وتدني أجرة العامل الزراعي.

وقال عبد الحفيظ تيسير (35 عاماً)، قبل مغادرته الاثنين إلى درعا، إن المخيم يفرغ يوماً بعد يوم من سكانه، وهم يعرضون خيامهم للبيع بما احتوت، مضيفاً أن قرار الرحيل «ناتج عن الضغوطات والملاحقات الأمنية».

وقد وجه رئيس اتحاد بلديات دير الأحمر جان الفخري، إنذارات إلى 180 خيمة، تنتهي في 20/5/2024، لأنها بنيت من دون موافقة الاتحاد والبلديات، إلا أنه عاد ومدد المهلة حتى الأول من يونيو (حزيران). لكن رغم التمديد، قام بعض النازحين بتفكيك خيامهم وغادروا إلى سوريا خشية توقيفهم وترحيلهم بشكل قسري، عملاً بقوانين الإقامة، فيما نقل آخرون خيامهم إلى بلدة إيعات، شرقي دير الأحمر.


مقالات ذات صلة

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

المشرق العربي من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

تتجه الأنظار إلى اللقاء الثاني الذي يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن؛ لتمديد وقف إطلاق النار وتحديد موعد وموقع المفاوضات المباشرة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)

إسرائيل تدمر البنى التحتية في الجنوب اللبناني منعاً لإعادة السكان إليه

تواصل إسرائيل تصعيدها في جنوب لبنان، في مسار لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يتعداه إلى اعتماد سياسة تدمير ممنهج للبنى التحتية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

تفرض الهدنة المؤقتة في لبنان واقعاً ضاغطاً على السكان؛ إذ تدفعهم إلى العودة الخاطفة من دون أن تمنحهم شعوراً فعلياً بالأمان أو الاستقرار.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد من قرية الخيام اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل كما يُرى من شمال الدولة العبرية 18 مارس 2026 (رويترز)

جنوب لبنان: تطويق كامل وتدمير ممنهج وتكريس تدريجي لـ«المنطقة العازلة»

تحوّلت بنت جبيل والخيام إلى مركز الثقل في المشهد الميداني جنوب لبنان، حيث تتقدّم الوقائع العسكرية على إيقاع مختلف.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص رئيس مجلس النواب مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

خاص لبنان مُصرّ على استغلال «الثقل الأميركي» في المفاوضات مع إسرائيل

كشف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري عن وجود مسعى أميركي لتمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

ثائر عباس (بيروت)

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)
من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

لبنان يتطلع لتمديد الهدنة وتحديد موعد التفاوض لإيحاد «حل دائم» مع إسرائيل

من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)
من مراسم تشييع مدنيين قُتلوا بغارات إسرائيلية في بلدة البازورية بجنوب لبنان (أ.ب)

تتجه الأنظار إلى اللقاء الثاني الذي يجمع سفيري لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة في واشنطن، الخميس؛ لتمديد وقف إطلاق النار وتحديد موعد وموقع المفاوضات المباشرة بين الطرفين، وسط تأكيد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات «لا تعني التنازل والاستسلام»، مشدداً على «الحفاظ على الحقوق، وأهمية أن يقف اللبنانيون إلى جانب دولتهم في هذا الظرف بالذات».

ويتمسك لبنان بالتفاوض لإنهاء لتثبيت وقف الحرب، وضمانة انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، في مقابل تصعيد إسرائيلي، عبَّر عنه وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي هدّد «بمواصلة العمليات العسكرية ضدّ (حزب الله)، في حال لم يتحرّك لبنان لوقف نشاطه». وقال كاتس إنّ مصير جنوب لبنان قد يكون مشابهاً لما شهدته مدينتا رفح وبيت حانون في قطاع غزة.

كما وجّه تهديداً مباشراً إلى الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، عادَّاً أنّه قد يلقى مصيراً مشابهاً لمصير الأمين العام السابق حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل عام 2024.

ترسيخ الاستقرار

وقال عون في تصريح، الثلاثاء، إنه يتحمل مسؤولية قراراته، وإن الديبلوماسية هي حرب من دون دماء، في حين الحرب هي إهراق دماء ودمار وخراب.

وأكد أن «صمود الجنوبيين في مناطقهم وقراهم واستقبال النازحين الذين وفدوا من قرى وبلدات مجاورة، هو تجسيد لمدى وحدة اللبنانيين وتضامنهم مع بعضهم بعضاً؛ ما يشكل مصدر قوة ووعي وإيمان بهذا البلد»، لافتاً إلى أنه «يواصل السعي لدى الجهات الدولية والمؤسسات الاجتماعية والإنسانية من أجل زيادة المساعدات المخصصة للجنوبيين، النازحين منهم والمضيفين».

ولفت الرئيس عون إلى «أهمية تضافر الجهود بين الجيش والقوى الأمنية والبلديات والسكان، لترسيخ الاستقرار الأمني وإبعاد فرضية الأمن الذاتي الذي يحمل مخاطر كثيرة، في الوقت الذي تعمل فيه الدولة من أجل استتباب الأمن وإنهاء الحرب».

الحفاظ على الحقوق

وأشار الرئيس عون إلى أنه «في الوضع الحالي كان الخيار بين الاستمرار في الحرب أو الدبلوماسية لإنهائها». وأوضح أن «هذا السبب هو الذي أدى إلى قرار الانخراط في المفاوضات التي تكون بين متخاصمين، مع التشدد في الحفاظ على الحقوق.

والأهم أولاً وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وعودة الأسرى، من أجل البحث في السلام بعد عقود وسنوات طويلة من الحروب والموت والدمار. إن المفاوضات لا تعني التنازل ولا الاستسلام، بل هي لحل المشاكل، ومن المهم أن يقف اللبنانيون إلى جانب دولتهم في هذا الظرف بالذات، وهم تعبوا من الحروب».

وقال: «واجبي ومسؤوليتي أن أبذل كل ما يلزم لتحقيق الأمن والسلام للبنان، وقد نجحنا العام الماضي في تحقيق خطوة مهمة عبر بداية نمو اقتصادي، ووفر في الخزينة، ووفر في العملات الصعبة في المصرف المركزي، وكنا نتوقع المزيد من التحسن إلا أن الحرب أعادت الأوضاع إلى الوراء».

التمسك بالحلول الدبلوماسية

ويدفع لبنان باتجاه حل مستدام لأزمة الصراع مع إسرائيل، عبر التمسك بالحلول الدبلوماسية، وهو ما عبَّر عنه رئيس الحكومة نواف سلام خلال لقائه في لوكسمبورغ، رئيس وزراء لوكسمبورغ لوك فريدن، حيث تم البحث في الأوضاع في لبنان والمنطقة.

وأكد فريدن خلال اللقاء «أن لبنان، كما المنطقة بأسرها، يحتاج إلى السلام»، مشدداً على «أن المطلوب لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى حل مستدام وذي صدقية، يحفظ سيادة لبنان واستقراره».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يصل إلى لوكسمبورغ (أ.ب)

وفي كلمة له أمام مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، قال سلام: «مع دخولنا مرحلة جديدة من تاريخ لبنان المضطرب، عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، نأمل أن يكون مستداماً وأن يضع حداً للحروب بالوكالة التي أثقلت كاهله لسنوات طويلة».

وأضاف: «نجد أنفسنا اليوم في حربٍ لم نسعَ إليها ولم نخترها. حربٌ جلبت ولا تزال تجلب ألماً عميقاً لشعبنا، وتزرع الخوف في نفوس أولادنا. لقد عانت أمتنا من صراعات متكررة، سواء كانت داخلية أم مفروضة من الخارج، استنزفت مواردنا وأضعفت قدراتنا. وجاءت هذه الحرب الأخيرة لتفاقم حجم الدمار، وتعمّق أزمتنا الاقتصادية، وتهدد استقرارنا الاجتماعي».

وشدد سلام على أن «إنهاء هذه الحرب بات ضرورةً ملحّة.

والطريق إلى ذلك يمر عبر صون سيادة لبنان، بل استعادتها كاملة، وحماية سلامة أراضيه. غير أن بلوغ هذا الهدف يقتضي مواجهة صريحة مع الواقع الداخلي الذي أضعف الدولة لسنوات طويلة: فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى دائماً عُرضةً للخطر».

وقال: «لقد آن الأوان لتكريس مبدأٍ واضحٍ لا لبس فيه: لا قيام لدولةٍ مستقلة من دون مقومات سيادتها، ولا سيادة من دون سلطة شرعية واحدة تحتكر القرار الوطني».

وتابع: «إن حكومتي ملتزمة باتباع مسار واضح ومسؤول للخروج من النزاع الراهن. وفي هذا السياق، انخرط لبنان مؤخراً، وبحسن نية، في محادثات تحضيرية مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية في واشنطن».

هدف التوصل لحل دائم

وأكد أن «خيار الدبلوماسية ليس علامة ضعف، بل هو تعبير عن مسؤولية وطنية تهدف إلى عدم ترك أي مسار غير مستكشف لاستعادة سيادة بلدنا وحماية شعب»، مضيفاً: «هدفنا ليس انخراطاً رمزياً، بل على العكس، نحن مصممون على اغتنام هذه الفرصة للعمل نحو حل دائم.

وتسعى حكومتي، من خلال هذا المسار الدبلوماسي، إلى إنهاء الاحتلال، وضمان الإفراج عن أسرانا، وتأمين عودة النازحين إلى منازلهم وقراهم».

كما شدد على أن «إرادتنا في تكريس احتكار الدولة للسلاح، ووضع حدٍ للتدخلات الإقليمية في شؤوننا الداخلية، يجب ألا تكون موضع تساؤل بعد اليوم. وكما تعلمون، فقد اتخذنا سلسلة من الإجراءات الحاسمة في هذا الاتجاه».


إسرائيل تدمر البنى التحتية في الجنوب اللبناني منعاً لإعادة السكان إليه

نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)
نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدمر البنى التحتية في الجنوب اللبناني منعاً لإعادة السكان إليه

نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)
نساء في مدينة النبطية يتفقدن الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت المدينة خلال الحرب (أ.ف.ب)

تواصل إسرائيل تصعيدها في جنوب لبنان، في مسار لا يقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل يتعداه إلى اعتماد سياسة تدمير ممنهج للبنى التحتية، ولا سيما في القرى الواقعة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»؛ إذ تمعن في استهداف منظم للمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات، إلى جانب تدمير الجسور وقطع الطرق، بما يؤدي إلى تفكيك الترابط الجغرافي بين البلدات وعزلها عن بعضها.

هذا السلوك الإسرائيلي يأتي مكمّلاً لسياسة التهجير، حسبما تقول مصادر وزارية لبنانية؛ إذ يترافق مع تحذيرات متواصلة لأبناء الجنوب من العودة إلى أكثر من 80 بلدة، في سياق هدف واضح يتمثل في إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، تفتقر إلى مقومات الحياة، إلى جانب غارات تستهدف مناطق غير محتلة، بينها وادي الحجير الذي استهدف بغارة، الثلاثاء.

امرأة تسير قرب ركام ناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة الزرارية في جنوب لبنان (رويترز)

ولا تقتصر التفجيرات وعمليات الهدم بالجرافات، على المنازل؛ إذ يبرز تدمير المؤسسات الصحية والتعليمية بوصفه أحد أكثر أوجه هذه السياسة قسوة، في إطار الضغط على بيئة «حزب الله»، حيث تعتبر إسرائيل أن أي بنية مدنية في تلك المناطق تشكل دعماً غير مباشر للحزب، وتوفر أرضية محتملة لاستئناف نشاطه.

تدمير المستشفيات

منذ الساعات الأولى لعودة الحرب في الثاني من مارس (آذار) الماضي، ومع انطلاق موجات النزوح الواسعة، عمد الجيش الإسرائيلي إلى استهداف المستشفيات والمراكز الصحية في الجنوب. وفي هذا السياق، كشف رئيس لجنة الصحة النيابية النائب بلال عبد الله عن أن الحرب الإسرائيلية «أمعنت في تدمير المؤسسات الصحية والجهاز الطبي في قرى الجنوب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المعطيات «تشير إلى تدمير جزئي لـ8 مستشفيات جنوبية وخروجها عن الخدمة كلياً، وهي: تبنين، راغب حرب، صلاح غندور، حيرام، جبل عامل، حاصبيا وبنت جبيل».

عناصر من الدفاع المدني ينقلون جثث شخصين قُتلا في غارة استهدفت جسر القاسمية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

كما لفت إلى أن «الضرر الأكبر طال المراكز الصحية، حيث تم تدمير أكثر من 100 سيارة إسعاف، واستشهاد 121 طبيباً ومسعفاً في المستشفيات والمراكز الطبية المذكورة»، مشيراً إلى أن وزارة الصحة «اضطرت إلى توزيع العدد الأكبر من الكوادر الطبية على مستشفيات أخرى في الجنوب وجبل لبنان».

ضرب قطاع التعليم

ولا تتوقف الرسائل الإسرائيلية عند هذا الحد؛ إذ يشكل تدمير البنى التحتية على نطاق واسع وسيلة لإحباط أي تفكير لدى المدنيين بالعودة إلى قراهم لسنوات طويلة. ويبرز قطاع التعليم كأحد أكثر القطاعات تضرراً، حيث يرى مصدر في وزارة التربية اللبنانية أن استهداف المدارس والمعاهد «يهدف إلى تقويض مقومات صمود السكان في بلداتهم». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل تعتبر ضرب قطاع التعليم الوسيلة الأكثر فاعلية لتفريغ القرى من سكانها، ودفع العائلات إلى النزوح بحثاً عن بدائل تعليمية لأبنائهم.

راهبة تتفقد موقعاً دينياً مسيحياً تعرض لقصف إسرائيلي في مدينة النبطية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأكد المصدر أن الحرب «أسفرت عن تدمير كلي للمدارس الرسمية في بلدات الظهيرة، البستان، يارين، طيرحرفا، إضافة إلى تدمير جزئي لمتوسطة الناقورة. أما في قطاع التعليم المهني والتقني، فقد تم تدمير معهدي الخيام والقنطرة بشكل كامل، فيما لحقت أضرار جزئية بمعاهد بنت جبيل، عيتا الشعب، تبنين، تول، النبطية، الزرارية، جباع، معركة، العباسية، جويا، قانا وأنصار». وأشار إلى أن «حجم التصدعات التي أصابت هذه المؤسسات يجعل بعضها غير قابل للترميم أو التدعيم، ما يستدعي إجراء تقييمات هندسية دقيقة بعد توقف الحرب».

ووفق إحصاءات وزارة التربية والتعليم العالي، نالت مدارس مدينة النبطية وقضائها الحصة الأكبر من الأضرار؛ إذ تم تسجيل مدرسة واحدة مدمرة كلياً، و18 مدرسة متضررة بشكل كبير، مقابل 7 مدارس غير متضررة، فيما لا تتوافر معلومات حالياً عن أوضاع 61 مدرسة أخرى.

الكهرباء والمياه

ولا تقل الأضرار التي لحقت بقطاعي الكهرباء والمياه خطورة عن باقي المنشآت الخدماتية؛ إذ تعرضت شبكاتهما لاستهداف واسع. وأفاد مصدر في وزارة الطاقة والمياه بأن الوزارة «غير قادرة حتى الآن على إجراء إحصاء دقيق لحجم الخسائر، إلا أن الأضرار تشمل عدداً من محولات الكهرباء ومحطات المياه».

وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن المشكلة الأكبر تكمن في شبكات المياه، مذكّراً بأن «خسائر قطاع المياه في حرب 2024 تجاوزت 100 مليون دولار، أما الأضرار في هذه الحرب فتفوق هذا الرقم، نتيجة تدمير أو تعطيل محطات ضخ المياه ومحطات التنقية والخزانات وشبكات الإمداد».

وتبدو إسرائيل ماضية في تحويل عشرات القرى الجنوبية إلى أرضٍ محروقة، وتسعى عبر ذلك إلى انتزاع تنازلات سياسية أو أمنية، باعتبار أنه كلما ارتفعت كلفة الدمار، ازدادت الضغوط على الدولة اللبنانية، للبحث عن تسويات لوقف هذه الحرب والتقليل من خسائرها.


نواف سلام يأمل وضع حدّ نهائي «للحروب بالوكالة» على أرض لبنان

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يصل إلى اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يصل إلى اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

نواف سلام يأمل وضع حدّ نهائي «للحروب بالوكالة» على أرض لبنان

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يصل إلى اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يصل إلى اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

أعرب رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الثلاثاء، في كلمة ألقاها أمام مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، بأن يكون وقف إطلاق النار الساري منذ الأربعاء «مستداماً»، وأن يوقف «الحروب بالوكالة» على أرض لبنان، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال سلام عن وقف إطلاق النار الساري بين إسرائيل و«حزب الله» بعد محادثات أميركية لبنانية، «نأمل أن يكون مستداماً وأن يضع حدّا للحروب بالوكالة التي أثقلت كاهل لبنان لسنوات طويلة».

وكرّر وصف الحرب التي اندلعت في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، القول إن لبنان «في حرب لم نسعَ إليها ولم نخترها»، معتبرًا أن إنهاءها «بات ضرورةً ملحّة».

وشدّد على أن الطريق إلى ذلك يمرّ بأن «تحتكر الدولة» قرار الحرب والسلم، مؤكدًا التزام حكومته بتنفيذ قرارها نزع سلاح «حزب الله» المدعوم من إيران، واتباع «المسار الدبلوماسي» مع إسرائيل، للوصول إلى «حلّ دائم».

وشكر الاتحاد الأوروبي على دعم لبنان، مؤكدًا أن بلاده تحتاج إلى شركائها الأوروبيين «لمواجهة الأزمة الإنسانية غير المسبوقة» التي بدأت منذ سنوات وتفاقمت بعد حربين متتاليتين في أقل من ثلاث سنوات، ولـ«دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي»، و«دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار».