لبنان ينشد مهلة جديدة لاستكمال موجبات مكافحة الجرائم المالية

ترقب لتحديثات «التقييم المتبادل» مع مجموعة «فاتف» الإقليمية

مصرف لبنان المركزي (أرشيف - رويترز)
مصرف لبنان المركزي (أرشيف - رويترز)
TT

لبنان ينشد مهلة جديدة لاستكمال موجبات مكافحة الجرائم المالية

مصرف لبنان المركزي (أرشيف - رويترز)
مصرف لبنان المركزي (أرشيف - رويترز)

يسود في لبنان قلق مشوب بالحذر، على المستويين الرسمي والمالي، ترقباً لما ستقررّه مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مينا فاتف) في اجتماعها نصف السنوي خلال الشهر المقبل، بشأن ملف التقييم المتبادل مع لبنان، والمتضمن تحديث الاستنتاجات لمدى الاستجابة في تعزيز كفاءة أنظمة وآليات مكافحة غسل (تبييض) الأموال وتمويل الإرهاب.

ورغم تلقي الجهات المحلية المعنيّة بالملف، لا سيما قيادة السلطة النقدية وهيئة التحقيق الخاصة، إشارات مطمئنة بعدم اتخاذ قرارات عقابية وشيكة تفضي إلى خفض تصنيف لبنان من فئة «قيد المراجعة» إلى إدراج ضمن القائمة «الرمادية»، فإن الهواجس ستظل مرتفعة إلى حين صدور التقييم المحدث، والذي سيتضمن استنتاجات وتقديرات فريق العمل الإقليمي للتقدم المحقق والمنشود في الاستجابة للتوصيات الواردة في التقرير التفصيلي للمجموعة والمنجز بنهاية العام الماضي.

ومن المستغرب، حسب مرجع كبير معني بالملف، أن تقود هيئات غير مالية ولا مصرفية البلد إلى خفض التصنيف من ملتزم بمكافحة تبييض الأموال إلى خانة الشك بفاعلية المؤسسات غير المالية. وبالتالي الانزلاق إلى المنطقة الرمادية بما تزخر به من قيود على التحويلات، وتوتير للعلاقات المستمرة بزخم مع البنوك المراسلة. في حين القطاع المالي، وتحت إشراف البنك المركزي وهيئة التحقيق الخاصة، يستوفي المعايير المطلوبة، وبدرجة مرتفعة تلقى التقييم الإيجابي المستمر من هيئات إقليمية ودولية.

سقف الطموحات

ويبدو سقف الطموحات المحلية «واقعياً» وبحدود تأكيد الاستحصال على مهلة زمنية جديدة تمتد لغاية الاجتماع السنوي الثاني للمجموعة في الخريف المقبل، بغية تمكين السلطات المحلية من تعزيز الاستجابة للملاحظات الأساسية الواردة، والتي تحض لبنان على تسريع إنفاذ القوانين، وتحسين الأداء في سد منافذ الجرائم المالية، لا سيما في ظل النمو الاستثنائي للاقتصاد النقدي الذي تقارب كتلته نحو 10 مليارات دولار، وفق تقديرات البنك الدولي، أي ما يماثل نصف الناتج المحلي.

ووفق معلومات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، فإن السلطة النقدية الممثلة بحاكمية البنك المركزي وهيئة التحقيق، وضعت الملف بكل حيثياته في قائمة الأولويات الضرورية للأشهر المقبلة، بعدما تبلّغت أجواء مريحة نسبياً، مفادها أن المرجعيات المالية والدولية ذات الاختصاص، تقدّر بإيجابية التزام القطاع المالي المحلي بكامل الموجبات الخاصة بمسألة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتلاحظ أن التقدم المحقّق في الميادين الموازية وذات الصلة «غير كاف»، وينبغي متابعته دون إبطاء، وبما يحقق الاستجابة المطلوبة.

وضع القطاع المصرفي

ويحرص حاكم البنك المركزي بالإنابة الدكتور وسيم منصوري على إبلاغ المرجعيات المالية الدولية، بأن «وضع مصرف لبنان والقطاع المصرفي جيد ولا مشاكل مع المصارف المراسلة، والملاحظات الدائمة هي على السيولة النقدية، ويجب الخروج من هذا الموضوع عبر آليات بديلة؛ لأنه يؤذينا ويؤثر علينا على المدى الطويل، ولن يتحقق ذلك إلا إذا أدخلناها في قنوات القطاع المصرفي الذي يعتمد إجراءات مشددة في التحقق ومعرفة العملاء».

وهذا ما كان مدار نقاش في الزيارات العربية والدولية للحاكم، وخلال الاجتماعات مع وفد الخزانة الأميركية الذي زار بيروت مؤخراً.

وإذ يستخلص تقرير التقييم المتبادل، أن لبنان يحقق علامات «نجاح» تتراوح بين «ملتزم» و«ملتزم إلى حد كبير» في الاستجابة لمندرجات 34 معياراً، فإن التوجّس من الانزلاق إلى التصنيف الرمادي يكمن في علامات «الالتزام الجزئي» أو الضعيف الذي يطال 6 معايير فقط، يتوجب معالجتها للاحتفاظ بدرجة التصنيف الإيجابي في ملاءمة أنظمته وإجراءاته للمعايير الدولية الأربعين في مكافحة الجرائم المالية.

وسيم منصوري حاكم «مصرف لبنان» بالإنابة (أ.ب)

وينبغي على لبنان، بموجب أبرز استنتاجات مجموعة العمل المالي الإقليمية، اتخاذ السياسات والإجراءات للحد من مخاطر الجرائم الأكثر خطورة، ومنها الفساد الذي يطال بعض المستويات الوظيفية العليا في الدولة، والاتجار غير المشروع بالمخدرات، وضبط القطاع المالي غير المنظم، وتقييم مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب المرتبطة بمنظمة شبه عسكرية كبرى (المقصود حزب الله)، والتأكيد على بذل الجهود الممكنة للتخفيف من هذه المخاطر.

وتبرز أولوية إنفاذ القانون وتطوير قدرات النيابة العامة التمييزية، وتعزيز التعاون مع الجهات الدولية ذات الاختصاص، وحض السلطات المعنية على تحسين مهارات الجمارك ومديرية الضرائب، وتمكينها من استخدام المعلومات المالية الاستخبارية بشكل استباقي ومنتظم لتطوير الأدلة في قضايا غسل الأموال وتعقب المتحصلات الإجرامية بما يسهم في تحديد أولويات التحقيقات والملاحقات من قبل السلطات القضائية مع إعطاء الأولوية للتحقيقات في الجرائم الخطرة التي تدر عوائد مالية كبيرة.

كما ينبغي إيجاد آليات مناسبة لتمكين الأجهزة الأمنية من الحصول على المعلومات المالية في الوقت المناسب، والتوسع في التحقيقات، لتحديد وتعقب حالات تمويل الإرهاب، بما يشمل الحالات ذات العلاقة بمنظمة محلية شبه عسكرية كبرى.

وعلى المستوى التشريعي، يتوجب تعديل القانون رقم 44 لعام 2015، ليشمل متطلبات بعض الفئات المحددة للجرائم الأصلية، مثل الاتجار غير المشروع في السلع المسروقة وغيرها من السلع، وإحداث جروح بدنية جسيمة. كذلك تعديل العقوبات المنصوص عليها لتصبح جنائية بدلاً من جنحوية، بوصفها غير متناسبة ورادعة للأشخاص الطبيعيين في حالة الإدانة بجريمة غسل أموال، إضافة إلى ضرورة شمول الارتباط، والتآمر بالجرائم التبعية المناسبة لجريمة غسل الأموال.

وبالمثل، يفتقر لبنان وفق التقييم إلى تدابير تتسم بالأهلية والكفاءة لمنع المجرمين وشركائهم من ممارسة مهن تجار المعادن النفيسة والأحجار الكريمة ووكلاء العقار، وللتأكد من حالة إدراجهم على قوائم الإرهاب الأممية. وعند تسجيل هؤلاء بوصفهم شركات لا توجد ضوابط للتأكد من خلفية المستفيدين الحقيقيين والمسيطرين بطرق غير مباشرة، ولمنع المجرمين وشركائهم من شغل مناصب الإدارة في هذه الشركات، أو من يوكل إليهم حق التفويض بالتوقيع.


مقالات ذات صلة

عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

المشرق العربي اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

أكد كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام التمسك بخيار التفاوض بوصفه «المسار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)

بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

أربك التهديد الإسرائيلي الأخير الضاحية الجنوبية لبيروت خلال ساعات قليلة حيث أُخليت مدارس وهرع الأهالي لاصطحاب أولادهم من الصفوف وغادر كثيرون منازلهم على عجل.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (أ.ب)

إيران تسابق الدولة اللبنانية إلى تبنّي تثبيت وقف النار

برزت في الساعات الأخيرة محاولة إيرانية مترافقة مع مواقف من قبل «حزب الله» لتكريس رواية مفادها أن طهران كان لها دور بالوصول إلى التهدئة.

كارولين عاكوم (بيروت) كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية أمام التوصل لوقف شامل للنار

أصاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدخله المباشر بالضغط على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وإلزامه بوقف النار، عصفورين بحجر واحد

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي صورة جامعة لرجال الدين والمرجعيات الروحية (الشرق الأوسط)

قمة دينية لبنانية تدعم مساعي الدولة لوقف الحرب

خلصت القمة الروحية الإسلامية المسيحية، التي انعقدت الثلاثاء في بيروت بمشاركة رؤساء الطوائف، إلى تأييد الدولة اللبنانية في سعيها الحثيث لتحقيق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
TT

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)

أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي، اليوم (الثلاثاء)، أن الحزب لن يوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، ولا سيما «معادلة» امتناع إسرائيل عن قصف ضاحية بيروت الجنوبية مقابل امتناعه عن استهداف شمال إسرائيل.

وقال قماطي في تصريح مكتوب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «المقاومة والثنائي الوطني (أي حزب الله وحليفته حركة أمل) لم ولن يوافقوا على معادلة الضاحية مقابل المستوطنات».

وأضاف: «جوابنا كان واضحاً للمعنيين وبالاتفاق مع الرئيس (نبيه) بري أننا نلتزم بوقف شامل وكامل وجدي لوقف إطلاق النار دون العودة إلى ما قبل 2 مارس (آذار)، ولن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار».

وتابع بأن «أي عدوان على الضاحية يمكن أن يؤدي إلى رد أعمق وأقوى» من الحزب.

وحال تدخُّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب دون مضي إسرائيل قدماً في تنفيذ هجوم على «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية أمر به رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعها يسرائيل كاتس.

وجاءت هذه التهدئة بعد اتصال بين ترمب ونتنياهو، أمس. وقال الرئيس الأميركي في منشور على حسابه على «تروث سوشيال»: «أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأكدنا أنه لن يتم إرسال أي قوات إلى بيروت، وأن أي قوات كانت في طريقها قد أُعيدت. وبالمثل، أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع (حزب الله) عبر ممثلين رفيعي المستوى، واتفقوا على وقف إطلاق النار تماماً، وأن إسرائيل لن تهاجمهم، ولن يهاجموا إسرائيل». وأضاف أن «المحادثات مستمرة، وبوتيرة سريعة، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

وأكد لبنان رسمياً ليلاً أن ​«(حزب الله) وافق ‌على ‌المقترح ​الأميركي ‌بشأن ‌وقف ‌متبادل للهجمات يشمل ​جميع ​الأراضي ​اللبنانية». وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي قد دعا سكان ضاحية بيروت إلى إخلائها؛ ما تسبب في موجة نزوح.


عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

أكد كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام التمسك بخيار التفاوض بوصفه «المسار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، في حين شدد عون على أولوية الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الفتنة، وعَدَّ أن وحدة اللبنانيين تبقى عنصر القوة الأساسي في مواجهة التحديات.

وأكد الرئيس عون أن «قوتنا في وحدتنا، والسلم الأهلي لا يمكن المساس به؛ لأن اللبنانيين باتوا على اقتناع تام بأنه لا عودة إلى الوراء»، مشدداً على أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع الفتنة يشكلان أولوية وطنية مطلقة، مجدداً حرصه على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في لبنان ومنع الفتنة التي من شأنها أن تهدد بقاء لبنان، وعَدَّ أن «كل من يُغذيها يقدم خدمة لإسرائيل».

التفاوض هو الخيار الأقل كلفة

وأكد عون أنه يتحمل مسؤولية الخيارات التي اتخذها، والانتقادات التي تطوله بسبب اعتماده مسار التفاوض، وعَدَّ أنه «الخيار الأقل كلفة على البلد»، مشيراً إلى أن الحروب على مر التاريخ تنتهي «بمنتصر ومنهزم، أو بالتفاوض لحل النزاع»، وهو ما اعتمدته دول عدة، كما هي حال النزاعات والحروب الجارية في العالم.

وقال عون: «سقط للبنان أكثر من 3 آلاف شهيد، وأكثر من مليون نازح، وآلاف المنازل المهدّمة، ولا أُفق لانتهاء هذا الوضع، لذلك كان لزاماً عليّ رئيساً للجمهورية القيام بما يفرضه عليّ ضميري وواجبي تجاه بلدي وشعبي، ومن واجب الدولة الاهتمام بمواطنيها وعدم الوقوف دون أن نحرك ساكناً». وأضاف: «لا خيار آخر غير التفاوض، ولا يجب عدُّه استسلاماً أو تنازلاً أو هزيمة؛ لأن القوة ليست في خوض الحرب، بل في تمتع المرء بالشجاعة والحكمة لإنهائها بالتفاوض لمصلحة بلده التي تبقى هي الأساس فوق كل اعتبار». وشدد عون على أن «الدولة تعمل على معالجة الأوضاع الحالية قدر الإمكان، وأن الحكومة ومجلس النواب يعملان على إقرار القوانين الكفيلة بتحسين الظروف الحياتية والمعيشية للمواطنين والعمال».

الجيش هو العمود الفقري لمنع الفتنة

وعَدَّ الرئيس عون أن «العمود الفقري والأساس لمنع الفتنة هو الجيش والأجهزة الأمنية»، لافتاً إلى أنهم «يتعرضون، في بعض الأحيان، للانتقاد والتهجم فيما يواصلون تقديم أعلى درجات التضحيات والشهداء على مذبح الوطن، ويقومون بواجبهم على أكمل وجه، على الرغم من الأزمة الاقتصادية القاسية التي يمر بها لبنان، ومكافحة كل ما يمس أمن الناس وهم موجودون في كل المناطق اللبنانية».

سلام: المطلوب تثبيت وقف النار وتوحيد الجهود تحت سقف الدولة

من جهته، علّق رئيس الحكومة نواف سلام على استئناف المفاوضات، مؤكداً أن «المطلوب يبقى تثبيت وقف إطلاق النار في كل لبنان». وشدد سلام على أن «المفاوضات هي الخيار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، مضيفاً أن «طريقنا فيها أقصر إلى إنهاء الاحتلال وعودة أهلنا في الجنوب إلى مُدنهم وقُراهم، كلما توحدت كل الجهود تحت سقف الدولة».

أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حيث أقفلت المحالّ أبوابها وغادرها السكان على أثر التهديد الإسرائيلي بقصفها الاثنين (أ.ف.ب)


سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
TT

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)

تعول الحكومة السورية على إزالة تصنيفها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، المفروض عليها من واشنطن منذ عام 1979، بوصفه العقبة السياسية والقانونية الكبرى أمام تعافيها الاقتصادي مع ما بقي من عقوبات حالت دون ظهور أي نتائج ملموسة لرفع شبه شامل للعقوبات الدولية منذ نحو العام.

ورأت مصادر في دمشق أن التمهل الأميركي مرتبط بموقف إسرائيل المعارض لرفع العقوبات، بينما تحدثت مصادر أخرى عن جملة عوامل إقليمية ودولية وداخلية.

وفي مكالمة هاتفية جرت مؤخراً بيت الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب الرئيس السوري رفع ما تبقى من عقوبات بوصفها خطوة أساسية لتمكين الاقتصاد السوري، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتشجيع الاستثمارات.

ولا تزال سوريا تخضع لشبكة معقدة من العقوبات على الرغم من الرفع الجزئي المحدود الذي حصل في الأشهر المنصرمة (وشملت الرئيس السوري نفسه، وزير الداخلية، البنك المركزي، الخطوط الجوية السورية، ميناءي اللاذقية وطرطوس، وشركة النفط السورية).

مبادرة فردية من شبان قرية القاسمية بإصلاح التكسرات على طريق قريتهم شرق القامشلي (مرصد الحسكة)

وبحسب الباحث والخبير الاقتصادي زياد عربش لـ«الشرق الأوسط»، فإن العقوبات المتبقية التي شكا منها الشرع، تشمل قانون قيصر (Caesar Act) الذي رغم تعليقه بشكل متكرر ومؤقت لمدة 180 يوماً فقط وليس رفعه نهائياً، يخلق حالة من عدم اليقين للمستثمرين. وأيضاً تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب» (SST)، إضافة إلى عقوبات ثانوية واسعة منها مئات العقوبات المفروضة على أفراد وكيانات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، لا تزال مستمرة.

وهناك قيود التصدير التكنولوجية، أهمها القيود الأميركية الصارمة على تصدير التقنيات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري)، وكذلك العقوبات شخصية المفروضة على الرئيس السابق الفار ومحيطه القريب.

ورأى الخبير الاقتصادي أن من شأن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحفيز الاستثمار الأميركي المباشر الذي كان محظوراً تماماً، وإعادة الإدماج المالي بربط المصارف السورية بالنظام المالي الدولي، وتسهيل التحويلات البنكية، وتعزيز الثقة الدولية.

تقول واشنطن إن العقوبات ستظل تستهدف أشخاصاً تتهمهم بانتهاك حقوق الإنسان ‌ومهربي ⁠حبوب الكبتاغون وجهات أخرى تعدها الولايات المتحدة مزعزعة للاستقرار في المنطقة. وذلك بينما ترتكز سياسية الرئيس الأميركي في منطقة الشرق الأوسط على أن «توازن القوى المتمحورة حول الولايات المتحدة، يعمل بأفضل صورة عندما يُشجَّع الحلفاء على أن يصبحوا أكثر اعتماداً على أنفسهم، وأن يتقاسموا الأعباء من خلال ترابطهم وتكامل بعضهم مع بعض»، وفق ما قاله توم براك في أول تعليق له بعد تسلم مهامه الجديدة مبعوثاً رئاسياً خاصاً لسوريا والعراق.

ولعل سياسة ترمب تلك تصطدم مع واقع سوريا الخارجة من الحرب؛ إذ يرى الباحث في العلاقات الدولية عباس شريفة في بقاء سوريا على قوائم الدول الراعية للإرهاب «إشكالات جوهرية» تتناقض مع الموقف الأميركي الذي يعد سوريا شريكاً في الحرب على الإرهاب، خصوصاً أن الولايات المتحدة رتبت انسحابها من سوريا على أساس أن «الدولة السورية باتت قادرة على مواجهة خطر الإرهاب»، كما أن الواقع يدحض هذا التصنيف لأن «سوريا اليوم تقوم بدور مهم في ملاحقة تنظيم (داعش)، ولا تقيم أي علاقة مع الميليشيات الإيرانية، ولا تقدم أي دعم لأي من الجماعات التي تعدها واشنطن جماعة إرهابية».

بدء أول مشروع تنقيب عن النفط والغاز في السواحل السورية مايو الماضي مع «شيفرون» ضمن المساعي لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة (رويترز)

ورجح الباحث شريفة تأخر رفع ما تبقى من عقوبات «لارتباطه بمواقف سياسية لبعض أعضاء الكونغرس الداعمين لإسرائيل»، خصوصاً أن سياسة ترمب في سوريا كانت على الدوام متعارضة مع الرؤية الإسرائيلية، لكن يبدو أن «ثمة ضغطاً إسرائيلياً في بعض دوائر صنع القرار من أجل عرقلة هذا الإجراء، وربطه بتوقيع الاتفاق الأمني مع إسرائيل الذي تعثر بسبب التعنت الإسرائيلي»، مستبعداً أن تكون العلاقة التجارية والعسكرية بين سوريا وروسيا عائقاً أمام رفع ما تبقى من عقوبات؛ «لأن الإدارة الأميركية نفسها منحت استثناءات لتصدير النفط الروسي».

في هذه الأثناء، تسود الأوساط السورية عموماً حالة من الإحباط بعد موجة من التفاؤل أثار الرفع الجزئي للعقوبات، ورغم مرور عام على ذلك إلا أن الواقع الاقتصادي ما زال بعيداً عن التعافي الفعلي، كما أن الأثر المباشر على حياة الناس محدود جداً. بحسب أستاذ الاقتصاد زياد عربش، وذلك بسبب عوامل معقدة، منها أن العقوبات المتبقية تمنع المصارف والشركات الغربية من الانخراط بحرية في السوق السورية. والولايات المتحدة والدول الأوروبية لن تصل إلى الرفع الكامل للعقوبات إلا مع تنفيذ القرار 2254، وتحسين ملف حقوق الإنسان، وضمان عودة آمنة للاجئين. وبالإضافة إلى أن إلغاء قانون قيصر بشكل كامل يتطلب موافقة الكونغرس الأميركي، وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً، وتواجه عراقيل سياسية.

تدعيم أحد الجسور المؤقتة على نهر الفرات شرق سوريا لصعوبة بناء جسور جديدة (محافظة دير الزور)

وبحسب عربش، «حتى لو رُفعت العقوبات تماماً اليوم، فإن الآثار الإيجابية (مثل تدفق الاستثمارات) تحتاج إلى أشهر أو سنوات لتظهر على أرض الواقع»، مشيراً إلى قلق دولي من أن أي مساعدات أو استثمارات «قد تمول الفساد ما لم تكن هناك آليات شفافة تضمن وصولها إلى الشعب السوري».

ومن العوامل المؤثرة أيضاً، الانقسام الداخلي؛ إذ لا تزال هناك مناطق خارج سيطرة الدولة المركزية؛ ما يعوق تطبيق أي قرارات اقتصادية موحدة. يضاف إلى كل تلك العوامل وجود معارضة إقليمية «إسرائيلية» لرفع العقوبات.